رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الخامس عشر بقلم فاطمة على محمد
النظرات المصدومة للجميع كانت متوجهة ناحية "يونس" اللي اترمي على الأرض بصدره المشقوق واللي بيندفع منه الدم بشكل قوي، لدرجة إنه غطى كل الأرض حواليه، إنما "فولاك" كانت أنظاره في مكان تاني خالص، فكانت متعلقة بـ "نور" اللي كانت فاتحة فمها بصدمة، في محاولة منها إنها تحرر أي صرخة تطرد بيها خوفها وذعرها اللي كلبش قلبها، لكنها فشلت في ده، زي ما فشلت في الحفاظ على وعيها أكتر من كده، ففي لحظات كانت مايلة بجسمها ناحية الأرض مستسلمة تمامًا لإغمائها اللي ساحبها جوه دوامته.
"فولاك" أقسم في اللحظة دي إن يكون مرساها هو حضنه، وفعلًا مجرد ما مالت بجذعها، كان جنبها نازل على ركبته، عشان يتلقاها بين دراعاته، ويضمها لصدره بقوة، قبل ما يقوم من مكانه متجه بيها لغرفتها وهو بيصرخ بالطبيب "أوتو":
- تعالى بسرعة.
التفت "أوتو" بأنظاره اللي كانت متابعة لـ "يونس" ناحية "فولاك"، عشان يشوفه وهو بيركض ناحية غرفة "نور"، وجري وراه مباشرة.
زي المجنون كان شايلها "فولاك" وهو بيطوف معالمها الساكنة رغم الأسى اللي كان يكسوها ، عشان يدخل غرفتها متجهة ناحية سريرها، اللي وضعها أعلاه بكل رفق، وكفه كان أسفل راسها، لحد ما استقرت تمامًا على الفراش، فشال ايده وهو بيبص لـ "أوتو" اللي رفع حقيبته عن كتفه وهو بيفتحها يخرج منها الأدوية اللازمة.
أخيرًا مال "أوتو" ناحية "نور" يقرب من أنفها عقار لاستثارة وعيها تحت أنظار "فولاك" القلقة، لكن "نور" كانت رافضة الاستجابة تمامًا، كأنها استسلمت عن طيب خاطر لمصيرها ده.
التوتر والقلق كانوا مسيطرين سيطرة تامة على "فولاك" اللي كان متماسك لأبعد حد، واللي حس بتأنيب ضمير قوي لأنه السبب في وصولها للحالة دي، التزامه الصمت وتظاهره بالاستسلام للمحاكمة، وكتمان خطته عنها؛ شافه في الوقت ده سبب قوي لانهيارها، شاف إنه كان ممكن يلاقي مليون حل من غير ما يعرضها للموقف ده، لكن ضيق الوقت كان محجم تفكيره لأقصى حد.
كل الأفكار دي كانت بتعصف بعقل "فولاك" وهو متابع ملامح "نور" اللي بتقاوم العودة لوعيها، عشان يبص لـ "أوتو" بغضب وهو بيقوله :
- العقار ده ضعيف، شوف حاجة أقوى تفوقها.
بصله "أوتو" بتوجس وهو بيقوله :
- الأقوى هيعمل ضيق في التنفس جلالتك، هحاول أستخدم طريقة تانية، بس المشكلة إن الإنسية بتقاوم المحفز، وبترفض الوعي، بتهرب من الواقع، لأنها دخلت في صدمة نفسية، واختارت من انهيارها حصن أمان.
حصن أمان غيره!
حزن قوي اعتصر قلب "فولاك" مجرد إحساسه إنه أصبح خوف، وتهديد لحياة معشوقته، عشان يتخذ قراره بعودتها لعالمها بمجرد تعافيها، فرجع بأنظاره ناحيتها مرة تانية، وايده بتقرب من جانب خدها تمسح خط طويل من دموعها المنسابة بغزارة وهو بيتنفس بصعوبة، عشان يسحب "أوتو" من شنطته علبة صغيرة، يفتحها وياخد منها إبرة رفيعة جدًا، وابتدى يعقم سنها بمحلول شفاف، قبل ما يسحب كفها وهو بيقرأ تعويذة خافتة ظهر بعدها خط رفيع جدًا في باطن كفها.
