رواية زهرة الجزء الثاني (ملحمة العشق والعذاب) الفصل الاول بقلم رانيا عثمان البستاني
الذكريات كابوساً مزعجا لمن لم يتخطى ألٓمِها .... نفق مظلم لمن لم يستطع التأقلم .
ما عاشه والديها جعل من الصعب عليها العيش بسلام وهدوء نفسي ، كما رفع سقف طموحها في العشق .
إن عشقها أحد عليه أن يجعل قلبها يُحلق بعيدا عن مجرى ذكرياته المُهلكة ... نعم القلب له ذكريات ، يحتفظ بشعوره وتأثيرات ما يمر به .
كانت ستعش بعيدا عن تلك فوضى الظلام ، ولكن شِباك قلبه ألقت بسهام عليها جعلتها ترضخ لطريقٍ لم يكن لها مُزهراً بل مليئاً بالأشواك ، وبالرغم من هذا إرتضت بكنفه حصنٍ لها .
فهل يستطيع أن يصل بها لبر الآمان ؟
يقولون الشر أثره مستمر حتى بعد الممات ، ما يتركه في القلوب لا يُنسى ولا يُغتفر ، فحين تشتد العقدة تصبح كالنتوء ، قد تنفرج وقد يبقى أثرها أبد الدهر .
.........
عام ٢٠٢٠ /
أصوات أقدام ..حديث ، صريخ ، بكاء ، حتى أصوات طي الأوراق تستطيع سماعها وهي مغمضة العين تحاول التركيز .. تجاهد لألا تسقط أرضا ... تبذل مجهودا لكي لا يغشى عليها .
جالسة وحيدة تنتظر منذ أكثر من نصف ساعة ، لا تعلم هل هذا الوقت والإنتظار مقصودا أم محض صدفة .
فتحت عيناها تنظر في إتجاه الباب برد فعل تلقائي وعندها وجدت أخيراً من تنتظر يتقدم برسمية ويجلس فوق مكتبه ناظرا لها بتفحص وتساءل :
_ إسمك ؟
_حور نبيل الدمنهوري .
كان صوتها يشوبه التيه لاحظه هو ليردف ببعض الحدة من أجل جذب أنظارها :
_دكتورة حور القتيل يبقالك إيه ؟
رغم ما يعتريها من تشتت وألم فهي حتى لا تستطع الجلوس بشكل سليم إلا أنها أجابته بثبات :
_يبقى عمي .
.......
_إسمك؟
_مازن
_القتيل يبقالك إيه ؟
_خالي .
كانت إجابته خاوية من أي مشاعر فنظر له وكيل النيابة بتفحص ليستطلع رد فعله عما سيقوله وبحرص أردف :
_زوجتك بتتهمك بقتل والدها ؟ إيه أقوالك ؟
..........
_إسمك وعلاقتك بالقتيل ؟
_ طارق أشرف الدمنهوري ، والقتيل يبقى عمي .
_إيه سبب مقابلتك القتيل يوم الجريمة ؟
........
_إسمك؟
_جاسر
_جاسر إيه ؟
لم يجاوبه ليقف وكيل النيابة مقتربا منه مردفا:
_جاسر حمدي الدمنهوري ، هو ده الإسم إل بسببه قتلته مش كده ؟
.........
_إسمك؟
نظر له بسخرية وأردف بملل:
_أحمد ممدوح .
لم يهتم لنظرته وأكمل بعملية :
_ إنت متهم يا حضرة الظابط في جريمة قتل المدعو حمدي عبد الرحمن الدمنهوري بالتواطؤ والإشتراك مع عبد الرحمن نبيل الدمنهوري .
.........
شارف على إنهاء كوب الشاي الموضوع أمامه وهو يتفحصها بهدوء محاولا أن يقرأ تعابير وجهها ويستنبط الحقيقة ولكن دون جدوى ، فهي لا تظهر له أي شيء أو تعطيه رد فعل مناسب يعلم به أهي الجانية أم المجني عليها ، إستطاع جذب إنتباهها مرة أخرى عندما ناداها:
_دكتورة حور ، أنا عارف إنك بتتألمي وأنا شخصيا متعاطف معاكي ، لكن في جريمة قتل ولازم نوصل للحقيقة ، وبالرغم من تعاطفي معاكي إلا إني مجبر أحبسك على ذمة القضية لأنك المشتبه الأول .
