رواية السر الملعون ( كاملة جميع الفصول ) بقلم حماده زهران


 رواية السر الملعون الفصل الاول 

أنا اسمي خالد،عندي 25 سنه،شاب عادي زي أي حد، أو ده اللي كنت فاكره طول عمري.
حياتي كانت بسيطة، يمكن أبسط مما كنت أتمنى،عايش في شقة صغيرة في المحافظة، مش بشوف الناس كتير، ومش بحب الاندماج في حوارات ملهاش معنى. 
كنت موظف عادي، بشتغل وارجع البيت، وأعيش يومي زي ما هو، من غير مفاجآت ولا مغامرات.
لكن حياتي اتغيرت بالكامل يوم ما وصلني جواب غريب مكتوب بخط قديم. 
كان من القرية اللي عمري ما سمعت عنها، القرية اللي كانت دائمًا بتتكلم عنها بحزن، ومرة واحدة بقت هي الحاجة الوحيدة اللي بتربطني بماضٍ عمري ما عرفته كويس. القرية دي، اللي اسمها وحده بيخليني أحس برهبة، قرية "الباكي". 
أنا ورثت بيت في القرية دي من أمي بعد ما ماتت.
والغريب إن أمي مكنتش بتحب تتكلم عن حياتها هناك،كانت دايمًا لما ييجي سيرة أهلها أو طفولتها تتجنب الموضوع كأنه سر كبير..وأنا، على كد ما كنت فضولي، عمري ما حاولت أضغط عليها.
لما وصلني جواب من المحامي وقريت اسم القرية، حسيت إن ده اسم غريب جدًا.
دلوقتي أنا في طريقي لأول مرة للقرية دي.
كل اللي أعرفه إن أمي كانت مكروهة هناك، وإن الناس اللي كانوا في حياتها هناك،كان عندهم حاجات كتير مخفية عنها.
أنا مش عارف إيه اللي مستنيني هناك، بس عندي إحساس واحد واضح..المكان ده مش عادي.
أمي كانت كل حياتي،من وأنا صغير وهي كانت السند والضهر،أبويا مات وأنا عندي سنتين، فكانت هي الأم والأب مع بعض. 
عاشت طول عمرها بتشتغل علشان تربيني،وعمرها ما اشتكت، ولا حتى قالتلي حاجة عن تعبها..الغريب إنها عمرها ما حكتلي عن القرية دي، ولا حتى ذكرت إنها عندها بيت أو أرض.
كانت دايمًا تقولي:
-في حاجات يا بني مش لازم تعرفها دلوقتي.
 كنت أفتكرها بتتكلم عن شغلها أو حاجات تخص أبويا، لكن بعد ما ماتت وظهر الكلام عن الورث ده، حسيت إن في سر أكبر من اللي أنا كنت فاكره. والنهارده أنا على باب القرية لأول مرة، كل حاجة جوايا بتقولي إني ما كنتش جاهز للي هستناه جوه.
أمي كانت طول عمرها لوحدها، ما شفتش حد من قرايبها ولا حتى سمعت عنها غير كلام قليل. كانت بتقول دايمًا: - عيلتي كانوا مش راضيين عني من ساعة ما اخترت أبوك.
كان واضح إن جوازها من أبويا كان السبب، بس عمري ما فهمت ليه كانوا كارهين الموضوع بالشكل ده.
لما سألتها مرة، ردت ببرود وقالتلي: 
-في حاجات يا بني لما تعرفها مش هتغير حاجة..الأحسن ما تعرفش.
دلوقتي وأنا واقف عند أول شارع في القرية اللي كانت عايشة فيها، كل الكلام ده بيرجع لعقلي.
 هل فعلاً كنت عارف أمي كويس،ولا في حاجات كتير كانت مخبية عني. 
أول ما رجلي لمست أرض القرية، حسيت بحاجة غريبة..الهوى كان سخن، رغم إن الشمس قربت تغيب..الشوارع كانت هادية بشكل مش طبيعي، لدرجة إن صوت خطواتي كان بيرن حواليا. البيوت كلها شبه بعض بيوت من طوب الطين،بيوت صغيرة قديمة، وكأنها بقت جزء من الأرض.
كنت شايل شنطتي على ضهري، والجواب اللي فيه عنوان البيت في جيبي. 
طول الطريق كنت بفكر:
-يا ترا إيه اللي هيستقبلني جوه،هل ممكن أقابل حد من عيلتها،بس لما كنت أفكر في كلامها عن إخواتها، كنت أحس بشيء زي الخوف..لو كانوا بيكرهوها للدرجة دي،هل هيرحبوا بيا.
أول مرة أشوف نفسي متعلق بحاجة زي دي..مشيت شوية، لحد ما لقيت نفسي قدام البيت.
الباب كان كبير وأسود، وباين عليه السنين..الشجر حوالين البيت كان عالي، لكن شكله ميت، كأنه بقاله سنين ما اتسقاش. 
وقفت قدام الباب ونبضات قلبي بتضرب..خبطت مرة،ومرتين،لكن مفيش رد.
طلعت المفتاح من جيبي، وفتحته. الباب كان بيصدر صوت صرخة طويلة وأنا بفتحه..أول ما دخلت، ريحة التراب والكتمة كانت خانقة. 
