رواية زهرة الجزء الثاني (ملحمة العشق والعذاب) الفصل الثاني 2 بقلم رانيا عثمان البستاني

رواية زهرة الجزء الثاني (ملحمة العشق والعذاب) الفصل الثاني بقلم رانيا عثمان البستاني 

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً .

ألسنة الناس من حولك قد تحول حياتك إلى جحيم ، حديثهم وهمساتهم نار مقتدة ، دون مراعاة دون التمهمل والتأني في إختيار كلماتهم وكأن كلا منهم أصبح قاضياً.

إقتربت حور من منزل صديقة كنزي ظنا منها أنها لربما هناك بعدما تركت المنزل .

بعد عدة طرقات فتحت لها سيدة يبدو أنها جدة سلمى ويبدو على وجهها علامات التعجب ، نظرت لها حور بحرج من تعجبها الواضح من وجودها وأردفت بتهذيب :

_ السلام عليكم ورحمه الله ، البقاء لله يا حجة ربنا يصبركم ، أنا آسفه إني جيت في وقت زي ده بس أنا كنت بدور على كنزي لو موجودة عندكم .

_وعليكم السلام يا بنتي ، الأمر لله ، ربنا يلطف بينا ، إتفضلي هي جوة مع أم سلمى .

شعرت حور بالحرج فكيف ستتواجد في مكان غريب عنها ومع أناس لأول مرة تراهم وفي مثل تلك الظروف .

وما هي سوى خطوة واحدة للداخل وإستمعت لصوت يناديها :

_ حور إستنى .

إلتفت برأسها لتجد شقيقها ومعه أدهم قادمين في إتجاه البيت .

ألقى كلا منهم السلام على المرأة العجوز وتقدموا جميعا للداخل بعد أن سمحت لهم وتقدمتهم .

دلفوا ليجدوا والدة سلمى الملكومة جالسة تبكي وتنتحب في صمت ، عيناها متورمتان وجسدها يرتعش من محاولتها الواهية للتماسك وبجانبها فتاه شابة يبدو أنها شقيقة سلمى الكبرى تنظر للفراغ بضياع ولا يوجد أحد سواهم.

كانت حالتهم تثير التعجب بالنسبة لأدهم الذي سأل المرأة العجوز :

_ هو مافيش غيركم هنا ؟

نظرت له بكسرة مردفة :

_تفتكر مين هييجي وإحنا سيرتنا على كل لسان يا أستاذ أدهم ، ما أنت عارف كل حاجة .

نظر أدهم بآسى للفتاه الشابة ومن ثم سأل العجوز مرة أخرى:

_هي لسه متكلمتش ؟

_لسه ... الهم والحزن عششوا جوة قلبي وحياتي ، واحدة حياتها إتدمرت وياريتها كانت ماتت أهونلها وواحدة ماتت وحياتها لسه في بدايتها وياريت الناس سايبينها في حالها .

كانت تلك المرة والدة سلمى من تتحدث والبكاء يغشى عينيها ، لم يفهما عبد الرحمن وحور الحديث الدائر ولكن ما وصل إليهم أن هناك ما هو خفي وبالطبع يعلمه أدهم .

تقدمت حور من والدة سلمى تربت فوق ذراعيها بحنو مردفة :

_ربنا يصبرك .

نظرت لها والدة سلمى وتساءلت في خفوت :

_ إنتي الدكتورة حور ؟

قطبت حور حاجبيها متعجبة فإستكملت والدة سلمى وتدعى سمر :

_بعد ما أخدوا سلمى المستشفى وجالي الخبر دخلت أحضرلها هدوم ، كنت فاهمة إنها هترجع معايا تاني لحضني ، قلبي قايد نار ، ماتت وأنا مزعلها مني ، كانت تقولي يا ماما ليه نسيب سماح في البيت ده وهما بيعاملوها وحش ، وأنا كنت أقولها ملكيش دعوة انتي عاوزة بيت أختك يتخرب ، ياريتني سمعت كلامها لا كانت ماتت ولا أختها إطلقت بفضيحة وكل الناس بتنهش في لحمهم .