سحب "أوتو" نفس قوي، حبسه في صدره للحظات وهو بيرفع كفها قصاد وشه، وابتدى يغرس سن الإبرة في أماكن متفرقة من الخط ده، تحت أنظار "فولاك" المتصدع قلبه، فكانت إبرة "أوتو" خنجر مسنون يفرق طعناته به.
استجابت "نور" لوغزات "أوتو" بشكل تدريجي، لحد ما استعادت كامل وعيها، وهي بتهز راسها بتقل وبتحرك ايدها ناحيتها تضغط عليها بكل قوتها في محاولة لتسكين آلامها.
فتحت "نور" عينيها بألم وقفلتها تاني بالتناوب في محاولة لاستكشاف المكان حواليها، واستيعاب اللي وصلت ليه حالتها، فالوجع المتملك من كل جسدها بيأكد إنها مش بخير أبدًا.
تمكنت "نور" من الثبات أخيرًا على عيون مفتوحة استقرت على "فولاك" اللي قرب منها بتنهيدة راحة قوية وهو بيقولها :
- حمد الله على سلامتك.
بصتله "نور" للحظات بشرود وصور ضبابية مرسومة قدامها، كانت بتحاول تركز فيها بكل قوتها، لكنها تلاشت بشكل مفاجئ، عشان تغمض عينيها بقوة وهي بتهز راسها وبتقوله:
- ايه اللي حصل؟
جاهد "فولاك" لرسم ابتسامة خفيفة على محياه وهو بيتنهد براحة لقدرته على مسح ذكرياتها الأخيرة من وقت اختطاف "يونس" لها، وهو بيقولها بود :
- أغمى عليكِ من كتر الإرهاق.
رفعت "نور" جذعها في محاولة منها للجلوس، عشان يمد "فولاك" ايده لها لمساعدتها، لكنها راحت بأنظارها ناحية "أوتو" بخجل وهي بتسند على ايدها وبتقعد بدون مساعدة "فولاك" اللي ابتسم ابتسامة حقيقية وهو بيقولها :
- لو حاسة بأي تعب قولي لـ "أوتو" عشان يديكي دوا.
هزت "نور" راسها بنفي وهي بتقوله :
- حاسة إني جسمي مكسر كأني اترنيت علقة محترمة، لكن هكون كويسة، مش مستاهلة دوا يعني.. بس ممكن تخرجني أشم هوا؟
هز "فولاك" راسه بموافقة وهو بيقوم من مكانه وبيقولها :
- أكيد.. هبعتلك خادمة تساعدك، هستناكِ بره لحد ما تجهزي.
ابتسمت "نور" بخجل وهي بتبصله، عشان ينحني "أوتو" ويشيل شنطته وهو بيقول بصوت خافت :
- اسمح لي بالمغادرة يا مولاي.
بصله "فولاك" بجدية وهو بيقوله :
- هنخرج سوا، محتاجك في موضوع.
وبالفعل خرج "أوتو" ووراه "فولاك" اللي تابعته "نور" بابتسامة واسعة وهي بترمي جسمها للخلف بسعادة عجيبة، عشان يصدم راسها بالسرير فتأوهت بقوة.
******
في الخارج، كانت الصدمة مازالت مسيطرة على الجميع، خاصة لما ابتدى جسم "يونس" يتحول لأشلاء متطايرة في كل بقاع الأرض، واتفرقت بين جميع الممالك بشكل غريب؛ حتى دمه اتشربته الأرض بسرعة رهيبة، وعادت لسابق هيئتها كأن شيء لم يكن.
الجميع كان رافع راسه ناحية السما يتأمل أشلاء "يونس" اللي كانت بتدور في دوامة سريعة قبل ما تتفرق، وتختفي الدوامة دي، ويظهر مكانها نبع ماء كبير، تدفقت مياهه بغزارة تغسل جميع من بالمملكة بما فيهم أرضها، عشان الكل يرفع ايده بتلقائية يصد المياه عن وجهه، قبل ما تحصل حالة فوضى ويركض الجميع متفرقين، وتنفض المحكمة بتدخل خفي.
في نفس اللحظة اللي خرج فيها "فولاك" و "أوتو"، اللي كانوا مندهشين من حالة الفوضى، جري عليه "خوان" وهو ضامم "هيرينا" لصدره بقوة، ورافع طرف قفطانه يحميها من قوة المياه وهو بيقول له:
- جسم "يونس" اتفتت أشلاء، واتوزع في كل مكان، والأرض كمان شربت دمه، ونبع اتفتح في السما مايته غسلت الأرض وكل الموجودين.
