رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الحادى عشر بقلم فاطمة على محمد
ضربات قلب "نور" واللي كانت واصلة لمسامع "فولاك"، وعشانها رقص قلبه بين ضلوعه بسعادة وفرحة، لمجرد شعوره إن قلبها أعلن تمرده على ثباتها وجمودها من ناحيته، وإداله تفويض كامل بالتعامل، وتصريح مدموغ بصك عشق أزهرت أولى نبتاته.
حالة السعادة اللي كان عايشها "فولاك" قرب "نور"، وتوترها وارتباكها قربه، وأنفاسها اللاهثة زود استمتاعه بالحالة اللي عايشها، عشان كده قرر إنه يلهو بأوتار قلبها شوية، فاتنفس نفس عميق ببطئ، وزفره ببطئ أكتر جنب ودنها وهو بيقولها بولهٍ صادق:
- بحبك.. من أول لحظة شفتك فيها وأنا متأكد إنك اتخلقتي في الدنيا عشاني يا "نور".
رجفة قوية اتنفض لها جسم "نور" من قربه المهلك ده، وأنفاسه الحارة اللي اشتعلت لها خدودها، وصوته الدافي اللي اترعش له قلبها، عشان تبعد بجسمها عنه وهي بتبلع ريقها بصعوبة من شدة خجلها وبتقوله :
- إنت جريء قوي على فكرة.
سحب "فولاك" نفس قوي صاحبته ابتسامة ساحرة، ونظرة عاشقة وهو بيستقيم بوقفته وبيتنهد بقوة وبيقولها :
- خالص.. أنا قبلك عمري ما فكرت أعمل كده، معاكي بجرب كل حاجة لأول مرة.
"نور" كانت بتبص لعينيه اللي صدقهم كان واضح وضوح الشمس، واللي كان عامل ضي غريب قوي جواهم لدرجة خليتها تسرح فيهم للحظات فقدت خلالها النطق، لكنها حمحمت أخيرًا بخجل سحبها من شرودها ده وهي بتحاول تغير مجرى الحديث بكلامها :
- مش إنت كنت جاي تعتذر، أنا قبلت اعتذارك، ممكن تتفضل تخرج بقا.
مط "فولاك" شفايفه بدهشة مصطنعة وهو بيقولها بتعجب :
- الملك "فولاك" بيتطرد من أوضة في قصره؟!..وكمان من إنسية؟!.. ومن غير ما يكمل كلامه!
بصتله "نور" بتفاخر وزهو وهي بتقوله :
- ماهي مش أي إنسية برضه.
رجعت نظرات العشق تسيطر على عيون "فولاك" اللي قرب منها يهمس بنبرته الولهة:
- الإنسية الوحيدة اللي قدرت تسيطر على قلبي وعقلي، واللي خليتهم لأول مرة يتفقوا على حاجة ممكن تزعلك للحظات ، لكنها أكيد هتخليني أسعد مخلوق في الكون العمر كله.
استنبطت "نور" مغزى كلام "فولاك" خاصة لما رفعت عينيها ناحية عينيه اللي كانت مرتكزة على شفايفها بنظراته العاشقة، عشان تشهق شهقة قوية كتمتها بكف ايدها اللي أخدته حصن منيع يصد هجوم "فولاك" اللي رجع استقام بوقفته وهو بيبتسم ابتسامة مشاكسة وبيقولها بمكر قوي :
- إنتي فهمتي إيه يا "نور"؟!.. أنا كنت أقصد إني أخدك لجلالة الملكة "شمس الأخاديد" عشان تحلوا سوء التفاهم اللي موجود دايمًا بينكم.
رفعت "نور" راسها للأعلى للحظات تفكير اتحول لخجل جاهدت للتخلص منه وهي بتهز راسها بنفي وبتقوله :
- لا وحياة أمك، أنا أصلًا عايزة أختفي من قدامها خالص.. لو عندك طريقة تخبيني منها يبقا كتر خيرك.