دخلت أوضتها لقيت شنطة فيها سماعة بتاعة الدكاترة دي وشوية أوراق ومكتوب عليها بخط واضح خط سلمى .. خط بنتي إل إنحرمت من ضحكتها كاتبة يا قلب أمها إسمك ، انا كنت شوفت الشنطة دي معاها من كام يوم وسألتها عنها قالتلي إنها هدية منك بتشجعيها علشان كان نفسها تبقى دكتورة .

قطبت حور عيناها فهي لم ترى سلمى نهائيا فبالتالي لم تهديها أي شيء .

فهم كلا من أدهم وعبد الرحمن نظرات حور المتعجبة ليبادر أدهم بالسؤال :

_فين الشنطة دي ؟

_كنزي جت وسألت على الشنطة ودخلت جوة تاخدها.

زاد تعجب حور فيبدو أن للأمر خفايا أخرى .

كانت النظرات متبادلة بين ثلاثتهم ليتفاجؤا بكنزي حاملة للحقيبة وتتقدم من حور وتعطيها إياها مردفة ببكاء :

_سلمى سايبالك الأمانة دي .

.........

قد تظن أن الحياة توقفت فيظهر لك شعاع من النور يعطيك الأمل مرة أخرى ولكن هل النور الموجود في النفق المظلم أقوى أم نور الحائق .

ذهب إلى عمله الذي إنقطع عنه لمدة ثلاث أيام بعدما شعر بوعكة صحية ، دلف وبعد أن ألقى السلام وجد رفيق عمله يمزح معه كعادته:

_ صباح الأجازات يا عم صالح ، أيوة يا عم ناس تاخد أجازة بالأيام وناس مش عارفة تخرج ساعة واحدة بس .

نظر له صالح بحنق وأردف :

_ ياعني كنت في بتفسح أنا مخرجتش من بيتنا غير على بيت أعمامي ياعني يادوب الشارع بتاعنا .

دلفت فتاة تمتاز بأعينها البنية الواسعة التي تلفت النظر إليها لتجذب إنتباههم ، لم يتحدث مؤمن فوجد صالح نفسه مجبرا على الحديث ، فتقدم منها بلباقة حينما رأها تنظر إليه وتساءل بإحترام :

_حضرتك محتاجة حاجة ؟

نظرت له الفتاة بضع ثوان ثم بدأت في الضحك بمرح وشاركها مؤمن الذي تحدث بسخرية :

_ طبعا ما سيادتك كنت واخد أجازة ومتعرفش حاجة .

نظر له صالح بتساؤل ليستكمل :

_ دي ريم زميلتنا في المكتب إتعينت أول يوم أجازة ليك .

نظر لها صالح قائلا:

_ متآسف يا بشمهندسة ، وأهلا بيكي بينا .

كانت ريم ترمقه بإعجاب واضح لاحظه مؤمن الذي إبتسم بسعادة لصديقه الذي نهره بعينيه وأخذ يتابع عمله في نشاط .

..............

يقولون أن الحسنة تٓخُص والسيئة تٓعُم ويا لها من نظرية قاسية ومؤلمة . 

في منزل آل دمنهوري /

دلف وليد للمنزل وجلس بإنهاك ليجد فيروز وسمية جالستان ويبدو عليهن الإرهاق ، ألقي السلام وأردف:

_ تصدقوا أحسن حاجة نورا عملتها جروب الواتس ده .

أماءت كلا منهن لتضيف سمية:

_ لولا إنها بعتت رسالة إن حور لقت كنزي كان زمانا بندور لسه .

_هي ليه حور خرجت من الجروب ده بعد ما سلمى ضافتها ؟

نظر وليد لزوجته وتحدث بألم :

_ لأن حور لسه مش معتبرانا عيلتها ، بحس إن في حلقة مفقودة ، حاجة هتغير موازين كل حاجة.

توترت سمية وظهر هذا لهم وجاءت لتنسحب بهدوء فأوقفها وليد متسائلا :

_ سمية إنتي تعرفي حاجة أنا معرفهاش ؟

زاد توترها وإمتلأت عيناها بالدموع وتحدثت بتحشرج :

_أوقات كتير المعرفة بتقتل صاحبها بالبطيء .

