رواية دروب بلا عودة الفصل الاول
التعرج
كان ليل المدينة صامتًا، لكنه لم يكن هادئًا. كان الصمت يحمل ضجيجًا خفيًا، كأنه صرخة مكتومة ، تخرج من بين أنقاض الأبنية القديمة العتيقة ، حيث يوضح لنا قدمها و شكلها ماهيت ساكنيها و كيف أنها بالكاد لا تنقض من رياح الشتاء القارصة
و بأحد شوارعها حيث الأزقة الضيقة التي بالكاد تتسع لجسدين متقابلين، جلس مروان على درجات سلم بيته الحجري المتهالك ، يتأمل السماء التي بدت وكأنها تخنقها الغيوم الداكنة.
"السماء تعرف أن تنسحب متى شعرت بالثقل"
قال في نفسه وهو يراقب النجوم الخافتة تختفي واحدة تلو الأخرى.
لم يكن مروان شابًا ساذجًا ولا عاطفيًا حد البكاء على حاله، و انهزامه
لكنه كان عالقًا ، لم يعد قادرًا على النظر في عيون إخوته الثلاثة الصغار دون أن يشعر بأن شيئًا داخله ينكسر.
لم يكن والدهم قد رحل منذ مدة طويلة ؛ لكن أحوالهم منذ ذلك الحين تغيرت تغيرا جذرياً.
منذ تلك الحادثة البسيطة، و وقوع والده من السقالة في ورشة الطلاء، أنتهى كل شيء في لحظة. ترك والده خلفه ديونًا ثقيلة، لم يكن يعرف بها حتى ، كان حينها مجرد شاب ثانوي يتمتع بحياته مستمتعا بمدرسته ، يخرج مع أصدقائه كل حينة و الأخرى يرفه عن نفسه ، غير عالم بما كان يواجهه والده
الآن فقد حين رحل و تركه ، و بقي هو المسؤول عن الأسرة و رب البيت ، فهم كل شيء ، لكن للأسف كان أدراكه متأخراً ، فقد رحل والده بالفعل تاركاً له
زوجة أب مصابة بالزهايمر، وثلاثة أطفال اشقائه من والده،صغارا لا يفهمون شيئًا عن معنى الفقد.
"محمد! أين كنتَ طوال اليوم؟"
صوت زوجة أبيه، المرهق المعبئ بالثقل و الارهاق دخل مسامعه يدرك أنها نادته بأسم والده المتوفي مرة أخرى
صوت زوجة والده التي بالكاد تتذكر أسمه، كسر حبل أفكاره.
التفت لها يراها تقف في منتصف الغرفة بوجه شاحب وعينين شاردتين، وكأنها تبحث عن ماضٍ لم تعد تذكره. لم يكن غريبًا عليه أن تناديه باسم والده، أو أن تطلب منه أشياء لا وجود لها. أو أن تقرر فجأة أن تخرج و تذهب إلى منزل والدتها قائله أنها تنتظرها و إنها لا تعرف من هو
و إنه إن كان يريد خطفها فعلى الأقل يجب أن يطعمها طعاماً لذيذا.
لا يعلم في هذا الموقف هل يحزن عليها لكونها تريد الذهاب إلى والدتها المتوفاة منذ أكثر من سبع سنوات.
أم يشكي حزناً لكونها حتى و بحالتها هذه تذكرة بمدى فقرهم و عدم مقدرته على أدخال وجبة إفطار حتى إلى المنزل
"لا شيء. كنتُ أبحث عن عمل كالمعتاد."
ردّ بصوت خافت، بينما ينظر نحو إخوته النائمين على الارضية المتشققه.
مفروش عليها حصيرة قديمة بالكاد تغطي الأرضية الباردة.
أخرج قطعتي خبز جاف من جيبه ووضعهما على الطاولة، دون أن يقول كلمة أخرى.
في داخله، كان يعلم أن هذه الحياة لن تستمر.
كان ذكاؤه يقوده دائمًا إلى نفس النتيجة:
الحلول البسيطة لا تُبقي أحدًا حيًا.
---
لم يكن يوم مروان يبدأ كأي شاب في سنه. بينما كان أبناء عمره يتجهون إلى المدارس أو يجلسون في مقاهٍ صغيرة يتبادلون الأحاديث عن كرة القدم أو أحلام المستقبل.
كان هو يتجول بين الأزقة والمحلات بحثًا عن عمل.
لقد عمل لفترة قصيرة في متجر صغير، لكن صاحبه طرده
بعد أن كسر زجاج واجهة المتجر من قبل أحد المدينون .
