رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الثالث عشر بقلم فاطمة على محمد
الصوت والثقة اللي بيتكلم بيها خلت "فولاك" يلتفت ناحيته بثبات، اتحول لإبتسامة متهكمة مجرد ما عينيه وقعت عليه، إنما "نور" واللي كانت حافظة الصوت ده عن ظهر قلب، ارتجفت بقوة بين ايدين "فولاك" اللي اتلفت ناحيتها تاني بلهفة وخوف عليها وهو بيقولها بنبرة حانية:
- إهدي يا "نور" محدش يقدر يمسك وأنا جنبك.
ارتفعت ضحكة ذكورية مدوية، عشان يقرب صاحبها منهم وهو بيبصلهم بسخرية وبيقوله بتهكم :
- بصفتك إيه؟!.. عايز تكون جنب مراتي بأي صفة؟!
"نور" كانت بتبصله برعب وهلع وهي بتبعد عن "فولاك"، وبتتمسك بالغطا الملفوف حواليها، واللي موضح جسمها اللي بيرتعش تحته، وهي بتهمس بهذيان:
- "يونس"!!.. إنت لسه عايش؟!
أما "فولاك" واللي كان منتظر اللقاء ده من يوم ما خلع قلب "مويرا" من صدر "يونس"، واكتشف وقتها إن لسه فيه قلب تاني بينبض جواه، حتى لو كان نبض ضعيف، يومها إصابته هي اللي منعته إنه يحاول ينزعه هو كمان من مكانه، فاختار إنه يأجل حسم المعركة لوقت تاني، لكنه ما كانش منتظر إنه هيقدر يخترق عالمهم بكل سهولة، و كمان يخترق حصون مملكته المحصنة ضد الغرباء.
اتنهد بقوة وهو بيقوم من مكانه يقف في مواجهة "يونس"، اللي ملامحه بقت أكتر حدة وشر، وهو بيستقيم بوقفته قدامه بكل كبرياء وبيقوله:
- ما كنتش أعرف إنك محارب بالشكل ده.
دوت ضحكة ساخرة من "يونس" اللي سحب كمية كبيرة من الهواء يملا بها رئته وهو بيبص لـ "فولاك" وبيقول بتهكم :
- محارب عشان لسه عايش رغم إنك نزعت قلبي مني؟! .. ولا محارب عشان قدرت أصيبك وأنتصر عليك.
قلب "فولاك" شفايفه بامتعاض قوي وهو بيعقد دراعاته قدام عضلات صدره وبيقوله بسخرية:
- تفتكر إن قلبك يستاهل إن أسيب مملكتي وأصارع وغد زيك؟!
ودار حواليه "فولاك" بخطوات واثقة وهو بيكمل كلامه بنبرته المتهكمة:
- أما إصابتك ليا فكانت خدش بسيط في تدريب أهبل، وما افتكرش وقتها إنك انتصرت عليا، وإلا ما كنتش واقف قدامك دلوقتي، عندنا النصر بموت الخصم.
اتوتر "يونس" للحظات من ثبات "فولاك" وهيبته اللي كانت دايمًا بتبث الرعب في قلب أعدائه، لكن "فولاك" كمل سخريته منه وهو بيتابع انفعالات وشه بتلذذ :
- وبعدين أكلمك دلوقتي على إنك "يونس" الإنسي الخاين، الضعيف، ولا إنك الأميرة "مويرا" بنت الملك الأبيض، اللي جت هربانة من هجوم العفاريت على مملكتهم، واللي جه والدها يتوسل للملك "برقان" إنه يستضيفها عنده في المملكة ويحميها، وعشان كده بنى لها القصر ده على أطراف المملكة، وحماها سنين وسنين، لدرجة إنه خطبها لولي عهده، لكنها خانته، وعشقت إنسي وضيع زيك.