أنهت حديثها الغامض لهم وتركتهم ورحلت ، لتقف فيروز وتتحدث بتعجب :

_ سمية بقالها مدة متغيرة ، ومعظم الوقت حزينة ومهمومة .

_سمية تعرف حاجة ويظهر إن الحاجة دي هي السر ال حور وعبد الرحمن محتفظين بيه لنفسهم والأكيد إن الموضوع ده ليه علاقة بزهرة ونبيل ، وأنا لازم أعرف إيه حصل بالظبط ؟

أنهى حديثه وهو ينظر في إتجاه سمية التي تهبط دموعها بصمت خلال صعودها الدرج المؤدي لغرفتها وهي تتذكر مواجهتها مع حور .

في اليوم السابق /

بعد خلود الجميع للنوم وقبل آذان الفجر بساعتين إستمعت حور لطرقات فوق الباب فتساءلت بتعجب عن الطارق ومن ثم وقفت تفتح الباب عندما علمت بهويتها 

وقفت سمية أمامها شاعرة ببعض التوتر وبتردد تحدثت :

_أنا عارفة إنك صاحية ، شوفت نور الأوضة ، وكمان قولت أجرب حظي وأجي أشوفك لأني عاوزة أكلمك في موضوع مهم ومش بعرف أكلمك طول اليوم .

_من غير مقدمات كتير ، قولي عاوزة تقولي إيه وإخرجي .

جفلت سمية من أسلوبها الفظ وظهرت صدمتها التي زادت وإتسعت عيناها من الخوف حينما أكملت حور ببعض الحدة : 

_ متنصدميش أوي كده ، إنتي عارفة أسلوبي ده أقل حاجة ممكنة بعد ما عرفت إنك السبب في موت أبويا ، متوقعة إيه أخدك بالأحضان وإنتي يعتبر قاتلة أبويا ، لأ ومش كفاية إنك قتلتيه وبكل برود أعصاب واقفة تكذبي عليهم وتقولي إنك كنتي خايفة على جوزك لأنه كان مش في وعيه ، وطبعا كلهم صدقوكي لكن أنا كاشفة كدبتك وعارفة إنك بتتمني تخلصي من الإنسان القذر ده النهاردة قبل بكرة وإن في حقيقة تانية انتي مخبياها ، وأكيد الحقيقة دي ليها علاقة بأمي وإل كان عاوزه منها .

إنتهت حور من حديثها وهي تنظر بقوة داخل أعين سمية الذاعرة ومرت بعض دقائق قبل أن تستطع سمية الرد عليها قائلة بندم :

_ تعرفي أنا كنت عاوزة أسألك عن رفضك لأدهم وخايفة ليكون بسببي ، بس أنا عاوزاكي تعرفي إني كل ليلة بقول ياريتني مفكرت أعمل حاجة ، كل لحظة بعدي من قدام الأوضة دي أقول يمكن لو كنت سيبته يمشي وراه ويعرف طريق زهرة كان أهون من موته أهو كان هيقدر يحميها ، لكن أنا مقتلتوش ، أنا مش مجرمة يابنتي ، أنا ضحية زيي زي زهرة بالظبط ، هي عاشت حياتها حزينة على نبيل وأنا عشت حياتي كلها بتعذب من ضميري ، نبيل كان ابن موت ، الجملة دي سمعتها من واحدة في عزاه مفهمتهاش غير بعدين ، لما لقيت معاملة حمدي بتسوء أكتر وأكتر وقسوته على ولاده وحقده على نبيل حتى بعد موته بيكبر مع الأيام ، عرفت ليه الست دي قالت كده لأن نبيل كان نبيل فعلا رجل بكل معنى الكلمة ، إل زيه قليلين في الدنيا ، أنا كنت عاوزة أحمي أمك ، كنت بحبها وكنت بدعي ربنا إني أشوفها تاني وأتكلم معاها وأحكيلها إل حصل يومها ، صدقيني يا حور أنا أكتر واحدة كنت أتمنى الخير لزهرة وكل هدفي أمنع حمدي إنه يوصلها .

