رواية دمعات قلب الفصل السادس بقلم رباب فؤاد
ظلت(هالة) على موقفها الرافض للزواج بشكل عام, ومن شقيق زوجها بصفة خاصة, وبدا أنها ستنتصر وأن 'حضرة العمدة' قد اقتنع بوجهة نظرها.
ولكن جاءت اللحظة الحاسمة التي كانت تخشاها، واضطرت إلى الذهاب إلى مصلحة حكومية لإنهاء بعض الأوراق لتحويل معاشها ومعاش أبنائها إلى البنك بدلاً من وزارة التأمينات.
يومها تنقلت من مكتب إلى مكتب ومن طابق إلى طابق ومن موظف إلى موظف حتى أوشكت على الانهيار...
وحينها، حينها فقط استسلمت وأخرجت هاتفها المحمول من حقيبتها لتتصل ب(طارق) بصوت مختنق تطلب منه المساعدة.
والشيء الغريب أن مجرد وجود (طارق) إلى جانبها في هذا اليوم منحها نوعاً من الثقة في وجه الموظفين الذين يتعاملون ببرود اكتسبوه من طول تعاملهم مع الجمهور.
ولكن ظلت غصة ما تخنقها كلما نظرت إليه ووجدته يتعامل بابتسامة واثقة مع الجميع وروح مرحة أجبرتهم على إنهاء ما يريده من أوراق في وقت قياسي.
غصة مبعثها شعورها بخسارة الرهان...رهانها مع نفسها ضد الجميع.
وحينما أنهى (طارق) الأوراق صحب (هالة) إلى سيارته، وما أن جلس هو خلف المقود حتى فوجئ بدموعها تغرق وجهها فهتف بها في قلق ـ"(هالة)...ماذا بك؟ لماذا تبكين"؟
لم تستطع الإجابة، وإن ازداد انهمار دموعها وازداد قلقه معها فتابع ـ"(هالة) لا توتري أعصابي...ماذا حدث؟ هل ضايقك أحد الموظفين؟ أدري أنهم يتعاملون ببرود ولكن...".
قاطعته حينما وجدت صوتها أخيراً، وقالت بانكسار يعكس شعورها بالهزيمة ـ"(طارق)...أنا موافقة على الزواج".
قالتها دون أن تنظر إلى عينيه، ودون أن تستمع إلى ما قاله بعدها...
فما كانت تشعر به وقتها هو أنها وقعت للتو شهادة وفاة حريتها بعيداً عن أبناء الحاج حفني، وأنها عادت بقدميها إلى هذه الأسرة.
وبعد مرور أول ذكرى سنوية لوفاة زوجها, عقد(طارق) قرانه عليها وانتقل ليقيم معها ومع أبنائها.
ولدهشتها فقد كانت سعادة الأولاد بوجود عمهم معهم لا توصف, حتى أنهم وافقوا مرغمين على النوم بعد منتصف الليل كي لا يتركوه.
وحين تبعته إلى غرفتهما وجدته واقفاً أمام الشرفة يحدق في هدوء ليل الشتاء صامتاً فتنحنحت قائلة في حرج ـ"أي من جانبي الفراش تفضل؟"
استدار إليها في هدوء وهو ينقل بصره بين وجهها والفراش في بطء قبل أن يسألهاـ"على أي جانب تنامين؟"
مطت شفتيها قائلةـ" الأيمن, لكن لو..."
قاطعها بإشارة من يده قائلاً بلا مبالاة ـ" سأنام على الجانب الآخر إذاً."
ثم تابع بنفس اللامبالاة قائلاًـ" يمكنك النوم الآن لو أردت, فأنت ترهقين نفسك كثيراً في المدرسة والبيت, وسأقف قليلاً في الشرفة إذا لم يكن لديك مانع."
هزت كتفيها قائلةـ" كلا, ليس لدي أي مانع, فقط تأكد من ثقل ملابسك, فالجو يزداد برودة في المساء."
أومأ برأسه في صمت قبل أن يدلف إلى الشرفة ويغلقها خلفه تاركاً(هالة) وحيدة في غرفتها التي ملأها الهواء البارد لحظة أن فتح(طارق) زجاج الشرفة.
قاومت(هالة) شعورها بالاختناق وجلست على طرف الفراش وقبضة باردة تعتصر قلبها, لقد صدق حدسها, لقد وافق مرغماً مثلها تماماً, فقط كي يرضي أبيه وكي يعتني بأبناء أخيه.
