رواية لعنة آل جعران الفصل الخامس عشر
سمعا صوت صراخٍ أُنثوى عالٍ يحاول طلب النجدة و لكن بلغةٍ يعرفونها تمام المعرفة
" نزلنى يا عديييييم التربياااااااة ، يااا صفييييق ، يا ... يا صعلوووووووك ،إلحقوووونييييييييييي ، دماغى بتلف يا بنى آدميييين حد يجي بسرررررعااااااااة "
عم الهدوء للحظاتٍ ثم عاد النداء الصارخ مرةً أخرى أشد و لكنه كان مكتوماً بطريقةٍ ما
من بعيدٍ جاء رجلٌ ضخم الجثة يمسك بفتاة مقيدةٍ و يحملها على ظهره كجوال خضراوات و هى تصرخ بكل ما أوتيت من قوةٍ رغم تكميم فمها بعدةٍ طبقاتٍ واضحة و تضرب ظهره بيديها المقيدتين و ساقيها كذلك حتى خارت قواها و إستسلمت لمصيرها الموحش أياً كان
= " إلحق ياض دى مايا القبطان ! "
- " مايا مين ؟ و قبطان بحرية قصدك يعنى و لا إيه ؟ و بعدين وطى صوتك ياض لحسن العِجل ده يتعشى بينا ، مش شايف رابطها زى عرق اللحمة ازى ؟ شكله هيشويها ع الفحم "
قالها و هو يشير برأسه إلى الضخم الذى يحمل مايا
= " ياض مايا القبطان دكتورة مش قبطان بحرية يابو مخ مفوت ، و إيه اللى جاب سيرة عرق اللحمة دلواقتى ؟ يا يزن دى اللى لحقتنى ووديتنى المستشفى "
بالطبع لم ينسها يزن و بكن لا بأس ببعض العبث الأخوى المحبب لقلبه و الذى اشتاقه كثيراً
إبتسم بخبثٍ و طالعه بطرف عينه بينما يقوم بدراسة الوضع حولهما
- " إمممم الدكتورة القبطان اللى لحقتك .... اه قولتلى ، طيب ماشى يا حنين همشيها "
ناظر شقيقه بغباء و هو يراه يناظره بتسلية و يداه تعبثان بحقيبةٍ معلقة بخصره
= " تمشى ايه ؟ و بعدين بطل لت و تعالى نلحق الغلبانة المتشعلقة ف الحيطة دى "
أنهى حديثه تزامناً مع إمتداد يده و الإمساك بصخرة لها نصلٌ حادٌ كالسكين ،
بدأ يتسلل بين الأشجار و ينوى إنقاذ تلك المسكينة اللى مزق الصراخ حلقها و بدأت تفقد وعيها
و لم ينفذ ما ينوى بالطبع لأن يزن أنقذ الوضع عندما أخرج كيساً جلدياً صغيراً من حقيبته و أخرج منه حفنةً من التراب و نفخها فى وجه الضخم فقد توازنه فوراً ،
و من ثَم فقد وعيه تزامناً مع سقوطه و على صوت شخيره
أمسك مازن بخصر مايا قبل سقوطها مع الضخم و قام بتمديد جسدها على بقعة عشبية ناعمة تحت ظل شجرة موزٍ عملاقة و حرر قيود يديها وساقيها أمسك برسغها ليجد أن نبضات قلبها بطيئة نسبياً ، بالطبع إنخفض ضغط دمها من الطريقة التى كانت مقيدة و محمولةً بها بخلاف الإجهاد الواضح على هيئتها المبعثرة و حجابها الغير مهندم و الذى أظهر بعض خصلاتها الفحمية ،
قام ب إدخال خصلاتها داخل الحجاب الذى حاول هندمته قليلاً و ذهب يسعفها برفع ساقيها للأعلى و ذهب يبحث عن أى شئ يمكن أن يساعد ،
شعر بيد شقيقه توضع على كتفه و هو يناوله زجاجة بحجم عقلة الأصبع تفوح منها رائحةٌ نفاذةٌ بعض الشئ
" خد ده هيفوقها و يخليها تمام "
ناظر كفه الممدود بتردد من رائحتها المنفرة
" إنتا متأكد ؟ هنا مفيش إسعاف و البت شكلها مفرفر لوحدها مش عاوزنها تتكل "
ظهرت بسمةٌ جانبيةٌ صغيرة على شفتى يزن بسخرية
" إنجز يابو قلب نواعم ، عاوزين نلحق نخلع من هنا قبل ما جاموسة البحر ده يقوم "
أخذ من شقيقه الزجاجة بتوجس و هو يردد فى نفسه
" يا مُنجى من المهالك يارب "
...................
