رواية دمعات قلب الفصل الثامن8 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الثامن بقلم رباب فؤاد

انهمكت(هالة) في تصحيح اختبارات تلاميذها حتى أنها لم تنتبه لـ(طارق) الذي اقترب منها وجلس قبالتها يراقبها في هدوء قبل أن يتنحنح ليلفت انتباهها إليه, ولقد نجح في ذلك, إذ أنها رفعت رأسها إليه في تساؤل شجعه ليقول بهدوءـ"(هالة)...كنت أريد التحدث معك بأمر هام."

عقدت حاجبيها للحظة قبل أن تخلع نظارتها الطبية الرقيقة لتقول بابتسامة هادئةـ"خيراً إن شاء الله."

تنحنح ثانية واعتدل في جلسته قبل أن يقول ـ"لقد طرأ الموضوع على عقلي فجأة وأردت أن أحادثك بخصوصه...إنه عملك."

عقدت حاجبيها طويلاً هذه المرة وهي تقول في حيرةـ"عملي؟ ماذا به؟"

قال بنفس الهدوءـ"لاشيء, لقد لاحظت أنك ترهقين نفسك في العمل بالمدرسة دون داع."

شبكت أصابع كفيها قائلةـ"بدون داع؟ وما الداعي المقنع في نظرك؟"

هز كتفيه قائلاً في ثقةـ"أن تكوني بحاجة إلى المال وهو ما ليس متوافراً في حالتك."

رمقته بنظرة طويلة قبل أن تقول بثقة هي الأخرىـ"على العكس تماماً, فكما أخبرت والدك من قبل, فأنا أعمل ليساعد راتبي مع معاش(حازم) رحمه الله في تربية أبنائي لأنني لا أنوي أن أنفق عليهم من مدخرات والدهم."

أومأ برأسه قائلاً ـ"أعلم هذا, ولكنك الآن متزوجة مني وأنا ملزم بالإنفاق عليك وعلى أبنائك."

تابعت وكأنها لم تسمعه ـ"وإذا لم تكن لاحظت, فزواجي منك اقتطع نصيبي من معاش(حازم) وبالتالي فراتبي سيعوض هذا النقص إلى حد ما."

قال بإصرارـ"قلت لك أنني ملزم بالإنفاق علي..."

قاطعته قائلةـ"على أبناء أخيك لأنهم من دمك أما أنا فلا."

هتف بها في حنق ـ"أنت زوجتي."

ارتدت نظارتها بهدوء وهي تقول بلامبالاة ـ"حقاً؟!"

احتقن وجهه في شدة قبل أن يضغط فكيه في غيظ وينهض تاركاً الغرفة لها في غضب واضح.

ولثوان حاولت(هالة)التركيز في عملها إلا أنها فشلت فعادت تخلع نظارتها في عصبية وذكرى مزعجة تطاردها.
تذكرت موقفاً مشابهاً قبل أكثر من عشر سنوات.
موقفاً تعرضت له مع زوجها السابق...شقيقه.