أنهى حديثه دون إضافة كلمة أخرى لها وبالطبع دون تفوهها بأي شيء فهي حتى وإن أرادت الحديث أو الصراخ أو حتى الإعتراض لن تستطيع ذلك ، طاقتها محدودة ... إن وجدت لذا فلتستكفي بآلامها.
كانت شاردة في أفكارها لتفق على حديث إحدى السجينات المتسائلة بفضول :
_ شكلك بنت ناس وصغيرة إمتى بس لحقتي تبقي مجرمة وتتسجني ، إيه حكايتك بالظبط ؟
نظرت لها حور بتشتت وهمست بضياع :
_ حكايتي .... حكايتي بدأت لما فكرت إن الدم ممكن يتنسي .
............
عام ٢٠١٨ /
في لحظات السعادة يخشى القلب ماهو قادم ، فنجد من يشعر بالقلق عند الضحك الكثير وقلبه يحدثه بأن هناك سوء قادم ، ولكن تلك القلوب هي قلوب تمزقت مرارا وتكرارا من الحزن لذا تجد أن الفرح والسعادة ليس من حقها أن تعش أو تشعر بها .
وكان هذا حال قلبها ، تشعر أن هناك قطعة مفقودة ، الجميع هنا الآن حولها يتمازحون ويهللون فرحين بالأفراح التي دٓقت أبواب قلوبهم ، تشعر أنها مازالت في تلك الغيمة السوداء التي فضلتها عن هذا العالم ، وبالرغم من إستمرار الوقت إلا أنها مازالت محصورة بين تلك الثواني التي علمت بها كيف مات والدها ولكن بالطبع لم تصدق ما قالته سمية هناك حلقة مفقودة .
إقترب وليد منها وجلس بجوارها فوق الأريكة وتحدث هامسا:
_ فكرتي في كلامي يا حور .
نظرت حور له وأجابته بثبات :
_ في حاجات كتير يا عمو حضرتك متعرفهاش ، حاجات زي السد تمنع أي رابط بينا ، لما جيت من يومين تعرفني طلبه مش هكدب عليك وأقولك إتفاجئت لكن هقولك نفس الكلام أنا وأدهم مستحيل نبقى لبعض .
قطب حاجبيه بتعجب من إصرارها بالرغم أنه يشعر أن مشاعر أدهم لها متبادلة بينهم ولكن لما العناد والإصرار على الرفض ، كان يشعر بالآسى على أدهم فهو أقربهم إليه لذا حاول إقناعها مردفا بإستماتة:
_ يا حور أدهم رجل بجد شاب يفرح قلب أي أب لو إتقدم لبنته ، وأنا بعتبرك زي بناتي ولولا إني شايفه يستحقك فعلا مكنتش أحاول أقنعك كده ، لكن بجد أدهم شاب رائع من كل الجوانب .
شعرت بوخزة في قلبها عندما رأته يدلف ملقيا تحية السلام على الجميع لتهمس :
_ وده سبب رفضي .... لو وافقت يبقى بظلمه.
تبادلت معه النظرات ليعلم حينها بأن طلبه قد رُفض ، هو في الأساس لم يكن سيخطوا تلك الخطوة في هذا التوقيت ، ولكن مع إصرار أحمد عليه أن يحاول لكي تحتفل جميع العائلة ظنا منه أن خطبتها ستقلل من آلمها وافقه أدهم ليرى فقط ماذا سيكون ردها ، وهاهو قد فاز بتلك المراهنة مع النفس وبالفعل قد رفضته .
إقتربت سمية من البنات الجالسات وحدهن يتحدثن عما سيفعلن قائلة بود :
_ كبرتوا يا بنات وكبرتونا معاكم ، أه منها الأيام بتجري وتاخد العمر معاها .
نظرت لها فيروز وتحدثت بحنين :
_ أنا لسه فاكرة أيام تجهيزات فرحي إل تمت بسرعة ودلوقتي حاسة كأن العمر غمضة عين .