نجح "فولاك" في استفزاز "يونس" اللي اشتعل غضبه، لكنه كان أقل بكتير من آخر لقاء بينهم، فتيقن وقتها إن قلب "مويرا" جواه ضعيف، لكنه موجود في كل الأحوال، عشان يصرخ به "يونس" بعصبية وهو بيشاور ناحية "نور" اللي تقوقعت في طرف السرير وهي بتابعهم بذعر قوي، وقاله:
- واللي لقيتها في السرير مع جني، وفـ مملكته، يتقال عليها إيه عندكم؟!.. عارف إحنا عندنا بنسميها إيه؟!
شهقت "نور" شهقة قوية كتمتها بإيدها وهي بتضم رجليها لصدرها وبتحاوطهم بإيدها الحرة ، ورعشة جسمها بتزيد، وراسها بتتهز برفض لكل ده، وهي محاصرة عارية بين اتنين من الرجال من عالمين مختلفين، لا قادرة تتدارى عنهم، ولا عارفة تقوم تلبس هدومها، عشان يبصلها "فولاك" بألم وهو بيتقدم منها، في نفس الوقت اللي عليت فيه صرخة "يونس" بتهديد :
- حاول تقرب مرة تانية من مراتي، وشوف هعمل إيه؟.. أنا كده كده قدمت طلب للمحكمة عشان تحاكمك بتهمة خطف ومعاشرة إنسية متزوجة، أظن دي تهمة أقوى بكتير من التهم اللي اتوجهت لـ "مويرا" واللي عشانها نفتوها، وقتلتوها.
اتسمر "فولاك" في مكانه زي تمثال حجري للحظات، وهو بيبص لـ "نور" بأسف قبل ما يسحب نفس قوي وقبضته بتتكور بكل غضب الدنيا، قبل ما يدور بجسمه وينزل على فك "يونس" بقبضة قوية، تفاداها في آخر لحظة وهو بيرتفع عن الأرض لمسافة كبيرة، عشان يضيق "فولاك" عينيه بتأمل وهو بيهمس بسخرية :
- أخدت من خواص "مويرا"!
وارتفع "فولاك" بجسمه عشان يواجهه في معركة أوشكت على إطلاق صافرة البداية، لولا صرخات الذعر اللي صرخت بيها "نور"، واللي استدعت كل انتباه "فولاك"، اللي بصلها بكل عشق وهو بيهبط جنبها وبيقولها :
- "نور" إهدي.. مفيش أي حاجة، أنا مش هعمله حاجة.
دخلت "نور" في نوبة بكاء هيستيري وهي بتبص لـ "فولاك" بتوسل قوي وبتقوله:
- عايزة أمشي من هنا.. عايزة أروح العالم بتاعي.. مش عايزة أقف قدام محكمة هنا ويتحكم عليا في حاجة أنا ما عملتهاش، والله ما عملتها.
مد "فولاك" ايده ناحية شعر "نور" يمسح عليه في محاولة منه إنه يطمنها، لكنه وقف في اللحظة الأخيرة وهو بيكور قبضته وبيضربها في الحيطة وراها بكل قوة وضعف في نفس الوقت، عشان يلتفت ناحية "يونس" اللي كان هبط على الأرض هو كمان، وقاله بقلب ممزق:
- "نور" هتطلع عالمها، وإنت كمان وجودك مش مرحب بيه هنا.
ضحك "يونس" ضحكة وحشية وهو بيقعد جنب "نور" على السرير وبيحاوط كتافها بدراعه، وبيضمها لحضنه بقوة، وهو بيقوله:
- أنا قدمت إتهام، واتحول لقضية قدام محكمة الجن الكبرى، وهيحصل محاكمة ليك ولزوجتي الحبيبة.
نيران الغضب استعرت جوه عروق "فولاك"، وفار دمه الحار، وهو بيبصله بعيون قاتمة وبيصك على أسنانه بغيظ، وبيقوله :
- شيل إيدك من عليها.