ضيق "فولاك" عينيه بدهشة، وهو بيركز في كلام "خوان"، في نفس الوقت اللي إحساسه بيأكدله إن فيه حدث جلل في طريقه للحدوث، لكنه تغاضى عن شعوره ده ولو بشكل مؤقت، وهو بيرخي ملامح وشه وبيقوله :
- "نور" اتمسح من ذاكرتها كل اللي حصل، يعني واقفة عند مراسم رجوعكوا، وده اللي هنتعامل معاها على أساسه.
هز "خوان" و"هيرينا" روسهم بموافقة، قبل ما تنضم لهم "شمس الأخاديد" اللي انحنى لوجودها "أوتو"، و"خوان"، و"هيرينا" قبل ما يطلبوا الإذن بالمغادرة ويسمح لهم "فولاك"، عشان تغمره والدته بنظرات حب صادقة وهي بتقوله :
- حمدًا لله على سلامتك، كنت متأكدة إنك هتعدي منها.
ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة بعرفان وهو بيقولها :
- شكرًا لأنك حاولتي تساعديني، رغم معرفتك بعواقب ده.
رفعت "شمس الأخاديد" ايدها تتحسس خد "فولاك" بحنو شديد وهي بتقوله :
- لو كانت روحي تمن لنجاتك عمري ما أتأخر عنك، وشكرًا ليك إنك وثقت فيا، وطلبت مني المساعدة.
ارتسمت ابتسامة باهتة بشفاه "فولاك" وهو بيلمس ايدها برفق يبعدها عنه، وبيقولها بكلمات جامدة :
- أنا متأكد إن جلالتك عمرك ما هتتأخري، اسمحيلي بالانصراف.
واستدار "فولاك" بجسده يهم بالمغادرة، عشان توقفه "شمس الأخاديد" بكلمتها :
- "آشماداي".
فارت نيران الغضب بجسم "فولاك" كاملًا وهو بيتلفت ناحيتها بعلامات وجه مستشاطة وبيقولها :
- قراري برحيلكم ما اتلغاش جلالتك، يمكن يكون إتأجل شوية، لكنه لسه قائم.
التوتر والحزن سيطر على ملامح "شمس الأخاديد" وهي بتقرب منه وبتقوله :
- خبر زواجي انتشر في كل المملكة، في نفس الوقت اللي "آشماداي" مسجون فيه، والإشاعات ابتدى الشعب يتناولها، فلازم الديوان الملكي يعلن الخبر بذاته، عشان الكلام ما يكترش حوالينا.
زفر "فولاك" زفرة قوية بشرود للحظات، قبل ما يقولها :
- هحرره من سجنه، والديوان كمان هيعلن زواجك منه، وبعدها تنفذوا قرار النفي.
بصت له "شمس الأخاديد" بتأثر قوي وهي بتقوله :
- لسه مُصر على نفيي؟
ابتسم "فولاك" ابتسامة خذلان موجوعة وهو بيجاوبها بثبات:
- دي نتيجة اختيارك، ولازم تتحمليها.
وسابها ومشي ناحية "نور" اللي ظهرت قدامه متأنقة بفستان قرمزي محتشم، محررة خصلات شعرها الدهبية خلف ضهرها، عشان تقع عينيها على "شمس الأخاديد"، فهمست بتذمر :
- أهي العفريتة اللي مش طايقاني أهي، دا أنا ولا كأني واكلة ورثها.
ورسمت ابتسامة خفيفة وهي بتبص لـ "فولاك" اللي جاي ناحيتها، واللي كان غضبه لسه فارض سطوته على كل ملامحه.
******
في غرفة "خوان"، كانت "هيرينا" واقفة قدام طاولة زينتها، بتبص للمراية، وهي بتنشف شعرها المبلل بمنشفة صغيرة، أما جسدها فكان ملفوف بمنشفة أخرى كبيرة، بارزة لإنحناءات جسدها الأنثوية وهي بتوجه كلامها لـ "خوان":
- كل مرة بنبهر بذكاء "فولاك".