وللحظة غالبها شعور صبياني بالضيق لأنها لم تخبره بسخرية أن شقيقه لم يضع جانبه على هذا الفراش, فعضت على شفتيها في غيظ, ثم ما لبثت أن هزت رأسها وتنهدت في عمق قبل أن تتمدد على فراشها وتتدثر بالغطاء متظاهرة بالنوم.
أما(طارق) فظل واقفاً في الشرفة يدخن السيجارة تلو الأخرى حتى شعر بشفتيه ترتجفان من البرد حول مبسم السيجارة الرابعة أو الخامسة فألقى نظرة سريعة على ساعة يده ليجدها تجاوزت الثانية صباحاً.
كانت لسعة البرد شديدة وجسده بأكمله تقريباً يرتجف إلا أنه كان عاجزاً عن تصور فكرة مبيته مع(هالة) في غرفة واحدة, ناهيك عن نفس الفراش.
إنه لم يعتد رفض أي أمر من أبيه وهو ما جعله يشعر دوماً بالسلبية. حتى حينما حاول الاعتراض هذه المرة وقف لسانه عاجزاً ولم يجرؤ على النطق, وهذا ما عدّه والده موافقة ضمنية.
إنه يحب والده كثيراً ويدرك جيداً حالته الصحية والنفسية منذ وفاة ابنه البكر, وأنه أصبح أمله الوحيد وأي خلاف ينشأ بينهما قد يودي بحياة الأب. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي لعدم اعتراضه على الزواج من(هالة).
السبب الآخر هو أبناء أخيه الذين يعشقهم كم لو كانوا أبنائه من صلبه, فهو يدرك مشاعرهم بافتقاد الأب, هو نفسه عانى_وهو الرجل_ حينما توفيت أمه وهو طالب بكلية الطب.
ولكن كل هذا لا يبرر هجره لأحلامه في أن تكون له زوجة خاصة به وحده تعيش معه في بيته الذي جهزه بكل ما يحباه سوياً.
هنا سيشعر بخيال(حازم) في كل ركن, رغم ثقته بأن شقيقه لم يسكن الشقة يوماً, ولكن كل أرجاء الشقة تذكره بالراحل.
إنه لا يطمع في أن يحتل مكان شقيقه في منزله، ولا أن يفرض نفسه على (هالة), ففي هذه النقطة بالذات يجب أن تكون له شخصيته المستقلة.
كل ما يستطيع فعله هو أن يحتوي أبناء أخيه بحنانه و بإمكانه إبقاء هذا الزواج بشكل صوري يتيح له دخول المنزل دون إثارة الأقاويل وفي الوقت ذاته يرفع عنه وعن(هالة) الحرج.
تنهد عند هذا الحد وارتجافة جسده تتزايد فاستدار في بطء يراقب(هالة) من وراء الزجاج ليتأكد من استغراقها في النوم قبل أن يعود للغرفة في خفة ويغلق بابها خلفه في هدوء.
و كانت أطول ليلة في حياتيهما.
فقد ظلت(هالة) تتظاهر بالنوم حتى قرب آذان الفجر عندما غفت عيناها أخيراً.
أما هو فلم يحاول التظاهر بالنوم, بل ظل جالساً يحدق في ظلام الغرفة سانداً رأسه إلى ظهر الفراش وذراعاه معقودان أمام صدره, وبين الحين والأخر يراقب xxxxب ساعته التي بدت كسلحفاة تمشي الهوينى.
وأخيراً بزغ الضياء معلناً بدء يوم جديد.
ومع ذلك لم يطرف جفنا(طارق) طلباً للنوم.
وقبل أن تعلن ساعته تمام الثامنة كانت(هالة) تفتح عينيها في كسل وعلى وجهها أجمل ابتسامة, فقد كانت عادة لديها أن تستقبل الصباح الجديد بابتسامة, ويبدو أنها فعلت ذلك متوقعة ألا يراها أحد.
لكن(طارق) رآها وبادرها بقوله ـ"صباح الخير."
لحظتها شعرت بأن هذه الابتسامة لا مكان لها, أو أن هذا ليس هو الوقت المناسب أو...
هي نفسها لا تدري لم نضت الابتسامة عن وجهها وهي ترد في هدوء ـ"صباح الخير."
ربما ظنت أن ابتسامتها تلك تعني موافقتها على الزواج, أو موافقتها على ما فعله معها, ولكنها...