شعرت حور بالضيق وأنها لا تستطيع التنفس براحة فوقفت بهدوء وخرجت إلى الحديقة ، فكم آلمها حديثهم عن العمر بتلك البساطة ، العمر الذي قضوه معا في الأعياد والأفراح ويشعرون أنه لحظة كان اليوم فيه كالسنة بالنسبة لها ولشقيقها ، فبالرغم من وجودهم مع والدتهم إلا أن عالمهم كان يقتصر فقط عليها ، لم يكن لهم أصدقاء ، لم تكن لهم علاقة بجيرانهم ، لم يكن في عالمهم سواهم ثلاثتهم ، كانوا دائمة أسرة مبتورة .
كانت مغمضة العين تحاول تهدئة أنفاسها لتستمع لصوت أقدام بالقرب منها ، لم تغير من وضعيتها بل بقيت على حالها لحين تحدثت صاحبة صوت الأقدام متسائلة بتعجب :
_ ليه دايما قاعدة لوحدك ؟ ومش بتجهزي ليه فستان خطوبتك إنتي كمان ؟
فتحت حور عيناها لتجد سهر أمامها فأجابتها ببعض الجفاء :
_ برتاح لما أكون لوحدي ، إتعودت على كده ، وبعدين أنا مش هتخطب علشان أجهز فستان .
قطبت سهر حاجبيها بتعجب ولكن بداخلها فرحة فيبدو أن الأمر ليس صحيحاً ، ولكن لم تكتمل فرحتها عندما وقعت عيناها على أدهم الواقف في شرفة غرفته ينظر بإتجاه حور ، الآن تأكدت هي من حديث شقيقها .
منذ يومين/
جالس هو كعادته منذ سنين وحيدا حزينا ليستمع لطرقات فوق باب غرفته فتدلف شقيقته بعدما سمح لها وتحدثت بهدوء:
_ أنا عارفة إنك مش بتحب اللف والدوران في الكلام علشان كده هسألك عالطول ، دلوقتي زي ما سمعت إن سلمى هتتجوز عبد الرحمن ، هي مش كانت مخطوبة لأدهم ؟
نظر صالح لشقيقته محاولا إستجماع لباقة وحنان في حديثه معاها لكي لا يجرح كبريائها وأردف :
_أدهم هيخطب حور يا سهر ، إسمعي نصيحتي بلاش تعلقي قلبك بيه .
توترت وظلت تفرك بيديها ونظرت له تنوي الحديث ولكن لم تستطع لذا خرجت سريعاً مغلقة الباب خلفها .
عادت من ذكراها على حديث حور التي لاحظت نظراتها إتجاه أدهم وبالرغم من الشعور الانزعاج الذي داهمها إلا أنها قالت :
_ حافظي عليه لأنه يستاهل .
وقفت حور منتوية الرحيل لتتفاجأ بصوت صراخ قادم من الخارج
وما هي سوى لحظات وكان الجميع بالخارج يتساءل عما يحدث .
وكانت الفاجعة وفاة فتاة ذات الخامسة عشر عام متناولة حبوب سامة .
...........
حل الليل والجميع في منزل باسم ورضوى يحاولون تهدئة كنزي التي إنهارت فور معرفتها بموت صديقتها المقربة .
كان الوضع متأزما ، فالحديث عنها وكلام الناس عن إنتحارها وأسبابه غير مراعيين لحالة أسرتها أمر مخزي .
كانت حالة كنزي لا تبشر بالخير فهي تظل تصرخ إلا أن يغشى عليها ، بقيت حور بجانبها شاعرة بالشفقة على حالتها فهي مرت بصدمة أيضاً عند وفاة والدتها ولكنها ظلت لأسابيع غير قادرة على البكاء أو الحديث .
خرجت من غرفتها تطمئن باقي العائلة عنها بعدما أعطتها عقار مهدئا.
وقفت رضوى سريعا تسأل بلهفة :
_طمنيني يا حور ؟
نظرت حور الجنه المنتظر وتحدثت :
_ صدمة عصبية حادة والحقيقة إحتمال كبير تحتاج دكتور نفسي ، لأن واضح جدا أنهم كانوا قريبين لبعض .
_فعلا الاتنين كانوا تقريبا بيعملوا كل حاجة سوا .
أردف بها باسم بحزن على حال إببنته وأيضاً على صديقتها التي كان يعتبرها كإبنة له .
إستمع الجميع لطرق الباب ليقف طه ويفتحه فيجده عبد الرحمن الذي تم إستدعائه من المشفى من أجل التأكيد على تصريح الدفن .