انتهى "خوان" من تبديل ملابسه المبللة بأخرى جافة وهو بيبتسم بفخر وبيقولها :
- عمري ما شكيت لحظة في حسن تصرفه، كل مرة كنت ببقى متأكد إنه هيحلها وهيخرج منها سالم، يمكن المرادي بس كنت قلقان شوية عشان الموضوع فيه الإنسية، لكني كنت واثق من حكمته.
استدارت "هيرينا" بكامل جسمها وهي بتدفع خصلات شعرها الفاحمة للخلف بأنوثة طاغية وبتقوله بنبرة جدية :
- أنا ملاحظة فعلًا اهتمام "فولاك" القوي بالإنسية دي، لكني أعتقد إنه أذكى من إنه يقع في نفس الفخ اللي وقعت فيه الأميرة "مويرا".
جلس "خوان" على طرف السرير وهو بيقولها بلامبالاة :
- الموضوع هنا مختلف.
ضيقت "هيرينا" عينيها بدهشة واستغراب وهي بتقعد جنبه بشكل جانبي، عشان تكون مواجهة له وهي بتقوله بتعجب :
- وإيه الاختلاف بقا؟!.. الاتنين عشقوا من غير جنسنا.
مال "خوان" بجلسته ناحيتها هو الآخر وهو بيبصلها بتعجب وبيقولها :
- ما طول عمر العشق موجود بين الإنس والجن، وطول عمر الزواج بينهم موجود، آه في حالات قليلة قوي، لكنه موجود وجايز.
هزت "هيرينا" راسها بنفي وهي بتقوله :
- مش ده اللي أقصده، أنا أقصد إن الملك "فولاك" حب إنسية متزوجة ولسه جوزها ميت من دقايق، زي ما "مويرا" حبت إنسي متزوج بالظبط.
اتعجب "خوان" من منطق "هيرينا" في التفكير، عشان يسألها بجدية :
- هي لو الأميرة "مويرا" كانت حرة ومش مرتبطة بجلالة الملك "فولاك"، كان هيتم محاكمتها؟
هزت "هيرينا" راسها بنفي وهي بتقوله :
- أكيد لأ، وقتها كانت هتبقى جنية حرة، تعشق اللي هي عايزاه.
ابتسم "خوان" ابتسامة خفيفة وهو بيقولها :
- والملك "فولاك" حر دلوقتي، ومن حقه يعشق اللي عايزه.
سحبت "هيرينا" خصلة من شعرها بين أطراف أناملها، تتأملها بشرود وهي بتجاوبه:
- صح.. "مويرا" ماتت.
ابتسم "خوان" ابتسامة واسعة وهو بيزفر زفرة قوية، وبيقرب من عنقها يقبله بعشق وهو بيهمس:
- أنا اللي هموت لو قضينا ليلتنا كلام عن أخوكِ وإنسيته.
ارتفعت ضحكة مغوية من "هيرينا"، فتحت له جميع بوابات العشق والغرام.
********
أما "إيزابيل" فكانت في غرفتها شايلة "برقان" الصغير بين ايديها بشكل طولي، لحد ما أصبح مواجه لها، عشان تبصله بتفحص ماكر وهي بتقوله :
- ملامحك كلها إنسية، جيناتهم اتغلبت على جيناتنا، ودي أول حاجة كرهاها فيك، كنت عايزاك جنى خالص، مش هجين ما بيننا وبينهم.
ومالت براسها شمال قليلًا، وهي بتمعن النظر فيه وبتكمل كلامها :
- بس تعرف إن لون شعرك الأسود نفس لون شعري، بس مش يمكن الإنسية كمان كان شعرها أسود.
هزت "إيزابيل" راسها بنفي تجاوب نفسها وهي بتقول:
- لأ.. درجة الأسود دي مش موجودة في عالم الإنس، ده حتى عندنا مش موجودة بكترة.
وابتسمت بسعادة وهي بتكلمه كأنها بتكلم رجل كبير وناضح وفاهمها :
- أنا كده ممكن أفكر إني أحبك، وممكن أديك فرصة تانية للحياة، لأني بصراحة كنت ناوية أخليك تلحق جدك اللي أبوك فرحان قوي إنه سماك على اسمه.. تعرف إن أبوك كان بيحب جدك بجد.
