رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الرابع عشر بقلم فاطمة على محمد
"يونس" متقدم الجميع، شادد جسمه بزهو وغرور وهو بيبص لـ "فولاك"، اللي واقف جنب "نور" بثبات قوي ، على عكس نظرات الصدمة والدهشة بعيون القاضي ورجاله، اللي كانوا واقفين ورا "يونس"، قبل ما يمد القاضي إيده برفق يزيح "يونس" جانبًا، وهو بيتقدم قدامه وبيوجه كلامه لـ " فولاك":
- الإنسي قدم طلب مستعجل لهيئة المحكمة، بيطلب فيه محاكمتك بتهمة إغواء إنسية واستدراجها لعالمنا، وممارسة الفاحشة معاها.
اتسعت عينين "نور" بصدمة وهي بتهز راسها بلاتصديق وذهول، ونظرات الذعر والهلع مسيطرة على حدقاتها اللي بتطوف بها وجوه الجميع ، أما "فولاك" فطبق عينيه بقوة وهو بتنفس بتقل، وبيهز راسه بتأنيب على وضعه لـ "نور" في المأزق ده، عشان يبتسم "يونس" ابتسامة تشفي بـ "نور" و "فولاك" وهو بيقول :
- دي زوجتي اللي غواها يا سيادة القاضي، زوجتي اللي انساقت وراه وجت معاه لحد هنا، زوجتي اللي سابتني عشان جني عاشق.
اتجه القاضي بأنظاره المستاءة ناحية "يونس" وهو بيقوله بنبرة حادة:
- العريضة اللي إنت مقدمها بتقول إن الجني "فولاك" استدرج زوجتك وخطفها، لكنك دلوقتي بتقول إنها جاية معاه بموافقة تامة منها.
اتلجلج "يونس" وهو بيهز راسه بتساؤل وبيقوله بتوتر :
- وهي تفرق في إيه يعني؟!
اتقدت عينين القاضي بنيران الغضب وهو بيصيح فيه مغتاظًا :
- تفرق كتير، الأولى الجني "فولاك" بس هو اللي هيتحاكم، ومجرد تطبيق العقوبة عليه هتاخد زوجتك وتغادروا عالمنا، أما في الحالة التانية فالمحاكمة هتكون للاتنين، للجني وللإنسية اللي موجودة جوه حدود مملكتنا.
انفرجت ابتسامة "يونس" بسعادة وهو بيبص ناحية "نور" اللي أصبح قاب قوسين أو أدنى من التخلص منها وبدون ما يلوث ايده بدمها، ومن بعدها راح بنظرات الشماتة ناحية "فولاك" اللي هيحرمه من "نور" زي ما حرمه من حبيبته "مويرا"، يعني هيقضي على الاتنين بضربة سيف واحدة، عشان تتسع إبتسامته وهو بيروح بأنظاره ناحية القاضي وبيقوله :
- مراتي عشقته وجت معاه لحد هنا برضاها يا حضرة القاضي، وأنا بطالب بمحاكمتها مع عشيقها.
هز القاضي راسه بموافقة وهو بيتلفت بطرف عينه ناحية مساعديه اللي ألقوا القبض على "نور" و "فولاك" في الحال، وهو بيقول :
- تنصب المحكمة الكبرى، محاكمة مزدوجة بين الجن والإنس، محاكمة عادلة أحكامها واجبة النفاذ.
إبتسامة سعادة وفرحة اترسمت على ملامح "يونس" اللي تنحى جانبًا عشان يسمح للجميع بالمرور.
*******
في غرفة "شمس الأخاديد" اللي حالة التشنج العصبي عندها ابتدت تخف بشكل تدريجي، لحد ما تلاشت تمامًا، عشان يزفر "أوتو" زفرة راحة قوية وهو بيجفف حبات العرق الغزيرة اللي كانت مغطية كامل جبينها وهو بيهمس جوارها في محاولة منه لاستدعاء كامل وعيها:
- مولاتي جلالة الملكة "شمس الأخاديد".
كانت "هيرينا" بتابع "أوتو" بتركيز عالي جدًا، وهي قاعدة على مقعد مقابل لسرير الملكة، وبتزفر بغيظ قوي من تصرفات "أوتو" وثباته المبالغ فيه، عشان تبصله بغيظ قوي، وهي بتقوم من مكانها تقرب من الملكة لحد ما أصبحت مواجهة ليه، وقالت له بنبرة حازمة :
- أظن إن الوضع الصحي لجلالة الملكة استقر دلوقتي، يعني تقدر تسيبها ترتاح.