جرب أيضا يده في البناء، لكنه لم يكن قويًا بما يكفي.
حتى أصحاب العربات المتهالكة الذين كانوا يحتاجون لمن يساعدهم في جر البضائع ؛ وجدوا فيه عيبًا،
كأنه أقل مما يستحقون.
لا يعلم أن كان عيبًا فيه حقا أم أنهم خائفون من أن المدينون سوف يأتون و يخربون عملهم كما حدث لمالك المتجر
"أنت ذكي يا بني، لكن الذكاء لا يملأ الجيوب"
هذه الجملة التي قالها له عجوز يجر عربة خرده ورائه و ملامحه مشوهة أثر البشلة الكبيرة الموجودة على جانب وجهه الأيمن
-----------
بينما كان جالسًا على الرصيف ينظف حذاءه الممزق من الغبار.
سمع صوتًا مألوفًا على أذنيه ، صوتًا أعتاد على سماعه منذ دخوله الثانوية
صوت سامي ؛ صديقه الوحيد الآن .
و الذي يعمل في متجر صغير خاص بالمخبوزات يقوم بتوصيل المخبوزات التي نادراً ما أحد يطلبها ، خصوصاً في حيهم المتهالك هذا
"مروان، لماذا لا تجرب شيئًا آخر؟"
رفع مروان رأسه إليه بنظرة حادة:
"أتعني شيئًا مثل عملك؟ إهدار وقت مقابل بضعة قروش؟"
ضحك سامي، ثم جلس بجانبه وهو يشعل سيجارة:
"لا، أعني شيئًا مختلفًا. هناك أناس... تعرفهم، يعملون في أشياء أخرى ، أيضاً حتى لو أردت العمل في المخبز ، فلن يكون بوسعك كما تعلم،لولا أن عمتي توسطت لي لزوجها لما كان ضمني معه إلى مخبزه ذاك "
لم يكن مروان بحاجة لتوضيح أكثر.
"أعرفهم، وأعرف ماذا يفعلون. لكنني لا أريد أن أموت أو ينتهي أمري بسجي إلى السجن."
ألقى سامي نظرة طويلة عليه، ثم قال بصوت منخفض:
"وأنت الآن، أليست حياتك موتًا؟"
نظر له مروان بطرف عينيه غير راغب في مواصلة هذه المحادثة ، التي تتكرر كل فترة ، يعلم أنهم بالتأكيد موكلون سامي لأقناعه ، لكونهم يحتاجو أيد عامله ، معروفة لهم و لكونه من نفس منطقتهم ف يريدونه هو ، و قد بدأو يلحون عليه بشدة بعد وفاة والده
-------------------
كانت كلمات سامي تلاحقه كظله، تحفر في ذهنه كلما حاول تجاهلها. في البداية، قاوم. أخبر نفسه أن هذا ليس الطريق الذي يجب أن يسلكه، وأنه سيجد طريقة أخرى.
لكن الحياة كانت تُحاصره ببطء. في كل مرة يعود إلى المنزل ولا يجد شيئًا ليقدمه لإخوته، كان ذلك الصوت الداخلي يتسلل إليه:
"الفرص لا تأتي مرتين. الذكاء بلا موارد لا يصنع شيئًا."
مرت ليالٍ طويلة وهو يفكر، يحسب الاحتمالات، يقلب الأمور في رأسه كأنها لعبة شطرنج، وكل حركة تحمل معها خسارة محتملة.
"أنا لا أحتاج إلى الانغماس معهم. فقط خطوة واحدة. سأكسب المال، و أسدد ديوننا، وأتركهم. الأمر بسيط."
حينها قرر مروان أن يخطو تلك الخطوة
" لم يكن قراره سريعًا أو متهورًا. بل كان كمن يُلقي حجرًا في بحيرة راكدة، مدركًا تمامًا أن الأمواج ستبدأ، لكنه يجهل إلى أي مدى ستصل"
ذهب إلى أحد أزقة المدينة المظلمة، حيث كان أولئك الشبان يجتمعون. كان المكان يعج برائحة التبغ والكحول، وأصوات ضحكاتهم الخشنة ترتفع بين الحين والآخر.
"أخيرًا قررتَ أن تكون واحدًا منا؟"
كان هذا أول ما قيل له، بصوت يحمل في طياته مزيجًا من السخرية والترحيب.
لم يرد مروان، لكنه ألقى نظرة ثابتة على الرجل الذي تحدث.
"أنا هنا لأعمل. لا شيء أكثر."