رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الثانى عشر بقلم فاطمة على محمد
الرعب اللي واضح على هيئة "رنة" كان كفيل إنه يخلع قلب "فولاك" من مكانه، لكن كلامها كان المطرقة اللي ضربت دماغه ضربة قوية اختل ليها توازنه للحظات، عشان يطوف المكان حواليه بعيون متوسلة للقاء، وقلب بيصرخ للاشتياق، قبل ما يرجع بأنظاره مرة تانية ناحية "رنة" اللي كانت دموعها بتنزل بغزارة وهو بيسألها بلهفة مستنكرة :
- يعني إيه طيف اسود؟! .. يعني إيه بلعها؟!
هزت "رنة" راسها بجهل وهي بتحاول تجاوبه بصوتها اللي دموعها كانت خانقاه، واللي مافهمش منه "فولاك" حرف واحد، عشان يصرخ بيها بغضب قوي:
- بطلي عياط وجاوبيني.
كتمت "رنة" شهقاتها بصعوبة وهي بتنظم أنفاسها وكلامها اللي اتفهم لحد كبير :
- هي كانت واقفة مع جلالتك، وفجأة عدى من قدامي طيف، لكني ما ركزتش معاه، مجرد ما "نور" سابت جلالتك وكانت جاية ناحيتي الطيف ده وقف بيني وبينها، حاولت أطير عشان أشوفها لكن حاجة كتفتني بقوة، حتى صوتي ما كانش راضي يطلع وأنا بنادي عليها، وفجأة الطيف ده ابتدى يصغر لحد ما اختفي تمامًا، وكانت اختفت معاه "نور".
"فولاك" كان عقله بيشتغل بسرعة البرق، بيترجم كل كلام "رنة"، اللي كانت بتحكيه، لمعطيات وخيوط حاول يربطها ببعض، عشان يخرج من ده باحتمالين مفيش معاهم تالت، يا فعلًا الطيف ده بلع "نور" زي ما تخيلت "رنة"، يا كان ستار حاجب بيخبي عملية خطفها، وده التوقع الأقرب للمنطقية من وجهة نظر "فولاك"، اللي عارف كل مهارات ومقومات مخلوقات مملكته، فماكانش غير إنه يقبض على سيفه وهو بيجري ناحية سجن إبليس اللي محبوس فيه "آشماداي" واللي كان أول واحد شك فيه.
خطوات" فولاك" على الأرض كان بتتزلزل لها الجدران، وهو بيعبر الممر الضيق المظلم، واللي كانت ريحته كريهة لدرجة يصعب معاها التنفس، لكنه في كل الأحوال ما كانش قادر يتنفس بالفعل.
مئات الأفكار كانت بتعصف بعقل "فولاك" اللي غضبه وصل للغليان، وانتقامه مفيش مخلوق على وجه الأرض هيمنعه عنه، فمجرد ما وصل قدام باب الزنزانة اللي كانت عبارة عن بير عميق تحت الأرض، صرخ "فولاك" بحرسه :
- افتحوا الباب.
هيئته وحدها كانت كفيلة إنها تبث الرعب والذعر في قلوبهم، أما صوته اللي كانت بتترج له الحيطان والأبواب، ارتجفت له أجسادهم، عشان يقرب الحارس من الباب وهو ماسك المفتاح بايد مرتعشة مرخية، استفزت "فولاك" بقوة عشان يسحب منه المفتاح بغضب وهو بيصرخ في باقي الحرس:
- يترمي في السجن لحد ما يتعلم الثبات.
استجاب الحراس لأوامر ملكهم وبالفعل اقترب اتنين منهم من الحارس المسكين وطوقوه بسلاسل، وأخدوه لزنزانة الجنود، عشان يفتح "فولاك" قفل الباب، ويسحب الباب بايديه يخلعه من مكانه، ويرميه بعيد وهو بينحني على ركبه، وبيمد ايده يسحب "آشماداي" ويرفعه بكفه لفوق قبل ما يرميه ناحيه الجدار المقابل له وهو بيصرخ فيه بعيون مشتعلة بنيران الغضب :
- فين "نور"؟
وقع "آشماداي" على الأرض قدام "فولاك" اللي انحنى وقبض على ياقة قميصه وشده ناحيته بكل قوته وهو بيصرخ:
- "نور" فين؟
بصله "آشماداي" بنظرات مرعوبة وهو بيهز راسه بعدم فهم وبيسأله:
- "نور" مين؟.. أنا مش فاهم حاجة!