كمل "أوتو" اللي بيعمله بكل تركيز، وهو بيجاوبها بدون ما يزيح عينيه عن وجه الملكة اللي كانت بيراقب انفعالاته واستجابتها بتمعن قوي :
- بلغت سموك إن مش هسيب جلالتها لحد ما تستعيد كامل وعيها، أو يحضر جلالة الملك "فولاك" ذاته.. سموك لو تعبتي من مرافقة جلالتها تقدري ترتاحي في أوضتك.
اشتعل غضب "هيرينا" ووصل لأقصاه، واشتعلت نيرانه بأحداقها، كذلك بقبضة ايدها اللي كورت فيها كورة متوسطة من النيران وألقتها بكامل قوتها ناحية "أوتو"، اللي كان رد فعله سريع ومتزن، فبحركة سريعة من ايده، سحب صينية معدنية من على الطاولة جواره، واستخدمها كدرع واقي، صد به كرة النار، اللي رجعت مرة تانية ناحية "هيرينا" وأوشكت إنها تصيبها، لولا سرعتها في تفاديها.
كل ده وكان "أوتو" مكمل في اهتمامه بجلالة الملكة، ومحاولاته لاستعادة وعيها اللي ابتدت تتحرك له رموشها بببطيء.
غضب "هيرينا" تجاوز المدى المسموح به، واشتعلت نيران الغضب بكامل جسدها، عشان تعمل حواليها هالة ضخمة من النار، اللي لفح لهبها طرف فراش الملكة فحرقه، وهي بتدور حوالين السرير قاصدة "أوتو" اللي كان مشغول مع الملكة وغير مبالي باللي بيحصل حواليه، عشان تدخل في اللحظة دي الخادمة وهي منحنية برأسها وبتبلغ "هيرينا":
- سمو الأميرة، المحكمة العاجلة اُقيمت لمحاكمة جلالة الملك "فولاك" والإنسية "نور".
اتسمرت "هيرينا" بأرضها وهديت نيرانها تمامًا لحد ما انطفت وكأن شيء لم يكن. في نفس الوقت اللي رفع "أوتو" راسه ناحية الخادمة يطوفها بأنظار مصدومة، الخادمة اللي كانت كلماتها كدلو ماء بارد سكب للفور على راس الملكة، فاستعادت به كامل وعيها، وانتفضت من فراشها بسرعة مذهلة وهي بتصرخ بصدمة :
- "فولاك"!
التفت "أوتو" ناحية الملكة بلهفة وهو بيقولها بمودة :
- برفق يا مولاتي.. جلالتك لسه ما استعدتيش كل قوتك.
هزت "شمس الأخاديد" راسها بنفي وهي بتتجاهل كلام "أوتو" تمامًا، وبتبص ناحية "هيرينا" اللي كانت لسه الصدمة مأثرة على كل معالمها، وهي بتقولها :
- خديني لقاعة المحكمة يا "هيرينا".
فاقت "هيرينا" من صدمتها، وبصت ناحية الملكة اللي كان فستانها مبلل بالعرق وخصلات شعرها النارية ملتصقة ببعضها نتيجة العرق أيضًا، عشان تروح بأنظارها ناحية الخادمة تقولها بلهجة آمرة :
- جهزي المغطس لجلالة الملكة.
انحنت الخادمة بطاعة، وحادت "هيرينا" عنها بأنظارها متجهة ناحية "أوتو" تقوله بأمر صارم :
- أخرج بره الاوضة، جلالتها فاقت ودورك لحد هنا انتهى.
مجرد ما انتهت "هيرينا" من جملتها، كان "أوتو" قايم من مكانه متحرك ناحية طاولة جانبية عليها كل العقاقير والأدوية اللي بيحتاجها، وبدأ يدور بينهم على دوا معين، أخيرًا لقاها، وأخده واتجه ناحية "شمس الأخاديد" يصب بعض منه في كوب مياه، قدمه ناحيتها وهو بيقولها بنظرات جدية :
- اشربي الدوا ده جلالتك، هيقويكي وهيمنع أي انتكاسة ممكن تحصل لجلالتك.