"فولاك" لسه مصمم على اللعب مع "نور" والاستمتاع بحمرة خدودها اللي ملزماها طول ما هو موجود معاها، وطول ما هي متوترة ومرتبكة، عشان كده مسك طرفين قفطانه يفتحهم على طول دراعاته بدعوة صريحة لـ "نور" للدخول إلى أحضانه، لتشهق بقوة وهي بتبصله بصدمة وبتقوله :
- أكيد طبعًا عمري ما هعمل كده، إياكش أمك تاكلني حتى.
ضيق "فولاك" عينيه بدهشة وهو بيعدل من هيئته، وبيظبط قفطانه اللي جمع طرفيه مع بعض بالحزام الخاص بيه وهو بيقولها بنبرة المكر اللي ما اتخلاش عنها :
- تعملي إيه يا "نور"؟.. مش فاهم!
ركزت "نور" بأنظارها ناحية الحزام اللي ابتدى "فولاك" يعقده وهي بتقوله بدهشة :
- إنت بتعمل ايه؟!
قلب "فولاك" شفايفه بلا مبالاة وهو بيقولها :
- القفطان حزامه اتفك، فكنت بظبطه.
وضيق عينيه بتصنع التفكير للحظات وهو بيكمل كلامه :
- إنتي فكرتي في حاجة معينة؟
سحبت "نور" نفس قوي وهي بتحك رقبتها بتوتر وبتقوله :
- أبدًا.. بس ممكن تخرج بره، روح شوف الست والدتك، ولا شوف شعبك اللي بتحكمه ده، ولا حتى شوف "خوان".. المهم سيبني دلوقتي.
ابتسامة "فولاك" تلاشت عن عمد وهو بيقولها بنبرة جدية :
- صحيح.. النهاردة هنعمل مراسم رجوع "هيرينا" لـ "خوان"، ولازم تكوني موجودة معانا، وبعدها نكمل كلامنا.
زفرت "نور" زفرة قوية بغيظ وهي بتقوله بتذمر :
- هو إنت ما ينفعش تكمل جملة كويسة على بعضها؟!
رفع "فولاك" حاجبه بدهشة وهو بيقولها :
- هو أنا قولت حاجة غلط يا "نور"؟!
هزت "نور" راسها بنفي وهي بتقوله بإبتسامة مصطنعة:
- خالص يا جلالة الملك "فولاك"، إنت ما بتقولش أي حاجة غلط، بس يا ريت ما عتش تناديني "نور" تاني، وياريت تخرج وتبعتلي "رنة" عشان محتاجاها، ولو مش هتقل عليك ياريت تكون "رنة" مرافقتي طول فترة وجودي هنا، لأنها بصراحة أكتر مخلوق مريح في التعامل في العالم ده، إنما إنت والست والدتك موترين ومُربكين بشكل صعب جدًا.
هز "فولاك" راسه بموافقة وهي بيدور بجسمه عشان يغادر الأوضة بدون ما ينطق حرف، لكن ابتسامته كانت بتنطق بقصيدة عشق متيم اتكتبت بين جني وإنسية، في نفس الوقت اللي اتنهدت فيه "نور" براحة وهي بتقعد على طرف السرير تفتكر كلامه وطيف ابتسامة خجولة غازل شفايفها الكرزية.
*******
غادر "فولاك" غرفة "نور" وابتسامته كانت لسه مزينة محياه، وصوتها الخجول لسه بيرن في ودانه، وقف قدام بابها للحظات يسحب نفس قوي وهو بيبصله براحة قوية، عشان يلتفت ويمشى كام خطوة قبل ما يوقفه صوت "شمس الأخاديد" :
- جلالة الملك.
ابتسامة "فولاك" تلاشت تلقائيًا وحل مكانها نظرات غضب وغيظ وهو بيتسمر مكانه في صمت ومن غير ما يتلفت وراه، عشان تخطو "شمس الأخاديد" بخطوات واسعة توقفت قدامه تمامًا وهي بترفع عينيها المتوسلة ناحيته وبتقوله :
- أنا كنت عايزة أفهمك حقيقة....