اتحولت عيون "فولاك" لكتلة من الجحيم وهو بيبصله وبيجاوبه بصوت أجوف عميق مرعب:
- الإنسية اللي حاولت تلمسها بإيدك دي.
ولوى "فولاك" إيد "آشماداي" بإيده لحد ما سمع صوت تكسير عضمها، وشاف علامات الألم والوجع على ملامحه وهو بيهز راسه بقوة وبيقوله :
- ماعرفش.. أقسم لك ما أعرف ولا شفتها من ساعتها.
حرر "فولاك" إيد "آشماداي" اللي كان لسه ماسكها، وقبض على رقبته بقبضة من حديد وهو بيصك على أسنانه وبيقوله من بينهم :
- أقسم لك بمن خلق الجحيم وجعله عذاب للكافرين، لأدوقك جحيم "فولاك" ابن "برقان" ملك ملوك الجان، وحامي الممالك السبعة، يوم ما أعرف إن ليك يد في اللي حصل لها.
ودفعه "فولاك" بكل قوته لحد ما اصطدم بالجدار مرة تانية، وصرخ في جنوده وهو قايم من مكانه وخارج :
- طببوه، وبعدين أرموه في الزنزانة.
******
الوضع بالخارج كان ماشي طبيعي جدًا، وكل مراسم عودة "هيرينا" لـ "خوان" تمت على أكمل وجه، عشان يقف "خوان" مقابل "هيرينا" بسعادة وهو بيتنفس نفس قوي براحة وطمأنينة قبل ما يقبل جبينها بقبلة دافية وهو بيهمس لها:
- نورتي حضني وبيتك ومملكتك يا ملكة قلبي وروحي.
ابتسمت "هيرينا" ابتسامة خجولة في صمت، عشان يرفع "خوان" عينيه ناحية المدعوين خلفها وهو بيقولها بمكر وقح :
- عارف إن وجودهم حوالينا هو اللي مانعك من إنك تحضنيني وتعبري عن كل مشاعرك.
حطت "هيرينا" ايدها بنعومة على صدر "خوان" تغازل عضلات صدره من بين أزرار قميصه بأنامل رقيقة وهي بتبصله بكل عشق، عشان يقرب منها برغبة جامحة في اقتناص شفتيها في قبلة طويلة، لكنها بادرت بدفعه للخلف بدفعة قوية من ايدها وهي بتقوله:
- مش "هيرينا" اللي تمنعها حاجة عن رغبتها في أي شيء.
ضيق "خوان" عينيه بإبتسامة سريعًا ما تلاشت، واتسع بؤبؤ عينيه وهو بيمعن النظر في نقطة متحركة خلف "هيرينا"، واللي ما كانتش غير "فولاك" اللي ارتفع بجسمه في سماء المملكة يجوبها شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وجميع جنوده حوله تسانده حتى أصبحت السماء حلقة من القناديل المشتعلة.
شد "خوان" جسمه بكل همة وهو بيرتفع في السماء متجه ناحية "فولاك" بدهشة وتعجب من حالة الهياج الجني اللي تأهبت لها سماء المملكة، واللي ما حصلتش من يوم وفاة الملك "برقان".
لحظات وكان "خوان" في مواجهة مع "فولاك" اللي استخدم آشعة كاشفة حرارية خارجة من عينيه، بتخترق كل ميللي في المملكة، للبحث عمن أعلن القلب عصيانه لأجلها.
التوتر والقلق كان كاسي ملامح "خوان" وهو بيبص لـ "فولاك" بترقب وقلق صاحب حروفه :
- إيه اللي حصل؟
في الوقت ده "فولاك" لا كان شايف ولا سامع مخلوق حواليه، كل تركيزه كان مع الطاقة الحرارية اللي خارجة من جسم "نور" واللي مجرد ظهورها ليه هيعرف مكانها في الحال، أو نبضات قلبها اللي بيثور لأجلها خافقه، لكن فضول "خوان" وقلقه كان بيزيد في الوقت ده، عشان كده التفت ناحية الجنود يمكن يلاقي عندهم إجابة لسؤاله، لكن حالة الغضب والثورة اللي كان فيها "فولاك" لجمت ألسنتهم جميعًا.
