رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل العاشر 10 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الجزء الثانى  الفصل العاشر بقلم فاطمة على محمد

حرب طاحنة بين خصمين أقوياء، عواصف قوية تقتلع أعتى الأشجار من جذورها، براكين منصهرة حممها تحرق عوالم ؛ كل ده كان بيتصارع جوه "فولاك" على مين هيدمره أكتر؟!.. مين هيكون صاحب السبق في حرق آخر أنفاسه؟!.. مين الأقسى، والأصعب، والأصلب وهيكون له اليد العليا في رفع راية الانتصار على ملك ملوك الجان وأقواهم، وأحكمهم، وأعدلهم؟!


بكل الصراعات دي دخل "فولاك" غرفة التدريب الخاصة بيه، وابتدي يتدرب على أصعب وأقوى المهارات القتالية الجنية، اللي بتستنزف غالبية الطاقة للجني، واللي ممكن تقضي عليه في أي لحظة، التدريبات دي؛ الوحيد اللي نجح فيها وحطم أرقامها القياسية كان "فولاك"، لكنه دلوقتي دخل سباق مع نفسه في تخطى المستويات اللي وصلها مهما كانت النتايج.


أصوات صرخات "فولاك" الموجوعة كانت كزئير أسد جريح بيحتضر في آخر لحظاته، كأنه كان بينوي الانتحار في اللحظة دي، الكل خايف يقرب منه رغب قلقهم وخوفهم عليه، حرس القاعة كان بيبصله بأسف وألم لحالته ، لكنه عارف إن أي وسيلة للتدخل هيكون مصيرها هلاك محتم ليهم، إلا إن في اللحظة دي دخل "خوان" المتلهف للقائه، واللي ماكانش يعرف أي حاجة عن اللي حصل مع "فولاك".


"خوان" مجرد ما شافه خطى ناحيته بخطوات مهرولة وهو بيقوله باستغاثة :

  - "نيرون" عايز يجوز "هيرينا" للملك "العيلان".

 

توقف "فولاك" دفعة واحدة عن تدريبه بطريقة كادت أن ينفجر لأجلها قلبه الخافق، وهو بيبصله بعيون مشتعلة، غاضبة، جامحة وبيصرخ به:

  - "نيرون".."نيرون".. "نيرون".. كأن العالم ما بقاش فيه غيره، وكأني أنا الوحيد في الكون اللي يستحق خصومته، بيستفز فيا عشان أقتله، فاكرني هرحمه عشان وصية أبونا الملك "برقان"، أو هغفر له عشان من دمي، جهز الجيوش هنروح نجيب "هيرينا" ونهد القصر فوق دماغه.

 

الغضب والعصبية اللي بيتكلم بيها "فولاك" كانت جديدة كليًا على "خوان"، اللي على رغم عشرته الطويلة معاه، إلا إن عمره ما شافه بيها، عشان كده ضيق "خوان" عينيه بدهشة وهو بيتكلم بنبرة أهدى :

  - أول مرة أشوفك بالعصبية والغضب ده!

 

زفر "فولاك" في وجه "خوان" نيران غضبه وهو بيصرخ :

  - عشان لكل بداية نهاية، ولكل طريق بنمشيه آخر، وأنا قررت أجيب الآخر ودلوقتي، معتش هرحم مخلوق، ولا هدي لحد أي فرصة تانية.

 

تيقن "خوان" من وجود أمر ما، عشان كده اتلفت ناحية الحرس اللي كان باين عليهم القلق والتوتر يمكن يفهم حقيقة الأمر، لكنه زي ماراح ليهم بأنظاره، زي ما رجع بيها لـ "فولاك" اللي هتف فيه بكل عصبية :

  - جهز الجيش هنجيب "هيرينا" وهنعمل مراسم رجوعكم لبعض. 

  

اتنهد "خوان" براحة وهو بيقوله :

  - "هيرينا" موجودة في أوضتي، هي اللي جت وبلغتني بالموضوع. 