_لكن ده محصلش وقدر يوصلها .

وقعت سمية أرضا من تأثير الصدمة فلم تحملها قدماها بعد ما سمعته لتجلس حور أرضا بجانبها وتستكمل:

_ أنا مكنتش أعرفه ، لكن لما شوفته هنا عرفته ، أصل إزاي هنسى الإنسان إل بسببه سيبنا بيتنا آخر ذكرى لينا من بابا وحولنا حياتنا لبلد تاني .

شهقات متتالية من سمية لم تستطع السيطرة عليها وهي تسأل بخوف حقيقي قرأته حور بعينيها :

_ عمل فيها حاجة ؟

نظرت لها حور بألم وتحدثت بإختناق :

_ ملحقش ، أنا يومها رجعت من الكلية قبل ما أخلص محاضراتي لأني تعبت ولما دخلت البيت حسيت بحاجة غريبة ، كان في حاجة غلط لكن مش عارفه إيه هي ، فضلت أنادي على ماما وأنا متأكدة إنها في البيت لأننا كنا نخرج يوم في الشهر وهي معانا نجيب طلبات البيت وغير كده كانت تفضل في البيت كل يوم وكل لحظة ولما نقولها تخرجي تشوفي الدنيا والناس كانت تقول أنا دنيتي في الجدران دي ، لما فضلت أنادي عليها طلعت أشوفها في أوضتها وقبل ما أدخل خرج رجل ملثم وقعني على الأرض ونزل يجري خرج بره البيت أنا يومها شوفت عينه كويس وكمان شوفت الوحمة الموجودة في رقبته ، دخلت أطمن على أمي لقيتها منهارة وبتردد جملة واحدة وتقول الحمد لله مافيش غيره لمسني ، بعدها بكام ساعة كنا قفلنا البيت وأخدنا كل حاجتنا وسافرنا بلد تانية ، مقدرناش نعترض أنا وعبد الرحمن حتى على كليتنا لأن حالة الإنهيار ال كانت فيها أعجزتنا عن الكلام .

ظلت سمية تشهق وتنتحب وتنظر إلى حور بآسى وهي تردف بدموع وحسرة :

_ تفتكري بعد ده كله ينفع تسأليني ليه رفضت أدهم .

..................

الثقة كالسهل الممتنع قد نكتسبها من خلال كلمة أو فعل ، ولكن إن فقدناها من الصعب أو قد يصل الأمر إلى الإستحالة لإكتسابها مرة أخرى.

 جلست حور ومعها كنزي بغرفة الأخيرة لتسألها حور بحنو :

_الشنطة دي بتاعة مين يا كنزي ؟ وليه سلمى سايبهالي ؟

نظرت لها كنزي بتخبط وظلت صامتة عدة دقائق ولكنها تحدثت في الأخير :

_ أنا هحكيلك كل حاجة يا خالتو ، أنا معرفش الشنطة دي فيها إيه أو بتاعة مين ، لكن سلمى قالتلي إن فيها حاجة تخصك .

نظرت حور للحقيبة ثم لكنزي مرة أخرى متسائلة :

_ طيب ممكن أعرف عرفتي منين بموضوع الشنطة دي ؟

لم تتحدث بل قامت من مكانها وأحضرت من أحد الأدراج دمية صغيرة وأردفت :

_ دي كانت هدية سلمى ليا في عيد ميلادي ، في الأول إستغربت لأن الدبدوب ده أنا كنت جايباهولها هدية في عيد ميلادها ، لكن بعدين إفتكرت إني كنت فاتحاه وحطيت فيه شيكولاتة فقولت يمكن جواه حاجة ، وفتحته وفعلا لقيت جواه حاجة... لقيت ورقة مكتوب عليها ، الشنطة لخالتك حور ، خديها من دولابي .

ربتت حور فوق كفها وأردفت بحنان :

_ حاولي تنامي شوية يا كنزي ، الحزن مش بيخلص ولا الدموع والألم والوجع بينتهوا ، أنا مش هقولك بكرة تنسي لأن ده مش هيحصل ، أنا هقولك بكرة تتعايشي مع وجعك وتتقبلي حقيقة إنها مش موجودة ، كل ما تحسي بقلبك بيوجعك أو إن سلمى وحشتك إقرأي قرآن وإدعيلها .