ضربات قلب "خوان" ابتدت تزيد وهو شايف نظرات "فولاك" بتسود أكتر وأكتر لدرجة اختفى معاها كل الأبيض في عيونه بشكل مرعب، فتيقن إنه أمر جلل، ومصيبة عظمى، فالتفت بأنظاره يستكشف العالم حوله، عشان تجذبه صرخة غضب قوية من "فولاك" ارتجف لها جميع من بالمملكة.
رفع الجميع رؤوسهم للأعلى على أثر صرخة "فولاك" عشان تتبدل معالم الراحة اللي على وجه "شمس الأخاديد" بمعالم رهبة وقلق وهي شايفة حالة الثورة اللي كان فيها ابنها، واللي مجرد ما عينه تلاقت مع عيونها، هبط ناحيتها بكل سرعته وهو بيشد ايدها ياخدها لحديقته الخاصة واللي كانت على بعد كام متر من الحفلة، وهو بيقولها بعصبية مفرطة :
- "نور" اتخطفت، ومفيش غيرك يقدر يساعدني.
علامات الصدمة ظهرت على وجه "شمس الأخاديد"، اللي ضيقت عينيها بدهشة وهي بتقوله:
- يعني إيه اتخطفت؟!.. وإزاي؟!.. وإمتى؟!
هز "فولاك" راسه برفض لكل كلامها وهو بيقولها بحدة:
- مش وقت أسألتك يا جلالة الملكة، لازم نلحق "نور".. أنا ما أعرفش إيه الخطر اللي بتقابله دلوقتي.
لانت ملامح "شمس الأخاديد" وهي بتبص لابنها بأسى وتعجب في الوقت ذاته، فلأول مرة تشوف غضبه وخوفه في نفس اللحظة، توتره وارتباكه في عز ثورته، كل المتناقضات كانت متجمعة في نفس الوقت وبنفس القوة، فماكانش منها غير إنها تستجيب له بصوت حاني :
- أساعدك إزاي؟
أجابها "فولاك" على الفور :
- استخدمت الكاشف الحراري الخاص بيا لكني مش قادر أكتشف مكان "نور"، ومفيش غيري أنا وانتي في المملكة اللي عنده القوة دي.
فهمت "شمس الأخاديد" مقصد "فولاك" مباشرة، عشان كده الخوف والتوتر ظهر عليها بشكل واضح، لأن استخدام القوى الخارقة أو النادرة عادة ما بيستنزف قوى الجني أو الجنية الأساسية، ده غير إن القوة الكاشفة لـ "شمس الأخاديد" ابتدت تضعف مع تقدم العمر، فحمحمت بارتباك وهي بتقوله:
- قوتي ابتدى مداها يقل، ووضوحها يبهت، فمش عارفة هقدر أساعدك لحد فين.
نبرة "فولاك" الغاضبة ضعفت بدرجة كبيرة، في اللحظة اللي قويت فيها نبرته المرتبكة وهو بيقولها :
- حاولي.. توتري شوش الرؤية عندي، مش قادر حتى أحس بيها.
في الوقت ده كان "خوان" جنبهم وبقا عنده خلفية بكل الموضوع وأبعاده، وده خلاه يستشيط غضب من جرأة ووقاحة اللي قام بالفعلة دي، في إنه يقتحم المملكة ويخطف الإنسية من وسط الحشد ده كله، وفي وجود الملك "فولاك" ذاته.
اتوجه "خوان" في الحال لجنوده اللي اصطفوا قدامه بجدية وصلابة، عشان يديهم الأوامر بالانتشار وقلب المملكة رأسًا على عقب والبحث عن الإنسية "نور" في كل بير وسرداب، وخلف كل باب.
وبالفعل الجنود انتشرت في كل أنحاء المملكة، ووقف "خوان" بعلامات وجه متجهمة، عشان تيجي ناحيته "هيرينا" وهو بتبصله بنظرات حادة وبتقوله :
- أساعدكم إزاي؟.. اطلب مني أي حاجة، لو عايزني أتشكل على هيئة هوا وأدخل كل ركن في المملكة مستعدة أعمل كده.
والتفتت بأنظارها ناحية "فولاك" وهي بتكمل كلامها بنبرة حزينة :
- عندي استعداد أعمل أي حاجة ولا إني أشوف جلالة الملك بالشكل ده، أنا عايزة أروحله وأساعده لكني متأكدة إنه مش متحمل يشوف مخلوق قدامه دلوقتي.