رفع "فولاك" كفه في وجه الملكة بحزم وهو بيقولها بوجه عبوس :
- ما يهمنيش أعرف الحقيقة يا جلالة الملكة، يكفي اللي عرفته وزيادة.
رفعت" شمس الأخاديد" ايديها اللي اتعلقت بكف "فولاك" وهي بتقوله :
- أمك ما عملتش حاجة غلط.
اتنفس "فولاك" أنفاس مشتعلة وهو بيتلفت لحرس الغرفة اللي غادر في لحظة، عشان يبصلها بنظرات نارية:
- مش هنعيده تاني يا جلالة الملكة قولتلك إنتي فقدت حقك في العلاقة بينا.. فياريت كلامنا يكون رسمي.
بنظرات متألمة طوفت "شمس الأخاديد" معالم وجه "فولاك" ونظراته، تدور فيهم على نظرة الحب والحنان اللي كانت خاصة بيها لوحدها، لكنها للأسف ما لقيتش غير غضب وغيظ وحقد، فحاولت تسيطر عليهم بكلماتها الشجنة :
- عمري ما هفقد حقي في أمومتك، إنت ابني الوحيد، والوحيد في الكون اللي في كفة لوحده، وإن كنت غلطت اديني فرصة أصلح غلطي.
مط "فولاك" شفايفه بلا مبالاة وهو بيقولها :
- تصلحي ما تصلحيش ماعاتش يفرق بالنسبالي، لكن يمكن يفرق لشعبك اللي بيحترمك، واللي كان شايفك قدوة ومثل، وأسطورة بيتكلموا عنها في كل قعداتهم.
خنجر تلم طعن بيه "فولاك" قلب الملكة اللي فقدت أخر خيط للأمل في إصلاح علاقتها بـ" فولاك" على الأقل في الوقت الحالي، عشان تتنفس في يأس وهي بتقوله :
- هنفذ قرارك بالنفي، لكني هستنى الوقت اللي تعفو عني فيه حتى لو كان آخر لحظة في عمري، المهم إنك تكون آخر صورة أشوفها في دنيتي.
قبضة قوية عصرت قلب "فولاك" للحظات، لكن كبريائه كان حائل بينه وبين التراجع، في نفس الوقت اللي كان قلبه رافض بعدها عنه، خاصة بعد ما سمع كل حوارها مع "آشماداي" واللي طيب خاطره لحد كبير، رغم غضبه منها لحد اللحظة دي، فسحب نفس قوي وهو بيقولها بجدية:
-هنعمل مراسم رجوع الأميرة "هيرينا" للقائد "خوان"، ماينفعش الملكة ما تحضرهاش، خاصة بدون أي تمهيد، تقدري تحضريها وبعد كده تنفذي القرار.
كأن روح "شمس الأخاديد" اللي كانت رايحة منها ردت فيها تاني، الدنيا اللي كانت في عينيها خرم إبرة، رجع براحها يحييها من جديد، عشان تبتسم بسعادة وهي بتقوله :
- إنت بتتكلم بجد يا "فولاك"؟ .. يعني إنت سامحتني؟
ابتسم "فولاك" ابتسامة ساخرة وهو بيقولها بتهكم :
- الظاهر إن جلالتك ما سمعتيش باقي كلامي، بقولك بعد المراسم هتنفذي قرار النفي.
هزت "شمس الأخاديد" راسها بنفي وهي بتبلع ريقها بسعادة وبتقوله :
- مش مهم.. اللحظة زيادة جنبك بالدنيا، وأوعدك إني أخليك تتراجع عن قرارك ده بشكل نهائي.
سحب "فولاك" نفس قوي بعمق، ورجع زفره بهدوء وهو بيبصلها نظرات غامضة فشلت في قراءتها قبل ما يسيبها ويروح يشرف بنفسه على تجهيز المراسم.