خرجت حور من غرفتها وإستأذنت رضوى وهبطت لأسفل لتجد كلا من أدهم وعبد الرحمن ما زالا في إنتظارها لتقف أمام أدهم ودون سابق إنذار تحدثت بعصبية :

_ إنت عارف إيه ومخبيه ؟

نظر لها أدهم بتحدي ولم يتحدث ليردف عبد الرحمن بعقلانية :

_ مش شرط يا حور إن أي حاجة يكون عارفها يقولهالنا أو لازم إنك تعرفيها .

نظرت له حور بغضب وأردفت :

_ لما تكون الحاجة دي تخصني حتى لو من بعيد لازم أعرفها .

_ تخصك إزاي ؟

سألها بإهتمام لتنظر له ولجديته ، هل بالفعل هو يعرف بشأن تلك الحقيبة أم لا يعلم شيء ؟

لم تجد بد من اخبارهم فآخر ما تحتاجه الآن أن تثير عصبيتهم فهم من الواضح عليهم لن يتركاها وشأنها دون أن تقول لهم كل ما عرفته ، لذا ألقت على مسامعهم ما قالته كنزي ليتساءل عبد الرحمن بتعجب :

_وليه إنتي وهي متعرفكش ولا شافتك قبل كده ؟

_هنعرف لما نفتح الشنطة .

قالها أدهم لتقف أمامه وتمنعه من أخذ تلك الحقيبة مردفة ببعض الحدة :

_ مين قال إني هسمحلكم تشوفوا جواها إيه ؟ 

نظر كلا منهم لها بغضب لتستكمل محاولة الهدوء :

_على الأقل أعرف فيها إيه أول إحتراما لسلمى مش يمكن فيها حاجة خاصة .

إقتنعا بحديثها ولكنها فاجأت أدهم وإستكملت :

_ وقبل ما أقول فيها إيه هتقول تعرف عن الموضوع ده إيه بالظبط .

تركتهم ورحلت غير مكترثة لأي شيء بينما عبد الرحمن الذي لاحظ إبتسامة أدهم وهو ينظر في أثرها أردف :

_ مش قولتلك وقعت وقعة محتاج إننا ندعيلك .

أنهى حديثه بضحكة شاركه أدهم بها وهو يمسح على وجهه عله يفق من تأثير أحداث اليوم ومن تأثيرها عليه .

..................

كل ساق سيسقى بما سقي 

يا لها من جملة تقشعر لها الأبدان التي تحوي قلوب مؤمنة صادقة ، ومهما مر الزمان وجارت السنين سيظهر عمل الإنسان ويطارده.

في بلد آخر /

تجلس سيدة من يراها يظن أنها لم تبلغ الأربعين من العمر بعد ولكنها تجاوزتها بعدة أعوام ممسكة بيدها أحد الكتب تقرأ به بينما من خلفها بعدة أمتار ويبدو أنها حجرة المطبخ هناك قِدر على النار منتشرة رائحته .

_ الله .. الله على العدس وجماله ، ريحة العدس قالبة المنطقة .

قالتها فتاة شابة في العشرينات من عمرها بعد أن دلفت من باب الشقة السكنية التي يبدو على مظهرها التواضع لتبتسم تلك السيدة وتغلق الكتاب قائلة :

_إنتي أكبر بكاشة يا سِدرة ، كل يوم تقولي نفس الكلمتين.

جلست سدرة بإنهاك مردفة ببعض السخرية :

_ ما لازم أقول كده وهيأ بطني للعدس وأتخيله شوية مشويات ومقالي.

عبست والدتها بحزن لتلاحظ سدرة ذلك وتشعر ببعض الندم فتتحدث سريعا :

_ أنا آسفه يا ست الكل ، بس غصب عني كل ما أفتكر إن أهلي رموني وحرموني من عِزهم .

هبطت دموع تلك السيدة بحزن وأردفت:

_ وأنا قلبي بيوجعني لما أحس إن نفسك في حاجة وأنا مش قادرة أجيبهالك ، وقلبي بيوجعني أكتر لما بتعتبريهم أهلك وأنا بعتبرك إنتي كل دنيتي وعزوتي .