طاوعته "شمس الأخاديد" باستسلام، لأنها فعلًا كانت حاسة بضعف وإرهاق عام، عشان تشرب الدوا كله وهي بتبص لـ "أوتو" وبتقوله بنبرة لينة غريبة عنها:
- خليك جنبي طول الوقت، مش عايزة أقع في المحكمة قصاد الشعب.
انحنى "أوتو" براسه بطاعة وهو بيقولها :
- أمر جلالتك يا مولاتي.. اسمحي لي بالانصراف، هنتظر جلالتك قدام الباب، وهرافقك للمحكمة.
هزت "شمس الأخاديد" راسها بموافقة وهي بتستند على ايدها، وبتقوم من مكانها بمساعدة "هيرينا" اللي صاحبتها للمغطس، وهي بتبص لـ "أوتو" بنظرات غيظ غاضبة.
********
المحكمة اتنصبت في الساحة الخارجية للمبنى، وده لأنها هتكون محاكمة علنية قدام عامة شعب المملكة بجميع مخلوقاته، زي ما كانت محاكمة الأميرة "مويرا"، وزي كل القضايا من النوعية دي، عشان تكون عبرة وعظة للجميع.
شعب المملكة كله كان متجمع في مواجهة لمنصة القضاء اللي كانت عبارة عن كرسي ضخم اسود حجري، وعلى جوانبه كراسي أقل ضخامة منه لكنها من نفس الحجر الأسود، وقدامهم طاولة طويلة مغطية كل المقاعد.
الهمهمات والهمسات كانت مرتفعة في الأنحاء، والجميع مصدوم من محاكمة الملك "فولاك" صاحب الهيبة والسلطة، الملك العادل الذائع صيته بين كل الممالك، واللي بتحترمه الملوك قبل الشعوب، الأعداء قبل الأصدقاء، وده لنزاهته وشرفه، وعدله.
طالت الهمهمات بطول وقت انتظار الملك "فولاك" وهيئة المحكمة، اللي أعلن أخيرًا الحاجب عن وصولهم ، عشان تاخد القضاة أماكنهم بكبرياء، ومن بعدها يدخل "فولاك" المحاوط باتنين من الجنود عن يمينه وعن يساره لكنه ورغم من ده كان مرفوع الرأس، عالي الهامة، شامخ القامة، جامد النظرات.
أما "نور" واللي كانت محاطة هي كمان باتنين من الجنديات الإناث، واللي كانت ماشية وسطهم بخطوات مرتجفة، وقلب صوت نبضاته طاغي على أصوات همهمات الجميع، ودموع منسابة بلا توقف جعلت رؤيتها مزدوجة لجميع الأشياء.
عشان يتبعهم "يونس" بخطوات متراقصة بسعادة كدقات قلبه، وهو بيبص للجموع حواليه بابتسامة واسعة، وسعادة غامرة، قبل ما يلتفت ناحية "فولاك" و "نور" اللي وقفوا على يمين هيئة المحكمة، مقابل مقاعد ملوك وأمراء الممالك الأخرى بمن فيهم "نيرون" اللي كان بيراقب أخوه بشماتة عظيمة.
طول الوقت "فولاك" كان جامد، ساكن، بيغض النظر عن "نور" على عكس طبيعته، وعلى النقيض تمامًا كانت "نور"، ببساطة كانت بتدور عنده على الأمان اللي افتقدته، الستر اللي غاب عنها وعراها قدام الجميع، الطمأنينة اللي اتخلت عنها بكل أنانية.
دخلت المحكمة الملكة "شمس الأخاديد" اللي وعلى الرغم من انفطار قلبها على ابنها، إلا إنها احترمت المحكمة وقضائها وقعدت في الصف الأول للملوك بكل ثبات وشموخ، ورضا، وانضمت ليها "هيرينا" اللي كانت صدمتها واضحة عليها وبقوة، عشان يرفع "نيرون" أنطاره الغاضبة ناحيتها، وهو بيهم بالقيام لولا نداء الحاجب :
- المحكمة الكبرى.
انتبه الجميع ناحية القاضي، يطوفون معالمه بإصغاء شديد، عدا "شمس الأخاديد" اللي كانت بتبص لـ "فولاك" بحسرة قوية وهي بتغمض عينيها بألم قبل ما تفتحها بغضب قوي وهي مرتكزة بأنظارها على "نور" اللي هرب منها دمها بسبب الخوف والرهبة.
