رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطمة على محمد


 

رواية فجوة زمنية الجزء الثانى  الفصل السادس عشر بقلم فاطمة على محمد


"نيرون" كعادته كل يوم، بيروح يحكي تفاصيل وأحداث يومه لجسد "مويرا"، لكنه ولمرة من المرات القليلة فوت يوم من غير ما يشوفها، وده كان لظروف المحاكمة واللي حصل فيها، فأخد قراره إنه يبتدي يومه الجديد برؤيتها، وفعلًا راح لمكانها، وجري عليه بلهفة،وجواه صراع قوي بين أفكاره، وكل مشاهد يومه، خاصة بعد غضبه من نجاة "فولاك"، وانتحار "يونس" بالشكل المريب ده، واللي ما كانش لاقي ليه أي مبرر منطقي، فالإنسي "يونس" ماعندوش أي كبرياء عشان ينتقم له، زي  ما عملت الأميرة "مويرا"، لكنه ما كانش فارق معاه بالأساس، فهمه الأكبر لقاء "مويرا" والحديث مع جسدها، إلا أنه ما كانش يعرف إن اللقاء المرة دي مختلف تمامًا عن كل المرات السابقة،

دخل "نيرون" الغرفة وقفل الباب وراه كعادته وهو بيردد حروف اسمها بتنهيدة حارة:
  - "مويرا".
  
وكالعادة قصد الكرسي المقابل لتابوتها المحاط بستاير بلاستيكية باردة وظيفتها الحفاظ على برودة جسدها، عشان يقعد وهو بيكمل بنفس نبرته الحارة :
  - كل يوم بتوحشيني، بس النهاردة كان شوقي ليكي أكبر بكتير، يمكن عشان فوت يوم من غير ما أشوفك.. أو يمكن عشان الوغد "فولاك" لفظ اسمك بلسانه قدامي وبكل وقاحة، أو عشان الإنسي الجبان اللي عشقتيه وضحيتي بكل حاجة عشانه، كان بيتحاكم إمبارح، وكان بيفتخر بحبه ليكي قدامي.. يعني كل حاجة في يومي كانت مُصرة تجيبني ليكي وبأقصى سرعة. 
  
وزفر زفرة نارية قوية، وهو بيصك على أسنانه بغيظ قوي ارتجفت له شفايفه وهو بيقول :
  - كنت رايح المحاكمة ملهوف إني أني أشوف "فولاك" مذلول قدام الكل، أشوفه راكع بيطلب العفو والغفران، أو أشوفه محكوم عليه بالموت، أو حتى بالسجن.. كان جوايا سعادة الدنيا وأنا بنزل المملكة اللي كبرت فيها، واللي كنت هتمكن منها بعد محاكمته، واللي كنت هذل أمه فيها وهي مطرودة منها زي الحثالة. 
  
وارتفعت نبرة غضبه وهو بيهتف بعصبية مفرطة:
  - لكنه هد كل أحلامي في لحظة، وزي كل مرة، وبدون أي مجهود، وبحركة واحدة قدر يغير دفة الأمور كلها لصالحه، قدر يتحول من متهم لمجني عليه، قدر يمحي طلب محاكمته، ويعيد محاكمتك، ويفتح الجرح اللي في قلبي، ويمد ايده جواه يعصره بكل حقد وغل، وكل ده عشان ينقذ الإنسية اللي حبها. 
  
"مويرا" كانت قاعدة في تابوتها في حالة ضعف عام، حاسة إن راسها تقيلة على جسمها، اللي كان متغطي بقطعة خفيفة من الشاش، لكن سمعها كان بكل قوته، فكانت سامعة كلام "نيرون" كله، لكنها ما كانتش قادرة ترفع راسها مع علي حرف التابوت اللي كانت ساندة عليه، ولاحتى قادرة تربط خيوط كلامه ده ببعض، عشان يكمل "نيرون" بوعيد :
  - بس وحياة مرارة هزيمتي قدامه في كل مرة، لأخلي كل الجاي من أيام جحيم، وآخد تاري وتارك منه، وأحسره على حبيبته. 
  