ابتسم "يونس" ابتسامة جانبية ساخرة وهو بيسحب طرف الغطاء، يكشف عن كتف "نور"، اللي ابتدى يتحسسه بلمسات وقحة وهو بيقوله باستفزاز قوي:
- هو في مملكتك العظيمة العشيق بيقول للزوج يشيل ايده من على كتف عشيقته؟!
كلماته كالسياط كانت بتجلد في جسد "نور"، أما لمساته لها كانت جمرات من جحيم مشتعل بتحرق في جلدها، عشان ترفع كفوفها على ودانها، يمكن تحجب كلامه المهين ده عنها، أما الجحيم اللي بجد فكان في قلب "فولاك" اللي ريحة احتراقه كانت منتشرة في المكان، فهجم على "يونس" يقبض على تلابيب قميصه بقوة غضبه وهو بيقوله :
- إيدك القذرة دي لو لمستها تاني هقطعهالك.
بصله "يونس" بنظرات متحدية، ومعالم السخرية لسه مسيطرة على كل ملامحه، وهو بيحرك ايده على جسم "نور" يسحب مساحة أكبر من الغطاء، وبيقوله بوقاحة أكتر :
- إيدي القذرة دي!.. هخليك تيجي تبوسها عشان أرحمك وأرحمها، أما عينيك اللي بتبصلي بغضب دي، هخليها تشوف اللي عمرها ما تخيلت إنها تشوفه، أو يمكن تكون شافته قبل كده وأنا وما أعرفش.
وفي اللحظة دفع "نور" بعيد عنه بكل قوته، وايده لسه متشبثة في الغطاء اللي كان ساتر جسمها، عشان تقع على الأرض عارية تمامًا في حالة صدمة وذهول أفقدتها النطق.
بدون لحظة تفكير واحدة، وفي أقل من الثانية كان "فولاك" نازع عنه قفطانه، ومدوره في الهوا بسرعة كبيرة، عشان يقع عليها زي الخيمة، يغطيها تمامًا، في نفس الوقت اللي إنهال فيه على "يونس" بسيل قوي من اللكمات، اللي نزف ليها أنفه، وفمه وهو بيصرخ فيه بكل غضبه :
- وبتقول جوزها؟!.. جوزها تعريها بالشكل قدامي؟
ضحك "يونس" بشكل هيستري وهو بيهز راسه وبيقوله :
- تحب أثبت لك إني جوزها، وقدامك.
كانت كلماته قنبلة موقوتة انفجرت ، فانفجر معاها بركان غضب "فولاك"، اللي ضيق قبضته حوالين رقبة "يونس"، اللي كان بيجاهد للتنفس وعينيه بتقدح شرار، وهو بيقوله بحشرجة:
- موتني.. ويتحكم عليك بالإعدام.. و"نور" يرجموها بحجارة الجحيم.
اتشنجت كل عضلات وجه "فولاك" اللي التفت بعينيه ناحية "نور"، اللي كانت متجمدة تمامًا تحت قفطانه، عشان يغمض عينيه بكل قوة وهو بيحرر صرخة مدوية، في نفس اللحظة اللي حرر فيها رقبة "يونس"، اللي اتنفس بقوة وهو بيقوله بنبرة آمرة :
- أخرج برة القصر، وحاول تنسى مراتي.. بس بعد ما نتقابل في المحكمة.
زفر "فولاك" زفرة قوية صاحبها بصرخة أقوى بنفاذ صبر وقلة حيلة، وهو بيبص لـ "نور" أسفل قفطانه بأسف قبل ما يدور بجسمه عشان يغادر الغرفة، إلا إن صوت "يونس" وقفه في أرضه وهو بيقوله :
- خد عبايتك معاك يا جلالة الملك، الناس هتقول عليك إيه وإنت خارج عريان كده؟!.. ده غير إني بحب مراتي تكون قدامي بالشكل ده دايمًا.
