رواية فجوة زمنية الحزء الثانى الفصل الثانى بقلم فاطمة على محمد
مجرد ما حط الكاهن شرط إن يكون الدم اللي لازم تشربه الخريطة مختلط، هز "خوان" رأسه بعدم فهم وهو بيقوله :
- يعني إيه؟
اتنهد الكاهن بقوة وهو بيبص للخريطة بتأمل شديد لكل ميللي فيها كأن خطوطها مرسومة قدام عينيه وهو بيقوله :
- خليط بين الدمين الإنسي والجني، ممكن طفل ناتج من حالة جواز بين إنسية وجني أو العكس، المهم الدم يكون حامل لصفات العالمين.
تابع "خوان" كلام الكاهن بتركيز شديد وهو بيحاول يجمع أفكاره، ويفتش في كل المعلومات الخاصة بأهل المملكة واللي متأرشفة في دماغه، بيحاول يدور فيها على أي حالة تزاوج نتج عنها أطفال، لكنه فشل في ده، اتنهد بيأس وهو بيقوله :
- لازم من مملكتنا؟
لف الكاهن الخريطة مرة تانية وهو بيقوله بثبات :
- أو مملكة "نيرون" لأنها كانت جزء من مملكتنا، المهم نلاقي الدم ده بسرعة عشان حالة جلالة الملك "فولاك" هتسوء أكتر من كده.
ضيق "خوان" عينيه بتركيز غاضب اتهزت له أجراس المعبد بقوة، وهو بيردد بشرود :
- مملكة "نيرون"؟!
وراح بنظراته للطبيب اللي كان مستنى أوامره بلهفة، وقاله :
- حاول تسكن آلام جلالة الملك بأي أعشاب، وأنا مش هتأخر، هجيب الدم وآجي.
انحنى الطبيب بتقدير صامت، عشان يخرج "خوان" بسرعة كبيرة وكل اللي شاغل تفكير البحث في سجلات عشيرة "نيرون".
**********
الوقت ما كانش طويل لأن الفاصل بين المملكتين كام ميل طارهم "خوان"، لكنه مجرد ما وصل انحرف عن الطريق الرئيسي، والبوابة الرئيسية للملكة واتوجه ناحية الجهة الغربية من السور ، ووقف عند شجرة ضخمة وابتدى يدور حواليها خمس دورات قبل ما تتفتح فجوة سرية كبيرة في جذعها، دخل منها "خوان" واتقفلت مباشرة.
اتلفت "خوان" براسه يتأكد من قفل المدخل قبل ما يدور مرة تانية وهو بيطوف الأوضة الواسعة اللي موجود فيها، واللي كان واضح من هيئتها إنها أوضة ملكية فخمة، وده واضح من الأثاث اللي فارشها والحرير اللي بيرفرف فوق أعمدة السرير الدهبية.
اتنهد "خوان" بحنين واشتياق قوي صاحب نظراته اللي وقعت على وشاح أحمر محطوط على طرف السرير، واللي مشي ناحيته بخطوات تقيلة قبل ما يمسكه بين إيديه يتأمله بحزن قوي، حزن قطعه الصوت الأنثوي اللي جه من وراه:
- لسه فاكر الأوضة دي؟!
سحب "خوان" نفس قوي حرق بيه كل الحنين، والاشتياق، والحزن، وزرع مكانهم جمود، وقسوة، ولا مبالاة وهو بيرمي الوشاح مكانه مرة تانية وبيدور بكل جسمه ناحية صاحبة الصوت، اللي كانت غاية في الجمال والفتنة بشعرها الأسود الفاحم، وعينيها اللي أشعة الشمس دوبت كل نورها ونارها فيها، وجسمها اللي كان فاتن لأي إنسي أو جني واللي كانت مغطياه بوشاح أبيض فضفاض مسكت طرفه بقبضتها بقوة كأنها بتتحامى فيه من نظراته اللي اخترقت خيوطه ووصلت لكل إنش منه، واللي حافظاه عن ظهر قلب.
اتنفس "خوان" أنفاس مشتعلة رغم برودة كل ملامح وجه وهو بيجاوبها بثقة :
- إنتي عارفة إن مفيش حاجة مرت في حياتي حتى ولو صدفة إلا لما أكون فاكر كل تفاصيلها.