*********
الحالة المزرية اللي وصلت لها "نادية" كانت محط تعجب واندهاش كل اللي حواليها، خاصة حالة الخرس التام والرعب والهلع اللي جحظت له عينيها، اللي مبرقة طول الوقت، واللي رافضة تنام للحظة واحدة، ده غير المصيبة الأكبر اللي كانت بتكبر جواها كل يوم عن التاني بشكل مرعب، واللي كل دكاترة النساء والتوليد كانت في حيرة وتعجب من أمرها، فبطن نادية كانت بتكبر بشكل مبالغ فيه لدرجة إن قُطرها عدى المتر ونص.
جميع الاختبارات والتحاليل بتأكد إن "نادية" حامل، حتى ضربات القلب للجنين مسموعة للجميع وعلى كل الأجهزة، إنما الرحم قدامهم جميعًا فارغ من أي أجنة وده اللي أثبته جهاز السونار.
الأمر وصل معاها إنها أصبحت حالة للنقاش في جميع الندوات والمؤتمرات الطبية، لغرابة الحالة وصعوبتها، حتى المحطات التلفزيونية حطت مبالغ ضخمة لأهل "نادية" عشان يسجلوا معاها ويصوروها وتكون سبق إعلامي بالنسبالهم، لكنهم رفضوا إنهم يعملوا من بنتهم سلعة للعرض.
في اليوم ده كانت "نادية" نايمة في أوضتها زي أغلب الوقت اللي بقا يعدي عليها ، والدتها دخلت عليها الأوضة تبصلها بوجع وحسرة لحالتها اللي عدت حدود المنطق، واللي ما يعرفوش إيه وصلها ليها، لأنها رافضة الكلام من يومها، قربت والدتها من السرير وقعدت على طرفه جنبها تبصلها بدموع متحجرة في عينيها وايديها بتمسح على شعرها وهي بتقولها بصوت مخنوق بالبكاء :
- إيه وصلك للحالة دي يا قلب أمك.. إحكيلي يا بنتي، صوتك واحشني يا "نادية".. عارفة إننا انشغلنا عنك ونسيناكي، بس والله إحنا دخلنا مفرمة الحياة غصب عننا، كنا بنشتغل زي التيران في ساقية عشان نوفرلك حياة كريمة، بس في عز ما بنعمل ده نسينا نركز معاكي، ونسألك عن أحوالك.
دموع "أم نادية" اللي كانت متحجرة في عينيها بصدمة كل الأيام دي؛ أخيرًا اتحررت ونزلت سيول وهي بتكمل كلامها :
- سامحينا يا بنتي على تقصيرنا معاكي، سامحينا على ضعفنا قدامك، كنا بنقول بنتنا الوحيدة اللي جت لنا بعد شوق وحرمان سنين، كنا بنخاف نرفضلك طلب، كنا بنقول مالناش غيرها ومالهاش غيرنا، دي بتتدلع على حسنا، دي بتخرج وبتسهر زي باقي صحابها، عارفة إنك كنت بتبالغي في تصرفاتك لكن والله أنا متأكدة إنك نضيفة من جوه، وقلبك نقي، كنت بقول أهي طوشة وهتروح لحالها.. لكنها ماراحتش .. فوقي يا "نادية".. طمني قلبي وقلب أبوكي عليكي، قلب أبوكي اللي ما اتحملش يشوفك كده وتعب.. فوقي يا بنتي بالله عليكي.. طمنينا عنك بكلمة واحدة.
"نادية" كانت تمثال شمع لا بيسمع ولا بيتحرك ولا بيتوجع، ولا ليه أي رد فعل على كل الأحداث اللي بتحصل حواليه، كانت دمية بيحركوها من أوضتها للعيادات والمستشفيات يتابعوا حالتها ومن بعدها ترجع سريرها مرة تانية، وده كله كانت عرفاه والدتها، لكن كان عندها أمل لآخر لحظة إنها تتفاعل معاها وترد عليها، لكنها للأسف ما أخدتش أي استجابة، فاتنهدت بوجع وهي بتقوم من مكانها تنحني ناحية راس بنتها تقبلها بحسرة وألم قبل ما تسيب الأوضة وتخرج.