"فولاك" كان بركان منفجر بالفعل، لكنه كان بيحاول يبعد شظاياه عن "نور" اللي لو اتحكم عليها في محكمة الجان الكبرى مفيش مخلوق هيقدر ينقذها؛ حتى "فولاك" ذاته، عشان كده جاهد نفسه لأبعد حد إنه يخرج من الأوضة في نفس الوقت اللي قلبه رافض إنه يسيبها مع الوغد ده لوحدها.
******
أما في الخارج فكانت "هيرينا" بتحاول تمنع "خوان" من دخول الغرفة، واللي كان مصمم خاصة بعد ما سمع صرخات "فولاك" اليائسة، واللي كان متأكد إنها ليها سبب قوي خاص بـ "نور"، وهو اللي وصله للحالة دي، عشان يبصلها بنظرات حادة حازمة زي نبرته :
- ابعدي إيدك عن الباب يا "هيرينا"، أنا مش هقف اتفرج هنا، ومش عارف إيه بيحصله جوه.
هزت "هيرينا" راسها بنفي وهي بتقوله :
- "فولاك" حذرنا من الدخول وراه.
شد ايدها بكل قوته يبعدها عن طريقه وهو بيقولها بغضب :
- مش هسيبه لوحده، حتى لو حرقني بعدها بإيده .
في اللحظة دي اتفتح الباب وخرج منه "فولاك" اللي كان في حالة عمره ما شافه فيها "خوان"، اللي بالصدفة شاف "يونس" قصاده على السرير، واللي ما كانش يعرفه، إنما هيئة "فولاك" وشكله بتقول ألف حقيقة، أولها إن الإنسي ده له علاقة بـ "نور"، "نور" اللي كان بيدور عليها "فولاك" زي المجنون، واللي خرج من غيرها بشكل بيقسم إنه اتخلى عنها وسابها مع غيره.
اتنفس "خوان" بوجع لهيئة صديقه اللى كان ماشي يجر رجليه بصعوبة بالغة، واللي ما كانش شايف مخلوق قدامه؛ حتى "هيرينا" اللي جريت عليه، وهي بتسأله :
- لقيت "نور"؟
حروف اسمها كانت وحوش مفترسة بتنهش قلبه وهي بتفكره أنه سابها فريسة سهلة في ايد "يونس"، اللي مسيطرة عليه" مويرا"، واللي مستعدة تعمل أي حاجة ممكنة عشان تئذيه، لكنه عند قراره إنه يحميها من الوقوف في المحكمة.
صدره كان ضيق بأنفاسه اللي بتخرج بصعوبة وهو ماشي من غير ما ينطق حرف، عشان يتبعه "خوان" و"هيرينا" اللي كان الصمت فارض سيطرته عليها.
دقايق وكان "فولاك" واقف قدام بوابة القصر بيتأملها بشرود قوي، لحد ما جنوده اتجمعت قدامه، عشان يسحب نفس قوي وهو بيقولهم بأمر :
- تحاوطوا القصر، ماتسيبوش منفذ تعدي منه ناموسة، ممنوع أي مخلوق مين ما كان يكون يدخل، وممنوع الإنسية "نور" تخرج.. القصر من اللحظة دي بقت لينا السيطرة الكاملة عليه.. فاهمين؟
انحنى كبير الحرس بطاعة لكل الأوامر، عشان يكمل "فولاك" :
- يتبعتلي تقرير كل ساعة.
أجابه الحارس بنبرة جدية:
- أمر جلالتك يا مولاي.
عشان يلتفت "فولاك" ناحية "هيرينا" ويقولها بجمود:
- تقدري تروحي القصر دلوقتي، "خوان" هيكمل معايا.
هزت "هيرينا" راسها بنفي وهي بتقوله :
- مش هسيبكم.
صاح فيها "فولاك" بنبرة حادة ما تقبلش أي نقاش:
- "هيرينا".. قولتلك روحي القصر.
خيمت الصدمة على قسمات وجه "هيرينا" اللي وزعت أنظارها ما بين أخوها وزوجها اللي هز راسه لها برفق إنها تستجيب له وتغادر، عشان فعلًا تهرول مغادرة بغيظ قوي تحت حماية اتنين من جنود "خوان" اللي أشار لهم بأنهم يتبعوها.