حينها كانت لا تزال عروساً لم يمض على زفافها سوى شهر أو يزيد، وكانت علاقتها بجارتها (نهى) قد توطدت كثيراً بحكم أن كلتيهما وحيدة.
كانت (هالة) تقضي أغلب وقتها في صحبة (نهى) التي لم تكن أنجبت ابنها البكر (عبد الله) بعد.
ولكن مع اقتراب العام الدراسي، انتبهت (هالة) إلى أن صديقتها ستعود إلى عملها في تدريس اللغة الإنجليزية للأطفال في مدرسة مجاورة، وحينها ستعود هي إلى الجلوس وحيدة دون أنيس.
وحينما عرضت (نهى) عليها العمل معها في المدرسة التي تحتاج إلى معلمات جدد، كادت (هالة) تطير من السعادة.
فقد أتتها الفرصة التي كانت تحلم بها...
أن تهرب من الفراغ القاتل الذي يحيطها في غياب زوجها وانشغال رفيقتها الجديدة.
ولأنها لم تكن تعلم بطباع زوجها جيداً...فقد توقعت منه ترحيباً وموافقة فورية على اقتراح العمل، خاصة وأن المدرسة كانت قريبة للغاية من المنزل.
لكنها فوجئت بوجه غريب تراه لأول مرة...
فقد رمقها بنظرة حادة قبل أن يشيح بوجهه بعيداً ويتظاهر بقراءة الجريدة قائلاً بجفاف ـ"انسي هذا الموضوع...فزوجتي لا تعمل".
أدهشها رد فعله وألجم لسانها للحظات قبل أن تقترب منه بوجهها وتلمس ذراعه بدلال قائلة ـ"حبيبي أرجوك...الملل يقتلني في غيابك..وبعد قليل ستعود (نهى) إلى عملها وأعود أنا إلى الفراغ الرهيب وحدي...و..".
قاطعها وهو لا يزال يقرأ الجريدة قائلاً ـ"قلت انسي هذا الموضوع...فأنا لا أتراجع في رأيي".
لم يثنها تجاهله عن محاولة استعطافه ثانية فتابعت بدلال أكثر ـ"حبيبي أنا خريجة كلية التربية، والمدرسة المجاورة بحاجة إلى معلمات جدد، و(نهى)...".
قاطعها بغضب هادر هذه المرة وهو يلتفت إليها ويلقي الجريدة على طول ذراعه هاتفاً ـ"يووووووه (نهى)... (نهى) الله يخر...".
قطع كلمته التي خرجت رغماً عنه وزفر في عمق قبل أن يستغفر ربه ويقول من بين أسنانه ـ" قلت إنني لا أتراجع في رأيي، ولا أحب أن أقول الكلمة مرتين. أنا لا أحب أن تعمل زوجتي خارج المنزل لأنني لا أقبل أن يُقال إنني أتركها تعمل لأقبض راتبها".
اتسعت عيناها في ذهول واستنكار وهي تستمع إليه وترى عصبيته الشديدة ومفهومه عن عمل المرأة، وقبل أن تفتح فمها للاعتراض تابع هو موضحاً ـ" ولا تقارني بين وضعنا ووضع (عمر) وزوجته...فهو مسؤول عن تزويج شقيقاته وعن إعالتهن بعد وفاة والده، ولهذا سمح لزوجته بالعمل حتى تساعده قليلاً في ترتيب حياتهما الخاصة. أما أنا فأعمل هنا لنفسي وحياتي، ويكفيني ما أجنيه من عملي".
اغرورقت عيناها بدموع الصدمة من عصبيته وهي تقول بصوت مختنق ـ"ولكنك لم تجهز شقتنا في مصر حتى الآن".
منحها ابتسامة ساخرة وهو يقول بتهكم ـ"وهل تعتقدين أنني سأتركك تعملين حتى يُقال أن زوجتي ساهمت في شراء الشقة؟ أنا لم أشتر شقة وأجهزها لأنني لم أستقر على مكان إقامتنا حتى الآن...كنت في انتظار معرفة رأي زوجتي وأين تحب أن تسكن".
قاومت دموعها التي أثرت على صوتها فخرج متهدجاً وهي تقول ـ"أنا لا أريد العمل لأنني بحاجة إلى المال...أريد أن أعمل كي أثبت ذاتي...كي أفيد الآخرين مما تعلمته...كي..".
قاطعها في سخرية قائلاً ـ"اسمعيني جيداً...أنا رجل شرقي، ولا أحب أن تُثار الأقاويل عني أو عن زوجتي لأي سبب. وكيلا أطيل عليك، فأنا لا أقتنع بالثرثرة التافهة عن حقوق المرأة وعمل المرأة ومجلس المرأة".
ثم تابع قائلاً بنظرة تجسد معنى اسمه ـ"فحقوق المرأة عندي محفوظة لدى زوجها، وعملها هو الاهتمام به وبأبنائه".
عجزت عن كبت دموعها التي تمردت واندفعت تغرق وجنتيها دون قصد، وقد تحطم حلمها على صخرة أفكاره المتشددة.
ورغم ذلك استجمعت شجاعتها وهي تراقبه يستعيد الجريدة ويرتب أوراقها المبعثرة وتقول في حيرة ـ"من هؤلاء الذين تخشى من أقاويلهم علينا؟ من هؤلاء الذين تهتم بهم أكثر مني؟"
لم يجبها بشكل مباشر وإنما قال بلهجة من أنهى الحديث ـ"(هالة)...أنا رجل البيت وكلمتي هي الأولى والأخيرة، ولا أريد مزيداً من المناقشة. وإذا أردت الهروب من الملل فأنجبي طفلاً. وقتها لن تجدي أي وقت فراغ".