بعد أن ألقى التحية وجلس نظر لكلا من أدهم وحور بغضب ليتبادلوا النظرات في تساؤل وحيرة ولكن سؤال أشرف قد جذب إنتباههم :
_ تصريح الدفن خلص يا عبد الرحمن ؟
_وحتى لو خلص يا أشرف معقول هيدفنوها دلوقتي.
أردفت بها نوارة بآسى على تلك الصغيرة ، ولكنهم فوجؤا بحديث عبد الرحمن المنفعل:
_ لسه التصريح مخلصش.
_ليه يابني ، حرام إكرام الميت دفنه .
نظر عبد الرحمن لوليد وأردف بإعتذار :
معلهش يا عمو مش هقدر أقول تفاصيل .
نظرت حور لشقيقها وعلمت من خلال حديثه المقتضب أن هناك شبه جنائية ولذلك لم يصدر التقرير بعد .
إستأذنوا للرحيل وبعد أن وصلوا للمنزل
وقفت حور في الحديقة منادية لشقيقها :
_ عبد الرحمن استنى عاوزاك في كلمة .
دلف الباقون للمنزل وكلا منهم توجه لحجرته.
بينما وقف عبد الرحمن أمام شقيقته ولم يخفي عنها الغضب والإنفعال عن وجهه لذا تساءلت بهدوء:
_ إيه حصل مضايقك ؟
نظر لها قليلا ثم ودون سابق إنذار إنفعل عليها صارخا:
_ في إني النهاردة حسيت إني ماليش قيمة في حياتك ، أنا لأول مرة أحس إني قليل ، بقى أختي توأمي نصي التاني إل دايما مع بعض في الحلوة والمرة ، دايما كنا سند لبعض تخبي عني حاجة زي كده ، للدرجة دي مش واثقة فيا ولا شايفة إني أقدر أحميكي ، تتهددي ويحاولوا يقتلوكي والله أعلم كانوا هيعملوا إيه قبلها ، للدرجة دي شايفاني ضعيف لو قولتيلي وعرفتيني مش هقدر أحميكي وأجبلك حقك .
صدمت حور من حديثه فهو لأول مرة في حياتهم يرفع صوته عليها ، رأت الألم بعينيه رغم ما يعتليهم من غضب لذا حاولت تهدئته:
_ إهدى بس يا عبد الرحمن ، الموضوع مش كده والله ، أنا في الأول مقصدتش أداري عليك زي ما بتقول ، لكن دي حاجة تخص الشغل وتخص بنت صغيرة كان لازم أتعامل بهدوء وأنا متوقعتش أنهم يحاولوا فعلا يأذوني ، وبعدين أنا كل تفكيري كان فيك لو كنت قولتلك أكيد كنت هتفضل جمبي ومش هتسافر والمؤتمر ده مهم لحياتك المهنية .
جذب شعره بقوة منفعلا من حديثها وتركها ورحل غاضبا ، بينما هي وقفت مصدومة لعدة دقائق ثم تحاملت على نفسها وإقتربت من المقاعد الخشبية وألقت نفسها بإهمال على أحدهم وتحدثت بصوت مسموع :
_ هو أنا ليه حياتي كده ، أنا تعبت ، حتى أخويا إل عمرنا مزعلنا من بعض ولا إتخاصمنا يزعل مني .
_لو أنا مكانه هغضب وأثور لو أختي دارت عني حاجة مهمة زي دي .
نظرت له بغضب فإسترسل أدهم بعد جلوسه فوق المقعد المقابل لها :
_أنتي فكرتي في مصلحته من وجهة نظرك ، إختارتيله طريقه ، إنه يسافر ويشتغل قصاد إنه يفضل جمبك ، ليه بتختاري لغيرك طريقهم وإنتي بترفضي أي حد يسبلك بس إشارة على طريقك .
قطبت حاجبيها بتساؤل ليسترسل:
_ إختارتي إنه يبعد عنك وفاهمة إن ده مصلحته ليه مفكرتيش إنه يقدر يختار بنفسه ويحدد مصلحته في قربه ولا بعده عنك .
برقت عيناها بفهم فهو يبدو للعين أنه يتحدث عن شقيقها ولكن حديثه مبطن يقصد به نفسه وهي فهمته جيدا ولكن لترواغ هي الأخرى كما يفعل :
_ مش يمكن لأني متأكدة أنه هيختارني ويصعبها عليا ، أنا بسهل الطريق قدامه علشان يقدر يكمل حياته بعيد عن أي ضغط .
