رواية لعنة آل جعران الفصل الرابع عشر
شعر بالأرض تهتز من تحته و عمودٌ رخامىٌ يسقط أمامه و آخر من جانبه
ودخانٌ كثيف أحمر اللون ينتشر فى الأجواء و كلما مر على أحدهم سعل كأنما يصارع الموت
و هو يركض كالمجذوب بين الناس يحاول دفعهم و لكنهم لا يتزحزحون
حاوطه الدخان من كل مكانٍ فكتم أنفاسه و عاد يبحث عن أمارا ليُبعدها عن المكان ففى النهاية هى تحت مسؤليته و سيُسأل عنها و لكن رؤيتها تمشى تعرج بين الناس والدخان حولها أثار ريبته
نظر إليها بريبة ، هناك شئٌ ما مختلفٌ بها بغض النظر عن مشيتها المريبة و حركاتها و لونها التى تبدو كالمسوخ ،
حسناً لا شئ يبدو طبيعياً بها على الإطلاق ،
إلتفتت إليه فجأةً و إلتقت عينيه بعينيها الباردتين الخاليتين من الحياة فسرت القشعريرة بجسده و شعر البرودة تسحق عظامه
هذه ليست أمارا بالتأكيد هناك خللٌ ما
تقدم جهتها بخطواتٍ بطيئة و عيناه لا ترى سواها و يده ممدودةً فى الهواء يحاول الوصول إليها بهدوء و هو يتمتم
" لا تقلقى أمارا أنا أتٍ إليكِ ، سآخذكِ إلى الطبيب لتعالجى سبب عرجك و لونك الشاحب "
هو يحاول تهدأتها و تهدأة نفسه من قبلها فمهما كان محارباً عظيماً فهو يحارب كان يفتك بأعدائه من البشر لكن خوارق الطبيعة ؟ هذه مرته الأولى بالتأكيد
إتسعت عينيه بصدمة عندما وجدها مقابلة له تماماً تفصلهما أقل من مسافة إصبع و تبتسم له ببطئٍ تكشف عن أسنانٍ صفراء حادة كريهة الرائحة و جحوظ عينيها يلعب على أعصابه
متى تحركت و متى أتت و ماذا تفعل حدث كل شئٍ بلمح البصر
أضاء عقله بومضاتٍ سريعةٍ متتابعة
" أىٍ من كنتِ ، أتركِ جسدها يا لعينة "
تبع حديثه الحاد لكمة قوية على صدغها لشدتها دفعتها بعيداً عنه
لكنه لحق بها و ظل يسدد لكماتٍ متتابعةٍ أدمت شفتيها و شوهت ملامح وجهها الجميل " سابقاً " و جعلته مزيجاً من الألوان
ضحكت بصخبٍ مفاجئ و صوتٍ به بحةٌ رجوليةٌ غليظة تغطى على البحة الأنثوية فيه
" موسى موسى موسى .... لا تأخذ الأمر شخصياً يا وسيم أنا فقط أبحث عن بعض المرح و الرفقة "
صوتها البشع وكلماتها صاحبة المعانى المختلفة جعلته يشعر بالإشمئزاز
رسم بسمة جانبيةً ساخرة
" مرح ورفقة ها ؟ لا تجعليننى أضحك
دعينا نعيد صياغة كلامك ، ف مثلاً أنا أبحث عن ضحايا لشئٍ ما و ربما المرح بإراقة الدماء أو الحصول على رفقة بعض المجرمين
لمَ أشعر بشئ مألوف بكِ ،
سأعرفه فى وقتٍ لاحق لا بأس "
وقفت بصعوبةٍ ونظرت لثوبها الجميل بحزن و نفضت عنه الأتربة العالقة به و تمتمت بخفوتٍ بكلماتٍ مبهمة جعلت ثابتاً مكانه لا يقوى على الحراك كأنما أصابه شللٌ فى سائر انحاء جسده
هو طويل القامة ، عريض المنكبين ، قام بصقل جسده بالتدريب المتواصل و المشاركة فى كل حربٍ و حملةٍ تأديبية و حتى أحياناً يكون هو المسؤل عن الأسرى ليتمرن فيهم ليصير صاحب الجسد الأصلب فى البلاد بأكملها ، و لسخرية القدر كل هذا ولم يصمد للحظةٍ واحدة أمام تعاويذ تلك الشمطاء
بينما إقتربت هى بعنجٍ مفرط من جهتها أما من جهته فيكاد يتقئ من التقزز لولا عجز جسده
" أنت محقٌ يا وسيم ، ولأنك صرتَ ذكياً و رفقتك كانت ممتعةً كذلك سأخبرك سراً صغيراً قبل أن آخذ روحك
أنا لا أبحث عن ضحايا و حسب أنا أبحث عن القوة ، الذكاء ، الخفة ، المهارة ، الشباب الأبدى كذلك ،
و لكى أحصل على ذلك للأسف ينبغى أنا أطعم صغارى الجوعى و هم يدللوننى
و أنا لست هنا من الأساس انما هو أحد صغارى آكلى الأرواح
ووضعت يديها على صدره جهة قلبه و هنا شعر بالنيران التى أضرمت فى صدره و للمرة الأولى يصرخ و يصرخ بكل ما يملك من قوةٍ تسحبها هى أو هو
بدأت رؤيته تضعف تدريجاً و كذا صوته و لكن الألم لا يقل بل يزاداد و قواه تخور و جسده يخونه وما أصعب خيانة الجسد خصوصا الصلب الذى اكتشف انه لم يكن صلباً بما يكفى ليصمد للحظات
و توقفت أنفاسه إستسلم للموت مُكرهاً شاعراً بالخزى و العار يلتصقان به إلى أبد الآبدين .