عادت من ذكرياتها القديمة إلى أرض الواقع وهي تشعر بغصة مؤلمة في حلقها لم تهدأ حتى أفرجت مقلتيها عن دمعتين ساخنتين وهي تقارن في عقلها بين موقف (حازم) رحمه الله وموقف (طارق) قبل لحظات.

يا إلهي...إلى هذا الحد يختلفان وكأنهما نقيضان كالليل والنهار؟
فالاختلاف لا يقتصر على الشكل الخارجي فقط، وإنما يتعداه إلى الأسلوب أيضاً.

ولوهلة تخيلت (طارق) ثائراً مثل شقيقه ويتحدث بنفس الصرامة والحزم، ولكنها ابتسمت رغماً عنها لأنها موقنة أن الصرامة و(طارق) لا يجتمعان. 

وفي هدوء، مسحت دمعتيها عن وجهها ووضعت النظارة من يدها فوق أوراق الإختبارات، قبل أن تنهض وتخرج من الغرفة لتبحث عنه في أرجاء الشقة حتى وجدته في شرفة غرفتهما واقفاً يدخن في عصبية فاقتربت منه في هدوء قائلةـ"أتدخن هكذا كلما كنت عصبياً؟"

التفت إليها في حدة للحظات قبل أن يعود بوجهه إلى حيث كان ينظر؛ فمطت(هالة)شفتيها قبل أن تقول ـ"ألا تعلم أن التدخين ضار جداً بالصحة؟!"

نفث دخان سيجارته في قوة أشعرتها بمدى ضيقه فقالت بخفوت ـ"أنا آسفة, لم أستطع توضيح وجهة نظري بالطريقة الصحيحة."

قال بسخرية و وجهه مازال معلقاً بالأفق ـ"حقاً؟! أهناك ما هو أوضح مما قلتِ؟"

تنهدت في عمق قبل أن تقول ـ"(طارق)...الطريق لا يزال طويلاً ونحن مازلنا في بدايته. يجب أن نحتمل بعضنا البعض كي تسير بنا الحياة. أعلم أن كلينا يشعر في قرارة نفسه بأنه مجبر على هذه الحياة بشكل أو بآخر. ونظراً لأننا لم نعتد هذه الحياة بعد فسيحدث بيننا العديد من الصدامات في البداية والتي أرجو أن تختفي فوراً من حياتنا. الغرض الأساسي من زيجتنا هذه هو تربية أبنائي وأثق تماماً في أنني لن أجد لهم أباً أفضل منك. وفي الوقت نفسه, أرجوك لا تضغط علي في قبول أي شيء خاصة مسألة الإنفاق هذه حتى أعتاد على هذه الأمور."

ألقى بما تبقى من سيجارته بعيداً وهو يستدير إليها قائلا ًـ"وحتى تعتادي الأمور, هل سيظل شعرك مغطى بالحجاب كما لو كنت رجلاً غريباً عنك؟"

تصاعدت الدماء سريعة إلى وجهها وهي لا تدري أهي دماء الخجل أم الحرج قبل أن تقول في ارتباك لتغير الموضوع ـ"لقد نسيت وأنا أوضح وجهة نظري أن أخبرك بأهم سبب لعملي."

سألها في هدوء ـ"وما هو؟"

ازدردت لعاباً وهمياً وهي تكرر ما قالته يوماً لشقيقه ـ"أنا أعمل كي أثبت ذاتي, وكي أستفيد من دراستي الماضية, ولكنني إذا شعرت بتعارض عملي مع واجباتي الأسرية سأتفرغ لبيتي فوراً."

منحها ابتسامة صافية شجعتها على أن تواصل قائلة ـ"أعدك بذلك مقابل أن تعدني بالتوقف عن التدخين."

فوجيء بمطلبها واضطر أن يقول بارتباك ـ"أنا أدخن فقط حين أشعر بالضيق والتوتر أو أكون عصبياً."

قالت بإصرار ـ"عدني."

رفع كتفيه في استسلام قائلا ًـ"أمري لله...أعدك."

تعليقات