عشان يبتدى القاضي بالكلام بصوت مرتفع حازم وهو بيشاور ناحية "يونس" بسبابته :
- تقدم الإنسي "يونس" بشكوى عاجلة لهيئة المحكمة بإغواء الجني "فولاك" ابن الملك "برقان" للإنسية "نور" زوجته، وعشقها، ومبادلتها العشق له، والهروب معًا لعالمنا.
والتفت القاضي بأنظاره ناحية "يونس" يسأله :
- دي شكوتك أيها الإنسي.
رسم "يونس" معالم القهر والحزن على ملامحه وهو بيقرب خطوة واحدة من القاضي وبيقوله بصوت حزين مرتعش :
- شكوتي يا حضرة القاضي.
ورفع سبابته ناحية "نور" وهو بيلتفت لها بنظرات غلبها الدمع وبيردد بحرقة :
- دي "نور" مراتي، حب عمري، اللي حلمت معاها بكل حاجة، اللي آمنتها على اسمي، اللي كنت بنام جنبها مطمن، اللي حلمت إن ولادي يكونوا منها ومش من أي حد تاني.
والتفت ناحية القاضي اللي كان بيسمع له بإضغاء شديد، وهو بيسمح دمعة هاربة من عينيه، قبل ما يلتفت مرة تانية ناحية "نور" اللي كانت صدمتها ملجمة كل جسمها ما عدا دموع عينيها اللي كانت منسابة بغزارة، عشان يقرب منها وهو بيقول بصوت شجن :
- مراتي اللي ضحيت عشانها بكل حاجة، واللي كنت مستعد أضحى بعمري كله عشانها.. مراتي اللي بنينا مملكتنا الصغيرة سوا، واختارنا كل حاجة فيها سوا، لكن فجأة..
وعلا هنا صوت "يونس" بغيظ قوي وهو بيتوجه بأنظاره ناحية "فولاك" اللي ما كانش باين عليه أي انفعالات، رغم نظراته الجامدة له، واللي بثت الرهبة في قلب "يونس"، لكنه حمحم بقوة يستجمع شجاعته عشان يكمل كلامه :
- ظهر الجني الخاين ده، اللي دخل لمراتي في لحظة ضعف، وقدر يسيطر عليها، وخلاها تحبه.. لأ.. خلاها تعشقه، خلاها تنساني، وتبعد عني، خلاها تكره لمستي ليها، ويمكن كمان تكره صوتي، أو نفسي جنبها.. حبيته.
وسرح "يونس" للحظات في طيف "مويرا" اللي ظهر فجأة قدامه وهو بيكمل كلامه بعشق جارف وبصوت مسموع للجميع:
- حبيتها.. عشقتها، كنت مستعد أضحى بآخر نفس في عمري عشانها، حتى لما إديتني قلبها، رحبت وقبلت، رغم إني كنت متأكد إنه هيقضى على قلبي ويموته، وياخد مكانه، لكني كنت سعيد، وطاير من الفرحة وحتة منها بتنبض بين ضلوعي.
والتفت ناحية "فولاك" بغضب شيطاني وهو بيبصله بنظرات حقد وكره وبيقوله :
- حتى لما الجني ده شق صدري وشال قلبها من جوايا، قلبها رفض يسيبني أو يتخلى عني، وساب حتة منه تكمل نبض جوايا، حتى لو كان ضعيف، لكنه قوي بحبنا من تاني، وقدر يتمسك بالحياة، وأديني واقف قدامك أهو..
وقرب من "فولاك" وهو بيفتح دراعاته على مصرعيهما وبيقوله :
- واقف على أرضك، وفي قلب مملكتك، وبحاكمك قدام كل شعبك، وهنتقم منك على قتل حبيبتي "مويرا"، وهحسرك على الخاينة اللي اختارتك.
استعراض "يونس" قدام "فولاك" واختصاصه بتوجيه الكلام ليه استفز القاضي اللي صاح فيه بحدة :
- كلامك يتوجه لهيئة المحكمة يا إنسي.