....................
مد قدمه يهز بها الراقد أمامه
" ولا ...
مازن ...
إنتا موت ولا إيه ياض ؟ "
تحامل على إصاباته المتعددة و نهض بصعوبة يجلس قرب أخيه الممتلئ بالجراح هو الآخر
صفعه بعنفٍ على خده
" قوم يا حيوان إنتا هتعمل فيها ميت بجد و لا إيه ، قوم يا عِجل "
تململ مازن فى رقدته بكسل قائلا بصوتٍ يظهر به آثر الإرهاق
" حد يصحى حد كدة ياض يا جاموسة إنتا ؟ "
نظر الشقيقان لبعضهما البعض لوهلة ثم إنفجرا من الضحك
- " فلتنا منيييييه "
" لا ياض هو اللى فلت مننا كنا هنعمله جزمة حريمى و نبيعه بالشئ الفلانى "
نظر إليه مازن بسخرية و حرك كتفه بعنجٍ مصطنع و بصوتٍ شديد الأنوثة أردف
" اه والنبى يا بيبى أصلى هموت على جزمة و شنطة جلد طبيعى و أهو بالمرة يفكرنى بشجاعتك يا دكررررى "
تشاركا الضحكات مجدداً
Flash back ...
- " أنا ورايا تِعبان صح ؟ "
" تعبان ؟ لا لا هو ... ه هووو.. مش تعبان اوى "
" يعنى ايه ؟ "
قالها و هو يحرك رأسه للخلف
و فى لحظةٍ فقط دوت صرخته العالية نسائيةً بإمتياز و ققز على شقيقه
مما جعل الماكث أمامهما يزمجر بفحيحٍ عليهما و يقترب بسرعةٍ جنونية.
جعلتهما يركضان بعشوائيةٍ فى عدة إتجاهات
جعلت الوحش
" احيه عليا و على شبابى الضايع يانى يامااااا ،
يا فريااااال تعالى شوفى بخت ابنك المايل يختييييى "
نغزه يزن فى جانبه بقوة و همس فى أذنه
" إثبت و إخرس يا عجل ، التعبان ده اعمى مش بيشوف ف خلينا نتسحب هناك من ورا
( و أشار إلى بقعة كثيفة من الأشجار العالية فى وسط الغابة خلفهما )
و أنا هشتته و أحصلك "
تمسك مازن بكف شقيقه وهو يسحبه للخلف رافضاً تركه
" وحياة امى و امك ما هيحصل ، رجلى على رجلك يابن امى و ابويا "
ربما كان الثعبان أعمىً بالفعل كما قال يزن لكنه ليس بالأصم ! صوت شجارهما الذى ظناه عبثاً بالهمس كان كفيلاً بلفت انتباهه لمكانهما
" يختيييييييي يخربيت امك "
صرخ يزن عالياً ودفع شقيقه بعيداً وركض عله يعطيه فرصةً للهرب
لم ينتظر الثعبان بل كان يدور حولهما و يقوم بحصرهما فى إطارٍ ضيق و هما يركضان بلا هدفٍ كالصيصان الخائفة
و فى لحظةٍ ضرب المسافة التى تفصلهما بذيله العملاق و لحسن الحظ كانت الضربة تبعد عنهما خطوةً فقط
و بدون تفكير عرفا ان هذا الوحش لا ينوى التحرك من المكان قبل أن يسحقهما بذيله الضخم خصوصاً أنه زأر بصوتٍ تقشعر له الأبدان وهو يضرب الأرض عشوائياً و يعتمد على صوت صراخهما لمحاولة إصطيادهما ،
الاحتكاك بالارض و صوت التنفس العال كذلك .