قربت منه بخطوات مهزوزة زي نظراتها بالظبط اللي كانت بتحاول تخترق لوح الجليد اللي مغلف نظراته ليها وهي بتقوله بشجن :
- عارفة.. وعارفة أكتر من كده كمان.
نبرة صوتها ونظراتها ليه للحظة كانوا هينجحوا في هدفهم، لكنه تمسك برداء البرود وهو بيبعد عنها بنظراته وبيقولها بثبات وكلامه بيغير مجراه:
- بس الأوضة لسه زي ماهي، مفيش فيها أي حاجة اتغيرت.
درات حواليه عشان تكون مقابلة لاتجاه أنظاره، ونظراتها ليه اتضاعف فيها عشقها وهي بتقوله :
- اتغيرت.. بقت أبرد بكتير، حيطانها بقت طابقة على نفسي، فرشها بقا شوك، حتى الهوا اللي فيها بقا نار بتحرق فيا.
جمدت نظراته الباردة لوقت تتصارع مع نظراتها المشتعلة في حرب ضارية، مصرح فيها باستخدام كل الأسلحة من عتاب، للوم، لقوة، لضعف، لاعتراف، وغفران، أسلحة لازم تستخدم بترتيب منطقي وإلا الهزيمة هتكون هي النتيجة الحتمية للحرب دي، لكن "خوان" كان واخد قراره، ومحدد المرحلة اللي هيقف عندها بكل قوة، فمجرد شعوره بالضعف، ارتدى رداء القوة مرة تانية وهو بيتنحنح بحشرجة وبيقولها :
- أنا عايز منك خدمة يا "هيرينا".
غمضت "هيرينا" عينيها بقوة تداري ضعفها بأنفاس قوية للحظات قبل ما تفتحهم مرة تانية وهي بتقوله بشموخ :
- خدمة إيه؟
أجابها بسرعة :
- عايز ابن من أبناء المملكة يحمل دمائنا ودماء إنسية أو إنسي.
ضيقت "هيرينا" عينيها باستغراب قوي وهي بتسأله:
- ليه؟!
بصلها بثبات وقالها :
- من غير ما تسألي لإن مفيش إجابة، أنا كان ممكن أدور بنفسي لكني فعلًا معنديش وقت، عشان كده اخترتك، لأني متأكد إنك هتساعديني ومن غير ما أقولك الأسباب.
اتنهدت "هيرينا" بقوة وهي بتهز رأسها بموافقة وتأكيد على كلامه :
- أكيد هساعدك طبعًا، وهدور معاك على الطفل اللي إنت عايزه، لكن بره مملكتنا لإن المملكة هنا نقية كل نسلها أصوله جنية.
الصدمة واليأس فرضوا سطوتهم على ملامح "خوان" اللي نظرات التوسل احتلت جمود عينيه وهو بيقولها :
- دوري تاني، أكيد هتلاقي جنية عشقت إنسي واتجوزته وخلفت منه، أو حتى جني عشق إنسية وحملت منه وخلفت، لو فين أنا مستعد أقلب الدنيا وأجيب الطفل ده، بس دوري كويس.
هزت راسها بتأكيد لكلامها وهي بتقوله :
- مفيش أي حالة من الحالات دي في مملكة "نيرون" كلها، لكن أكيد هتلاقي في الممالك اللي حوالينا، دقايق وكل خادماتي تنتشر وتوصل للي إنت عايزه.
زفر "خوان" زفرة قوية وهو بيقولها بنبرة حادة قبل ما يسيبها ويمشي:
- مش هينفع.
وخرج من الأوضة بنفس الطريقة اللي دخل بيها، لكنه ساب وراه أنثى فضولها استحوذ على كل كيانها، فقررت إنها تشبعه بالحقيقة.
**********
حالة "فولاك" ازادت لسوء لدرجة إن جسمه ابتدى يضمر بشكل قوي، جسمه اللي كان عبارة عن عروق نار لهبها بينطفي بشكل تدريجي، شكل أول مرة يشوفه الأطباء اللي كانوا بيعملوا المستحيل بالأعشاب والعقاقير اللي يعرفوها واللي حاولوا يصنعوها بخبراتهم؛ حتى لو لأول مرة، لكن الوضع اللي قدامهم ما كانش يبشر بأي خير على الإطلاق، كلهم ثقة إن الملك هيعيش، لكن خوفهم من الحالة اللي هيعيش عليها واللي كبرياءه أكيد مش هيتحملها.