وقام من مكانه كالعادة، يدخل المنطقة الآمنة ليها عشان يلقي عليها نظرة قبل رحيله، وفعلًا ميل الستارة بطرف ايده عشان يتنفض جسمه بقوة وهو بيرجع للخلف بهلع شديد، وبيردد بخوف مجرد ما لمح "مويرا" قاعدة قدامه:
  - "مويرا"! 
  
همست "مويرا" بوهن :
  - "نيرون". 
  
ارتجف جسم "نيرون" مرة تانية، وهو بيحاول يمد راسه ناحية فتحة الستارة اللي حركها، وردد بلجلجة:
  - إنتِ رجعتي من الموت؟ 
  
سعلت "مويرا" بضعف وهي بترفع ايديها تبعد خصلات شعرها الفضية المبللة عن وجهها، عشان تكشف عن ملامحها الفاتنة رغم شحوبها وهي بتردد بخفوت:
  - خرجني من هنا. 
  
جاهد "نيرون" لتمالك نفسه وهو بيمد ايده ناحية الستارة يبعدها عنها، لحد ما اتأكد من حقيقة وجودها، فزفر زفرة قوية براحة وهو بيشد جسمه وبيقرب منها بلهفة وبيسألها:
  - إنتِ صحيتي إزاي؟.. دا إنتِ بقالك شهور طويلة جثة في تابوت، تقومي فجأة ترجعي كده من الموت. 
  
اتنفست"مويرا" بهدوء وهي بتجاوبه :
  - عايزة هدوم، وخرجني من هنا. 
  
اتلفت "نيرون" حواليه يدور عن أي ملابس بلا أي نتيجة، عشان ينزل بأنظاره ناحية قفطانه، اللي ابتدى يفك زرايره وهو بيقولها:
  - مفيش غير القفطان ده. 
  
ماكانش فيه أي رد فعل من "مويرا"، لأن حالتها مش حمل نقاش ولا جدال، عشان ينزع "نيرون" عنه قفطانه ويلفه حوالين جسم "مويرا" الشبه عاري، ويحاوطها بإيديه الاتنين ، ويرفعها من التابوت يخرجها، وجري بيها ناحية الكرسي حطها عليه وعينيه بتطوف كل ملامحها بشوق قوي، وذهول أقوى، عشان تهمس له بضعف :
  - أنا جعانة قوي. 
  
طاف "نيرون" بأنظاره في كل المكان مرة تانية وهو ساند على ركبتيه قدامها وبيقولها:
  - مفيش هنا أي أكل، لكني هروح أجيب لك أكل وهدوم وكل حاجة ممكن تحتاجيها. 

غمضت "مويرا" عينيها بموافقة، عشان يقوم من مكانه يجري ناحية الخارج بسعادة غامرة، في نفس الوقت اللي استسلمت فيه "مويرا" لغفوة خفيفة. 

********
أما "فولاك" واللي زي عادته كل صباح بيتدرب لمدة ساعتين، فكان في غرفة التدريب الخاصة بيه، بيستعرض مهاراته الخاصة في الاختفاء والتنقل السريع بين الأماكن، واللي كان الأمهر فيها، يليه "خوان" اللي اتغيب عن التدريب اليوم ده، عشان يقتحم الغرفة ضيف غريب عنها، أو بالتحديد ضيفة كانت أول مرة تدخل المكان العجيب ده، واللي كان عبارة عن أوضة كبيرة، فيها قمم جبال مختلفة، ومعدات غريبة ما تعرفهاش "نور" اللي دخلت الأوضة لقيتها فاضية تمامًا في الوقت ده، لأن "فولاك" كان مختفي، عشان ترفع راسها تستكشف المكان اللي كان نوره ساطع بقوة وهي بتردد بدهشة:
  - تدريب إيه اللي كله جبال ده؟!.. يكونش بطل تسلق جبال؟!.. مش بعيدة عنه، ده ابن عفاريت ويعملها. 
  