  

زفر "فولاك" زفرة قوية وهو بيمسح حبات العرق اللي مزينة جبينه بضهر ايده وبيقوله :

  - خُدها وروح للقاضي، وخليه يعلن رجوعكم لبعض قصاد مجلس القضاء. 

  

هز "خوان" راسه بموافقة وهو بيسأله بتعجب :

  - وإنت مش هتكون موجود معانا؟! 

  

نفى "فولاك" بهزة خفيفة من راسه يأكد بها كلامه :

  - عندي مهمة تانية، محدش غيري ينفع يعملها، خُد "أوتو" معاك شاهد، وكمان الكاهن. 

  

بصله "خوان" بتعجب للحظات قبل ما ينحني برأسه بموافقة وهو بيقوله :

  - تمام.. اسمحلي بالانصراف يا مولاي. 

  

تأمله "فولاك" بشرود للحظة واحدة قبل ما يقوله :

  - اتفضل، وبلغ الأميرة "هيرينا" مباركتي. 

  

تذكر "خوان" كلام "هيرينا" معاه بخصوص حقيقة محاولة قتلها للملك "فولاك"، عشان يحمحم بخجل وهو بيقوله :

  - أنا كنت عايز أتكلم مع جلالتك بخصوص الأميرة "هيرينا". 

  

اتنهد "فولاك" تنهيدة قوية طرد بيها آخر أنفاسه المشتعلة وهو بيقوله :

  - أكيد هنتكلم، بس ده مش وقته، يلا زمانها مستنياك. 

  

ابتسم "خوان" ابتسامة خفيفة وهو بينحني انحناءة بسيطة قبل ما يدور بكل جسمه ويغادر المكان بخطوات سريعة. 


********

في غرفة "شمس الأخاديد" واللي كان الحزن والألم والانكسار مسيطر على كل ملامحها وهي بتفتكر كلام "فولاك" وطرده ليها من المملكة، عشان تتأمل كل ركن في أوضتها بوجع نهش قلبها، وذكرياتها معاه  من أول يوم شالته على السرير ده، اللي راحت ناحيته تلمس فرشه بإيد مرتعشة ودموعها سايلة من عيونها اللي راحت ناحية مرايتها، واللي كانت بتتزين قدامها كل يوم الصبح قبل ما تطلع تطل على شعبها، واللي كان "فولاك" بيجي يشد شعرها الطويل بايده الصغيرة عشان تنتبه له، وفعلًا كانت بتلتفت ناحيته بإبتسامة واسعة وهي بتشيله بين دراعاتها وتقعده على رجلها وتبدأ تمشط شعره الأسود الطويل. 


كل ركن في الأوضة كان ليه ذكرى معاه في كل مراحل عمره، ذكريات وقف تراكمها من يوم ما عرفت "آشماداي" واتجوزته، عشان تمسح دموعها وهي بتتنهد بضيق نفس مجرد ما سمعت دقات خفيفة على باب الأوضة. 


لحظات ودخل "آشماداي" اللي مثل الحزن والأسى بكل براعة وهو بيروح ناحيتها بخطوات تقيلة، عشان بيحضنها بنظراته العاشقة الشجنة وهو بيقولها:

  - أنا قلقت عليكي، إنتي بخير؟ 

  

سحبت "شمس الأخاديد" نفس قوي حبسته في صدرها للحظات قبل ما تزفره بكل قوتها وشموخها، وهي بتقف من مكانها بكل كبرياء وبتقوله بجدية:

  - إيه اللي جابك؟ 

  

ابتسم "آشماداي" ابتسامة خفيفة وهو بيقولها:

  - ما أنا لسه قايلك، قلقت عليكي وقولت أطمن. 