وارتسمت ملامح الشر على قسمات وجه "إيزابيل"، واتغيرت نبرة صوتها لأخرى أكتر وحشية وهي بتقوله:
- بس أنا لأ.. عمري ما حبيته.. هحبه إزاي و"شمس الأخاديد" كانت واقفة بيننا، كنت بشوفها في عينيه في كل لحظة بيبصلي فيها.. كان بيناديني باسمها وأنا في عز لحظات السعادة معاه.. كان بيكره لون شعري الأسود، في عز ما كان بيتغزل في شعر "شمس الأخاديد" الناري، كانت بيقولي إنها لابسة تاج قوة رباني.. كان بيقولي شعرها عامل حواليها هالة من نار، إنما شعرك الأسود ليل كاحل، مُقبض.
وابتسمت ابتسامة جانبية متهكمة وهي، بتكمل كلامها :
- كان فاكرني هكره شعري، ما يعرفش إني كرهته هو و"شمس الأخاديد" وحبيت شعري المميز، واللي ما ينفعش يكون تاج لراس أنثى غيري.
ودوت ضحكة شيطانية بحلقها وهي بتقوله :
- بس إنت مش أنثى يا "برقان" يا ابن الملك "نيرون"، وحفيد الملكة "إيزابيل"، اللي هتربيك على كل مهاراتها الجنية، وهتطلعك أقوى من أبوك، وعمك.
*********
دخل "فولاك" لحديقته الخاصة وهو فاقد السيطرة التامة على غضبه، عشان تتبعه "نور" راكضة وهي بتقوله :
- يا عم والله عارفين إنك عفريت ابن عفاريت، مش لازم تجريني وراك يعني عشان أتأكد.
تجاهلها "فولاك" تمامًا، وقعد أخيرًا على مقعد الحديقة، عشان تقف قصاده "نور" اللي وصلت لطوله جالسًا، وهي بتزفر زفرة قوية وبتحط ايدها على موضع قلبها المضطرب بغرابة وهي بتقوله :
- أيوه كده أقعد عشان أطولك، رقبتي وجعتني من كتر الشعلقة عشان أبص لوشك.
تجاهلها "فولاك" مرة أخرى ، لكنها قعدت على المقعد المقابل له وهي بتنظم أنفاسها للحظات قبل ما تقوله بمشاكسة:
- فاكر الجنينة دي؟.. والقعدة دي بالتحديد.
ضيق "فولاك" عينيه المشتعلة بتركيز وهو بيقولها :
- مالها القعدة دي؟
ابتسمت "نور" ابتسامة مصطنعة وهي بتقوله :
- قبل ما يجي هادم اللذات جوز أمك ويعكنن علينا، ويقطع كلامنا.
رفع "فولاك" حاجبه بدهشة وهو بيقولها بتهكم:
- جوز أمي؟!
هزت "نور" راسها بإيجاب وهي بتقوله :
- أيوه ما أنا عرفت إنه جوز أمك، وإنك ضربته جامد كده لما عرفت، بس تعرف والله لايقين على بعض، فيهم كده من بعض.
حارب "فولاك" شبح إبتسامة حاول يسيطر على محياه، لكنه فشل في ده، وفرضت الابتسامة سيطرتها وائدة نيران غضبه، وهو بيقولها بجدية مصطنعة :
-إزاي يعني مش فاهم؟
رفعت "نور" سيقانها لأعلى المقعد، وربعتهم سويًا، وهي بتعقد كفيها أعلاهم وبتقوله بأريحية تامة:
- أنا مثلا أمك ما حبتنيش ولا أنا الصراحة حبيتها، شكلها كده عفريته مش سهلة، وشكل والدك ارتاح لما مات.. وإنت كمان ما حبيتش العفريت ده، ولا هو كمان حبك، يعني بجمع المعادلتين دول هنستنج إنهم الاتنين عفاريت ما يتعاشروش أصلًا.
زفر فولاك زفرة قوية وهي بيقولها :
-"نور".. أعتقد إني قولتلك قبل كده إننا مش عفاريت.
تسارعت دقات قلبها بقوة، وكاد أن يخرج من حلقها من قوة خفقانه، فحمحمت بصعوبة تستجمع شتات أمرها بعد كل مرة ينطق فيها باسمها، عشان تقوله بسخرية جاهدت لها :
- أومال إنتوا إيه يا اللي مش عفاريت؟!
ابتسم "فولاك" ابتسامة عاشقة، فأخيراً بعد كل الصعاب، قدر يحصل منها على نظرة خجل وارتباك عند لفظه لاسمها، عشان تبصله بجمود مصطنع وهي بتقوله :
- ما لك يا عم اللي مش عفريت إنت؟
هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيقولها بجدية :
- عالم الجن كبير يا "نور"، وفيه أنواع كتير جدًا، وكل نوع له خواصه اللي بتميزه عن غيره.