فجأة لقت "نور" أنفاس دافية جنب ودنها، وصوت أدفى بيقولها :
  - برضه لسه شايفاني عفريت يا "نور"؟ 
  
اتنفض جسم "نور" برجفة وهي بتتلفت حواليها تدور على "فولاك" اللي مُصر يلهو بأوتار قلبها، وخلايا عقلها، وذرات أنفاسها المتلاحقة، لكن الفراغ كان مرساها، عشان تدور بجسمها في كل المكان بتوتر وهي بتقوله:
  - "فولاك" إظهر بالله عليك، ما بحبش الهزار ده. 
  
ظهر "فولاك" قدامها في لحظة وهو مربع ايديه قدام صدره باستعراض وبيقولها بعشق :
  - أمر ملكة قلبي الوحيدة. 
  
اشتعلت خدود "نور" بحمرة الخجل وهي بتحمحم بخفوت وبتقوله بصوتها المهزوز :
  - بطل غلاسة. 
  
ابتسم "فولاك" بتذمر مصطنع وهو بيقولها :
  - برضه غلاسة؟!
  
وسابها وراح ناحية واحد من الأجهزة لتقوية عضلات الصدر، عشان ينزع عنه قميصه، فانطلقت شهقة قوية من حلق "نور" وهي بتشيح بوجهها بعيد وبتقوله بغيظ :
  - إيه الوقاحة اللي إنت فيها دي؟!.. هو إنت عايز تقف قدامي بمنظرك ده؟! 
  
ضيق "فولاك" عينيه بصدمة وهو بيوجه راسه ناحية "نور" وقالها بدهشة :
  - وهي دي أول مرة يعني يا "نور"؟! 
  
برقت عين "نور" بصدمة وهي بتلف راسها ناحيته وبتقوله باستنكار قوي:
  - أكيد أول مرة، ماهو أنا مش هسمح لنفسي أقف معاك وإنت بالشكل ده، وبعدين بطل خبث العفاريت بتاعك ، أنا متأكدة إنك بتشتغلني، عشان تربكني مش أكتر، بس أحب اقولك إني واثقة في نفسي ومش بتأثر بشكل عضلاتك اللي مقوية قلبك دي. 
  
مال "فولاك" براسه قليلًا يستوعب كل الكلام اللي تفوهت به "نور"، عشان يبتسم بمشاكسة وهو بيسحب قميصه يرتديه بالقرب منها هامسًا جوارها: 
  - أنا قلبي قوي بسببك مش بسبب عضلاتي، وأه بتتأثري وبترتبكي وإنتِ معايا يا "نور"، وقولت لك مليون مرة أنا مش عفريت. 
  
وسابها "فولاك" وغادر وابتسامة عشق واسعة مسيطرة على ملامحه، عشان تدب "نور" الأرض برجليها بتذمر قوي وهي بتجري وراه بحنق شديد وبتقوله :
  -  إنت عفريت غلس على فكرة، وبعدين أنا ما قولتش اللي أنا كنت جاية عشانه... استنى يا "فولاك". 
  
مجرد تعاملها معاه بكل هذه الأريحية كان نبع سعادة بالنسباله، أما لفظها لحروف اسمه مهما كانت الطريقة، فتعويذة سحر من نوع خاص، نوع صنعته "نور" بأوتار قلبها قبل أوتار صوتها، عشان يوسع "فولاك" من خطواته وأقدامه مرتفعة عن الأرض إنشات قليلة، متجهة ناحية حديقته الخاصة، أو بستان عشقهم العاصف كما لقبه. 

أما "نور" فكانت بتركض وراه مهرولة وهي بتنادي باسمه بصوت مغتاظ، لكنه مجحوب عن سمع الجميع بفعل ملكها العاشق، عشان توصل للحديقة وهي بتقف تلهث بقوة كعادتها، وبتقوله بصوت متقطع :
  - إنت.. دايمًا.. مصمم.. إنك.. تقطع.. نفسي. 
  
قعد "فولاك" على مقعده بهدوء وهو بيقولها :
  - إنتِ اللي دايمًا مصممة إنك تجري ورايا.. وبعدين اقعدي ونظمي نفسك، تنفسك وكلامك بالشكل ده غلط. 
  