الملكة شمس "الأخاديد" واللي كانت بتكدب عينيها، وبتقسم إنها عايشة أسوأ كوابيسها، كانت بتدور في كل الأوضة بذعر قوي وبتقرأ تعاويذ الشفاء اللي ما كنش ليها أي نتيجة في حالة الملك.
لحظات ووقفت قدام كبير الأطباء تصرخ في وشه :
- لازم تشوف حل، مش هنقعد نتفرج عليه كده كتير.
انحنى الطبيب براسه بأسف وهو بيقولها :
- الحالة عجيبة يا مولاتي، عمرنا ما شوفناها ولا حتى سمعنا عنها لا في العالم بتاعنا ولا عالم الإنسيين.
صرخت الملكة صرخة مدوية وهي بتغرس مخالبها الحادة اللي ظهرت كالسيوف في رقبة الطبيب اللي وقع ميت على الفور وهي بتبصله باشمئزاز وبتقول :
- دور في عالم الأموات يمكن تسمع عنها.
حالة ذعر وتوتر سيطرت على كل الأطباء اللي تراجعوا للخلف بارتباك عدا الطبيب الشاب اللي بيحاول بجدية مساعدة الملك، واللي لمعت عينيه فجأة وهو بيجري ناحية كومة كبيرة من الخشب موجودة جنب الدفاية اللي في الغرفة ، وابتدي ينقلها لنص الأوضة، وجري نحو مشعل نار متعلق على أحد الجدران وأخده ورجع يولعها وهو بيصرخ بصوت آمر :
- نار جلالة الملك مش لازم تنطفي.
الجميع بصله باستغراب شديد؛ حتى الملكة اللي ضيقت عينيها بتركيز في كلام الطبيب اللي راح ناحية الملك عشان يشيله ناحية النار وهو بيقول :
- النار المباركة هتشعل نيرانه من جديد، حد يجيب كرسي.
جري طبيب ناحية كرسي فضي وشاله ورجع بيه ناحية الطبيب اللي صرخ فيه :
- طرف واحد من الكرسي اللي يلمس النار.
هز الطبيب راسه بموافقة وهو بيحط الكرسي زي ما شرح ليه الطبيب الشاب، واللي حط الملك على الكرسي وهو بيسنده برفق.
في اللحظة دي دخل "خوان" بصدمة كبيرة من المشهد اللي انضم ليه بسرعة وهو بيجري ناحيتهم يدفع الطبيب الشاب بعيد عن الملك، وهو بيصرخ فيه بغضب شديد :
- إنت بتعمل إيه يا مجنون؟
سند الطبيب الشاب على طرف السرير عشان ما يوقعش، واستقام في وقفته وهو بيوجه كلامه لـ "خوان":
- جلالة الملك ابتدت النار جواه تنطفي، عشان كده لازم نحاول إننا نشعلها من جديد، ومفيش قدامنا غير الحل ده على ما نجيب "عين الشيطان".
الصدق اللي قراه "خوان" في عينين الطبيب وفي كلامه سَكِّنْ غضبه لحد كبير، وخلاه استسلم وابتدى يساعده كمان في مساندة "فولاك" اللي كان في عالم تاني، عالم شايف فيه "نور" جاية من بعيد، ابتدى همسه يزيد، وصوته يعلا وهو بينادي عليها بلهفة :
- "نور".
*********
في الوقت ده كانت "نور" في البيت اللي أهداه ليها "فولاك" واللي كانت فرحانة بيه لأبعد حد، لدرجة إنها عزمت قرايبها يقعدوا معاها فيه، وفعلًا عملوا كده وقعدوا معاه فترة ما طولتش كتير، وده بعد ما لاحظوا حاجات غريبة بتحصل لهم ، ابتدى الخوف من وقتها يدخل قلوبهم، والخوف ده زاد لما "فولاك" كان بيظهر طيفه فيه للحظات بسيطة كان بيطمن فيها على "نور" من بعيد لبعيد.