لحظة .... الثانية .... الثالثة
أخذ شهيقاً قوياً عالياً تبعه تنفسه بقوةٍ و فتح عينيه بصدمةٍ تزامناً مع صوت فتح الباب الكبير أمامه
" موسى أين بيشوى ؟ يفترض أن يصطحبنى إلى الحفل كما قال منذ قليل "
لوهلةٍ صُعقت بما قالت واضعةً يدها على ثغرها المفتوح بصدمةٍ من الوضع عامةً
ألم يتكرر هذا المشهد سابقاً بالفعل !!!
كانت تظن بنفسها الجنون حتى لاحظت نظراته المشدوهة و عينيه اللتان تكادان تخرجان من محجريهما ،
و بتلقائيةٍ شديدة مدت يدها تتحسس وجهه و أماكن إصاباته تتأكد من سلامته التى المتصنم من فعلتها
" موسى أأنت بخير ؟ ألم تمت ؟ "
أصدر صوتاً ساخراً من حنجرته و هو يدفع يدها بعنفٍ نسبى و يحادثها بفظاظةٍ ساخرة
" ألم أمت ؟ أأنتى مختلةٌ يا إمرأة ؟ أم أن أحلام اليقظة خاصتك لم تنتهى بعد ؟ "
إنكمش وجهها بنفورٍ من غلظته
" لا تدعى الغباء يا عقل البازلاء اللعين ، نظرات المتفاجئةُ و تنفسك السريع و بعمق كأنك تخشى أن ينفذ الهواء و عيناك الجاحظتان ، أنا أعلم تمام العلم أنك كنت معى بذلك الحلم ، إن حق تسميته بالحلم حتى "
أخذت نفساً عميقاً لتهدأ و هى تدرى أن بداخله معارك و صراعات مثلها تماماً
نظرت فى عينيه السوداوتان بعمق و مدت يمناها بالسلام
" موسى ، دعنا نعقد هدنةً مؤقتة ، أنت تدرى و أنا أدرى كذلك أننا بخضم أحداثٍ عظيمة لا قِبل لإحدنا به وحده ، لنذهب للملك كامُس و الحكيم آتون و نطمئن عليهما أولاً و على سلامتهما و من ثَم نحدثهما عما حدث ، أشعر بالوقت ينفذ ، أثق أن القدر لم يرمنى هنا عبثاً و أننى استطيع المساعدة بشكلٍ ما و أنتى هنا خصيصاً لذلك ،
لا أدرى سبب كرهك لى ...
ربما تخاف على بلادك منى و بالطبع من حقك ذلك ،
و لكننى مصرية حتى النخاع ...
أنا إبنة تلك الأرض مثلك تماماً و أفديها بروحى بكل فخر و إعتزاز كما تفعل أنت ، فقط إختلفنا بتوقيت الولادة كثيراً ،
ساعدنى لنحل الأزمة لتسريع رحيلى من هنا لترتاح أنت ... و لإرتاح أنا "
نظراتها المصوبة إليه تُشعره أنها تراه ، ترى روحه و تصوب إليها سهامها بلا رحمة أو شفقة ...