رمت "نور" جسدها بقوة على المقعد المقابل له، وهي بتقوله :
  - تصدق؟.. أنا ماعتش هعقب على كلامك خالص، عشان إنت مش سهل أبدًا، وبتحاول توترني كل مرة، لكن إنسى إنه ده يحصل من هنا ورايح. 
  
هز "فولاك" راسه بلامبالاة وهو بيتأمل المكان حواليه بلا رد، عشان يشتعل غضب "نور"  وهي بتقوله :
  - أنا كنت جايالك أصلًا في موضوع مهم ماتفكرش أي حاجة تانية. 
  
ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة وهو بيستقر بأنظاره ناحيتها وبيقولها بنبرة جدية :
  - موضوع إيه؟ 
  
بصت "نور" حواليها بحنق تستكشف المكان وهي بتقوله :
  - من أول ما جيت هنا وأنا مستغربة إن كل المخلوقات الموجودة عفاريت وبس، ويدوب كام شجرة، وكام وردة متنطورين في الجناين وخلاص، وكمان مساحات فاضية بينهم بشكل مشوه المنظر العام، لحد ما اكتشفت إنك حاجب عني رؤية باقي المخلوقات في عالمكم هنا، وده مضايقني. 

اتنهد "فولاك" تنهيدة قوية وهو بيطوف وجوه المخلوقات الأخرى حواليه وبيقولها :
  - وتفتكري إنك هتكوني مبسوطة وإنتِ شايفة مخلوقات عجيبة وغريبة عنك وعن العالم بتاعك. 
  
ابتسمت "نور" ابتسامة متهكمة وهو بتسأله بسخرية :
  - ده على أساس إن إنتوا عادي يعني في العالم بتاعي؟!
  
بصلها "فولاك" بنظرات عميقة للحظات، قبل ما بيقولها :
  - هرفع الحجب عن مخلوق مخلوق، وده عشانك إنتِ، تحبي نبتدي بالحديقة دي؟ 
  
التفتت "نور" ناحية صف أشجار خلفها بينه فراغات واسعة وهي بتقف من مكانها تاخد وضع الاستعداد بسعادة، وبتقوله:
  - ماشي.. نبدأ بالزرع. 
  
وقف "فولاك" من مكانه، وخطى خطوتين لحد ما وقف جنبها وابتدى يهمس بتعويذته، عشان تبتدي زهور مخيفة في الظهور في الفراغات بين الأشجار :
  - اتنفضت "نور" برهبة قوية، واتعلقت ايديها بذراع "فولاك" وهي بتدفن وجهها بين ايديها، عشان يبتسم إبتسامة واسعة وهو بيقولها بدهشة :
  - خوفتِ؟!.. دا إحنا لسه بنقول يا هادي. 
  
بعدت "نور" راسها، ونفضت ايدها بعيد عنه، وهي بتستقيم بوقفتها وبتقوله:
  - وهخاف من إيه يعني؟.. دول شوية زرع في الأرض، يعني ما يقدروش يعملولي حاجة. 
  
هز "فولاك" راسه بلامبالاة وهو بيسيبها وبيروح ناحية واحد من أحواض الزرع اللي كان عبارة عن بتلات على هيئة جماجم صارخة مدماه، مزينة لساق طويل من الأشواك المدببة برؤس مشتعلة بنيران بيضاء، عشان يقف قدامه وهو بيقولها :
  - رؤوس الخطيئة. 
  
خطت ناحيته "نور" بخطوات نشيطة، لحد ما وقفت قدامه بدهشة وهي بتسمعه باهتمام قوي، عشان يكمل:
  -  رمز لصرخات العذاب اللي بتطلع من جوف مرتكبي الخطايا. 
  
جعدت "نور" ملامحها بألم وهي بتروح ناحية مجموعة تانية واللي كانت على هيئة كفوف بشرية منزوع عنها جلدها، ومحروقة بشكل إقشعر له جسم" نور" اللي التفتت ناحيته بعلامات وجه متجهمة وهي بتقوله: 
  - أكيد دي ايد السارقين. 
  