  

هزت "شمس الأخاديد" راسها بنفي بقوة وهي بتقوله :

  - مش اللي جابك أوضتي، إيه اللي جابك القصر؟.. إيه اللي دخلك المملكة من الأساس؟ 

  

التوتر ابتدى يظهر على ملامح "آشماداي" اللي قرب منها بخطوات واسعة وهو بيمد إيده ناحيتها يسحبها لحضنه، لكنها دفعته بعيد عنها بطريقة خليته يستغرب، لكنه قالها بابتسامته اللي لسه راسمها:

  - وحشتيني.. عشان كده.. 

  

رفعت "شمس الأخاديد" كف ايدها في وشه بحدة قطعت كلماته، عشان تتابع هي كلامها :

  - أنا كنت لسه معاك، فسيبك من كلمة وحشتيني دي، ودور على سبب تاني ينفع أصدقه. 

  

اتلجلج "آشماداي" في كلامه وهو بيحاول يقرب منها، لكنها كانت لسه بتصده :

  - أظن مفيش سبب يخلي زوج يجي يشوف زوجته، وبعدين الطبيعي إني أكون موجود معاكي في نفس المكان اللي انتي موجودة فيه. 

  

مطت "شمس الأخاديد" شفايفها بسخرية وهي بتقوله :

  - الطبيعي!..

  

ورجعت كملت كلامها بنبرة جدية حازمة:

  - أظن لما جينا نتجوز أنا شرطت عليك إنه يكون في السر، وإن لو اضطرينا نعلن أنا اللي هعلن لشعبي، ومن قبله لابني، جلالة الملك "فولاك" اللي كل ممالك الجان بتعمله ألف حساب، واللي جاي إنت بكل بساطة تهز صورته قدام الكل. 

  

ضم "آشماداي" حواجبه بكل حزن وأسى وانكسار وهو بيقولها :

  - أنا أهز صورة "فولاك" قدام شعبه. 

  

رفعت "شمس الأخاديد" سبابتها في وجه "آشماداي" بتحذير شديد اللهجة:

  - اسمه جلالة الملك "فولاك".. إياك تنسى نفسك، إلحاحك عليا في آخر مرة إني أفك لك التحصين بحجة إن ممكن تحتاجني في أي وقت، ووعدك إنك هتجيلي خلسة ماكانش داخل دماغي، لكني قولت لنفسي خليني أشوف هيعمل إيه!.. ما كانتش فاكرة إنك غبي للدرجادي وفاكر إنك ممكن تتحط في اختيار أو مقارنة مع ابني، ابني اللي مستعدة أحرق أكوان عشان حاجة قد كده ؛ ممكن تمسه. 

  

ضيق "آشماداي" عينيه بصدمة حقيقية وهو بيقولها :

  - مش فاهم.. ولو هو كده ليه وقفتي في وشه واختارتيني قدامه. 

  

حركت "شمس الأخاديد" سبابتها في وجهه بنفي وهي بتقوله :

  - إوعاك تفهم غلط، أنا ماكنتش بختارك قدامه، أنا كنت بس بحمي ابني من غضبه، كنت بقوله على الحقيقة اللي كنت عايشاها للحظتها، كنت بحاول أمتص غضبه من ناحيتك، حتى لو صبه كله عليا أنا.

  

زاغت عينين "آشماداي" يمين وشمال بتوتر قوي، وترقب للي جاي وهو بيقولها بحذر :

  - ناوية على إيه؟.. هننفصل؟ 

  

ابتسمت "شمس الأخاديد" ابتسامة ساخرة وهي بتقوله :

  - إحنا ما بنقولش على اللي ناويين نعمله يا "آشماداي"؛ خليها مفاجأة.. أما الانفصال فجاي جاي لكني هأجله شوية، لأن زمان خبر جوازنا انتشر في كل المملكة، وأنا مش مراهقة عشان أتجوز الصبح وانفصل الضهر. 

  

 بلع "آشماداي" ريقه بصعوبة وهو بيسألها:

  - يعني إيه؟ 

  

سحبت "شمس الأخاديد" نفس قوي وهي بتقوله :

  - من هنا وراح تتصرف تصرفات أمراء، هقدمك لشعبي تقديم رسمي ولازم تكون في صورة تليق بيا وباسمي وقبل كل ده باسم جلالة الملك "فولاك". 