مجرد ما أطمن "خوان" على "هيرينا" واختفى أثرها من مرمى بصره، التفت بأنظاره ناحية "فولاك" اللي زفر زفرة قوية وهو بيقوله :
- "يونس" جوز "نور" استعاد كامل صحته، وقدم طلب لمحكمة الجان الكبرى لمحاكمتها ومحاكمتي.
ضيق "خوان" عينيه بصدمة وهو بيهز راسه برفض وبيقوله بدهشة:
- هو اللي جوه ده؟!.. طب اتنقل لهنا إزاي؟!.. واخترق الحصن إزاي؟!
زفر "فولاك" زفرة قوية بضيق صدر وهو بيقوله :
- "مويرا" هي المسيطرة على جسمه.
شدد "خوان" على شعره بقوة وهي بيزفر زفرة طويلة وبيسأله :
- مش إنت قولت إن نبض القلب كان ضعيف، وحالة الإنسي كانت صعبة؟
رفع "فولاك" عينيه ناحية بوابة القصر وهو بيقوله بغضب:
- لكنه كان لسه عايش، غلطة عمري غلطها يومها، و "نور" دلوقتي هي اللي بتدفع تمنها، كان المفروض أتأكد يومها إنه مات، لكن كل تفكيري كان في المملكة وفي شعبي.
هز "خوان" راسه ببطيء وهو بيقوله :
- اللي حصل حصل، المهم إننا دلوقتي ننقذ "نور" ، لأنها أكيد مش فاهمة ولا مستوعبة إيه اللي بيحصل لها.
غمض "فولاك" عينيه بقوة وهو بيحرر تنهيدة حارة من صدره بلوم لنفسه على استسلامه وخذلانه ليها، عشان يفتح عينيه مرة تانية وهو بيبص لـ "خوان" وبيقوله:
- عشان كده لازم أقابلها، وفي أسرع وقت قبل ما الحقير ده يعملها حاجة.
******
في غرفة "شمس الأخاديد" كان الطبيب "أوتو" لسه معاها بيحاول يساعدها بالعقاقير إنها تسترد جزء من عافيتها، لكن للأسف ما كانش فيه استجابة كافية، فكانت نايمة في سريرها في حالة تشنج تام لكل عضلات جسمها، رغم الإعياء الشديد اللي كانت فيه، عشان يقرب الطبيب منها وفي ايده كاس صغير فيه عقار مُصنع خاص بـ "أوتو"، وهو بيطلب من الخادمة تساعده إن الملكة تشرب الدوا ده، وفعلًا وبعد محاولات كتيرة قدرت الخادمة ترفع راس الملكة و"أوتو" قدر إن يسقيها العقار اللي معاه ابتدت حالة التشنج العصبي عندها تزيد.
في اللحظة دي استقام "أوتو" بجسده يتابع حالة الملكة بتعجب قوي، في حين إن الخادمة شهقت شهقة قوية وهي بتحاول تتمسك بجسم الملكة اللي بيتنفض قدامها، وعينيها مرفوعة ناحية الطبيب وهي بتقوله :
- حالة الملكة ازدادت سوء بعد شرب الدوا يا طبيب.
كل تركيز ونظرات "أوتو" كانت مع "شمس الأخاديد" اللي فعلًا حالتها اتدهورت بشكل كبير، عشان يهز راسه بتوتر وهو بيجاوبها :
- الدوا أصلًا ما لحقش يستقر في أمعاءها! .. نستنا شوية ونشوف الحالة هتوصل لإيه.
في الوقت ده كانت الأميرة "هيرينا" دخلت الغرفة بالفعل عشان تبص للملكة "شمس الأخاديد" بصدمة قوية وهي بتصرخ فيهم :
- عملتوا إيه لجلالة الملكة وصلها للحالة دي؟!