الدنيا كانت ضلمة، إلا من شوية نور خفيف داخل من فتحات الشبابيك. وقفت في نص الصالة، وبدأت أشوف تفاصيل المكان،صور قديمة على الحيطان،أثاث البيت مكسر،وهدوء مرعب،حسيت إن البيت نفسه بيراقبني.
وأنا واقف في النص، كان إحساسي غريب،كأن فيه حد بيبص عليا من كل زاوية في البيت.
الصور القديمة على الحيطان كانت مشققة، وملامح الناس اللي فيها مش واضحة، كأن الزمن مسحها. 
في صورة واحدة كانت كبيرة، معلقة فوق الدفاية.
 الصورة كانت لأمي وهي صغيرة، واقفة جنب شجرة ضخمة وسط ناس كتير..ما عرفتش الوجوه، لكنهم كانوا واقفين كأنهم مجبرين، وعيونهم فيها حاجة مخيفة.
قربت أكتر عشان أشوف الصورة، لكن سمعت صوت حاجة وقعت ورايا خلاني أجمد مكاني،قلبي بدأ يضرب بسرعة،لفيت راسي  ببطء..كان في كتاب قديم وقع من فوق رف، لكن ما فيش أي حد.
مشيت ناحيته وشلته، كان الغلاف مليان تراب، لكن كان مكتوب عليه حاجة..بخط كبير: "كتاب العيلة". 
فتحته ببطء، وبدأت أقلب صفحاته..كل صفحة كانت فيها شجرة عيلة، أسماء بخط الايد وصور صغيرة.
 شوفت اسم أمي مكتوب جنب صورة شابة جميلة..هي، بس تحت اسمها كان في خطين متقاطعين،كأن حد شطب عليها. 
بدأت أدور على باقي الأسماء، وشفت أسماء إخواتها،كانوا ستة،وكلهم مكتوب جنب أساميهم تواريخ وفاة.
الغريب إن التواريخ كلها بعد موت أمي بسنين قليلة..وقفت مكاني مش مصدق، وبدأت أفكر: هل أمي كانت آخر واحدة منهم..ولما ماتت، أنا الوحيد اللي ورثت كل ده.
بس قبل ما أكمل تفكيري،سمعت صوت جاي من الدور اللي فوق. 
خطوات بطيئة وتقيلة،كأن حد عايش هنا من زمان.
الصوت كان واضح..صوت خطوات ماشية ببطء كأنها قاصدة تخوفني. بصيت ناحية السلم،كان متغطي بطبقة سميكة من التراب،ومع ذلك كنت شايف أثر أقدام جديدة، طالعة لفوق. 
قلبي بدأ يدق بسرعة، لكن الغريب إني ما قدرتش أتحرك،كأن حاجة مسكتني مكاني،أو كأن البيت نفسه رافض يسيبني أهرب.
بعد ثواني من الهدوء،الصوت وقف وكل حاجة رجعت ساكتة،صمت حل على المكان لدرجة إن حتى نفسي كان مسموع.
قررت أخد خطوة ناحيته،رجلي كانت تقيلة، وكل خطوة كنت بحس إن التراب اللي على الأرض بيزحف تحت رجلي،كأنه بيحاول يشدني لتحت. وصلت للسلم،ورفعت عيني لفوق،الظلمة كانت مخيفة،بس فيه نور بسيط طالع من آخر طرقة في الدور التاني.
حطيت رجلي على أول سلمة، فصرخ الخشب تحت رجلي بصوت عالي،كأن البيت كله بيعلن إن في حد طالع. 
ومع كل خطوة كنت بحس إني بقرب أكتر لحاجة مش طبيعية،حاجة أكبر مني.
عند آخر السلم،شميت ريحة غريبة..ريحة زي حريق قديم. 
قربت من الباب اللي النور طالع منه، وفضلت واقف قدامه،وقولت:
-مين هناك..صوتي خرج ضعيف، بس ما جاليش أي رد.
مديت إيدي وفتحت الباب ببطء،وأول ما فتح شوفت حاجة وقفت الدم في عروقي.
الغرفة كانت شبه خالية،ما فيهاش غير سرير قديم في النص،شوفت على الحيطة كلام مكتوب بخط كبير، كأنه محفور بظوافر. 
كلمة واحدة متكررة في كل مكان:
-رجعلي حقي..رجعلي حقي.
قربت من الحيطة،وكنت بحاول أفهم إيه اللي مكتوب،لكن قبل ما ألمسها حسيت بحاجة ورايا..لفيت بسرعة وكنت مستني أشوف أي حد،بس ما كانش في حد. إلا حاجة واحدة..نفس الكتاب اللي كنت ماسكه تحت، دلوقتي موجود على السرير ومفتوح على صفحة جديدة.
نظرت للكتاب اللي على السرير، حسيت إن شيء ثقيل عليّ وأنا بشوفه. كان مفتوح على صفحة جديدة، وحروفه كانت بتلمع في ضوء النور الخافت. قربت منه وشوفت إنها صفحة جديدة مكتوب عليها:
"كل حاجة بتبدأ وتنتهي هنا..رجعلي حقي علشان أرتاح"
كنت لسه واقف مكاني، مش عارف إذا كان الكتاب هو اللي جابني هنا،أو أنا اللي جبت نفسي على الطريق ده. لكن حاجة جوايا كانت بتقول إني لو مشيت، هيفوتني كل حاجه.
فتحت الصفحة وبدأت أقرأ بصوت منخفض:
 "اللعنة لازم تنتهي،لما تلمس العيلة، لازم ترجع أرضها للدم"