شفقة ؟ أأشفق عليها هو بالأساس لتشفق عليه ؟ بل إتخذها عدوة منذ اللحظة التى رآها بها وحاول قتلها فوراً و لم يتردد لحظة فى المحاولة مراتٍ و مرات متى حانت الفرصة لذلك ،
و مع ذلك ها هى تمد يمناها الناعمة بالسلام بكل رقة و نبل أخلاق ، رغم أنه هو سليل النبلاء و تربى بين القصور و فى كنف أشرف و أفضل الملوك و ليس هى
زفر بضيقٍ من نفسه و من الوضع العام و من أفكاره و من كل شئ و إستلسم و مد يمناه ليحتضن كفه كفها
موافقاً بالهدنة المؤقتة ،
" حسناً فقط لنرتاح من كل هذا ، ماذا تقترح الأميرة ؟ "
و رغم نبرة السخرية بحديثه إلا أنها تجاهلتها فقط ليطمئن فؤادها و تعود لبيتها ، فقط وقتها يمكنها أن تدفع عمرها لتعود لتوسع هذا اللعين ضرباً
سحبت يدها بهدوء و قالت بعد وهلةٍ من التفكير
" كمان ترى ف نحن بكامل أناقتنا ، أى أن الحفل يجب أن يكون قد أوشك على البدء لذلك دعنا نذهب مباشرة للملك ، و أنا سأذهب للحكيم آتون و بعد نصف ساعةٍ فقط من الآن نجتمع عند النافورة "
ضيق عينيه بتركيز للحظةٍ فى حديثها ثم أمسح بذراعها قبل أن تتحرك
" هيييه أنتِ ، إنتظرى ،
ليس عند النافورة بل فى غرفة الإجتماع الصغيرة بمنتصف الردهة الجنوبية "
أمسكت يده الممسكة بذراعها و ألقتها بعيداً و صاحت بغيظ
" و لمَ نمشى كل تلك المسافة يا مخ البازلاء المتعفنة !!! لمَ علينا أنا نبذل جهداً مضاعفاً و نجعل الضيوف يشعرون بغياب الملك !!! "
تجاهل سخريتها و غيظها عمداً و أجابها ببرود
" لأنكِ يا مخ النعجة فقدتِ وعيكِ نسبياً و شردتى كثيراً عندما جلستى و لعبتى بالأسماك الموجودة بالنافورة ، و بعدهت بقليلٍ بدأ كل شئ ، إذن علينا الإبتعاد عنها قدر المستطاع ،
ثانياً إخترت تلك الغرفة بالذات لأنها الأبعد عن العيون و الأصغر بين الغرف جميعها لذلك من المستحيل أن يتسلل أحدهم ويتجسس علينا ، كما أن علينا أن نتسلل إليها منفردين ، دعكِ من هذا فقط تسكعى قليلاً هنا و هناك و أنا سأخبرهم و سنكون هناك خلال نصف ساعة ، لا تتأخرى "
ضحك بصوتٍ عالٍ و قال
" مخ النعجة ! أعجبنتى و تليقُ بكِ كثيراً يا مخ النعجة "
تركها تحترق غضباً و ذهب ليكلم كامُس و آتون
إلتقطت أنفه رائحة زهور الفل الممزوجة بالمسك جعلته يشعر بالإنتشاء و هو يبحث عن مصدر تلك الرائحة ،
ليجدها تصدر من يمناه ،
تذكر السلام البسيط بينهما حيث إحتضن كفه كفها الصغير للحظاتٍ فقط فشعر بالشرار يسرى بين اوردته و بدأت طبول الحرب تقرع و لكن ليس الحرب المعهودة و لكنها حرب القلوب حيث لا طاقة لقلبه بها
نفض عن قلبه قبل عقله تلك التراهات و مضى بطريقه
...................