********
كانت "ايزايبل" في غرفتها بتضفر في شعر جنية صبية، بإبتسامة واسعة وهي بتلمس شعرها الأسود، الناعم، الطويل بلمسات حانية وبتقولها :
- شعرك جميل، بيفكرني بشعري زمان، كان نفس النعومة والسواد ده.. السواد اللي نادر في مملكتنا، وده اللي كان مميزني، واللي لفت نظر الملك "برقان" ليا.. كان دايمًا يقولي شعرك ليل طويل بتوه جواه يا "ايزابيل"، عشان كده كنت بهتم بيه، وببخره كل يوم وليلة.
ونزلت بإيدها تكمل الضفيرة الطويلة وهي بتسطرد بحديثها:
- أول ما شفتك بتجري وتلعبي، وشعرك بيطير حواليكي فكرتيني بـ"إيزابيل" الطفلة الصغيرة اللي كانت شايفة نفسها أجمل بنت في المملكة.
البنت كانت بتستمع لكلام "ايزابيل" بسعادة، فكون الملكة بجلالة قدرها تمشط شعرها وتهتم بيه وهي يدوب بنت الخادمة، كانت منبع فخر ليها، عشان تبتسم للملكة اللي طبطبت على راسها برفق وهي بتبادلها نفس الابتسامة قبل ما تمد ايديها ناحية خنحرها الدهبي، اللي حطته قدام رابطة شعر الصبية وقطعت ضفيرتها الطويلة وهي بتقوم من مكانها، وبترفع دراعها للأعلى وبتتأمل في شكل وطول الضفيرة وبتقولها :
- عشان كده الشعر ده لازم يكون معايا أنا، مش مع خادمة صغيرة زيك.
شهقت الصبية شهقة صدمة وهلع قوية وهي بتتحسس راسها اللي مابقاش يغطيها غير كام ميللي من شعرها الطويل، عشان تتجمع دموعها في عينيها بتلقائية وهي بتتنفض من مكانها، تقف قصاد "ايزابيل"، وتبص لشعرها بحسرة وهي بتقول بصوت مرتجف :
- بس أنا بحب شعري قوي.
ابتسمت "إيزابيل" ابتسامة متهكمة وهي بتقولها بسخرية :
- وأنا كمان حبيت شعرك قوي، عشان كده أخدته، ما تعودتش أحب حاجة وأسيبها لغيري يتهنى بيها.
علا صوت الصبية بالبكاء والنحيب، عشان تتجعد ملامح "إيزابيل" بضيق وهي بتشاور لها بالخروج وبتقولها :
- أخرجي بره، مش عايزة أتأثر ببكاكِ ده، أنا بعيش لحظات سعيدة دلوقتي.
استدارت الفتاة تركض ناحية الخارج وصوت نحيبها دوى في أرجاء المكان، في نفس اللحظة اللي دخل فيها "نيرون" الغرفة وهو شايل ابنه بين إيديه وعلامات السعادة والفرحة راسمة كل ملامحه، وصوته ارتفع بسعادة وهو بيقول:
- ولي العهد ووريث العرش، الأمير "برقان" ابن الملك "نيرون".
هبطت "إيزابيل" بأنظارها المندهشة ناحية الطفل اللي بيحمله "نيرون" عشان تتأمله بتعجب وهي بتنزل بإيدها تحط ضفيرة الصبية على طاولة زينتها، قبل ما تروح ناحية "نيرون" تتفحص الطفل وهي بتقوله باستغراب:
- ابنك من مين؟! .. وإمتى حصل ده؟!.. وإنت كل الجنيات اللي عاشرتهم كان أطفالك منهم بيموتوا جوه رحمهم، مفيش واحدة فيهم كملت حملها للنهاية، مفيش واحدة بس أخدت العشر شهور كاملين.
ابتسامة "نيرون" ما فارقتش وشه وهو بيبص لابنه بسعادة غامرة وبيقولها :
- ما هو ابني مش من جنية.
ضيقت "إيزابيل" عينيها بترقب لتكملة حديثه اللي فعلًا استرسل فيه:
- ده من إنسية، يعني ابني مهجن بين العالمين، يعني واخدة قوة الجن، وعقل ورجاحة الإنس.
رفعت "إيزابيل" حاجبها بحدة وهي بتسأله بحزم :
- وأمه؟
هز "نيرون" راسه بنفي وهي بيقولها :
- ما تقلقيش، أمه ماتت وهي بتولده، ولادته كانت متعسرة، يعني مفيش حد يدور عليه ولا يخطفه مني، ولا يعمل تعاويذ جلب له لعالم الإنس .
