رواية لعنة آل جعران الفصل السادس 6 بقلم سارة ايهاب


 رواية لعنة آل جعران الفصل السادس 

صداعٌ رهيب وألمٌ لايطاق بكل  إنشٍ بها و ضوءٌ قوىٌ جعلها تغلق عينيها مجدداً حتى تعتاده  فتغيب عن وعيها مجددا ً

كلما إستعادت وعيها للحظاتٍ قليلة رأت عدة أشباحٍ يعمهم الهرج والمرج ... يتمتمون بكلماتٍ ليست بالغريبة عليها ... هى فقط لا تستطيع تجميع قواها لفهم ما يقولون فهذا أكبر من قدراتها الواهنة حالياً 

لا تعلم كم من الوقت قد مر حتى استطاعت أن تفتح عينيها لتستيقظ أخيراً وتحاول أن تستقيم بجذعها قليلاً لترى رجلٌ يبدو فى منتصف عقده الرابع ضخم الجثة عريض المنكبين مهيبُ الطول  كان حاجباه كثيفان وعيناه ك الأعوام الأخيرة من عمرها المظلم  بينما رموشه كثيفة و طويلة ولديه أنف محدد وواثق ،  و ... مهلاً لم شردت بملاحه الغليظة هكذا  وهو يركز بناظريه عليها  لتشهق فزعةً بحق 

" إ ... إنتا مين ؟ و أنا ... أنا ف فين ؟ و ... فين ال ...  إسمه إيه ده  

يا فندم قول معايا مش مجمعة 

اااه مازن فين مازن بقا ؟  "  

أخرجت كلماتها الأخيرة بصعوبةٍ شديدة وهى تفرك مقدمة رأسها بألم جعلها تلقى بثقل رأسها للخلف لتصتدم بالحافة المعدنية للفراش خلفها لتفقد الوعى مجدداً

تأتأ يهز رأسه بعدم رضى لضعفها الشديد أفقدت الوعى فقط بسبب اصتدام رأسها بحافة الفراش ؟ 

خرج ينادى الطبيب فيكفى ما مر من الوقت هو يريد التحقيق معها لينتهى من مهمته المملة ولم يعتد على البقاء بلا عملٍ هكذا  

أعطاها الطبيب مسحوق اعشاب ليجعلها تستفيق بعد قليلٍ وتستعيد وعيها بالكامل 

    غاب للحظاتٍ بمجرد أن لاحظ أنها بدأت تستفيق وعاد وخلفه مجموعة رجالٍ مسلحين

ومعهم رجلين يبدوان أكبر مكانةً من الباقيين 
أحدهما يرتدى مأزراً جلدياً  ربما لكنه يبدو رديئاً و يلفه حول جسده و الثانى يرتدى ثوباً ملكياً من القطن أبيض اللون  وحزاماً ذهبياً غليظاً يحكم إغلاقه حول خصره و على راسه تاجاً تحفظه عن ظهر قلب ... من الأعلى نصف بيضة زرقاء تدخل من الأسفل إلى حلقة ذهبية تلف الرأس وفى مقدمته يخرج رأس كوبرا  ذهبى لطالما رأت تلك الهيئة بالمتاحف و الكتب  ....

و أول ما فعلاه هو الإرتكان على ركنٍ بعيد ليكون كل شئ تحت ناظريهما 
  والحرس المسلحون كذلك  انتشرو حول المكان بحركاتٍ مدروسة 
    أما الرجل الذى رأته أولاً كل ما فعله هو الدوران حول فراشها الموضوع فى منتصف الغرفة و التحديق بكلِ إنشٍ فيها من شعر رأسها حتى اخمص قدميها   واقترب منها فجأة وهو  يخرج خنجراً من طيات حزامه الجلدى فى صدره وينغز عنقها به ليسيل خطٌ رفيعٌ من الدماء وهو يهمس بفحيح أفاعى خلف اذنها  

" من أين أتيتما أيتها المشعوذة  .... و من هم شركائكِ هه ؟ " 

أخذت لحظةً فقط لتستوعب ما هى فيه و من ثَم وضعت يدها على كفه الممسك يالخنجر وضغطت على أحد أوتاره بحركةٍ مدروسة لتهتز يده قليلاً ليمنحها الفرصة لسحب ذراعه كاملاً ليميل عليها وتضربه بقبضتها الصلبة باليد الأخرى  

بالطبع رغم صلابة ضربتها المتقنة فجسدٌ مثل هذا لم يصبه إلا ببعض الترنح الطفيف لإقل من لحظة