  

ابتسم "آشماداي" بسعادة وهو بينحني ناحية ايدها يقبلها، لكنها سحبت ايدها من بين ايده بكل هدوء وكبرياء و هي بتقوله:

  - ده قدام الشعب، لكن بيني وبينك جوازنا انتهى، الأوضة دي أوضتي أنا وجلالة الملك "برقان" ممنوع رجلك تخطيها مرة تانية، هخلي الخدم يجهزولك أوضتك في ملحق القصر، هتفضل فيها لوقت ما أحتاجك، ممنوع تتجول في القصر أو حديقته، أو حتى في المملكة، هبعتلك حد ياخد مقاساتك ويعملك لبس  يليق بزوج الملكة "شمس الأخاديد" . 

  

بهتت ابتسامة "آشماداي" اللي كان بيبصلها بصدمة وذهول من تغيرها المفاجئ والكامل ده عشان يسألها بنبرة شجن :

  - إيه اللي غيرك كده معايا؟.. معقول إنتي "شمس الأخاديد" اللي كانت بتجيلي الكهف، واللي كانت بتعشقني، واللي أقسمت إنها عاشت معايا مشاعر عمرها ما عاشتها قبل كده. 

  

اتنفست "شمس الأخاديد" بهدوء وهي بتمط شفايفها بامتعاض وبتقوله:

  - كان عاجبني الحالة اللي كنت عايشاها، واللي كنت بمشيها بارادتي أنا، وأنا اللي كنت متحكمة فيها، لكنك خرجت بره الدايرة اللي رسمتهالك، وفكرت إنك ممكن تلوي دراعي، أو تكون نقطة ضعفي، وده  اللي غبائك صورهولك، لأنك لو كنت ذكي شوية قليلين كنت عرفت إني بتحكم في قلبي بنفس القوة اللي بتحكم فيها بعقلي، يعني مشاعري اللي اتحركت ناحيتك دي أحرقها بايدي وأشرب نخبها كمان.

  

واتنهدت بقوة وهي بتكمل :

  - أنا بفهمك بس عشان تاخد بالك من تصرفاتك معايا بعد كده، دلوقتي الحارس هيجي ياخدك لأوضتك وتجهزوها مع بعض. 

  

رسم "آشماداي" علامات الجدية والكبرياء على ملامحه وهو بيقولها بتعجب:

  - بس أعتقد إن جلالة الملك "فولاك" قال إنه هينفينا لقصر الحالمات، إزاي بقا بتحضري أوضة ليا هنا، ولا كأنه أصدر أي قرار. 

  

استشعرت "شمس الأخاديد" الخبث في صوت "آشماداي"، لكنها تغاضت عن ده وجاوبته بكل كبرياء :

  - دي أمور خاصة بيننا.. الغرباء ما بيتدخلوش فيها.

  

********

"نيرون" كان في قصره بيقلب أوضه ودهاليزه ركن ركن يدور على "هيرينا" اللي اتبخرت تمامًا واختفت، وصرخات الغضب بتدوي في أركان المكان، أما الملك "العيلان" فكان  قاعد على عرش المملكة بكل زهو وجنوده محاوطاه، في الوقت اللي كانت فيه "ايزابيل"  قاعدة على الكرسي المقابل ليه بتبصله بغضب وامتعاض وشيطانها بيوسوس لها إنها تحطله السم في المشروب، لكن خوفها من جنوده المخلصين واللي ماليين المملكة كان الرادع اللي بيمنعها من تنفيذ مخططها. 


زفر الملك "العيلان" زفرة قوية وهو بيبص لجنوده بنفاذ صبر وضيق قبل ما يقوم من مكانه يخطو مهرولًا ناحية "ايزابيل" يحاوطها بايديه اللي ركن كل إيد منها على مخدع من مخادع الكرسي، وهو بيميل بجسمه ناحيتها بكل حميمية  وبيزفر أنفاسه الملتهبة في وشها وبيقولها بضيق:

  - هروب بنتك ده معناه خراب لمملكتك يا "ايزابيل"، لأني ببساطة مابترفضتش، ولو حصل بزعل، وزعلي وحش قوي.. شايفة الجنود اللي وراكي دول مستعدين يحرقوا الأخضر واليابس عشان زعلي بس. 