اتجه "يونس" بأنظاره ناحية القاضي بعد ما رسم علامات الانكسار على ملامحه وهو بيقوله بنبرة خافتة :
- أعتذر لعدالتك، بس أنا موجوع من خيانتها ليا.
استوعب القاضي حالة "يونس"، وهز راسه له برفق وهو بيسأله :
- خلصت كلامك؟
هز "يونس" راسه بحزن وهو بيقوله :
- خلصت سيادتك، ومنتظر حكمك العادل.
شاور القاضي لـ "يونس" بالجلوس وهو بيقوله :
- أقعد لحد ما المحاكمة تنتهي.
استدار "يونس" بجسده وهو بيبتسم ابتسامة ماكرة، لمحها "نيرون" اللي كانت سعادة العالم لا تضاهي سعادته في الوقت ده.
بينما التفت القاضي ناحية "نور" اللي كانت في حالة يرثى لها، عشان يسألها بصوت حازم :
- الإنسية "نور" زوجك الإنسي بيتهمك بالخيانة، والهروب مع الجني "فولاك".
تعلقت عيون "نور" الذاهلة بالقاضي، والأرض بيدور بيها، وهي بتهز راسها بنفي قوي، عشان يتقدم "فولاك" خطوة ناحية القاضي وهو بيقوله بصوت ثابت :
- اسمح لي بالحديث عدالتك.
رفع القاضي سبابته بتحذير في وجه "فولاك" وهو بيقوله بحدة :
- إلزم موضعك أيها الجني، الحديث الآن مع الإنسية.
ابتسم "يونس" بسعادة متشفيًا، في ذات اللحظة اللي اعتدل فيها "نيرون" في مقعده، وهو بيهم براسه يتابع الحديث باهتمام قوي، وتشفي أقوى، بينما "شمس الأخاديد" كانت علامات الحزن والألم كاسية لكل ملامحها، في الوقت اللي الغضب كان مسيطر على "هيرينا" من عبثية المحاكمة التي تمت بين ليلة وضحاها، لكن "فولاك" كان لسه مرتدي رداء الوقار والحكمة، والقوة، عشان يوجه كلامه الجاد للقاضي:
- عدالتك الاتهام موجه ليا زي ما هو موجه للإنسية، لأن ببساطة فعل الخيانة لازم يقوم بين طرفين مش طرف واحد، أما العشق فبيكون برضا تام بينهم، وانصهار قوي بين قلوبهم.. العلاقة بين الإنس والجن قائمة منذ قديم الأزل، الزواج والمصاهرة بينهم موجودة ومن ملايين السنين، العشق الحلال بينهم موجود طالما له قواعد وشروط وكلنا عارفينها.
اتنهد القاضي بقوة وهو بيبص لحالة "نور" المزرية بأسى، عشان يشاور لـ "فولاك" بإتمام حديثه برضا وقناعة تامة.
رفع "فولاك" هامته بكبرياء وهو بيكمل كلامه :
- فعل الخيانة في حالة الإنسية "نور" ما تمتش إثباته عدالتك، إنما اللي تم إثباته قدام كافة شعب المملكة، واللي كان السبب في قدوم الإنسية لعالمنا، العالم الغريب والمرعب بالنسبالها ، إنها جت تساعد شعبنا في حل اللعنة اللي لعنتها الأميرة "مويرا" لمملكتنا بسبب حبها للإنسي ده، واللي الجميع هنا عارفها.. الجميع اللي كان من كام يوم بيقدم الشكر والعرفان للإنسية.. الجميع اللي كان بيقابلها بحفاوة وترحاب.
هدأت نبرته الغاضبة قليلًا، وهو بيكمل كلامه :
- أنا أقر بوجود الخيانة بين الجن والإنس ولا أنكرها في حالة ارتباط كلا الطرفين، وأطالب بمحكامتهم وتغليظ العقوبة على الاتنين طالما امتثلوا للمحكمة للكبرى، زي ما حصل مع الأميرة "مويرا".