شعرت سدرة بالإنزعاج وأردفت سريعا وهي تقف متوجهة نحو غرفتها :

_لازم أعتبرهم أهلي لأن دي حقيقة محدش يقدر ينكرها ، لأن كل ما أصدق الحقيقة دي كل ما أقدر أثبتها وأخد حقي .

دلفت لغرفتها تاركة ورائها قلب ممزق ودموع لم تتوقف مع مرور الزمن ولسان يتحدث بما يخشاه :

_ يا ترى هتعملي إيه لما تعرفي الحقيقة ؟

..........

حل الليل سريعا ، فما أسرع هبوط الظلام على القلوب .

خرجت من غرفتها مصدومة مما رأته لا تعرف ماذا تفعل .

هبطت لأسفل من أجل إستنشاق بعض الهواء لتجده جالسه ينظر لها وكأنه كان في إنتظارها .

وقف عندما أهلت عليه ولاحظ إرتباكها وتوترها ليتساءل بهدوء :

_ إنتي كويسة ؟

نفت برأسها دون التفوه بكلمة ليشير لها بالجلوس فجلست وقبل أن يجلس هو الآخر تساءلت بصوت هامس:

_ ممكن تعرفني إيه حكاية سماح بالظبط ؟

جاء ليعترض لتستكمل:

_ لو سمحت محتاجة أعرف علشان أفهم ، ولما تعرفني هقولك لقيت إيه في الشنطة .

أماء لها بالموافقة وأخذ في السرد .

من اسبوعين تقريبا أم سماح جت تستنجد بينا ، قابلتها يومها كانت بتبكي ومنهارة ........

_إلحقني يا أستاذ أدهم ينوبك ثواب ، بنتي ...بنتي هيموتوها .

وقف أدهم مصدوما من هيئتها وحديثها وتساءل وهو يساعدها على صعود سيارته :

_ إهدي بس وفهميني إيه الموضوع ؟

نظرت له وهو يقود متحدثة بألم :

_ بنتي سماح متجوزة من عيلة شاكر ، جاتلي واحدة جارتها من قيمة ساعة وقالتلي إلحقي بنتك جوزها وأمه نازلين فيها ضرب وهيموتوها ، جريت زي المجنونة أشوف بنتي مالها ووصلت هناك ولقيتها لا مؤاخذة بهدوم النوم متكتفة ومرمية على الأرض قدام باب شقتها وجوزها نازل ضرب فيها بالحزام وأمه ربنا ينتقم منها بترمي عليها ماية بملح وكل البيت واقف يتفرج ولا كأنها روح بتموت قدامهم .

أخذت عدة أنفاس ثم أكملت :

جريت رميت نفسي عليها أحميها من الضرب وزي ما أنت شايف نابني من عديم الرجولة والنخوة إل سايب رجالة عيلته كلها يتفرجوا على لحم بنتي عرضه وشرفه كام ضربة على جردل ماية من أمه ، لكن مهتمتش وفضلت أصرخ فيهم وأحاول أفك بنتي لغاية ما شدوها مني وقفلوا الباب ، فضلت أخبط وأنادي ومحدش سأل فيا ولا أعرف عملوا إيه فيها ولا جرالها إيه ، أول حد خطر في بالي الحاج وليد وإنت ، الله يباركلك إلحقها .

قالت جملتها صارخة بقهر عندما رأته ينزل سريعا متوجها نحو المنزل الذي تسكن به سماح مع زوجها وعائلته .

وصل لمكان التجمع وتحدث بصوت عالي :

_ إيه بيحصل هنا ؟

نظر له الجميع بعد أن صمت همسهم ليستمع لصوت سباب راجح بالداخل ليطرق الباب بقوة ولكن أحد لم يفتح له ، فنظر لمن يقف بأعلى الدرج وإستطاع تمييزه فهو أحد الطبيبان اللذان تم فصلهم من المشفى .