مجرد ما خرجت والدة نادية وقفلت باب الأوضة وراها ظهر "نيرون" اللي كان متابع كل كلامها ده، واللي عزل الأوضة عن باقي البيت وهو بيقرب من سرير "نادية" لحد ما وقف قصادها بشكله الدميم اللي عمل لها حالت هياج عصبي وصريخ قوي، عشان يقرب منها وهو بيقولها بنبرة ساخرة :
- اصرخي زي ما انتي عايزة، محدش هيسمعك، والدتك راحت تطمن على والدك اللي قلبه تعبان، واللي لسه راجعة بيه من المستشفى من دقايق، واللي لو شافك بالحالة دي هيموت في لحظة .
الرعب اللي كانت عايشاه "نادية" كان حائل قوي بينها وبين إنها تسمع أي كلمة منه، لكن إصراره كان أقوى بكتير، فقعد على طرف السرير قدامها يحط ايده على راسها للحظات وهو بيقرأ عليها تعويذة هديت بعدها تمامًا ورجعت لحالتها الجامدة مرة تانية، عشان يشيل ايده عنها ويستقيم بقعدته وهو بيقولها :
- وفري مجهودك ده لحاجة تانية.
ونزل بأنظاره ناحية بطن "نادية" اللي ابتدت تتحرك بشكل قوي وهو بيكمل كلامه :
- خلاص جت اللحظة اللي كنت مستنيها، وولي العهد هيشرف، خلاص ابني اللي شيلتيه في بطنك الوقت ده وحافظتي عليه، جه وقت إني أشيله أنا بس بين ايديا.. أنا جاي آخد ابني منك يا "نادية" وأريحك من كل تعبك.
وركز أنظاره مع بطن "نادية" اللي ابتدى يجيلها آلام المخاض القوية، واللي كانت فوق طاقة تحملها الصامت، اللي مش قادرة تصرخ منه، رغم علامات الوجع والألم اللي كانت ظاهرة على كل ملامحها، ده غير العرق اللي كان مغرقها تمامًا.
"نادية" كانت بتتنفس بصعوبة بالغة وهي بتشد في طرف السرير بإيديها وبتفتح فمها بصرخة رافضة تخرج منها، لكنها بتحاول تساعد نفسها اللي اتورطت بين يوم وليلة في حمل جنين من جنس آخر.
الولادة كانت متعسرة على عكس توقعات "نيرون" اللي كان مُصر على إتمامها بأي طريقة حتى لو ماتت فيها نادية، المهم إنه يشيل ابنه بين إيديه، وده فعلًا اللي حصل، لما "نيرون" ابتدى يضغط على بطن "نادية" بكل قوته عشان يساعدها في خروج الطفل اللي مجرد خروجه اتسبب لها في نزيف قوي غرق الدنيا حواليها ، لكنه كان آخر اهتمامات "نيرون" اللي لمعت عينيه بفرحة قوية مجرد ما شاف ابنه وشاله بين إيديه وهو بيقوله :
- أخيرًا ولي العهد اللي هيكون ملك كل الممالك، واللي بيه هقدر انتصر على "فولاك" وجيشه، ابني المهجن بين الجن والإنس، ابني اللي هيكون أعظم ملك في التاريخ، واللي عظمته هتفوق عظمة جده "برقان".. نورت عالم الإنس والجن يا صغيري.
وضمه لصدره بقوة وهو بيغمض عينيه عشان يتنقل لعالمه، سايب وراه "نادية" اللي بتلفظ آخر أنفاسها.