كلامه والجدية اللي فيه جذب انتباه "نور" بشكل تام، فاستدعت كل حواسها وهي بتسند خدها على كفها، اللي سانداه بالأصل على فخذها، عشان يكمل "فولاك" باسترسال :
- عندك يا ستي الضوئيين، وده نوع مختص بالمسلمين بس، واللي موجود منهم دلوقتي أولاد وأحفاد الضوئيين الأصليين اللي عاشوا زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وحضروا معاه دعوته.
رددت "نور" بسعادة وفخر :
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
عشان يكمل "فولاك" بمحبة وفخر حقيقي :
- و دول أقوى أنواع الجن على الإطلاق، وربنا عز وجل كرمهم بإيمان راسخ، وقوتهم جاية من قوة إيمانهم، ودول منهم ملوك وأمراء، وعددهم قليل لو قارناه مع الأنواع التانية، والجني الواحد منهم يقدر يقضي على ميت شيطان بضربة واحدة، أما لو الشياطين حبت تقتل واحد منهم، فلازم تجمع آلاف منهم ومعاهم آلاف من السحرة كمان، ومش هيقدروا عليه غير لو تعب تعب شديد أو اتجرح جروح كتير، و النوع ده شبه الإنسان في شكله، لكن الخواص مختلفة.
برقت "نور" عينيها بانبهار قوي وهي بتبص لـ "فولاك" بإعجاب وبتقوله :
- إنت بينطبق عليك كل المواصفات دي، يعني إنت كده جن ضوئي.
ابتسم "فولاك" ابتسامة سعادة وهو بيطوف معالمها بعشق وبيسألها بنبرة حنونة مشاكسة:
- يعني إنتِ شايفة كده يا "نور"؟
اتوترت "نور" مرة تانية، لكنها هزت راسها بقوة وهي بتقوله :
- مش شايفة حاجة يا عم، وبعدين قولتلك ماعتش تقولي "نور".. يلا كمل.
ابتسم "فولاك" بسخرية وهو بيهمس لذاته :
- كيف لهذه الحمقاء أنت تطلب مني التوقف عن النطق باسمها الذي أتذوق حلاوته في كل مرة يعبر جوفي بها.
ضيقت "نور" عينيها بدهشة وهي بتقوله :
- انت بتحكي لنفسك ولا إيه؟!
هز "فولاك" راسه برفق وهو بيكمل :
- وفيه كمان الجن القمري، وده منه 80% للمسلمين، و 20% للشياطين، ودول بيجوا في المرتبة التانية بعد الضوئيين في المسلمين، والنوعين دول بس اللي ينفع التزاوج بينهم بالنسبة للمسلمين، أما الشياطين منهم فهما السحرة الكبار... والنوع ده المسلمين فيه قبيلة كبيرة جدًا ، وبرضه بيشبهوا البشر لحد كبير، وبيختلفوا عنهم في الخواص التكوينية، والمحاربين عندهم أقوياء، والمسلمين منهم أتقياء.
هزت "نور" راسها بحيرة وهي بتسأله :
- يعني إنت من دول ولا من دول؟
اتنهد "فولاك" بقلة حيلة وهو بيقولها :
- دايمًا مستعجلة، استنى أخلص، وأحكمي بعدين، ما تتعوديش تحكمي من أول سطر.
مطت "نور" شفايفها بتذمر وهي بتمد ايدها ناحيته وبتقوله باستسلام :
- اتفضل كمل الحكاية وأنا هحكم لما تخلص.
استرسل "فولاك" بكلامه بابتسامة خفيفة :
- النوع التالت يعتبر أهم أنواع الجن وهو الجن الناري، وده لسببين، أولًا إنهم أصل الجن اللي خلقهم ربنا من مارج من نار، واللي ما كانش موجود قبلهم أي نوع تاني، واللي منهم إبليس وأتباعه وأولاده، واللي بعد كده اتقسموا حسب خواصهم الفسيولوجية والتكوينية، وطبيعة سكنهم كمان، منهم الغواصين اللي هو الجن المائي اللي بيعيش أغلب الوقت في الماية، والفصيلة دي كبيرة ومهمة جدًا، ومنهم العلماء والأطباء المقاتلين الأشداء، وأغلب طب الجن من الماء ، ده غير إنهم لو حبوا يطيروا بيطيروا مع بخار الماية، وعلى فكرة أغلب أنواع الجن بتطير ما عادا النوع الأرضي، اللي هما الترابيون.