ابتسم "فولاك" ابتسامة واسعة وهو بيقولها :
  - "كف سومرا"  ودي كانت جنية متمردة على جوزها، لدرجة إنها لطمت أطفالها بايديها لحد الموت، والزهرة دي نبتت فوق قبر ولادها. 

هزت "نور" راسها برفض وهي بتقوله برجاء :
  - احجبهم تاني، مش عايزة أشوف أي حاجة تانية موجودة هنا، كفاية إنت و"رنة" عليا. 
  
في لحظات كانت الزهور مختفية، والحديقة رجعت لطبيعتها، عشان يقولها "فولاك" بمودة :
  -  جهلنا بوجود الأشياء مش دايمًا مؤذي يا "نور"، المؤذي إننا نحاول نعاند القدر المرسوم لينا، ونتدخل في حاجات مش لينا، ولا بإيدينا. 
  
هزت "نور" راسها بتأييد لكلامه، لكنها قالت له :
  - بس برضه لازم أشوف المخلوقات في العالم ده، بس أكيد مش النهاردة. 
  
ولمحت "خوان" و"هيرينا" في الحديقة المقابلة ليهم ، عشان تقول لـ "فولاك":
  - أنا لسه ما باركتش لـ "خوان" على رجوعه لـ "هيرينا". 
  
اتلفت "فولاك" خلفه، وهو بيقولها :
  - روحي باركيلهم. 
  
*******
كانت "هيرينا" بتتأمل حديقة القصر حواليها من مقعدها بجوار "خوان" بحنين قوي، حررت له تنهيدة حارة وهي بتقوله:
  - مهما عيشت في قصور، هيفضل القصر ده المفضل، ذكرياتي محفورة على كل حبة حصى في أرضه، وكل نسمة هوا فيه شايلة ضحكة خرجت من جوه قلبي. 
  
واتلفتت بجذعها ناحية "خوان" اللي كان شارد في جنود الحراسة حواليه، عشان تقوله بعشق :
  - ده كفاية إن حبنا كبر جواه. 
  
ابتسم "خوان" ابتسامة باهتة وهو بيلتفت ناحيتها بنظراته العاشق رغم اضطرابها، عشان تضيق عينيها بدهشة وهي بتقوله:
  - فيه حاجة؟! 
  
رجع "خوان" بأنظاره يطوف المكان حواليهم وهو بيقولها :
  - سكون عجيب للمخلوقات، هدوء قوي ما حستوش قبل كده. 
  
ابتدت "هيرينا" ترهف السمع بتركيز قوي، عشان تلاقي حالة صمت تام من كل المخلوقات حواليها، رغم إنها بتتحرك كعادتها، عشان تضيق عينيها بتركيز قوي وهي بتقوله :
  - فعلًا.. صمت مريب، كأنه سكون ما قبل العاصفة. 
  
أكدت "هيرينا" صدق إحساس "خوان" اللي زفر زفرة طويلة ببطيء وهو بيهمس:
  - نفس اللي حاسه. 
  
في الوقت ده كانت "نور"، وصلت قدامهم وهي راسمة ابتسامة ودودة على محياها، ونظراتها متجهة ناحية "هيرينا"، وبتقولها :
  - ما عرفتش أبارك لك إمبارح، عشان كده أول ما شوفتكوا قولت آجي أهنيكم برجوعكم لبعض، ألف مبروك. 
  
بصتلها "هيرينا" بدهشة وهي بتقولها باستغراب قوي :
  - إمبارح؟!.. إحنا راجعين لبعض من.. 
  
ضغطة قوية من ايد "خوان" لإيد "هيرينا" وقفت باقي الكلام في حلقها، عشان يرفع أنظاره ناحية "نور" وهو بيقولها :
  - مباركتك مقبولة يا "نور"، عقبالك. 
  
ابتسمت "نور" بتوتر سرى في عروقها، وهي بتقوله :
  - تسلم.. بتمنالكم السعادة والعمر كله سوا. 
  
اتسعت ابتسامة "خوان" وهو بيجاوبها بتمنى:
  - السعادة لقلبك.. اتفضلي ارتاحي. 
  