واحتدت نبرة "فولاك" بغضب قوي وهو بيلف بجسمه متجه بأنظاره ناحية "يونس" اللي ظهرت عليه علامات الارتباك والتوتر، عشان يكمل :
- اللي إتُهمت بفعل الفاحشة مع الإنسي "يونس"، واللي اتحكم عليها بعقوبة مخففة لأنه ما كانش موجود وقت محاكمتها ، ولا قدرت جنودنا تقبض عليه طول ما كان موجود في عالمه، إنما دلوقتي الطرف الآخر في خيانة خطيبتي الأميرة "مويرا" موجود قدامنا وفي عالمنا، وقضية الأميرة لسه مفتوحة بوجود قلبها في جسم الإنسي "يونس"، ده غير قدوم زوجته الإنسية "نور" وطلبها توجيه الإتهام ليه ومحاكمته.
اتنفض "يونس" من مكانه بصدمة وهو بيهز راسه برفض لكل ده، عشان تنور ابتسامة "فولاك" محياه وتزيده جاذبية ووسامة، خاصة لما غمز له بطرف عينه وهو بيعود بالذاكرة للساعات السابقة.
*********
قدام بوابة قصر "مويرا"، زفر "فولاك" زفرة قوية وهو بيشرد بتفكير عميق وبيوجه كلامه الهامس لـ "خوان":
- المحاكمة اللي طلبها "يونس" لازم تتم بأقصى سرعة.
ضيق "خوان" عينيه بصدمة وهو بيقوله بدهشة:
- عايز تقدم "نور" وتقف معاها للمحاكمة؟!.. ومحاكمة كبرى كمان!.. يعني قدام شعب المملكة كله، وفي وجود ملوك وأمراء بقية الممالك.
هز "فولاك" راسه بموافقة وهو بيقوله بشرود :
- بالظبط.
اتضاعفت صدمة "خوان" اللي بصله بترقب لبقية كلامه :
- المحكمة الكبرى لازم تتنصب، ولازم الجميع يحضرها، وده الفخ اللي هيدخله "يونس" برجليه.
دقق "خوان" النظر للحظات يستوعب كلام "فولاك" اللي اتنهد بقوة وهو بيقوله :
- أنا هروح أقابل القاضي وأرجع على طول.
اتنهد "خوان" بقوة وهو بيقوله :
- جاي معاك.
هز "فولاك" راسه برفض وهو بيقوله:
- لأ خليك هنا تحمي "نور" على ما أرجع، وكمان أنا هحتاجك تتلبس شكل "هيرينا" وصوتها النهاردة.
وارتفع "فولاك" بجسده طائرًا نحو المحكمة.
*****
في أوضة استراحة كبير القضاة، كان يجلس جني عجوز، لحيته البيضاء واصلة لمنتصف صدره، ملتحمة مع خصلات شعره الطويلة اللي واصلة لأسفل ظهره واللي كان كاسيها اللون التلجي تمامًا. اعتدل القاضي في مجلسه وهو بيقلب أوراق الدفتر قدامه بتركيز قوي، عشان يستأذن خادمه الخاص بالدخول.
سمح له القاضي من غير ما يرفع عينيه عن دفتره، عشان يقوله الخادم بنبرة ودودة:
- جلالة الملك "فولاك" يطلب إذن بالدخول يا سيدي.
هز القاضي راسه بموافقة صامته، عشان يغادر الخادم للحظات دخل بعدها "فولاك"، اللي توجه ناحية القاضي باحترام، عشان يقوم القاضي من مجلسه ويقابله مرحبًا بابتسامة ودودة ككلماته:
- أهلًا بك يا جلالة الملك.
ابتسم "فولاك" وصافح القاضي اللي كان مادد له ايده، وهو بيكمل كلامه بيقوله:
- اتفضل بالجلوس.
قعد "فولاك" على الكرسي المجاور للقاضي اللي قعد هو كمان، عشان يتكلم "فولاك" بنبرة جدية :
- عرفت إن فيه إنسي قدم طلب لمحاكمتي أنا والإنسية "نور".
هز القاضي راسه برفق وهو بيقوله :
- فعلًا.. اتقدم طلب بكده، وأخد دور رغم إن الإنسي طالب محاكمة عاجلة، لكن حتى المحاكمات المستعجلة كتير ولها أدوار وأولويات.
لانت معالم "فولاك" بابتسامة خفيفة وهو بيقوله :
- طب أنا عايز أطلب منك طلب.
=أكيد.. لو في ايدي، أو مش مخالف لضميري، ولقرار المحكمة.
اتسعت إبتسامة "فولاك" وهو بيقوله :
- الجميع بيشهد بنزاهة أحكامك، وأنا أولهم، وعمري ما هطلب منك تخالف ضميرك، لكن كل اللي أنا محتاجة إنك تتعجل بالمحاكمة.