وقف ناويا الرحيل عندما رأي عبد الرحمن يقترب منهم فيبدو أنه شعر بالندم لصراخه عليها ، ولكن قبل أن يرحل أردف :
_ مش يمكن الضغط والضيق في بعده عنك أقوى وأقسى من إنه يمشي الطريق إل بتحاولي ترسميهوله.
خطى خطوتين ووقف قبالة عبد الرحمن قائلا بإعتذار :
_أنا آسف والمرة دي لأن معاك حق ، يمكن إل حصل في المستشفى مش لازم تعرف بيه لكن إل حصل بعد كده في بيتكم حقك كأخ تعرفه ، أنا معرفتش إنكم أخوات غير بعد الليلة دي .
نظر له عبد الرحمن بغضب ولكن تحدث بهدوء نسبي:
_ تفتكر كان إيه إحساسي وواحد منهم جاي يهددني ويقولي يا تخلي أختك تغير شهادتها يا هنكمل إل كنا ناويين عليه ، ولما أسأله عن قصده يقولي بيتكم حلو وأوضة أختك جميلة زيها .
كان يتحدث بإنفعال رغم إنخفاض صوته ، ولكن لا يستطيع الجميع الحفاظ على تلك النبرة الهادئة في غمرة الغضب .
وقفت حور بتوجس مما قاله شقيقها فهي كانت تتساءل بداخلها كيف علم لذا تساءلت غير مهتمة بنظراتهم المشتعلة :
_ وإنت عرفت منين إل حصل ؟
_روحت البيت وسألت هناك الأستاذ منتصر جارنا وهو قالي إن في ناس إتهجموا عليكي وبعدين جه أدهم ومعاه واحد تاني وأنقذوكي ومن يومها وانتي مروحتيش هناك ، ممكن أعرف بقى الموضوع بالظبط وإيه إل حصل في المستشفى ؟
نظرت له حور بتركيز قائلة بعدم اهتمام:
_ الموضوع خلص يا عبد الرحمن وأنا مش هغير شهادتي ولا يهمني تهديداتهم دي .
_المرة ال فاتت مسمعتيش غير كلام نفسك ولولا ستر ربنا كان ممكن يحصلك حاجة ، إنما المرة دي لو مسمعتيش الكلام هيكون ليا تصرف تاني معاكي .... بلاش تفكري نفسك فتوة وهتقدري على المجرمين دول لوحدك وتخاطري بنفسك وبحياتك إنتي سامعة ، خروج من البيت ده خصوصا لوحدك ممنوع ، المستشفى تاخدي أجازة منها لغاية ما القضية تخلص ... مفهوم .
أنهى حديثه بإنفعال وغضب جعلها تنفعل هي الأخرى عليه متحدثة بكم هائل من الغضب:
_ لأ مش مفهوم... انت مين أصلا علشان تفكر تقولي أعمل إيه ومعملش إيه ، أنا حرة في حياتي ، إنت ملكش أهمية عندي ليه أخد بكلامك وأعمل بيه ، إنت واحد أبوه مجرم وأمه تعتبر مجرمة برده ، ياعني ميفرقوش حاجة عن الناس إل بتحذرني منهم دول ، ياعني من باب أولى تبعد أهلك عني وعن حياتي ومن الآخر إنت آخر واحد تفكر تدي نصايح وتستناني أعمل بيها .
_حور مينفعش كده ، فكري في كلامك قبل ما تقوليه .
نطق بها عبد الرحمن عندما لاحظ الألم في عيني أدهم من حديثها الفظ ، كان في البداية سيثور عليه لحديثه معها هكذا بالرغم من يقينه أنه يخشى عليها مثله ولكن الآن يرى أن شقيقته قد طعنته في مقتل .
لم يناقشها ...بل لم يرد عليها بكلمة واحدة إكتفى بنظرة معاتبة دون مجهودا منه بأن لا يظهر عتابه ثم رحل من امامها.
بينما هي جلست بإهمال ليتحدث شقيقها بتريس:
_ إنت عارفة إن أدهم مالوش ذنب ، أدهم إنسان يعتمد عليه ومحترم ،الأهم إن مشاعره ....
_متكملش ..