********
في غرفة "خوان" كانت "هيرينا" بكامل حلتها وأناقتها بتحط آخر لمساتها الجمالية، واللي كانت عبارة عن عقد ملكي ورثته عن جدتها الكبيرة، واللي كان أدوار متراصة من الأحجار الماسية النادرة، الملونة بألوان زاهية، واصل لنص فستانها البنفسجي الطويل وهي بتمعن النظر في هيئتها بزهو وفخر قوي، مستعرضة أنوثتها الطاغية هامسة :
- وحشتني نفسي اللي كانت بتتزين لـ "خوان"، واللي كانت دايمًا الأحلى والأجمل.
في اللحظة دي دخل عليها "خوان" بإبتسامة خفيفة سرعان ما تحولت لأخرى مشدوهة، مذهولة من جاذبيتها المفرطة، واللي عمرها ما فشلت إنها تأسره في يوم، عشان يقرب منها بخطوات تقيلة لحد ما وقف قدامها يتأملها بشرود وهو بيقولها :
- إنتي إزاي جمالك بيزيد كل يوم عن اللي قبله بالشكل ده؟!.. إزاي محتفظة بنص جمال العالم لوحدك؟!.. ليه بشوفك كل مرة كأنها أول وأجمل مرة.
استقامت "هيرينا" بوقفتها قدامه وهي بتتنهد بقوة وبترفع ايديها تحاصر عنقه بكفيها وبتقوله بكل غرور:
- كل جمال العالم، الباقي يدوب واخد الفُتات اللي بيقع مع شعرة واقعة في مشطي، أو مع حُمرة شفايف شلتها في منديل واترمى.
اتسعت إبتسامة "خوان" اللي كان مستمتع بلهو أصابعها بخصلات شعره البنية، وهو بيصارع نظراتها بنظراته العاشقة وبيجاوبها :
- حتى الفُتات كتير عليهم يا سمو الأميرة.
كلماته رضت غرورها تمامًا، لكنها كأي أنثى تنتظر الكثير من المدح والثناء، فهمست بنبرة غاوية :
- لسه حبي في قلبك زي ما هو يا "خوان"؟
هز "خوان" راسه بنفي وعينيه بتقسم قدامها بجميع آيات العشق والغرام اللي نطق لسانه ببعضها :
- حبك بيزيد مع كل نفس بتنفسه، حتى وإحنا بعيد عن بعض كنت بتقلب فوق جمرات حرماني منك، اللي كانت بتكويني في كل ليلة قضيتها وحيد، لما كنت بزورك في أوضتنا وانتي نايمة كنت بصارع نفسي اللي كانت عايزة تضمك بكل قوتها، اللي كانت عايزة تعيش معاكي لحظة جنون من اللي لسه موشوم أثارها على جسمي.
مالت "هيرينا" براسها يمينًا بدهشة وهي بتقوله بتعجب قوي:
- إنت كنت بتزورني؟!
اتنهد "خوان" تنهيدة حارة وهو بيقولها :
- كان شوقي ليكي أكبر مني ومن صمودي، كان بيجيبني لحد عندك عشان ارتوي منك، لكني في كل مرة كنت برجع أكتر عطش وجوع ليكي.. كنتي دايمًا نقطة ضعفي، ومازلتي يا "هيرينا".
ابتسمت "هيرينا" ابتسامة رضا واسعة وهي بتفك ايديها من حوالين رقبته وبتتلفت ناحية طاولة زينتها تاخد من عليها تاجها الماسي، تناوله له وهي بتقول :
- تاجي اللي دايمًا كنت بتحطه فوق شعري، من يوم ما بعدت عني وأنا رافضة أتزين بيه، كنت مستنية صاحبه هو اللي يرجعه مكانه تاني.
بصلها "خوان" بنظرات عشق وهو بيتناوله منها يتأمل خطوطه المنقوشة باسمها واللي صنعه ليها مخصوص بإيده من الماس الخالص، قبل ما يرفعه فوق راسها عشان يتوج حكايتهم بتاج العشق المتيم.