وصلت والدة سماح وتحدثت بترجي للنساء الواقفات:

_حرام عليكم إنتوا معاكم مفتاح للشقة إفتحوا الباب ينوبكم ثواب .

تقدمت شقيقة راجح قائلة بلؤم :

_ سيبيه يربيها طالما أنتي معرفتيش تربيتها ولا تعلميها إزاي تصون نفسها وبيتها وتحفظ شرف جوزها الخاينة .

وقع حديثها كالسوط عليها ووقفت دون حراك أو حديث فنظر لها أدهم بقلق ثم أعاد النظر إلى الباب الذي فُتح وخرجت منه والدة راجح تسب وتلعن وعندما رأت أدهم في وجهها تحدثت بعصبية مفرطة :

_ عيبة في حقك يا أستاذ أدهم تيجي تدخل في موضوع زي ده ، ده واحد بيربي مراته ويعلمها الأدب .

حمحم أدهم ليجلي صوته وأردف بقوة :

_ وهو كل واحد يختلف مع مراته يضربها ضرب مميت كده ، ولا علشان يتيمة فاهمين إنه عادي ، سارة زي أخواتي البنات وأنا وكل عيلتي عيلتها ووراها وحقها هعرف أرده .

_ حق ... حق مين ..إنت تعرف إيه عن ال حصل ، راجح كان بياخد حقه ويدافع عن شرفه إل ضيعته الخاطية إل إبتلينا بيها ، بلاش تقول زي إخواتك البنات بدل ما تسوء سمعتهم، وللمرة الأخيرة بلاش تدخل نفسك في الموضوع ده لأن المجرمة دي مش هتخرج من هنا غير ميتة ، الهانم إل أنت جاي تدافع عنها دي جوزها مسكها مع راجل في قلب شقته وفي أوضة نومه كمان ، ده غير الرسايل ال بينهم .

بعد أن أنهت حديثها نظرت لوالدة سماح بجمود بعد ما صفعتها على وجهها فلم تحتمل ما تقوله تلك المرأة عن إبنتها التي أفنت عمرها في تربيتها ، فهي تثق بإبنتها .

دفعتها والدة راجح وكادت أن تسقط لولا يد أدهم التي منعتها وأردف :

_إدخلي شوفي بنتك وأنا هدخل وراكي علشان ناخدها من هنا وأبقى أشوف مين هيقدر يمنعني .

دلفت تلك السيدة بقلب ملتاع ولم تمكث ثوان إلا وعلا صوت صراخها ملتاعة لما رأته من حالة إبنتها ليصيح أدهم من الخارج :

_ لبسيها إسدال علشان أقدر أدخل .

......

وفعلا أخدتها وخرجت من البيت ووديتها بيت أمها وطلبت دكتورة شورى وإهتمت بحالتها ، لكن طبعا أم راجح فضلت تصرخ وتحكي وتقول كل الكلام للناس إل إتجمعت تحت البيت .

صُعقت حور مما سمعته وسألته بإهتمام :

_ طيب إنت محاولتش توصل لأصل الموضوع وتفهم حقيقته ؟

تنهد أدهم بآسى وإرهاق مردفا :

_ طبعا حاولت ، أهل راجح وراجح نفسه صمم على نفس الكلام ، وسماح من وقت ما فاقت وهي فاقدة النطق ، ومحدش عارف يوصل للحقيقة وإيه حصل بالظبط .

وقفت حور تخطو عدة خطوات مفكرة في شيء ما ومن ثم سألته :

_ مين راوية ؟

قطب أدهم حاجبيه بتعجب وسألها :

_ عرفتيها منين ، دي أخت راجح .

جلست حور بإهمال فوق المقعد مرة أخرى وعلامات الصدمة على وجهها لتردف بتأني:

_ أنا كده فهمت كل حاجة وعرفت مين قتل سلمى .

...............

عام ٢٠٢٠ /

مهما طال زمن إخفاء الحقائق سيأتي يوما وتسطع كسطوع الشمس في أيام الصيف المشمسة ، لا يستطيع أحد إنكارها ولا الإبتعاد عن أثرها .