بصله القاضي بدهشة وهو بيقوله :
- بتستعجل محاكمتك يا جلالة الملك؟!
هز "فولاك" راسه بموافقة وهو بيقوله :
- أيوه.. وياريت تكون في خلال الساعات الجاية دي، وكمان هطلب منك طلب تاني، بس يا ريت ما يخرجش برانا.
بصله القاضي بتشجيع لإتمام الحديث، عشان يسترسل "فولاك":
- هطلب من هيئة المحكمة كلها تيجي لقصر الأميرة "مويرا".
=الأميرة "مويرا"؟!.. ليه؟
مال "فولاك" بجذعه ناحية القاضي وهو بيقوله باهتمام كبير :
- عدالتك عارف إن الأميرة اتحولت لمحاكمة بتهمة الخيانة مع إنسي، والعقوبة يومها اتخففت للنفي عشان الطرف التاني في الخيانة مش موجود.
هز القاضي راسه بموافقة وهو بيقوله :
- مظبوط.. وإحنا حاولنا معاها إنها تجيب الإنسي ده للمحكمة لكنها رفضت، وقررت إنها تتحاكم لوحدها.
=طب لو الإنسي ده هو نفسه الإنسي اللي طلب محاكمتي أنا وزوجته؟!.. زوجته اللي جت أصلًا عالمنا عشان تساعدنا في فك لعنة "مويرا".
صمت القاضي بتفكير عميق للحظات قبل ما يجاوبه :
- بس التهمة سقطت بانتحار الأميرة وموتها.
جاوبه "فولاك" بحماسة هادية :
- لكن قلب الأميرة لسه بينبض في جسم الإنسي، وبالشكل ده مدة المحاكمة لسه ما انقضتش، وهو دلوقتي موجود في عالمنا، وقضية الأميرة في المحكمة من قبل طلب محاكمتي، يعني طلب محاكمتي في حكم اللاغي.. ويجوز بالقانون اللي اتعلمناه إننا نستأنف المحاكمة مرة تانية، وبما إني المتضرر فأنا بطالب بمحاكمة الإنسي "يونس" في محاكمة كبرى.
بدأ القاضي يملس لحيته التلجية بتفكير عميق للحظات طويلة تحت أنظار "فولاك" المرتقبة، عشان يزفر زفرة قوية وهو بيقوله بحزم :
- أنا هعمل كده، بس ده مش عشان جلالتك، إنما عشان دي قضيتي من البداية ومش مسموح إن إنسي يستهون بهيئة المحكمة بالشكل ده، لكن أنا ليا بالأدلة والاعترافات، غير كده هتكون قضية ملفقة.
اتنهد "فولاك" براحة قوية وهو بيقوله :
- هخليه يعترف بنفسه قدام هيئة المحكمة، وقدام كل الشعب.
ونهض "فولاك" من مكانه يصافح القاضي بحرارة، عشان يقوله القاضي بتأكيد :
- هنلحق بيك لقصر الأمير "مويرا".
ابتسم "فولاك" بظفر وهو بيغادر الغرفة، لإتمام الخطوة التانية من خطة نجاة معشوقته.
********
"خوان" كان لسه في مكانه قدام قصر الأميرة "مويرا" بيتدرب على التلبس بشكلها، والحديث بنفس نبرة صوتها، لحد ما وصل للطبقة المناسبة تمامًا، عشان يهبط جنبه "فولاك" بهمة ونشاط وهو بيقوله :
- جه دورك.. هنختفي دلوقتي ونوصل لحد الأوضة اللي فيها "نور"، إنت هتستخدم صوت "مويرا" وتنادي على "يونس" وتستدرجه لحد هنا، وقتها هيقابل هيئة المحكمة و جنودها، وهما هيعملوا الباقي، أما بقية دورك فهيكون في المحكمة لما تظهر قدامه على هيئة طيف "مويرا".
هز "خوان" راسه بموافقة وصورته بتتلاشى تمامًا كما "فولاك"، وبيدخلوا سوا القصر.
******
لحظات وتوقف "فولاك" و"خوان" قدام باب الغرفة، عشان يسحب نفس قوي وهو بينادي بصوت "مويرا" الدافي:
- "يونس"... "يونس".