التفت "أوتو" بأنظاره ناحية الأميرة "هيرينا" وهو بيقولها بترقب:
- إديتها أدوية منشطة ومقوية عشان تساعدها، لكن للأسف حالتها وصلت للشكل ده.
أما الخادمة؛ فبصت لـ "أوتو" بغيظ وهي بتقول لـ "هيرينا" :
- الطبيب حضر عقار وإداه لجلالة الملكة، ومجرد ما نزل جوفها حصل لها زي ما سموك شايفة.
انفعلت "هيرينا" بغضب وهي بتروح ناحية الطبيب عشان تكون في مواجهة معاه، وصرخت فيه بنبرة حادة :
- إنت إديت لجلالة الملكة إيه؟
هز "أوتو" رأسه بتوتر وهو بيقولها :
- دي مجرد أعشاب بتساعد على الاسترخاء، عشان حالة التشنج اللي عندها دي.
عصبية وغضب مفرط نهش ملامح الأميرة "هيرينا" اللي قبضت على تلابيب "أوتو" وهي بتقوله بتهديد :
- لو أي شر مس جلالة الملكة، معتش هتشوف شمس النهار في حياتك.
بلع "أوتو" ريقه بصعوبة وهو بيبص بذعر لـ "هيرينا" اللي كملت كلامها :
-إطلع بره.. أنا هفضل جنب جلالة الملكة لحد ما الملك "فولاك" يوصل.
سحب "أوتو" نفس قوي، وتلاشت نظرة الذعر من عينيه وهو بيقولها بثبات :
- جلالة الملك "فولاك" ذاته هو اللي عيني مسئول عن حالة جلالة الملكة، وهو اللي طلب مني ما أغفلش عنها لحظة، وأنا هنفذ أوامره، ومن هنا لوقت ما جلالته يرجع أو جلالتها تسترد كامل عافيتها مش هسيبها لحظة.
وانحنى براسه إنحناءة خفيفة وهو بيقولها :
- بعد إذن سموك، لازم أتابع تطور حالة جلالة الملكة.
كزت "هيرينا" على أسنانها بغضب من جرأة ووقاحة الطبيب، وعينيها بتقدح شرار، لكن ما كانش منها غير إنها تنصاع لأوامر "فولاك" وتترك الطبيب يمارس عمله لكن تحت أنظارها ورعايتها التامة.
*******
في قصر "مويرا" تحديدًا غرفة نومها.
كان "يونس" انتهى من مساعدة "نور" في ارتداء ملابسها تحت أنظارها الجاحظة بهلع قوي، ودموعها اللي نازلة بلا توقف، عشان يتنهد بقوة وهو بيقعد قدامها على السرير ويملس على شعرها بايديه الاتنين، وهو بيقولها :
- كده بقيتي قمر يا "نوري".
ونزل بايده يمسك خصلة من شعرها يتأملها بإبتسامة واسعة وهو بيقولها:
- تعرفي إن طول عمري بحب شعرك الدهبي ده، ويمكن دي أول حاجة لفتت نظري ليكِ.
وراح بايده ناحية خدها يقرصه قرصة خفيفة وهو بيكمل كلامه بوقاحة :
- بس بعد كده طبعًا حبيت كل حاجة فيكِ، ومتأكد إنك كمان بتحبيني .
وشدد من قوة قرصته لخدها وهو مستمر في كلامه :
- وإن علاقتك بالجني ده مجرد نزوة وراحت لحالها، أو يمكن كانت حالة ضعف واستسلام منك، أو حالة تسلط وسيطرة منه.. أنا متأكد إنك أجبن من إنك تخونيني، ده غير إن أبوكِ الله يرحمه عرف يربيكي، ودي شهادة حق لازم أشهد بيها.
"نور" كانت بتبصله زي المغيبة، اللي مش سامعة ولا شايفة أي حاجة، لكنها حاسة بذل قوي، وإهانة أقوى، حاسة إنها عايشة كابوس بيشدها جواه بكل عنف، كابوس مكتفها تمامًا، بتحاول تقاوم رغم استسلامها، بتدور على أي طوق نجاة، لكنها في قاع بحر من الضلمة مالوش آخر، ولا فيه شعاع أمل واحد.