*******
في حديقة قصر "فولاك" كانت تجهيزات مراسم عودة "هيرينا" و "خوان" واللي أشرف عليها "فولاك" بنفسه في تغيير كامل لكل مخططاته تمت بنجاح، وجميع الحضور وصلوا لأماكنهم، عدا "نور" اللي كانت عينيه الملهوفة بتدور عليها بين الكل، عشان تقع أخيرًا على "رنة" اللي جاية ناحيته بإبتسامة واسعة وهي بتمسك طرف فستانها بايديها وبتنحني بحركة مسرحية استعراضية وهي بتقوله :
- مولاي.
ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة من تصرفاتها، لكن عينيه كانت لسه بتدور على معشوقته اللي سأل عليها بلهفة قوية:
- فين "نور"؟
اتسعت ابتسامة "رنة" وهي بتستقيم بوقفتها وبتجاوبه :
- طلبت مني أسبقها عشان أطمن إن جلالتك موجود، لأنها خايفة تكون في مواجهة مع كل الحضور ده لوحدها.
ابتسم "فولاك" بسعادة وهو بيهز راسه بيقولها قبل ما يسيبها ويمشي:
- هروح أجيبها بنفسي.
وفعلًا مشي في نفس الوقت اللي كانت "نور" ابتدت تزهق من الانتظار، وفتحت باب أوضتها تمد راسها من خلاله تستكشف العالم بره غرفتها عشان تتنفس براحة وهي بتسحب باب الأوضة وبتخرج مرددة بتنهيدة قوية:
- الحمد لله محدش موجود، أخرج أنادي "رنة" تقف معايا ولا أشوف ابن العفاريت ده في فين دلوقتي.
في اللحظة دي كان زوج من العيون الجنية بتراقبها بخبث قوي، واللي ما كانتش غير لـ "آشماداي" اللي كان بيتجول في القصر على عكس أوامر "شمس الأخاديد"، عشان يقرب منها بنظراته الوقحة ككلماته:
- إنسية جميلة ومثيرة في مملكتنا من غير ما أعرف.
مجرد ما رن صوته في ودن "نور" اتنفض جسمها بقوة، ونهش الخوف والفزع قلبها، عشان تتلفت وراها بتلقائية، تستكشف مين صاحب الصوت، اللي قرب منها بشدة، لدرجة تلاشت معاها المسافات الفاصلة، وكان بيمد ايده ناحية خصلات شعرها الدهبية وهو بيبص لمفاتنها بوقاحة وبيكمل كلامه:
- نوع جديد عليا، لكني بحب أجرب كل جديد.
لسه ايده ما لمستش شعرة واحدة منها، وكانت قبضة "فولاك" القوية مستقرة على فكه بكل غضبه، عشان تدفعه لحد ما اصطدم بالجدار خلفه، وهو بيقوله بتهديد صاحب نبرته الغاضبة :
- وأنا هخليك تجرب معايا كل جديد، وده وعد مني.
وصرخ بكل صوته للحرس اللي هرول ناحيته، عشان يقولهم بأمر قاطع:
- يترمي في زنزانة إبليس، مفيش أكل ولا شرب يدخله.
انقض الحرس على "آشماداي" اللي كان لسه متأثر باللكمة، عشان يسحبوه للسجن، في نفس الوقت اللي اتلفت فيه "فولاك" ناحية "نور" المذعورة وهو بيسألها بقلق قوي:
- عملك حاجة؟
هزت "نور" راسها بنفي في صمت وعينيها الممتنة متعلقة بعيون "فولاك" اللي اتنهد براحة، قبل مايصرخ فيها بتوبيخ:
- إنتي إيه اللي خرجك بره أوضتك ؟
اتحولت نظرات "نور" الممتنة لأخرى غاضبة وهي بتصرخ فيه مستنكرة :
- إنت مالك أصلًا؟!.. وبعدين إنت بتزعقلي ليه؟! دا إنت عفريت مستفز جدًا.
وسابته وخرجت لحديقة القصر عشان يتابع أثرها بصدمة وهو بيردد بدهشة:
- أنا مستفز جدًا!.. هيبتك ضاعت يا "فولاك"، ومش من أي حد، ده من إنسية.