  

بلعت "ايزابيل" ريقها بتوتر وارتباك علاماته كانت فارضة سطوتها على نظراتها الزائغة، اللي حاولت تهرب من نظرات "العيلان" بكل الطرق، لكنه أحبط محاولاتها دي لما قبضت إيديه على فكها يثبته ناحيته بكل قوته وهو بيقولها بتحذير :

  - عقلي الجميلة بنتك وفهميها مصلحة مملكتكم، ومصلحة الغبي أخوها، اللي بيدور عليها زي المجنون في كل ركن ده، واللي استنفذ كل فرصه عندي. 

  

ثبتت "ايزابيل" أنظارها الجاحظة في أنظار "العيلان" بهلع شديد قطعه دخول "نيرون" الصاخب وهو بيجري ناحية "العيلان" يرمي جسمه تحت أقدامه بتوسل شديد مرددًا:

  - هجيبها تحت رجليك صدقني يا جلالة الملك "العيلان"، أرجوك تديني فرصة، يوم واحد بس وتكون عندك وإعمل فيها ما بدالك.. أرجوك يا مولاي. 

  

"العيلان" ما اتحركش ميللي واحد من مكانه، لكن عينيه مالت لأسفل تبص لـ "نيرون" بامتعاض وهو بيقوله بسخرية :

  - الأميرة "هيرينا" أصبحت من زوجاتي، وأنا هقدر أجيبها بطريقتي، مش محتاج أحمق زيك يجيبهالي. 


اتنهد "نيرون" براحة مادامتش كتير، عشان يبصله بتوتر أكتر وهو بيتلجلج في كلامه :

  - هتسيب الجيش معايا؟ 

  

حرر  الملك "العيلان" فك" ايزابيل" من قبضته وهو بيستقيم بوقفته للحظات قبل ما يستدير بجسمه مقابل "نيرون" اللي كان لسه على الأرض، وهو بيبصله بامتعاض وبيقوله:

  - الجنود معاك بشكل مؤقت لحد ما تبين كرامة، وقتها يا أرضى عنك وأساندك كمان.. 

  

وكمل كلامه بنبرة غاضبة وحشية:

  - يا تشوف غضبي اللي عمره ما هيخطر في بالك مهما سرحت بخيالك. 

  

هز "نيرون" راسه بهذيان وهو بيقوله بذعر :

  - هعمل لجلالتك كل اللي تطلبه مني وقبل ما تطلبه كمان. 


تجاهل الملك "العيلان" "نيرون" وكلامه والتفت ناحية "ايزابيل" يبصلها بنظرات جريئة وقحة وهو بيدي الأوامر لجنوده بحزم:

  - هترافقوا الملك "نيرون" وتحرسوه، وهتكونوا له حماية ، لكن ممنوع تدخلوا معاه أي حرب مفتعلة، أوامركم هتكون مني أنا وبس، يلا أمنوا القصر والمملكة. 

  

  جاوبه كبير الحرس بطاعة تامة :

  - سمعًا وطاعة يا مولاي. 