وقعت عينا يزن على جذع شجرة ضخم مُلقى تحت شجرة قريبة فأخذه بسرعةٍ يصد ضربة كادت تقع على رأس أخيه المتصنم مكانه منتظراً أن تزهق روحه
سحب مازن بسرعة وإختبئ به خلف شجرةٍ ضخمة و ركز بنظراته على وجهه المتصنم و عينيه الجاحظتين و وجهه الشاحب كالموتى ،
نظر إليه بعينين خاويتين و دفعه بقوةٍ غريبةٍ على مازن ذو الجسد الضئيل و ظل يدفعه مرةً تلو الأخرى نحو مكان الثعبان
أيحاول حقاً جعل نفسه و شقيقه ك وجبة للوحش !!!
" شكل الملعون نومه مغناطيسى ، هضطر أستعمل الطريقة الصعبة للأسف "
أخذ نفساً عميقاً ثم لطم مازن لطمةً جعلت رأسه يترنح قليلاً للخلف تبعها باخرى أسقطته أرضاً و قبل أن يتحرك ركله بقوةٍ دفعته للخلف مسافةٍ ليست بالهينة
ثم أخرج خنجراً فضياً مزخرف بزخارف حلزونية قاتمة و مقبضه الصغير يحوى زراً جانبياً عندما ضغط عليه جعل الزخارف الحلزونية تضئ و تطفئ ببطئٍ شديد و لكن كأنها تنبض
وضع نصل الخنجر على شفتيه وهو يتمتم بكلماتٍ يحفظها كظهر يده ثم كسر به إظفر إصبعه الوسطى من يده اليمنى ،
ثم جعل الدماء تنهمر عليه لتزداد النبضات به و جرح شقيقه بين حاجبيه جعلته يشهق كمن رُدت إليه روحه بعد غياب
بمجرد تأكده من إستفاقة مازن و عودته لوعيه و تشبث بذيل الثعبان بخنجره النابض وتشبثه بحراشيفه محاولاً الوصول رأسه
" يزن خلى بالك "
نظر بجانبه ليرى شعاعا حارقاً يوجه نحوه
أخفض رأسه ليتفاداه بالكاد
" يخربيت امك انتا بتطلع ليزر منين ! "
" مااااازن الحق بسرعة خد "
ألقى لمازن طبشوراً جيرياً أزرق اللون و قرر آسفاً زج أخيه بالمعركة ليساعده و إلا سيهلكان لا محالة
" مازن فتح مخك معايا "
ثم أخفض رأسه لئلا تصيبه ضربة عشوائية
" المهم ، عاوزك بالطباشيرة الزرقا اللى معاك ترسم نجمة سداسية و ت...
" قصدك بتاعة اليهود ؟"
" ياعم ارحم اهلى مش وقته ، اه هى نجمة داود السداسية ، المهم ارسمها ف دايرة و وعور كفك الشمال ابقى ردد اللى هقوله ورايا وانتا واقف ف النص ودمك ف مركز الزفت على دماغك
أمسك مازن بصخرة مدببة و تسلل وطعن بطن الثعبان به و صاح منفعلاً
" لا هرسم ولا هردد وراك خرا ، أنا مش هكفر على أخر الزمن و اموت كافر عشاناسمع كلام سعادتك ، أنا بردو بقول إنك مش مظبوط بقالك مدة "
قفز يزن من مكانه متشبثاً بشجرة قريبة و نزل منها و أخذ الطبشور من يزن بعنفٍ و قام برسم النجمة السداسية وجرح كف يده و تمتم بكلاماتٍ جعلت السماء تمتلئ بالغيوم السوداء البارقة ظلت تلاحق الثعبان الذى شعر بالخطر و حاول الفرار بحياته و لكن هيهات ف نزلت عليه صاعقةٌ من السماء أردته رماداً و لكن لسوء الحظ سببت إنفجاراً قذفت بكلٍ من مازن و يزن بعيداً غائبين عن الوعى
End Of Flash Back ...
سمعا صوت صراخٍ أُنثوى يطلب النجدة و لكن بلغةٍ يعرفونها تمام المعرفة
من بعيدٍ جاء رجلٌ ضخم الجثة يمسك بفتاة مقيدةٍ و يحملها على ظهره كجوال خضراوات و هى تصرخ طالبة النجدة
" إلحق دى مايا القبطان ! "
...................