جالسة تفرك يديها بإرتباك بينما هو ينفث دخان سيجاره بهدوء يتفحصها ويثير ريبتها ، ليقرر أن يرحم توترها أخيرا وسألها بثقة :

_ إيه العلاقة إل كانت بتجمعك بحمدي الدمنهوري ؟

نظرت له وظهر الرعب على وجهها وأردفت بتلعثم :

_ حضرتك هو كان عم زوجي ، لكن بعد الطلاق معرفش عنه حاجة ولا شوفته .

ضحك ساخرا وقال بمواجهة :

_عيب عليكي يا مدام ، أنا لما أستدعيكي وأسألك سؤال زي ده أبقى فاهم كويس أنا بسأل إيه وليه ، ياعني مثلا أنا قبل ما أتكلم معاكي خالص ولا أسمع منك أي كلام وأي إجابة بتقوليها علشان تتهربي عارف إنك كنتي بتقابلي القتيل من قبل طلاقك وإتكررت زياراتك ليه بعد الطلاق وكان آخرهم يوم الجريمة .

لم تستطع التحدث بل أجهشت في البكاء إلا أن وقف متقدما وجلس على الكرسي المقابل لها وأردف :

_ لو متكلمتيش موقفك هيضعف ، وهتلاقي نفسك بتتحاكمي بتهمة قتله .

نظرت له قائلا من بين دموعها :

_ لو إتكلمت هثبت التهمة عليا أكتر مش هنفيها .

قطب حاجبيه ليفهم مقصدها عندما إسترسلت :

_ فعلا أنا كنت بتردد عليه وده لأني كنت عاوزة أنتقم منه وأخد حق أختي .

..................

عام ٢٠١٨ /

تمر علينا لحظات نصطدم من خلالها بالواقع المرير ، نشعر وكأننا كنا نرى عالمنا خلال نافذة ملتف حولها زهورا تطتاير عليها الفراشات ذات الأجنحة الملونة ولكن عندما تذبل تلك الورود وتضطر إلى إلقائها بعيداً ستكتشف الغبار الذي خلفته مكانها .

دلف جاسر لغرفة المكتب بعد ما إستمع لصوت والده محمود يأذن له ، وبمجرد أن دلف تلقى صفعة قوية من شدتها سقط أرضا 

نظر جاسر لوالده بقهر فهذه أول مرة يرفع يده عليه ولكن محمود لم يبالي بل تحدث بقسوة :

_ كنت فاكرك رجل ، ربيتك وعلمتك وكنت فاهم إنك هتبقى سند ، لكن إنت من نسل شيطان الإنس حمدي وقدرت تخدعني ، من النهاردة ملكش مكان في بيتي وحق أمك أنا هجيبه.

دلفت سلوى سريعا على صوت صراخه وهو يسب جاسر و قفت أمامه صارخة :

_ كفاية بقى ، أنا مش هسمحلك تدمر إبني أكتر من كده ، أمير وطردته بقالك سنين ودلوقتي جه الدور على جاسر ويمكن لو سكتلك ييجي الدور على مؤيد كمان أو أنا ، لكن أنا بقولك أهو إبني مش هيخرج من البيت ده ، ولو أنت مش قادر تعيش معانا يبقى مع السلامة ده بيتي أنا وولادي .

نظر لها بصدمة وأردف بوجع :

_ بعد العمر ده كله بتعايريني إن البيت بتاعك .

_إنت السبب يا محمود ، أنا حاسة إني كنت عايشة مع واحد غريب ، واحد عاش العمر ده كله يخطط إزاي يضيع بنت ملهاش أي ذنب في أي حاجة ، بنت زيها زي أخته ، طب من باب أولى كنت وقفت لحمدي وأخدت حقك زي الرجالة ما بتاخد حقها من غير ما تملى قلب جاسر بالكره والغضب لكن إنت كنت أضعف من المواجهة وأضعف من إنك تحمي جاسر من السواد إل عشش جواك مش كده ؟.

صفعة دامية كانت إجابته عليها قبل أن يتركها ساقطة أرضا وجاسر ينظر له بصدمة ويرحل ساببا إياها وشقيقها ومتوعدا بالإنتقام .

الفصل الثالث من هنا

غير معرف
غير معرف
تعليقات