 

وغادر الحرس الغرفة ومن بعدهم الملك "العيلان" بكبرياء شديد، عشان تزفر "ايزابيل" زفرة قوية تطرد بيها كل خوفها وارتباكها وهي بتقوم من مكانها تنحني ناحية "نيرون" اللي كان لسه في مكانه، وتصرخ فيه بغضب قوي:

  - شفت غباءك وصلنا لفين؟.. خلى جني خسيس لامم حواليه شوية مرتزقة ونصب نفسه ملك عليهم يقتحم مملكتنا ويملي علينا شروطه، والأدهى من كده إنه بيعاملنا زي العبيد عنده!.. لا.. ويتجرأ كمان إنه يطلب الأميرة "هيرينا" بنت الملك "برقان"، للزواج، الأميرة "هيرينا" اللي أنا كنت رافضة جوارها من قائد عظيم زي القائد "خوان"، يجي الوقت اللي تكون مطمع لحثالة زي "العيلان".. "العيلان" اللي ركعت قدامه زي العبد الذليل.. هو ده الملك  "نيرون" ابن جلالة الملك "برقان" وأخو الملك" فولاك" العظيم اللي كان بيمجد فيه الحثالة "العيلان" قدامك؟!.. فين الشيطان اللي قدمت له القرابين؟!.. فين الحجيم اللي بقيت حارس بوابته؟! 

  

كلامها كله كان هو والهوا سواء، فماكانش فارق معاه أي انفعال أوغضب ليها، كل اللي فارق له دلوقتي إنه محتفظ بجنوده اللي بتحميه، حتى لو كانت حماية مشروطه، عشان يزفر زفرة قوية وهو بيقوم من مكانه بابتسامة بلهاء وبيدفعها بقوته بعيد عنه وهو بيقول:

  - المهم إن جنودي معايا حتى لو بشكل مؤقت لحد ما جمع جيش قوي، حتى لو دفعتله أموال العالم. 

  

برقت "ايزابيل" عينيها بصدمة وهي بتهز راسها بيأس وبتبصله بصات مذهولة زي حروفها:

  - إنت مستحيل تكون ابن الملك "برقان"!.. أنا لو كنت زوجة خاينة كنت قولت إنت أكيد ابن وغد رافقته في ليلة عابرة.. إنت مش "نيرون" اللي كان نسخة مصغرة من "فولاك".. إمتى اتبدلت بالشكل ده؟!.. إمتى شيطانك اتمكن منك بالشكل ده؟!.. إمتى بقيت شيطان غبي بالشكل ده؟!.. فين كبرياء الملوك اللي في دمك؟!.. إنت مش شبه "فولاك" ولا حتى "هيرينا". 

  

مجرد ما اسم "هيرينا" رن في ودانه، ثارت ثورته، واستشاط غضبه وهو بيجري يغادر الغرفة وصرخاته باسمها مدوية ف الأنحاء :

  - "هيرينا". 


*********

  "نور" كانت قاعدة في سريرها حاضنة جسمها بخوف قوي ودموعها سايلة بغزارة، و "رنة" قاعدة قصادها على طرف السرير تحرك جناحاتها حواليها برفق، عشان تملا المكان بنسمات هوا باردة معطرة برائحة الزهور البرية، وعينيها كلها شجن وحزن عشان "نور" اللي كانت ساكتة تمامًا، فماكانش من الفراشة غير إنها تحكي لها بصوت ناعم رقيق :

  - كنت لسه يرقة صغيرة خارجة من بيضتها، أمي وأخواتي أكلهم كلب وحشي كان بيلعب في الغابة، أنا الوحيدة اللي نجيت منه لأني وقعت بين الأعشاب الكثيفة. 

  

صوت الفراشة وحكايتها شدت انتباه "نور" اللي رفعت عينيها المغيمة بالدموع ناحيتها بتركيز قوي، عشان تكمل الفراشة بصوت شجن:

  - كنت سامعة صرخات أمي وحربها معاه عشان تنقذ أخواتي، لكن للأسف ماقدرتش، وكان مصيرهم الموت كلهم.. جسمي كان بيتنفض وأنا كاتمة بكايا جوايا والكلب بيقرب مني، عينيه عمري ما هنساها.. لسه فاكرة كل تفاصيلها، فاكرة خطوطها، فاكرة لون النار اللي كانت جواها. 