وبلع "فولاك" ريقه بهدوء وهو بعتدل في مجلسه وبيكمل كلامه :
- الترابيون دول الجن اللي بيسكن الأرض وباطنها، وبيقدروا يتحركوا بين الشقوق والفراغات فيها بسرعة رهيبة، ودول أقصر أنواع الجن، يعني يعتبروا أقزام، ودول أكتر جن احتكاك بالإنسان وبأسحاره، وساكنين أغلب البيوت والمنازل المهجورة، والجن الكافر في النوع ده أشكالهم قبيحة جدًا، وأقزام بشعر كثيف، وضعاف جدًا.
اتسعت ابتسامة "نور" السعيدة من بعد تقززها من هذا النوع وهي بتقوله :
- لا يا عم إنت مش شبه النوع ده، إنت أحلى بكتير.
ابتسم "فولاك" خفيفًا وهو بيقولها :
- ماشي يا عم.. أكملك بس وأشوف أحلى منهم إزاي!
احمرت خدود "نور" خجل بشكل فاتن، عشان يتنفس "فولاك" بقوة وهو بيهمس :
- اللهم طولك يا روح.
وكمل بصوت مرتفع :
- فيه كمان النوع الضوئي، ودول ألطف وأخف وأسرع نوع من أنواع الجن على الإطلاق، وكمان أكتر نوع قدرة على الطيران، وده اسمه الجن الطيار، يعني لو مس بشري بيكون مس جزئي، قليل قوي لو كان مس كلي، وده بيجي في المرتبة الثالثة في تعرضه للإنسان بعد الترابي، والناري، وده أضعف أنواع الجن، بيتاثر بالبرد، والحر، والهوا، وكل العوامل دي.
زمت "نور" شفايفها وهي بتقوله :
- أومال فين العفاريت بقا؟
=العفاريت يا ستي ده نوع من أنواع الجن الناري، زيه زي المردة، ومش موجود في أي نوع تاني من أنواع الجن.
وسحب نفس قوي وهو بيقول :
- كمان من ضمن الجن الناري الأبالسة، وعبدة النار والطبيعة، والجن الأزرق، والأحمر، والأزرق المحمر، والأزرق المخضر، والأخضر، وكل القبائل دي بيسيطر عليها اتنين من أولاد إبليس أو أحفاده.
- أما السبب التاني اللي بيخلي الجن الناري أقوى أنواع الجن؛ إن النوع ده بيمثل تقريبًا نص عدد الجن، ده غير نسبة الكفار فيهم 70%، أما أشكالهم فدول الوحيدين اللي أشكالهم غريبة يعني تلاقي عندهم عيون كتير، وايدين كتير، ورجلين كتير، ده غير إن ممكن تلاقي منهم اللي بعين واحدة، وكمان فيه منهم اللي بقرون.
شهقت "نور" شهقة قوية بهلع وهي بتتلفت حواليها وبتقوله :
- بس بقا يا عم، إنت جاي ترعبني هنا ولا إيه؟
نهض "فولاك" من مكانه يجلس جوارها وهو بيسألها بعشق جارف:
-بجد بتخافي وإنتِ معايا يا "نور"؟
شردت "نور" في عيونه للحظات حتى هدأت أنفاسها تمامًا وهي بتهمس بهذيان :
- هو فيه حد في الدنيا دي كلها يخاف وإنت معاه يا "فولاك".
********
أما جسد "مويرا" فكان في تابوته المكشوف هادئًا مستكينًا، محفوظ بمحلول حفظ لف لأجله "نيرون" كل الممالك عشان يحصل عليه، كل ده بس عشان تفضل "مويرا" معاه بكامل هيئتها وجمالها اللي كان مفتون بيه، وفعلًا ما اتأثرتش جمالها لحظة بموتها، ولا حتى اتحللت خلية واحدة من خلايا جسمها، عشان فجأة تشهق شهقة قوية وهي بترفع جسمها لأعلى خارج التابوت، وبتبص حواليها تتأمل المكان بصدمة.