الصوت ده كان واصل لحد ودني،لكن بعد لحظة حسيت بحاجة غريبة. الصوت وقف فجأة، وكل حاجة سكتت. 
وفي وسط السكوت ده، بدأ نور الغرفة ينور فجأة،والظلال اللي على الحيطان بدأت تتحرك بشكل مش طبيعي.
رجعت بسرعة لورا،ودماغي مليانة أسئلة..كنت شايف حاجة،كأنها حركة في الظل،وفي اللحظة دي سمعت صوت حركة جايه من تحت في الدور الأرضي..كانت خطوات سريعة، مش زي قبل كده.

جريت بسرعة انزل من السلم، لكن كنت حاسس إن في حاجة بتراقبني. 
ولما وصلت للدور الأرضي، كانت الإضاءة ضعيفة، وصوت الرياح في الشباك كان بيهز الأبواب..لكن فيه حاجة مش طبيعية كانت موجودة.
كنت حاسس إن في حد جوه البيت، حتى لو مكنتش شايفه،بس حاسس بوجوده..وفجأة،السقف اتصدع فوق دماغي، وعيني جريت على السقف وشفته.
كان في ظل ضخم يتحرك بسرعة، مش بني آدم،شيء أكبر من إنه يكون طبيعي. 
عيني ثبتت عليه، وقلبي بدأ يدق كأنه هيخرج من صدري..
الظل ده كان بيتنقل من مكان لمكان، بسرعة مش مفهومة، لحد ما وقف في نص السقف..وفجأة.
الصوت ده ظهر تاني،صوت خطوات تقيلة،لكن مش جاي من فوق..المرة دي كان جاي من كل مكان حواليا، كأن البيت نفسه بيتنفس ويطلع أصوات..حسيت برجلي بتتسمر في الأرض،ما كنتش قادر أتحرك، وكأن البيت رافض يسيبني أخرج.
وقبل ما ألحق أفكر في أي حاجة، الباب اللي ورايا اتفتح فجأة بقوة، وريح قوية دخلت البيت،كأنها بتحاول تطردني أو تخوفني.
في اللحظة دي سمعت صوت جاي من ورايا،كان صوت هادي لكن واضح بيقول:
-انت مش المفروض تكون هنا.
اتلفت بسرعة،لكن ما شفتش أي حد..الغريب إن الصوت كان قريب جدًا، كأنه بيتكلم جنب ودني. 
بدأت أمشي للخلف ببطء،وأنا عيني بتلف في كل مكان في البيت،لكن الظلال حواليا كانت بتزيد،كأنها بتطاردني.
وأنا في حالة الرعب دي، عيني وقعت على نفس الصورة الكبيرة اللي كانت فوق الدفاية.
الصورة كانت بتتغير قدامي..وش أمي اللي كان مبتسم في الصورة،بدأ يختفي ببطء، وتحل مكانه ملامح غريبة..وش مشوه بعيون واسعة،وش كان بيبص عليا مباشرة،وعينه فيها كره واضح.
بدأت أرجع بضهري ناحية الباب،وقلبي بيصرخ مش بينبض،لقيتني بقول:
-أنا مش عايز حاجة،أنا عايز بس أمشي. 
لكن قبل ما أفتح الباب وأهرب،سمعت صوت صرخة جاي من الدور اللي فوق. الصرخة دي نملت جسمي..كأنها صرخة حد بيتعذب.
لازم أهرب وأسيب البيت ده بكل اللي فيه،ولا أطلع وأعرف السر اللي أمي كانت مخبياه طول حياتها...

تعليقات