توتر "نور" العجيب وارتباكها خلاها تهز راسها بنفي تلقائي وهي بتقوله :
  - مرة تانية.. بعد إذنكم.
  
وغادرت "نور" قاصدة غرفتها باضطراب قوي خفية أسبابه، عشان يلتفت "خوان" ناحية "هيرينا" بنظرات قاسية وهو بيقولها بلوم:
  - مش قولنا نتعامل معاها على إن مراسم رجوعنا كانت إمبارح. 
  
غمضت "هيرينا" عينيها بأسف وتأنيب ضمير، قبل ما تفتحهم مرة تانية وهي بتقوله :
  - نسيت.. مش متعودة أكدب، بس أكيد هي ما أخدتش بالها. 
  
زفر "خوان" زفرة قوية وهو بيقولها :
  - يبقى ما تعرفيهاش، التوتر والارتباك اللي كانت فيه بيأكد إنها حست بحاجة. 
  
رفعت "هيرينا" حاجبها بغضب قوي وهي بتقوله بلهجة متهكمة :
  - وإنت بقا اللي تعرفها؟!.. وتعرف أحاسيسها؟! 
  
عقد "خوان" جبينه بدهشة للحظات وهو بيراقب علامات الغيرة اللي نشهت ملامح وجه "هيرينا" ، قبل ما يبتسم إبتسامة زهو وهو بيقولها :
  - ده سمو الأمير "هيرينا" بتغير بقا؟ 
  
رمقته بنظرات نارية، متحدية لنظراته العاشقة وهي بتقبض على ياقة قميصه وبتشده ناحيتها بكل قوتها وبتقوله بوعيد :
  - لأ.. بس يوم ما أحس إن عيونك دي شافت أي أنثى غيري، هشيلها من مكانها، وبايديا دول، عشان تكون صورتي آخر صورة في ذاكرتك. 
  
تضاعفت إبتسامة "خوان"، وازدادت كبرياء وهو بيقولها :
  - مش عيون القائد "خوان" العظيم اللي تشوف غير معشوقتها "هيرينا". 
  
ابتسمت "هيرينا" ابتسامة واسعة وهي بتحرر قبضتها من حول ياقته بغرور تم إرضاؤه كاملًا. 

********
قضى "نيرون" ساعاته في حزم كل ما يلزم "مويرا" في الوقت الحالي، من ملابس، ومجوهرات، وأدوات زينة، وطعام، وفراش ترتاح عليه، عشان يدخل الغرفة يجدها كما تركها تمامًا، غافية على مقعدها، فحط كل ما بيده، وابتدى يوزع كل حاجة في مكانها المناسب بسعادة غامرة وهو بيخطف نظرة سريعة لـ "مويرا" ما بين حين وآخر. 

أخيرًا انتهى من عمله، عشان يفرد طاولة طعام كبيرة بها كل ما لذ وطاب، ووقف قدامها للحظات يتمم على كل شيء بها، وهو بيتنهد تنهيدة حارة قبل ما يتجه ناحية "مويرا" يهمس باسمها جوار أذنها :
  - "مويرا".. "مويرا". 
  
تململت "مويرا" في نومها بإرهاق قوي، وهي بتفتح عيناها بثقل أقوى، مطوفة ملامح "نيرون" بنظرات ثابتة، عشان يقابلها بأخرى عاشقة وهو بيقولها :
  - أنا جيبت لك كل حاجة هتحتاجيها، قومي كلي دلوقتي، وبعدين كملي نومك. 
  
سندت "مويرا" بايديها على مخادع الكرسي، في محاولة إنها تقوم بدون أي مساعدة، لكنها وقعت مكانها، فجميع مفاصل جسدها كانت متيبسة بقوة، عشان يحاوط "نيرون" خصرها بايديه، ويساعدها في التنقل من مكانها، لكرسي طاولة الطعام، اللي استقرت عليه أنظارها الزائغة للحظات طويلة، اكتشف خلالها "نيرون" إنها مش قادرة ترفع ايدها ناحية الطعام رغم شراسة جوعها اللي بينهش أمعائها كوحش كاسر. 