إستغلتها هى وقفزت سريعاً بخفةٍ غريبة عن الفراش بسبب تأثير الأدوية والمغذيات التى تناولتها سابقاً 
    و بدأ كلاً منهما بعاركٍ صغير بالأيدى لم تستطع منه سوى صد ضرباته المتلاحقة عليها بالكاد ومحاولتين واهيتين فقط  للكمه

     " انتا عبيط يا جدع انتا  !!  وبعدين انتا مين اصلاً و مشعوذة ايه وزفت على دماغ اهلك ! قال مشعوذة وشركاء  قال فاكر نفسه حمادة هلال  "

قالت جملتها الأخيرة بهمس لنفسها

     حتى تدخل صاحب التاج عندما سأم ما يفعلان وأوقف ذاك الضخم عن محاولة قتلها هامساً فى اذنه ببضع كلماتٍ لم تصلها
و هى لم تخطأ بشئ بل هى المجنى عليها هنا 

كان الوضع مريباً بالكامل ،   ظلت هى تتابع المكان حولها بإعجابٍ ممزجٍ بالخوف والرهبة ... كم كانت تلك الزخارف آسرة لمحياها ، 
   تفاصيلٌ دقيقة و ألوانٌ زاهية وواضحة الأزرق والأبيض. والأسود والأحمر وغيرهم الكثير ، 

   أثاثُ الغرفة يبدو باهظ الثمن كثيراً و كم كان متقناً أيعقل أنها تحلم ؟ أربما هو برنامج مقالب سخيف وعالِ التكلفة  وبدلاً  من أن يكون ضحاياه من الفنانين والإعلاميين يكون ضحياه هذا العام من الأطباء  ربما ،  تقسم بداخلها إن كان كذلك فلن تتوارى عن إخراج أحشاء ذاك المذيع بيديها العاريتين 

     و لكن لا تستطيع إلا تشعر بالقلق على مازن أين عساه يكون ، لقد كانت إصاباته بالغة عندما رأته آخر مرة فى السيارة 

ثبتت نظراتها على ذاك الذى حاول قتلها قبل لحظاتٍ لترى تنورته البيضاء وحزامه الذهبى العريض حول خصره ويلف حول صدره حزامين  من الجلود ممتلئان بعدة أغمدة للخناجر مختلفة الأحجام  ومن الخلف غمدين كبيرين لسيفين كبيرين 
   
    هى ليست بلهاء لكى لا تميز الذهب الحقيقى من تلك الأكسسوارات الرخيصة التى يرتديها الممثلون أو العاملون بالمزارات السياحة ذات الطابع الفرعونى .

مشت بخطواتٍ واثقة نحو صاحب التاج وشدت ذراعه نحوها بحدة لتلفت انتباهه 

  "   إيه السخف وقلة الذوق دول !  ولاده مقلب  بسلامتك كمان شوية هتخلعلنا ام الماسك اللى على وشك  ده لا مؤاخذة وتطلع تقول الكاميرات اهى  ورمضان كريم وكدة ؟ " 

= " تلك المشعوذة ... إنها تلعن جلالته وتلقى بتعاويذ السحر المحرم لانها مسجونة هنا تحت رحمته وتطاول عليه أيضاً باليد ، ماذا تنتظرون يا حراس لتقبضوا عليها الان فى الحال بأمرٍ منى أنا الكاهن الأكبر "

كانت تلك كلمات ذات المئزر المهترئ والذى اتضح الآن  أنه كاهن 

وبالطبع لم ينتظر الحرس كلمة أخرى لمهاجمتها برماحهم المدببة ولكن يد الملك كانت أسرع من رماحهم ليتوقفوا فوراً ويخرجون جميعاً بأمرٍ منه حتى الكاهن الأكبر الذى نظر لها قبل خروجه بنظراتٍ لم ترتح لها على الإطلاق 

= " أدرى أنكِ لستِ بمشعوذة أو ممارسة للسحر المحرم ولكن من أنتِ ومن أين أتيتِ ؟ " 

و هنا فتح الباب ليدخل منه مازن راكضاً بعرج بسبب إصابته ليعاقنها بحب 

= " ياااه يا شيخة أخيراً فوقتى كنت خايف يكون جرالك حاجة ، وعلى فكرة الموضوع شكله مش ديكور وانتيكات شكله بجد " 

- " يعنى إيه ؟ شكلنا لبسنا ولا إيه ؟ " 

كان الملك يراقبهما بهدوءٍ شديد ليعطيهما وقتهما ليطمئن كلٌ منهما على الآخر  

تنحنح بهدوء ليجذب انتباههما 

" حسناً آنستى كما كنت أقول قبل قليل ... أنا أدرك تماماً أنكما لستما بمشعوذين ولا ممارسين للسحر الأسود المحرم ولكن من أين أتيتما و من أنتما ؟ "