في وسط كل ده "يونس" ضيق عينيه بدهشة وهو بيرهف السمع، عشان يسمع صوت "مويرا" بتنادي عليه من بعيد، ابتسم ابتسامة واسعة وهو بيسيب خد "نور" وبيتنفض من مكانه يدور في الأوضة زي المجنون وهو بينادي :
- حبيبتي!.. إنتِ فين؟!.. مش شايفك.
الصوت كان بيقوى رغم نعومة نبرته وإثارتها، عشان يزداد جنون "يونس" بشكل ضاعف من رعب "نور"، اللي كانت بتابعه ببكاء صامت.
تحركات "يونس" بقت أكتر هستيرية وهو بينصت بإمعان لمصدر الصوت، اللي كان جاي من بره الأوضة، عشان يفتح بابها بلهفة ويخرج في نفس اللحظة اللي ظهر فيها "فولاك"، واللي جري ناحية "نور" يضمها لصدره بلهفة قوية وهو بيقولها :
- حقك عليا.. والله أنا عملت كده عشانك، سيبتك معاه وقلبي بيتفتت مليون حتة، لكن خلاص مش هسيبك تاني، حتى لو اعترفت للمحكمة إني أنا اللي غويتك، وخطفتك لعالمنا غصب عنك.
كان حضن "فولاك" لـ "نور" في الوقت ده بر أمان ظهر قدامها فجأة في قلب محيط خوفها وذعرها، عشان تتشبث بيه بكل قوتها، وتجاهد للصمود لآخر أنفاسها، فبكل لهفة العالم حاوطت وسطه بدراعتها، وشددت بقوة من احتضانه، وهي في نوبة بكاء وهلع قوي، عشان يضمها "فولاك"، ويحاوطها بدراعاته القوية، كأنه دخلها جوه قوقعة آمنة، أو شق صدره وحاوطها بجلده الحار، اللي كان نبع الأمان لها في الوقت ده.
استمرت "نور" في البكا بكل قوتها وطاقتها اللي بالفعل كانت استنزفت، و"فولاك" كان بيحاول يبث جواها أي طاقة أو قوة منه، لكنه فشل في ده، رغم محاولاته العديدة.
بعد دقايق طويلة من الوضع الصامت ده، كانت هديت "نور" تمامًا، عشان تتحرك بين دراعاته المتشبثة بيها بصعوبة وهي بترفع راسها بعيد عن صدره، عشان تتنفس بمشقة وهي بتقوله بحنق :
- إنت مكتفني قوي، مش قادرة أتنفس.
بصلها "فولاك" بصدمة وهو بيرخى دراعاته حواليها وبيقولها بعشق عاتب :
- وأنا اللي كنت قادر أتنفس يا"نور"؟!.. أنا من ساعة ما سبتك معاه في الأوضة دي وأنا الهوا كان نار بتدخل صدري، كان وجوده بيحرقني أكتر من عدمه، كل ما أتخيل إن سيبتك مع الإنسي ده أحس بعجز شلني، لكن خلاص مش هتبقى معاه لحظة.
بصتله "نور" بشوق جارف لأول مرة وهي بتقوله بخوف:
- والمحاكمة؟
هز "فولاك" راسه برفق وهو بيقولها :
- أنا هتصرف.
=لكنك قولت مفيش جن بيقدر على إنس إلا بمزاجه وبكامل إرادته، وده اللي حصل فعلًا، أنا جيت هنا بإرادتي، ومكملة هنا برضه بإرادتي، يعني في المحكمة إحنا الاتنين مُدانين ومذنبين في حق "يونس".
جاهد "فولاك" للسيطرة على غضبه من مجرد سمعه لاسم "يونس" منطوق بصوتها، وهو بيزفر زفرة قوية وبيقولها :
- محدش فينا مذنب في حقه يا "نور"، خاصة إنتِ، هو اللي أذاكِ ووصلنا للحالة دي.