وقفت سريعا قاطعة حديثه بتلك الكلمة السريعة الهاربة وكأنها شبح مخيف يهدد حياتها ، ثم نظرت لأعلى بإتجاه غرفته وأردفت ب حزن قبل رحيلها :
_ولا أنا ليا ذنب .
.................
الطريق خالي .... صوت محرك السيارة يملأ الحماس بالنفس ....هاهو وبعد نجاحه وتخرجه من كلية الهندسة وإستكمال طريق النجاح وتكليله بشهادة الماجيستير بتفوق يهنأ بجائزة مجهوده المضني .
كانت تشع من عينيه سعادة لا مثيل لها فهاهو والده أوفى بوعده وأهداه سيارة رياضية ، كان الحماس وفرحة النجاح هما المسيطران عليه ولكن....
ليس كل ما يتمناه المرء هو الخير
ففي لحظات ودون سابق إنذار ظهرت من عدم لتختفي أيضاً في لحظة ليس كمثلها سواد في حياته.
كان يصرخ ويهذي بكلمات غير مفهومة ووجه متعرق ، يجاهد للتنفس ، جسده بأكمله ينتفض بين ذراعين والده الذي دلف عندما إستمع لصوت صراخه محاولا أن يفيقه من نومه والخوف من أن يعود لحالته السابقة ينهش قلبه :
_ صالح ...إصحى يابني ..يا صالح متوجعش قلبي عليك ...إصحى ..فوق يا حبيبي.
واخيرا وبعد محاولات عدة إستطاع أن يتخلص من محاربة تلك المشاهد السوداوية وفتح عينيه ليجد والده بجانبه وعيناه مليئة بالدموع والجزع ، فلم يتمالك نفسه وأجهش في بكاء مرير متحدثا بعذاب ؛
_ ماتت بسببي ، بس والله هي إل خرجت قدامي فجأة كانت بتجري ، أنا مقتلتهاش ، ملحقتش أعمل حاجة .. ملحقتش أنقذها .
أشرقت شمس الصباح تحمل مفاجأت عديدة .
منذ هبوطها لم تجد أحد في المنزل تعجبت كثيرا وتحدثت بالهاتف مع سلمى التي أخبرتها بما صدمها :
_ الكل بيدور على كنزي ، سابت البيت ومحدش عارف راحت فين .
أخذت حقيبتها وتوجهت للخارج فهي لن تقف دون فعل شيء بينما إبنة شقيقتها مختفية ، وعند خروجها من باب المنزل تواجهت مع أسوء كوابيسها.
وقف ينظر لها نظرات مبهومة ثم أردف :
_شبه زهرة ، كل حاجة فيكي شبهها ، لكن إنتي عنيدة ومتمردة وقوية ، هي كانت إسم على مسمى زهرة كل حاجة فيها ناعمة وجميلة .
نظرت له بكره واضح وأردفت :
_ متحاول تنكسف مرة واحدة في حياتك وإنت بتتكلم عن مرات أخوك .
ضحك بإستمتاع وإقترب منها هامسا بصوت مسموع :
_ تعرفي كنت فاكره دايما محظوظ عني لكن لما مات وساب زهرة عرفت إني محظوظ عنه على الأقل أقدر أملي عيني من جمالها إنما هو خلاص راحت عليه .
بصقت حور في وجهه وأردفت بغضب متجاهلة صدمته :
_ إنت أحقر إنسان في الدنيا دي ، وزي ما قولت من شوية أنا فعلا قوية وحق أمي وأبويا هاخده منك ، وإذا كنت فاكر عمايلك السودة محدش يعرفها أحب أقولك إني عارفة كل حاجة عملتها من أول يوم شوفت فيه أمي لغاية ما كنت السبب في أننا نسيب البيت ال عشنا فيه عمرنا .
جحطت عيناه بصدمة لتسترسل هي بشماتة :
_فاكر إن كل حاجة عملتها هتفضل مدارية ، أنا بقى إل هوديك في داهية وأخلي حياتك سودة وحق أمي وكل إل عملته سواء في حياة أبويا أو بعده هدفعك تمنه .
رحلت من أمامه بعدما نفثت نيرانها في وجهه تاركة إياه يشعر بالصدمة والتخبط ولأول مرة بالخوف فيبدو أن كل شيء شينكشف إذا لم يضع لتلك الحور نهاية .