تبادل كلاً منهما النظرات بغرابة ولكن تشجعت أمارا متسائلة بقبطية متقنة

" ألا تتحدثون المصرية هنا ؟ "

فكان دوره الان ليسأل بفضول 

" ما هى المصرية ؟ "
  
= " إممم حسناً المصرية هى اللغة التى نتحدث بها فى مصر وهى مزيج بين اللغة القبطية الحديثة و العربية " 

- " لم أعلم يوماً بأمر لغة تسمى العربية ولا أعلم قوماً فى المناطق المحيطة يتحدثون بمزيج اللغتين معاً كما تقولين ولكن لا بأس يبدو أن هناك الكثير يفوتنى  " 

هز الملك كتفيه ببوادر إهتمام .... ربما   

و مد يده بالسلام لمازن وانحنى بإماءة بسيطةٍ لأمارا  واضعاً يده اليمنى على صدره قائلاً بحبور 

" أنا كامس ... الملك كامس ملك كيميت العظيمة وأنتما الآن ضيفاى وأرجو المعذرة من همجية موسى هو طيب القلب ولكنه حذر قليلاً ، والآن سآخذكما لغرفكما   " 

وأشار لعنق أمارا 
" و. سأطلب لكِ الطبيب ليضمد جرحك ويطمئن على أحوالكما الصحية "

أنهى كلماته وهو يشير بيديه للخارج حيث بنتظر بعض الخدم أوامره

بينما مازن الطبع لم يفهم من الحوار السابق إلا  كلمات معدودة فقط 

وخرج كلاهما سوياً يسيران خلف الملك فى أرجاء القصر لتخرج أعينهما من محاجرها و يعيشان الصدمة آسفين  بكل جوارحهما 

.............

ايامٌ تأتى وأخرى تمضى ولا جديد 

مازن كالأصم والأعمى لا يتكلم و لا يفهم أى شئ هو فقط يتبع أمار أينما ذهبت وأحياناً يفهم موضوع الحديث من خلال المشاعر البادية على وجوه المتحدثين 

بينما أمارا تراعى مازن وغربته ووحشته فى ذاك الزمان من أجل اللغة على أقل تقدير  ....

هى لا تعرف كيف تفهمهم وتتحدث معهم بتلك الطلاقة كأنها لغتها الأم  بينما هى كانت فقط تتعلمها من بعض الكتب أو المقالات المنشورة هنا وهناك  .

الأمر الذى أثار حيرتها جدياً هو معاملة الملك لهما ك ضيوف ، يطلب منهما حضور جلسات المحكمة و المناسبات المهمة حتى أنه لا يتناول طعامه إلا إن كان كلاهما معاً يشاركانه المائدة ، مما شاهدته بأم عينيها أنه رجلٌ ذو عقلية فذة محنكة وحكمةٍ شديدة وذكاءً فاق من عرفتهم فى حياتها و يحب وطنه بشكلٍ لم تشهد مثله من قبل ، 

إذاً كيف يأمنهما وهما غريبان عنه وعن بلده وعن زمنه بالكامل ... ربما مازن لانه لا يفهم أبداً ما يقال لكن هى تفهم كل شئٍ تراه وتسمعه  .

.........

فى مكانٍ ما فى هذا العالم 

رأس افعى سوداء متآكل والديدان السوداء، القذرة تحيط به وتأكل بقاياه العنفة بنهم ، ذيل نمر مرقط محنط و مشقوقٍ لنصفين مدببين كأنهما أداتين للكتابة   ، مسحوق مصنوع من غزال جبلى مع احجار الكبريت   ، وعظمة الترقوة من خروفٍ ولد تواً وأخرى من خروف هَرم  

رأس الأفعى تم قضمه وبصقه على دائرة مرسومة بطبشورٍ أبيض اللون و عظمتى الترقوه تم وضعهم بشكلٍ متوازٍ أمام بعضعما البعض  

أما مسحوق الكبريت مع قرن الغزال ف تم دمجه مع بعض الدماء المنثورة هنا وهناك لتكوين حبرٍ من نوعٍ خاص  ، 
     
     وبالقلمين من ذيل النمر بدأت الكتابة تظهر على العظمتين فى نفس الوقت تزامناً مع اهتزاز الأرض أسفل موضع القدم واقتراب عقربٍ ما ليلدغه أثناء انشغاله و .....

...............    

تعليقات