زفر بمللٍ شديد من مرافقة هذين الثرثارين طوال الطريق من الغابة و مروراً بطيبة متجهين للقصر لإحضار أمارا و العودة مرةً أُخرى كما كانت الخطة مُسبقاً
" دلواقتى يا دكتورة إحنا هنروح نجيب أختى اللى وصلت من فترة هنا زى ما وضحتلك من شوية و يزن اخويا هيروحنا كلنا إن شاء الله "
إبتسمت له برقة
" خلاص تمام يا دكتور أنا معاكو ان شاء الله "
صدر صوتاً من معدتها جعلها تتتلوى ألماً
تنحنح مازن بخجل عندما لاحظ هذا يلعن غبائه الذى جعله يغفل عن هذا طول تفك المدة و أخرج من حقيبته موزة و مد يده بها
"إحم خدى صباع الموز ده يا دكتورة مايا زمانك هبطانة م المشى طول اليوم "
أخذته منه على إستحياء فقد بلغ منها الجوع مبلغه
" ميرسى لحضرتك يا دكتور مازن "
" لا لا دكتور مازن إيه بس ده إحنا عشرة أهو ، أنقذتيني مرة و أنقذتك مرة و كدة خالصين ، إنتى تقوليلى يا مازن على طول و بعد إذنك طبعا هقولك يا مايا على طول
" لا لا العفو يا دكتور مازن اناديك بإسمك على طول إيه ميصحش ، مقام حضرتك محفوظ بردو و كمان ده واجبى أنا دكتورة زى ما حضرتك عارف و ... "
أمسك بتفاحة من حقيبته التى ملئها سابقاً بفواكه الغابة
و ناولها إياها
" مقامى محفوظ إيه بس يا ست طب خدى دى عشان خاطرى و مشيها مازن يا مايا "
تورد خداها خجلاً و أخذت التفاحة من يده
" تسلم إيدك يا ... يا ... مازن "
و سبقته بخطواتها وهى تعض على شفتيها بحياء
عض يزن على شفته بغيظٍ من تلك الرومانسية المقززة من وجهة نظره
" بااااااس يا دكاترة يخويا انتا و هى بطنى كركبت ، بطلو محن و اتنيلو قصادى ادينا داخلين ع الزفت القصر ، إتنيلو نشوفلنا حتة نشترى منها هدوم عشان نتنيل ندخل نجيب البت و نغور "
إنكمشت ملامح مايا بغضب و صاحت به
"سوفاااااج ! أستاذ يزن مسمحلكش تكون قليل الذوق معايا كدة إنتا فاهم !!! "
ثم وجهت نظراتها لمازن و قالت
" مازن إزاى بجد أخو واحد محترم و مهذب زيك يبقى بيئة كدا !!! "
ثم أعادت نظراتها ليزن لتحرقه حياً
" إتعلم تبقى متربى زى أخوك ، و اتفضل يا عديم الذوق تعالى محل أهو يا سوفاج "
ثم تركته و ذهبت تجاه متجر للملابس أمامهم
بعد قليل .....
إختارت مايا ثوباً أبيضاً ذو أكمامٍ واسعه وخصر ضيق نسبياً و ينزل بإستاع و مطرزٍ بزهور وردية ٍ غايةٍ فى الرقة ، و إختارت وشاحاً أبيضاً لتخفى به خصلاتها
أما مازن ف إختار رداءاً باللون البنى الداكن وإختار أساور فضية
تعجبت مايا من إختيار مازن لتلك الألوان المتضاربة
فتقدمت منه على إستحياء و قالت بتردد
" مازن لو سمحت يعنى بعد إذنك هو إنتا ليه مختار أساور فضة مش دهب؟ "
إبتسم مازن بهدوء
" عشان الدهب حرام للرجالة يا مايا ، أنا ملاحظ ان الرجالة هنا بيلبسوها دهب بس أنا مسلم مقدرش أعمل كدا "
" أنا كنت هقولك انها اساور مش دهب هى نحاس مطلية بلون اصفر عشان تبقى شبه الدهب ، أنا أهلى جواهرجية و خبرتى كبيرة "
" أنا عارف بس بردو مش مرتاح للون ، هو مش لايق ع البنى اللى لابسه ولا إيه ؟ "
" بصراحة آه مش لايق لو حابب إيه رأيك تلبس أبيض أو إسود ؟ "
غمز لها بعبث
" لا هلبس أبيض عشان تبقى ليلتنا فل إن شاء الله "
و بالفعل إرتدى حلة زاهيةً بيضاء
أما يزن الذى مل منهما ويشعر بالاشمئزاز من كل هذا
إرتدى حلةً باللون الأزرق الداكن
و قام بدفع مازن بخفة ليسير أمامه هو و مايا
" يلا بقا الحفلة هتبدأ عاوزين ننجز قبل الزحمة "
و بعد قليلٍ كانو قد وصلو للقصر فوقفو مشدوهين من حجمه الضخم و الإنارة القوية
كم كان أجدادنا متطورين و نحن لا ندرى من علمهم شيئا
بمجرد أن رآى الحارس ملابسهم الثمينة سمح لهم بالدخول ظناً منه أنهم أحد النبلاء المدعويين للحفل
وصلو لساحة الحفل المقام بها الحفل و إلتفت لهما يزن
فاتحاً ذراعيه بترحيب مبتسماً
" نورتو حفلة الملك كامُس يا شباب "
...................