اتنهدت "إيزابيل" براحة وهي بتمد ايدها ناحية الصغير وبتشيله بين دراعاتها وبتقوله:
- كده نربي وريث العرش في راحة، من غير خوف من لحظة فراقه لينا والبحث عن أمه.
وابتدت تتأمل ملامح الطفل وتهدهده بسعادة وهي بتهمس :
- وكده "فولاك" يموت وهو مطمن على مستقبل المملكة.
********
في الوقت اللي كانت فيه الجنود بتدور على "نور" في كل شبر في المملكة، كانت "شمس الأخاديد" بتبذل أقصى جهدها في الكشف الحراري عن جسم "نور"، لكنها كانت كلها محاولات فاشلة، فبالفعل قدرتها ضعفت وأكتر من توقعاتها كمان، وابتدى التعب والإرهاق يظهر عليها بشكل كبير، عشان يزفر "فولاك" زفرة قوية يائسة وهو بيروح ناحيتها يمسك كفها بين كفوفة وبيقولها :
- كفاية يا جلالة الملكة.
مجرد ما لمس "فولاك" إيد والدته رجفة سعادة قوية سرت في كل جسمها، وضربات قلب فَرِحة وتسارعت بين ضلوعها بسعادة، أما عيونها فاتملت بحنان العالم ولهفته وهي بتقوله بنبرة شجنة :
-هحاول تاني، لازم تلاقي الإنسية.
طبطب "فولاك" على إيد والدته بحنان وهو بيقولها :
- التعب والإرهاق ظهروا على جلالتك، ممكن تفقدي وعيك في أي وقت، اتفضلي ارتاحي في أوضتك وأنا هتصرف.
سحبت "شمس الأخاديد" نفس قوي حبسته في صدرها في نفس الوقت اللي سحبت فيه "فولاك" إلى أحضانها بكل قوتها الهزيلة في الوقت ده، وهي بتشدد من احتضانه وبتغمض عينيها تحبس دمعة متمردة أوشكت على السقوط.
الحضن ده كان محتاجه "فولاك" أكتر من "شمس الأخاديد" ذاتها، كان محتاج يرمي كل خوفه وتوتره بين ايدين والدته، كان محتاج إنه يستمد منها طاقة وقوة وثبات عشان يواجه كل اللي جاي، وبالفعل ضربات قلب "فولاك" ابتدت تزيد بشكل ملحوظ، وابتدى يتردد معاها صدى ضربات قلب "نور"، عشان يسحب نفس قوي وهو بيبعد عن والدته وبيطوف كل مكان في المملكة بأنظار ثاقبة، وبتركيز قوي، لحد ما توقفت أنظاره ناحية نقطة محدد ظهر فيها الانعكاس الحراري لجسم الإنسية "نور".
في اللحظة دي برق شعاع الأمل في قلب "فولاك" اللي ركز بنظراته يستكشف هوية المكان اللي فيه "نور" قبل ما يضيق عينيه بصدمة وهو بيقول :
- قصر الأميرة "مويرا"؟!
الصدمة احتلت وجوه كل الموجودين واللي همسوا بدهشة :
- قصر الأميرة "مويرا"!.. طب إزاي؟!
في الوقت اللي كان الكل مصدوم فيه، كان "فولاك" طاير ناحية قصر "مويرا" اللي كان في أطراف المملكة وعقله بيستجير من صراع الأفكار جواه، أما قلبه فكان بينتفض بين ضلوعه شوقًا لمعشوقته، عشان يلحقه "خوان" و "هيرينا" وبعض من جنوده، أما "شمس الأخاديد" فكانت بالفعل فقدت وعيها وحملتها الخادمات إلى غرفتها ولحقها الطبيب "أوتو" على الفور.
دقايق طويلة وكان "فولاك" واقف قدام بوابة قصر "مويرا" اللي كانت مفتوحة بالفعل، عشان يتقدم ناحيتها للدخول، وتمنعه إيد "خوان" بقوة حذرة وهو بيقوله بترقب :
-ممكن ده يكون فخ يا مولاي.
نفض "فولاك" إيد "خوان" بقوة وهو بيقوله بغضب وتحذير:
- لو الجحيم ذاته، إياك تفكر توقفني أو تمنعني.