صوت الفراشة اتخنق بالبكا وهي بتحكى، عشان تبصلها "نور" بأسى وهي بترفع ايدها تمسح دموعها اللي مالية خدودها، فابتسمت الفراشة بانكسار وهي بتقولها:

  - كانت مواجهتي الأخيرة مع الموت، خلاص قرب مني وفتح فمه عشان ياكلني، كنت رافضة أغمض عينيا عشان صورته تكون  أول وآخر صورة أشوفها، لكني فجأة لقيته اختفى من قدامي، وظهر مكانه جلالة الملك "فولاك" اللي بصلي بصة عمري ما هقدر أنساها الباقي من حياتي، بصة حنان وخوف ماشوفتهاش منه تاني غير النهاردة.. يومها طمني وشالني بين إيديه وجابني القصر هنا، واهتم بيا بنفسه، كان بالنسبالي الأب اللي فتحت عينيا عليه، كنت بمشي وراه في كل مكان بيروحه، عمره ما نهرني، ولا اتعصب عليا، بالعكس كان بيخاف عليا.. كنت يرقة شقية، وبقيت فراشة أشقى بكتير.. 

  

ابتسمت "نور" ابتسامة خفيفة، كان عند الفراشة أضعافها وهي بتقولها :

  - في زحمة حروب جلالة الملك نسي يديني اسم، يمكن عشان ما كانش مضطر يناديني أصلًا لأني كنت معاه ووراه في كل حتة بيروحها، حتى لما طلع العالم بتاعكوا فوق كنت معاه. 

  

اتعدلت "نور" في قعدتها باهتمام وهي بتقولها :

  - بجد؟! 

  

ابتسمت الفراشة بسعادة وهي بتجاوبها :

  - أيوة، وكنت بشوفك، وكنت بحكي لجلالة الملك عنك كمان طول الليل، وهو كمان كان بيحكيلي عنك. 

  

تلاشت ابتسامة "نور" ورسمت مكانها معالم غير مهتمة وهي بتضم شفايفها بفضول دفين:

  - كان بيقولك إيه بقا عني؟ 

  

ابتسمت الفراشة وهي بتهز رأسها بنفي وبتقولها:

  - غير مسموح ليا بنقل أسرار جلالة الملك،  أنا بحكي اللي يخصني في الحكاية بس. 

  

ضيقت "نور" عينيها بغيظ وهي بتقولها :

  - مايهمنيش أعرف أصلًا. 

  

ابتسمت الفراشة بدون ما تعقب على كلامها عشان تكمل حديثها :

  - أول مرة كنت أسمع حد يناديني باسم كان إنتي، حبيت اسم "رنة" لايق عليا قوي، لأني بعمل دوشة في كل مكان بروحه.. لدرجة إني كنت هتجنن وأتكلم معاكي، ويوم ما جلالة الملك فك تعويذة الحجب بتاعتي كنت طايرة من الفرحة عشان هتشوفيني وتردي عليا، لدرجة إني نسيت وصية جلالته بإني ما أظهرش ليكي بشكل مفاجئ.

  

اتنهدت "نور" بهدوء وهي بتسألها :

  - هو اللي قرر إنك تظهري؟

  

أرخت "رنة" أجنحتها جنبها وهي بتجاوبها بفخر :

  - مفيش أي قرار بيتاخد في المملكة غير من جلالة الملك "فولاك" ذاته ، الملك اللي كل الممالك اللي جنبنا بتحسدنا عليه، لأنه متواضع، وشهم، وأصيل، وكريم، مع الحق حتى لو ضد جلالة الملكة "شمس الأخاديد" ذات نفسها، بيخاف على شعبه وعشيرته أكتر من نفسه، لكني النهاردة إتأكدت إن فيه مخلوق بيخاف عليه أكتر من شعبه وعشيرته والكون كله. 

  

ابتسمت "نور" بخجل وهي بتهرب بعينيها من "رنة" اللي ابتسمت وهي بتقولها بتنهيدة قوية :

  - دوري لحد هنا انتهى النهاردة، الجاي دور جلالة الملك.

  

وقامت من مكانها "رنة" عشان تبصلها  "نور" باستغراب وهي بتقولها:

  - مش فاهمة. 

