رواية دمعات قلب الفصل السابع بقلم رباب فؤاد
جلس (طارق) في مكتبه بالمستشفى ساهماً وهو يدق بطرف قلمه على سطح المكتب بشرود، ولم ينتبه لدخول فاتنة ممشوقة القوام في أواخر العشرينات، ذات شعر بني ناعم يصل إلى منتصف ظهرها وعينين عسليتين ناعمتين وشفتين رقيقتين تختفيان خلف طلاء وردي لامع، وعلى محياها الرقيق ارتسمت ملامح متباينة وهي تتأمل شروده قبل أن تحاول أن تبث قدراً من السخرية في صوتها وهي تقول ـ"ما للعريس شارداً؟ أتفكر في العروس؟"
انتفض (طارق) للحظة وهو يخرج عن شروده وينظر إليها بعينين خاويتين، قبل أن تتحول نظرته إلى نظرة تحمل حنان العالم وهو يهمس ـ"(سمر)؟"
اقتربت (سمر) لتجلس على المقعد المواجه لمكتبه وتلتقط القلم من بين أصابعه في دلال وهي تمط شفتيها قائلة ـ"أجل (سمر) التي نسيتها بسبب عروسك".
قاوم رغبة ملحة اجتاحته في أن يحتضن كفيها وهو يلتقط نفساً عميقاً ويحتويها بعينيه قائلاً بصدق ـ"بل (سمر) التي أتنفسها، ولا يمكن أن أتخيل حياتي بدونها".
تخضب وجهها حياءً وهي تخفض عينيها أرضاً للحظات قبل أن ترفعهما إليه ثانية وهي تقول بضيق مصطنع ـ"بدليل أنك لم تكلمني طيلة اليومين الماضيين".
منحها ابتسامة حانية وهو يقول ـ"لكن صورتك لم تفارق مخيلتي لحظة...لقد أوحشتني".
داعبت أصابعه بطرف القلم وهي تسأله في غيرة واضحة ـ"فيم كنت تفكر؟ إنك لم تجب سؤالي".
تأمل عينيها الجميلتين وتاه فيهما للحظات قبل أن يجيبها بحب ـ"من غيرك أفكر فيه؟"
مطت شفتيها بعدم اقتناع وهي تقول ـ"ربما كنت تفكر بعروسك".
ضحك من غيرتها وهو يقول ـ"(سمر)...كيف تغارين وأنت صاحبة الفكرة؟ ألم تشجعيني على الزواج منها من أجل الأطفال؟"
هزت كتفيها وهي تقول بضيق ـ"نعم شجعتك، وألوم نفسي ألف مرة على هذا الاقتراح...فهي أكيد جميلة وشابة و...".
قاطعها بضحكة ثانية وهو يقول ـ"ولكنني لا أرى غيرك...أنت فقط ملكت قلبي".
قالت في عناد طفولي ـ"لا تنكر أنها جميلة، وأنها كفيلة بإدارة الرؤوس".
تأملها بعينين ضاحكتين وهو يقول ـ"الأنثى هي الأنثى مهما درست وارتقت في المناصب...قلت لك أنني لا أرى غيرك...كما أن (هالة) و(حازم) رحمه الله كانا متحابين، ولن تسمح لرجل آخر بأن يحل محله في قلبها. ولا تنسي أن (هالة) مجبرة على هذه الزيجة مثلي تماماً. ألم أخبرك أنها أبلغتني بموافقتها على الزواج وهي تبكي؟".
سألته في شك ـ"وهل لا تزال على موقفها الرافض للزيجة؟"
اقترب بوجهه منها عبر المكتب وهو يهمس ـ"أيكفيك أنها لا تزال ترتدي حجابها كاملاً أمامي؟"
برقت عيناها للحظات قبل أن تباغته بالسؤال ـ"ومتى تنوي إذاً إخبار والدك بشأننا؟"
منحها ابتسامة واسعة وهو يقول ـ"انتظري شهراً أو شهرين...حينها سأخبر والدي أنني لا أرى (هالة) سوى كأختي، وأنني تزوجتها لإرضائه فقط، وأطلب منه أن أتزوج من اختارها قلبي".
عاد الشك إلى صوتها وهي تسأله بترقب ـ"أتظن أنه سيوافق؟"
لاحت نظرة قلق في عينيه لجزء من الثانية قبل أن يحاول ضخ أكبر قدر من الثقة في صوته وهو يقول ـ"ما دمت حققت له طلبه بالزواج من (هالة) والاهتمام بأبناء (حازم) رحمه الله، فلا أظنه سيمانع".
ثم تابع في سرعة وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع (سمر) قائلاً ـ"أعتقد أن أبي لم يكن ليمانع زواجنا إذا أخبرته قبل وفاة (حازم) رحمه الله، ولكنه قدرنا أن يأتينا نبأ وفاته في نفس اليوم الذي قررت فيه الحديث مع أبي بشأنك".
تنهدت في عمق ولاح الضيق للحظات في عينيها قبل أن تسأله بتردد ـ"(طارق)...هل يعلم أي من زملائنا أو أصدقائك بزواجك من (هالة)؟"
هز رأسه نفياً فتابعت ببطء ـ"ولا حتى (سامي)؟"
ابتسم ليطمئنها قائلاً ـ"ولا حتى (سامي) صديقي الوحيد".
حركت أصابعها بقلق قائلة ـ"ولكنه من نفس قريتكم...إذا لم يعرف منك بأمر زواجك قد يعرف إذا سافر إلى القرية..وحينها...".
قاطعها بهدوء قائلاً ـ"لا تخشين شيئاً...(سامي) لم يعد يسافر إلى القرية منذ وفاة والديه، وجميع إخوته يقيمون في المدينة وتقريباً قطعوا صلتهم بالقرية...وحتى إذا علم بزواجي من (هالة)، فالغرض من الزيجة معروف، وأنا لم أٌقم احتفالاً ولم أدعه لحضوره كي يتضايق..إنه زواج صوري لا يعلمه إلا المقربين. أما حينما نتزوج أنا وأنت، فلابد وأن أعلن زواجنا أمام الجميع".
هزت كتفيها قائلة برقة ـ"إذا كان الأمر كذلك، فأنت أدرى يا حبيبي".
أغلق عينيه باستمتاع وهو يردد ـ"حبيبي...يالها من كلمة...أعيديها على مسامعي ثانية".
تخضب وجهها خجلاً وهي تقول بدلال ـ"لا تعتد على ذلك...حينما أصبح زوجتك ستمل من سماعها...أما الآن فهي ليست من حقك أو حقي".
عض شفتيه وهو يهمس بحب ـ"هل سأنتظر حتى زواجنا؟ على الأقل أطربي سمعي بكلماتك الرقيقة حتى تروي ظمأ قلبي قليلاً".
ضحكت في خجل وهي تستدير لتغادر مكتبه قائلة ـ"عجل بزواجنا إذاً حتى لا يطول ظمأك".
وخرجت كما الفراشة الرقيقة، ليعود وحيداً يداعب قلمه بنفس الشرود.