بصله "خوان" بنظرات متوجسة للحظات قبل ما يتجه بأنظاره ناحية "هيرينا" اللي همست له بحزن :
- سيبه.. محدش هيقدر يوقفه ولا يقف في وشه في الوقت ده.
غمض "خوان" عينيه باستسلام ، وفتحهم مرة تانية عشان يلحق "فولاك" اللي دخل القصر فعلًا بخطوات مندفعة ملهوفة، على عكس "خوان" اللي كان حذر في كل خطوة بيخطوها.
هدوء المكان المبالغ فيه، وخلوه من أي حراسة تناسب حالة الاختطاف اللي موجودة فيه كانت عاملة شك قوي في قلب "فولاك" لكنه كان غير مهتم بالمرة، كان كل همه إنه يلاقي حبيبته، فكان بيمشي ورا ضربات قلبه اللي كانت بتزيد بقوة كل ما يقرب منها.
قلب "فولاك" ورجليه كانوا وخدينه لمكان محدد في قصر "مويرا"، والمكان ده ما كانش غير غرفة نومها اللي حافظ مكانها "فولاك" بشكل جيد، من أول و آخر مرة كان موجود فيها ورفض قربها منه ومحاولتها في قضاء لحظات خاصة بينهم قبل إتمام مراسم الزفاف.
مع اقتراب "فولاك" من الغرفة كانت ضربات قلبه بتزيد أكتر من الطبيعي بكتير، خوفه من مواجهة الموجود خلف باب الغرفة كان بينه في قلبه، كان متيقن إن فيه حدث قوي في انتظاره، لكنه كان جاهل لطبيعته وماهيته، عشان كده وقف قدام الباب واتلفت ناحية "خوان" و "هيرينا" اللي تتبعوه تاركين جميع الجنود في الخارج، وقالهم بنبرة حازمة :
- محدش هيدخل معايا.
بصتله "هيرينا" بتوتر وهي بتقوله :
- لكن جلالتك إحنا ما نعرفس فيه إيه جوه، وكمان خلو المكان من الحراسة ده يقلق.
نظرات "فولاك" الحازمة ليها كانت كفيلة إنها تتراجع عن كلامها وتهز راسها بموافقة وتسيب ليه حرية اتخاذ القرار في الوقت ده.
وبالفعل استدار "فولاك" يحط ايده على أوكرة الباب وهو بيسحب نفس قوي وبيحركها بحذر وخوف من إنه يكون فخ يئذي بيه "نور"، لكنه كان واخد قراره بالفعل وفتح الباب مسافة قليلة تسمح بمرور جسمه، في النفس الوقت اللي حاجب الرؤية عن "خوان" و"هيرينا"، عشان يقفل الباب بحرص مجرد ما لمست رجليه أرضية الغرفة، وابتدت عينيه تتفحص المكان بحذر شديد، وتفحص قوي، عشان تقع أخيرًا على "نور" اللي نايمة في سرير "مويرا" ومتغطية بغطاء حريري أحمر.
كمن تعلق بقشة النجاة مجرد ما عينيه وقعت عليها، لكن ضربات قلبه كانت بتصرخ جواه بتحذير، لكنه تجاهلها تمامًا، وجري ناحية "نور" بلهفة عشان يقرب منها ويلاقيها فاقدة لوعيها.
جلس "فولاك" على طرف السرير جنبها وهو بيبعد شعرها عن وشها بأطراف أنامله بلهفة، عشان يملي عينيه برؤيتها وهو بيهمس باسمها :
- "نور".. "نور"
كانت مغيبة عن الوعي تمامًا، فماكنتش فيه منها أي استجابة، لكنه حاول مرة تانية وهو بيضغط على طرف أنفها برفق وبينادي عليها تاني:
- "نور".
صوته كان بالنسبالها بعيد، كأنه جاي من بير عميق، لكنه بالفعل ابتدى يستدعي كل حواسها، عشان ترمش بعيونها مرات متلاحقة، في نفس الوقت اللي ابتدى صوته يوضح ليها بشكل أكبر.
أخيرًا استعادت وعيها وابتدت تحرك رأسها بألم قوي، وهي بتفتح عينيها وتقفلها أكتر من مرة لحد ما اتعودت على ضوء الغرفة، وإتأكدت من وجود "فولاك" قدامها، واتنفض جسمها بقوة وهي بتقوم من نومتها تقعد في مكانها، عشان الغطا اللي كان عليها يقع ويتكشف جسمها العاري تمامًا، تحت أنظار "فولاك" اللي اتسعت بصدمة للحظات قبل ما يرفع الغطا ناحيتها مرة تانية وهو بيشيح بوجه بعيد عنها بوجع شق صدره.