  

الرد على كلامها كان عبارة من طرقات خفيفة على باب الغرفة، عشان تشاور "رنة" ناحيته بجناحها وهي بتقولها :

  - جلالته هيفهمك كل حاجة. 


واختفت "رنة" في غمضة عين وهي بتودعها بابتسامة واسعة، عشان يدخل الملك "فولاك" اللي كانت ملامحه جامدة بشكل يصعب قراءة مشاعره في اللحظة دي ، بصتله "نور" بحزن وهي ساكتة، عشان يقرب منها بحذر وهو بيقولها :

  - أنا جاي أعتذر لك عن اللي حصل، حقيقي ما كنتش أتمنى تشوفيني بالشكل ده، لكن الموضوع أكبر من تصورك بكتير، أتمنى إنك ما تخافيش مني، ولا تغيري فكرتك عني. 

  

رفعت "نور" حاجبها وهي بتقوله بدهشة :

  - وإنت تعرف منين الفكرة اللي واخداها عنك؟!.. مش يمكن أنا فعلًا شايفاك بنفس الصورة اللي شفتك بيها من شوية دي؟ 

  

ملامح "فولاك" الباردة اشتعلت صدمة وهو بيبصلها بذهول بيقولها بنبرة مترقبة :

  - بجد يا "نور"؟.. شايفاني قاتل؟ 

  

حطت "نور" كفها فوق موضع قلبها اللي نبضاته كانت مسموعة وبقوة، وهي بتغمض عينيها بتوتر وبتهمس :

  - بلاش تنطق اسمي تاني الله يسترك.. قلبي هيخرج من مكانه بسببك. 

  

ابتسم "فولاك" على كلامها ابتسامة عاشقة سيطر عليها سريعًا، ورسم مكانها ملامح الجمود والصلابة وهو بيقولها :

  - بتقولي حاجة يا "نور"؟ 

  

سحبت "نور" نفس قوي، خرجته بتنهيدة قوية، وهي بتفتح عينيها المرتبكة وبتقوله:

  - ما بقولش.. إنت كنت جاي ليه؟ 

  

زوى "فولاك" ما بين حواجبه بدهشة مصطنعة وهو بيقولها بتعجب قوي :

  - ما أنا لسه قايلك يا "نور". 

  

توتر وارتباك عمل على رفع الادرينالين في جسمها، فابتدت تحرك ايديها قدام وشها عشان تقلل درجة حرارته اللي حولته لحبتين من الطماطم الطازجة الشهية وهي بتقوله :

  - يا سيدي بلاش كده.. ممكن تقولي أي حاجة تانية غير "نور" دي. 

  

مط "فولاك" شفايفه بدهشة وهو بيقولها ببراءة مصطنعة :

  - هو إنتي ليكي اسم تاني غير "نور"؟.. طب قوليلي وأنا أقولهولك يا "نور". 

  

يلهو بأوتار قلبها، وأعصاب جسدها المتحفز له، وكأنه يقسم بأن يُهلكها، وإن يجعلها تستسلم له بكل رضا خاطر، لكن هيهات فهي قوية حتى وإن أضعفها صوته العاشق الذي يترنم بأحرف اسمها، لتتنهد بقوة، وتبدأ في تمارين الشهيق والزفير وهي تقول له :

  - أنا هقولك يا ابن العفاريت، وإنت تقولي يا إنسية.. وكده نبقى فل، لا الست والدتك تزعل مني لأني بقولك باسمك، ولا أنا أتوتر بالشكل ده. 

  

نظرات "فولاك" العاشقة كانت بتراقب حركة شفايفها المغرية، واللي كانت بترحب بيه بكل حفاوة، لكنه قرر إنه يتبع جميع الأصول المعترف بيها، فاقترب منها بعشق جارف، وهو بيقرب من خصلاتها الذهبية يستنشق عبيرها هامسًا :

  - "نور"... بحبك. 

الفصل الحادى عشر من هنا

تعليقات