غيمت عينين "نور" بحزن قوي وهي بتقوله بخوف:
- طب إيه الحل؟.. غير إني أقف في محكمتكم، أو إنك تقف فيها لوحدك، لو حصل يا "فولاك" أقسم بالله العظيم لتلاقيني واقفة قدام المحكمة ومعترفة إني اللي غويتك، زي ما "يونس" غوى "مويرا".
اتنهد "فولاك" بقلة حيلة، فوقوفه واعترافه قدام المحكمة وتحمل كل المسئولية كان حله الوحيد لنجاة "نور"، عشان يبتسم لها ابتسامة باهتة وهو بيقولها :
-هلاقيلها حل ما تقلقيش.
وابتدت نبرته تتوتر وهو بيبصلها بإمعان وبيقولها:
- "نور".. هو...
لكنه وقف تمامًا عن الكلام وهو بيتنفس بصعوبة، ودقات قلبه المتسارعة مسموعة لـ "نور" اللي فهمت قصده على الفور، عشان تتجمع الدموع في عيونها وهي بتبصله بوجع وبتهز راسها وبتقوله :
- مش عارفة.. ولا فاهمة حاجة.
بلع "فولاك" ريقه بمشقة وهو بيقوم من مكانه وبيقولها :
- قومي معايا.
قامت "نور" من مكانها وهي متمسكة بكفه بإيديها الاتنين، عشان يتفتح باب الأوضة في اللحظة دي ويدخل "يونس" معاه أعضاء المحكمة الكبرى اللي بصوا لـ "فولاك" بصدمة قوية.
*******
أما "نيرون"؛ فوقف قدام غرفة سرية على أطراف مملكته يراقب الطريق بحذر قوي وهو بيتلفت حواليه بتوتر قبل ما يزيح أغصان شجرة كبيرة مغطية باب حديدي، فتحه ودخل براحة قوية.
مجرد ما خطى جوه الغرفة قفل بابها واتنهد بسعادة واشتياق، وهو بيتوجه ناحية مكان مظلم نوعًا ما، وبيقول برفق:
- عاملة ايه النهاردة؟
ما كانش فيه أي إجابة لسؤاله، لكنه كمل مشي لحد ما قعد على كرسي خشبي مقابل للبقعة المُظلمة دي، وسلط أنظاره عليها وهو مبتسم وبيقول بسعادة :
- مش تباركيلي.. أنا بقيت أب، بقا عندي ولي العهد اللي هيحكم كل مملكة "برقان".
واتسعت ابتسامته وهو بيكمل كلامه بسعادة حقيقية :
- تعرفي إني سميته "برقان"، عشان يبقى ملك عظيم زي جده.
واتنهد تنهيدة قوية كأنه بيدفع حمل من على قلبه وهو بيقولها :
- كان نفسي يكون منك.. إنتِ الوحيدة اللي حبيتها، واتمنيتها زوجة ليا.. بس ملحوقة.
واسترخى في قعدته وهو زفر زفرة قوية بجدية وبيقولها :
- كنت حابب أحكيلك عن أحداث يومي زي كل مرة، لكن النهاردة مفيش حدث أهم عندي من ولادة "برقان" الصغير، يلا عشان تربيه معايا وتاخدي بالك منه، أنا متأكد إنك هتكوني أم عظيمة.
وسند بإيديه على مخادع الكرسي وهو بيستقيم بجسمه مرة تانية، قبل مايقوم من مكانه، عشان يخترق الظلام وهو بيزيح ستار بلاستيكي بارد، قفله وراه بهدوء قوي ، وهو بيقف قصادها للحظات، يتأمل فيها ملامحها بعشق جارف، وبيتنهد بقوة وهو بيميل بجسمه ناحيتها، يملس على شعرها بايد حانية، وهمس جنبها :
- لسه جميلة زي ما إنتِ يا "مويرا".