لحظات تانية قليلة وبالفعل خرج "يونس" يدور على "مويرا" بلهفة قوية وهو بيهتف:
-حبيبتي!.. إنتِ فين؟!.. مش شايفك.
ابتسم "خوان" بسعادة لنجاح خطته في نفس اللحظة اللي دخل فيها "فولاك" الأوضة، عشان يجري "خوان" بسرعة للخارج، وهو لسه بينادي باسم "يونس".
"يونس" كان متتبع صوت "مويرا" زي المجنون، و "خوان" كان متقمص الدور ببراعة لحد وصله للمكان اللي كان فيه مع "فولاك" من شوية، واللي كان وصل له القاضي ومساعديه، اللي بص لـ "يونس" بنظرات غاضبة وهو بيسأله بحدة :
- إيه اللي جابك قصر الأميرة "مويرا" يا إنسي؟
اتلجلج "يونس" بتوتر وارتباك قوي وهو بيهز راسه بصدمة من الموقف، عشان يسعفه تفكيره بكذبة فيصرخ باستنجاد :
- انجدني يا عدالة القاضي، أنا الإنسي اللي طلب محاكمة الجني "فولاك" والإنسية "نور".. الحمد لله إنك موجود عشان تشوف خيانتهم بأم عينك.. تعالى معايا وأنا هثبت لك صدق كلامي.
وهرول "يونس" إلى الداخل يتبعه القاضي ورجاله.
*******
ابتسامة "فولاك" كانت لسه راسمة ملامح وشه وهو بيحضر بذاكرته وكل تفكيره مرة تانية للمحكمة، اللي القاضي فيها مال ناحية مستشاريه، يتناقش معاهم لدقايق طويلة، عشان يهز راسه بتأييد لما اتفقوا عليه وهو بيرفع راسه ناحية الجموع حواليه وبيقولهم بنبرة صارمة:
- الجني "فولاك" ابن "برقان" اتقدم لهيئة المحكمة الموقرة بطلب استئناف محاكمة الأميرة "مويرا" والإنسي "يونس" بالإثم بالفاحشة، وكانت قضية الأميرة والإنسي سابقة لإتهام الإنسي لزوجته والجني "فولاك".. وعليه حكمت المحكمة بإجماع الآراء بحبس الإنسي "يونس" في سجن الغربان حتى قضائهم على آخر قطعة لحم به.
صدمة قوية سيطرت على الجميع بالساحة، ما بين إنبهار إعجاب بدهاء "فولاك"،. وبين غضب وحقد من سلامته من هذا الفخ، لتتنهد "شمس الأخاديد" براحة كبيرة وهي بتبص لـ "فولاك" بفخر قوي، أما "نيرون" فقد اشتعل الغضب بأوردته النافرة وهو بيضغط على قبضته بكل قوته، و"هيرينا" فكانت بتبص لزوجها بسعادة كبيرة وهي بتراقب نظرات الانتصار بعينيه.
أما همهمات الشعب اللي اتحولت في لحظات لهتافات بالحياة الطويلة لملكهم، واللي شتت تركيز الجميع عن "يونس" اللي سحب خنجره من حوالين ساقه، وجري ناحية "نور" اللي كانت استسلمت لضعفها، وأرخت كل عضلاتها، لتجلس أرضًا بنبضات قلب صارخة.
قلب كان بيقصده "يونس" بخنجره اللي انقض بيه على "نور" بكل قوته، لولا "فولاك" اللي تصدى للطعنة دي بساعده وسط ذهول وصرخات الجميع.
حالة من الهياج العصبي انتابت "يونس" اللي سحب خنجره ورفعه في وجه الجنود اللي حاوطته في الحال وهو بيصرخ فيهم بهلع :
- هقتلتها.. هقتلكوا كلكوا.. ابعدوا عندي.
لكن الدايرة حواليه كانت بتضيق وبسرعة، عشان يزداد هلعه، وتتضاعف حالة الذعر اللي واضحة في عينه، وهو بيتلفت ناحية "نور" يبصلها بابتسامة واسعة قبل ما يرفع خنجره ويطعن بيه صدره، وبكل قوته يسحبه لأسفل بشكل طولي لحد ما شق كامل صدره، وسط صرخات الرعب والهلع من "نور".