وخرج وراها بخطوات مهرولة يدور عليها بعيون ثاقبة، وقعت عليها أخيرًا واقفة جنب "رنة" اللي كانت بتتنطط وبتطير حواليها بسعادة عارمة.
ابتسم "فولاك" ابتسامة واسعة صارعت نظرات "نور" الغاضبة اللي كانت بتبادله بيها قبل ما تزفر زفرة قوية وتبعد بأنظارها عنه، عشان يعلو فجأة صوت التهليلات مع دخول الأميرة "هيرينا" مع زوجها "خوان" واللي كانت بتطوفهم فراشات السعادة من كل اتجاه عشان تتنطط "رنة" بفرحة وهي بتنزل لمستوى "نور" وبتقولها بسعادة وجناحها بيشاور ناحيتهم :
- شايفة فراشات السعادة اللي طايرين حوالين الأميرة "هيرينا" واللي بيرموا بتلات الأوركيد عليها؟
أمعنت "نور" النظر في الاتجاه اللي بتشاور عليه "رنة" واللي كان بالنسبالها فراغ، عشان تهز راسها بنفي وهي بتقولها:
- مش شايفة حاجة.
لسه سعادة وفرحة "رنة" بتحلق في الأنحاء وهي بتقولها :
- بصي كويس، فوق الأميرة "هيرينا" والقائد "خوان" بالظبط.
افتكرت "نور" كلام "فولاك" ليها إنه حاجب عنها رؤية كافة المخلوقات في مملكته، عشان تزفر زفرة قوية وهي بتبص ناحيته بغضب وبتدب رجلها في الأرض قبل ما تروحله وتخبط بإيدها الصغيرة على ضهره وهي بتقوله بحنق:
- عايزة أشوف فراشات السعادة.
اتلفت "فولاك" ناحيتها براسه فقط وهو بينزل بأنظاره ليها بدهشة مصطنعة وبيجاوبها بمكر :
- ما تشوفي فراشات السعادة.
عقدت "نور" ايديها قدام صدرها بتذمر وهي بتزفر زفرة مستاءة وبتقوله بتهكم :
- وده إزاي جلالتك وإنت حاجب عني رؤيتهم؟!
ضيق "فولاك" عينيه بتفكير عميق وهو بيهز راسه ببطيء وبيقولها بأريحية:
- عشان أنا ملك المملكة دي ومن حقي أعمل اللي أنا عايزه، ومن حقي أقرر مصير كل المخلوقات اللي موجودة في حدود مملكتي.
استشاطت "نور" غضبًا، لكنها حاولت تتمالك أعصابها لأبعد حد، فزفرت زفرة قوية تطرد بيها غيظها منه وهي بتقوله بتهكم مبطن:
- بس جلالتك وعدتني إنك هتفك تعويذة حجبهم عني، وهتخليني أشوفهم.
هز "فولاك" راسه بهدوء وهي بيقولها بلا مبالاة :
- ما أفتكرش إن وعدتك بحاجة زي كده.
=افتكر كويس لما كنا بنتكلم سوا وما كملناش كلامنا.
ابتسم "فولاك" ابتسامة ماكرة وهو بيقرب منها وبيهمس لها بنبرته العاشقة :
- وإنتي جاية عشان نكمل كلامنا اللي قطعتيه دلوقتي يا "نور"؟
ارتبكت "نور" بقوة ودفعته بإيدها بعيد عنها وهي بتبصله بغيظ وبتقوله قبل ما تسيبه وتجري:
- إنت غلس على فكرة.
تدلى فك "فولاك" بصدمة وهو بيردد بتهكم وعينيه بتبص للجميع حواليه :
- الهيبة ضاعت مع الإنسية!
لحظة واحدة عينيه غفلت فيها عن "نور"، ورجعت تبص ناحيتها مرة تانية، عشان يلاقي "رنة" بتجري عليه بخوف وذعر قوي وهي بتقوله بتلعثم :
- طيف إسود غريب ابتلع الإنسية "نور" يا مولاي.