جلس "نيرون" على الكرسي المجاور لها، وابتدى يلتقط الطعام بايده ويقدمه ناحية فمها بود قوي. رفعت "مويرا" أنظارها ناحية "نيرون" وهي بتلقط الطعام تبتلعه مباشرة بدون مضغ، فجسدها يحتاج الكتير من الطعام لتعويض نقص الطاقة القوي بخلاياه. 

تعجب "نيرون" من شراهة "مويرا" في الطعام لكنه استمر في إمدادها بالمزيد وهو بيقولها :
  - هنخلص الطعام وهجيب طبيب يفحصك، ويضمد جرحك ده. 
  
ونزل بأنظاره ناحية جرح صدرها المشقوق، والواضح أسفل قفطان "نيرون" المفتوح، عشان تهز راسها بنفي وهي بتهمس :
  - مش عايزة أي مخلوق يعرف إني رجعت للحياة. 
  
هز "نيرون" راسه بنفي وهو بيقولها :
  - الطبيب هيتقتل مجرد ما تستردي عافيتك، وطول فترة علاجك هيكون محبوس هنا، يعني مش هيقدر يبوح بسرك لمخلوق. 
  
اتنفست "مويرا" بألم وهي بتنزل بأنظارها ناحية جرح صدرها وبتقوله :
  - مفيش داعي لكل ده، أنا هقولك على الأدوية والعقاقير اللي هحتاجها، إنت ناسي إني طبيبة بالأصل. 
  
ابتسم "نيرون" ابتسامة خفيفة وهو بيقولها :
  - عمري ما نسيت حاجة تخصك من يوم ما لمست رجلك أرض المملكة. 
  
سعلت "مويرا" بصوت أعلى قليلًا، عشان ياخد "نيرون" كوباية المياه بلهفة، يرفعها ناحية فمها، فشربت حتى ارتوت. أخيرًا بعد "نيرون" الكوباية عنها وهي بيقولها بقلق :
  - لازم طبيب يفحصك يا "مويرا". 
  
سندت "مويرا" على طرف الطاولة بإيديها الاتنين وهي بتقوم من مكانها وبتقوله بغضب دفين :
  - "نيرون".. معنديش أي طاقة عندي للجدال، أسمع كلامي بدون مناقشة، دلوقتي على الأقل. 
  
اتنهد "نيرون" تنهيدة قوية باستسلام وهو بيقوم من مكانه وبيقولها :
  - ماشي.. هروح أجيب لك كل الأدوية اللي عايزاها، بس  عايز أقولك قبل ما أمشي إن "فولاك" عاشق للإنسية "نور" زوجة الإنسي اللي كنتِ عاشقاه. 
  
اشتعلت نيران الغضب بعروق وأوردة "مويرا"، فانتفخت بقوة وابتدت طاقة عجيبة تسري في كل جسمها، عشان تقوله بصوت متوعد:
  - هنقعد يا "نيرون".. هنقعد ونتحاسب، وكل واحد هياخد حقه، وهيدفع اللي عليه. 
  
استشعر "نيرون" غضب "مويرا"، فتراقص قلبه بدقات السعادة وهو بيقولها بتأكيد :
  - وأنا جنبك ومش هسيبك، هدفنا واحد، وتارنا مشترك. 
  
التفتت "مويرا" ناحية "نيرون" تبصله بنظرات غضبها المستعر وهي بتقوله بحزم :
  - عمر تارنا ما كان واحد يا "نيرون". 
  
وشردت في الفراغ خلفه للحظات طويلة. 

*********
كانت "شمس الأخاديد" بغرفتها بتحزم أمتعتها بحزن قوي، عشان تستعد لمغادرة المملكة بعد مراسم إعلان زواجها من" آشماداي"، اللي دخل عليها في اللحظة دي راسم معالم الاشتياق على ملامح وجه وهو بيهرول ناحيتها، يحاوط خصرها بدراعاته، وضمها ناحيته بقوة، وهو بيسند راسه على كتفها، وقالها بنبرة دافئة :
  - وحشتيني.. كان هاين عليا أكسر حيطان السجن عشان بس أشوفك. 
  