على ما استوعبت "نور" حالتها، ابتدت تصرخ برعب قوي وهي بتسحب الغطا لرقبتها، وبتتمسك بيه بكل قوتها وهي بتهز راسها بنفي و في عينيها اجتمعت كل الدموع في لحظات وهي بتقوله:
- إنت عملت إيه؟
صدمة أقوى بمراحل حلت على عقل "فولاك" فبأي تهمة تقذفه هذه البلهاء؟!.. أيصور لها عقلها الأحمق أنه يقوم بمثل هذا الفعل الشنيع؟!.. أما عقله هو فكان رافض للصورة اللي شافها بيها، وهو بيصورله إن فيه وغد اعتدى عليها، اعتدى على من أصبحت معشوقة قلبه، وشريكة عمره، فالثأر الآن أصبح ثأره الشخصي.
كز "فولاك" على شفايفه بقوة وهو بيغمض عينيه يبعد عنهم الصورة اللي صورهاله عقله واللي كانت وقود ضاعف من اشتعال غضبه، إلا إنه ملزم بالثبات على الأقل قدام "نور" اللي الخوف والهلع في عيونها بيمزق قلبه بأنياب وحشية.
لكنه فتح عينيه ببطئ وهو بيرفع إيديه قدامها في استسلام عشان يبث بعض الطمأنينة لقلبها وهو بيقولها :
- أنا مستحيل أقرب لك بالشكل ده بدون جواز، أنا كنت هتجنن عشانك، من وقت ما "رنة" جت وحكت لي عن الطيف الأسود اللي لف حواليكِ وأنا الوقت وقف بيا من لحظتها ، ودخلت في دوامة من الأفكار بتسحبني جواها.. أنا عمري ما أأذيكي يا "نور".
بصتله "نور" بنظرات مستسلمة مطمئنة بوجودة لحد ما، لكنها لسه خايفة من اللي عاشته، عشان يرتفع صوت بكاها اللي كانت مصاحباه شهقاتها وهي بتقوله بتذكر :
- الطيف الأسود.. صح.. أنا كنت راجعة من عندك ورايحة ناحية "رنة" لقيت فجأة ستارة سودا بتلفني، وايد قوية بتسحبني، وبعدها ما حسيتش بأي حاجة، لحد ما فتحت عينيا ولقيتك قدامي.
رغم النار اللي كانت بتاكل في قلب "فولاك"، كان لازم يرسم الثبات والجمود على ملامحه عشان يعرف يوصل لحل، فاتنهد بقوة يحاول ينظم أنفاسه المضطربة، وهو بيقولها بهدوء :
- طب مش فاكرة أي حاجة تاني، شكل اللي خطفك، الايد كانت لراجل ولا لست؟.. أي علامة مميزة فيه.
بلعت "نور" ريقها بصعوبة وهي بتهز رأسها بنفي، وبتقوله ببكاء :
- مش فاكرة أي حاجة.. لكني حاسة.. حاسة إني خايفة، خايفة قوي يا "فولاك".
إحساسه بالجمود والثبات انهارت كل حصونه قدامها ، ولقى نفسه بيشدها لحضنه بكل قوة وهو متمسك بالغطاء اللي ملفوفة بيه، بحيث إنه يغطيها تمامًا، وهو بيقولها :
- بلاش توجعيني قوي كده يا "نور"، بلاش تحسسيني بضعفي، وعجزي إني أحميكي، بلاش تحرقيني بدموع خوفك.
انهارت "نور" بين ايده ولأول مرة تحاوط وسطه بإيديها وتشدد من احتضانه وهي بتدفن راسها في صدره مُطلقة سراح شهقاتها اللي كانت أسواط نار بتجلد قلب "فولاك"، اللي غمض عينيه بقوة يحجب مشاعر الغضب جواه في محاولة للسيطرة على كل انفعالاته في اللحظة دي، عشان يرتفع صوت ذكوري ساخر جنبهم :
- إيه حكم المرأة اللي تترمي في أحضان راجل غريب عارية تمامًا، وهي على ذمة راجل تاني في مملكتك يا جلالة الملك العظيم؟!