قطع انسياب أفكارها صوت(طارق) الودود يقول ـ"لم أرد إيقاظك لعلمي بأنك مرهقة, لقد استيقظت قبلك بقليل."
نهضت من الفراش في سرعة وهي تغمغم في سخرية ـ"وهل نمت من الأساس؟ لقد ظللت جالساً حتى الفجر, وربما حتى الآن."
شعر بحرج بالغ وهو يسمعها, إذاً فهي الأخرى لم تنم إلا متأخراً وبالتالي أدركت أنه لم ينم و...
قطع صوتها إحراجه وهي تتابع بهدوء ـ"بعض الناس لا يتكيفون سريعاً مع تغيير فراشهم."
بدت عبارتها وكأنها طوق النجاة من الحرج الذي يكتنفه فأسرع يقول موافقاًـ"بالفعل هذا ما حدث."
ارتسمت ابتسامة ساخرة أخرى على شفتيها تؤكد عدم تصديقها له قبل أن تسأله بهدوءـ"ما هي الأطعمة التي تحب تناولها في كل وجبة كي أعدها لك؟"
ارتفع حاجباه في دهشة قبل أن يقول ـ"لاشيء محدد, فأنا أحب كل شيء. سآكل مما تأكلون منه."
هزت رأسها وهي تتجه نحو الباب قائلةـ"حسناً, سأذهب لأعد الإفطار."
استوقفها وهو ينهض مسرعاً من الفراش قائلاًـ"ريثما تعدين الإفطار, أيكون الأولاد مستيقظين الآن؟"
ألقت نظرة سريعة على الساعة المجاورة للفراش قبل أن تقول ـ"عادة ينامون لما بعد الآن يوم الجمعة, ولكن مع وجودك فلا أشك في أنهم استيقظوا في ميعاد المدرسة."
وقد كان حدسها صحيحاً, فـ(هيثم) و(هاني) كانا منهمكين في ألعاب الفيديو, إلا أنهما هرعا إلى عمهما بمجرد أن سمعا صوته وارتميا بين ذراعيه في حب حقيقي بادلهما إياه(طارق) حين احتضنهما بحنان أبوي دافق وقبّل رأسيهما بحب قائلاًـ"صباح الخير يا أحبائي. أين(هند)؟"
انبرى(هاني)يقول في سرعةـ"الحمد لله أنها ما زالت نائمة. لقد ظلت تبكي طوال الليل وجدتي تحاول إسكاتها دون جدوى حتى نامت أخيراً في الفجر."
وتابع وهو يغوص في أحضان عمه قائلاًـ"هذا أفضل كي أحظى بنصيبها من العناق."
ابتسم(طارق) في حنان وهو يداعب شعر(هاني) قائلاًـ"لا تخف, نصيبك من العناق محفوظ تماماً."
تابعت(هالة) بعينيها حوار طفليها الباسم مع عمهما الذي عاد إلى شخصيته الطبيعية دون تحفظ وملأت الابتسامة وجهه الوسيم.
وفي هدوء اتجهت إلى المطبخ لتعد الإفطار مع أمها التي رمقتها بنظرة تعرف(هالة) معناها جيداً فقالت لتجيب عن نظراتها المتسائلة ـ"لقد ظل يدخن في الشرفة حتى الثانية صباحاً ولم ينم حتى الآن."
ولم تزد عن ذلك رغم الدهشة التي ارتسمت على ملامح أمها.
وعلى مائدة الإفطار اقترح(طارق) أن يخرجوا جميعاً في نزهة خلوية, وبدا الاقتراح مناسباً جداً للطفلين اللذين صاحا في سعادة معلنين موافقتهما.
أما(هالة) فبدت متحفظة قليلاً للخروج معه إلى العالم في ثاني أيام زواجهما مباشرة, إلا أنه قال وابتسامته تضيء وجهه ـ"أنا رجل ديمقراطي, سنأخذ بالأصوات. أنا و(هيثم) و(هاني)و(هند) نوافق على الخروج سوياً. بقى أنت وأمي,إذاً نحن أغلبية وستأتون معنا شئتم أم أبيتم."
ويبدو أن لهجته راقت لـ(هيثم)و(هاني) فقد طفقا يصفقان ويضحكان في جذل شاركتهم فيه شقيقتهم الصغرى رغم أنها لا تفهم شيئاً.
ومر اليوم الثاني بسلام.