فكت "شمس الأخاديد" ايدين "آشماداي" من حوالين وسطها، ودفعته بعيد عنها، وهي بتدور بجسمها عشان تكون مقابلة ليه وبتقوله:
  - أنا حذرتك من دخول الأوضة دي، وحذرتك من تعاملك معايا كزوج. 

عقد "آشماداي" جبينه باستنكار قوي وهو بيقولها :
  - هي دي مقابلتك ليا بعد خروجي من السجن اللي ابنك رماني فيه ظلم؟!
  
احتدت نبرة "شمس الأخاديد" وهي بترفع سبابتها في وجهه بتحذير قوي:
  - قولتلك اسمه جلالة الملك "فولاك"، اللي ليه كامل السيطرة على كل المخلوقات جوه حدود مملكته، وإنت أولهم، طول ما إنت موجود هنا. 
  
احتدت نبرة "آشماداي" هو الآخر وهو بيقولها:
  - وهو عشان ليه كامل السيطرة على مخلوقات مملكته، يقوم يرميهم في السجن بدون َوجه حق؟!.. فين عدله اللي بتحلفوا بيه؟!.. ولا دي إشاعات بتروجوها عشان صورة جلالة الملك العادل ما تتهزش قدام شعبه وعشيرته. 
  
استشاطت "شمس الأخاديد" غضبًا، وتطاير لهبه من أحداقها اللي كانت بتبصله بغيظ قوي، عشان ترفع ايديها لأعلى وتنزل بصفعة قوية على وجهه، لكنها أخطأت التصويب، فإيد "آشماداي" كانت عائق في طريق هذه الصفعة، عشان يشتعل غضبه هو الآخر، ويلوي ايدها بكل قوته خلف ظهرها، اللي أصبح قدامه مباشرة، عشان يقرب من ودنها يهمس بتحذير شديد اللهجة رغم سخريته:
  - ايدك دي تتمد على ابنك الفاسد اللي بيظلم في خلق الله على حسب مزاجه، واللي بيظبط القوانين على مقاسه عشان يفلت كل مرة من العقاب، مرة يتسبب في انتحار "مويرا" بظلمه وجبروته، ومرة يتسبب في انتحار الإنسي بسلطته ونفوذه وسيطرته على القضاء اللي ماشي أعمى وراه.. إنما أنا! .. جوزك!.. فكري بس تعمليها مرة تانية وأنا هحرقك في مملكتك، وفي أوضتك اللي منعاني من دخولها، وقدام ابنك اللي بتهدديني بيه. 
  
تسارعت أنفاس "شمس الأخاديد" بقوة، واضطربت كل وظائفها الحيوية، عشان تسعل بقوة وهي بتشاور ناحية كوباية الماية. 

رسم "آشماداي" ملامح الخوف والصدمة على وجهه، وهو بيحرر ايديها بندم قوي، وبيلف جسمها قدامه، لحد ما أصبحت مواجهة ليه، وقالها بندم شديد :
  - حبيبتي.. حقك عليا، ما كنتش أقصد أي حاجة من كلامي ده، إنتِ عارفة إني بحبك، وماقدرش أعيش لحظة من غيرك، لكنك أهانتيني قوي.. بس أنا غلطان  كان لازم أتحكم في غضبي وأسيطر عليه أكتر من كده. 
  
كانت "شمس الأخاديد" بتسمعه بأنظار جاحظة، وسعالها مازال مستمر، وهي بتشاور ناحية الماية اللي جري عليها "آشماداي" وهو بيقولها :
  - هجيبهالك. 
  
وقف "آشماداي" قدام الطاولة وظهره ناحية "شمس الأخاديد" اللي كانت في حالة صحية مزرية، عشان يعبي كوباية الماية من الدورق الزجاجي، والتقط قنينة صغيرة من بين طيات ملابسه، فرغها كلها في الكوباية، وخلطها مع المياه، وهو بيجري ناحيتها وعلامات اللهفة والقلق مرسومة على ملامحه، عشان يرفعها ناحية فمها يساعدها على شربها لآخر قطرة بها. 
 
تعليقات