الملل والرتابة سيطرت على حياة "نور" الفاضية اللي كانت مقضياها أغلب الوقت في الجنينة بتهتم بالزرع النادر واللي حبيته وأخدته أنيس لوحدتها، وابتدت تحكي له كل حاجة مضيقاها، وأحيانًا كان بيرد عليها بهمهمات غير مفهومة، اتخضت أول مرة تسمعها، لكن بعد كده اتعودت عليها وابتدت تفهمها تدريجيًا.
المرة دي كانت مختلفة تمامًا لـ "نور" فالموضوع تخطى الملل بمراحل واتحول لقبضة قوية في قلبها وجعته بشكل قوي، ضغطت مكان قلبها بكفها بقوة تحاول تهديه وهي بتقول :
- اللهم إجعله خير يارب، قلبي مقبوض، أه أنا مش مرتاحة وخايفة بقالي فترة، لكن القبضة دي خوفتني أكتر.. استرها يارب.
وراحت ناحية الشجرة اللي متعودة تتكلم معاها كل يوم وابتدت تقولها :
- أنا حاسة إن فيه حاجة هتحصل، لكن مش عارفة إيه هي!
سكتت "نور" مستنية الشجرة تواسيها لكن للأسف ماجلهاش أي رد، فرجعت تحاول تاني:
- ممكن أطلب منك طلب، بما إنك شجرة فريدة من نوعك، وبتتكلمي معايا يعني إنتي أكيد مش من دنيتنا دي، وأكيد هتقدرى تساعديني.
رياح خفيفة هزت أغصان الشجرة بحركات محسوبة، كانت أصواتها :
- إتفضلي.
ابتسمت "نور" براحة، واتنهدت بقوة وهي بتقولها:
- عايزة أطمن على صاحبك.
الهوا اتحرك تاني، وأغصان الشجرة اتحركت معاه بصوت شجن :
- مولاي جلالة الملك "فولاك"؟!
ابتسمت "نور" بشوق خفي وهي بتقولها:
- أيوه.. أنا حاسة إنه مش كويس، أو عنده مشكلة في المملكة.. لو عليا عايزة أنزله مش أعرف عنه أخبار منقولة، لكن للأسف مش عارفة أعمل كده.
قطرات مياه خفيفة تطايرت من أوراق الشجرة، استقرت على خد "نور" اللي رفعت عينيها باستغراب ناحية السما وهي بتقول :
- الجو بيمطر؟!
صفاء السما كان إجابة بالنفي على سؤالها المستنكر ده، إنما باقي القطرات اللي نزلت قدام عينيها من أوراق الشجرة كانت رد غير مباشر، عشان تسأل باستنكار أشد:
- انتي بتعيطي؟!
الهوا اشتد، وصوت الأغصان اتخنق بالعياط وهي بتجاوبها:
- مولاي..
الرياح اللي هبت بقوة قطعت كلام الشجرة اللي نكست أغصانها بشكل غريب جدًا، عشان تحصل دوامة هوائية سريعة للحظات قبل ما تهدى تمامًا ويظهر منها "خوان" بهيئته الحزينة، واللي انحنى بتقدير وهو بيقول:
- مولاتي.
مجرد ما وقعت عيون "نور" عليه، جريت ناحيته بلهفة وهي بتقوله :
- "خوان"!.. "فولاك" كويس؟
استقام "خوان" بوقفته وهو بيجاهد للثبات، لكن نبرة الشجن اللي غلبته أقسمت بالحقيقة وهو بيقولها:
- جلالة الملك "فولاك" مريض.
صدمة قوية، تضامنت مع قبضة قلب أقوى بكتير وهي بتجري ناحيته، ترفع راسها بتوسل، وعينيها بتبص له بنظرات حجبتها الدموع :
- عايزة أشوفه.. أرجوك يا "خوان".
اتنهد "خوان" براحة، لأنه كان شايل هم إقناعها إنها تصاحبه لعالمه السفلي، لكنها قصرت عليه المسافات، ووفرت كل مجهوده، فرد عليها بعرفان :
- أكيد هتشوفيه.. استعدي.
هزت "نور" راسها بقوة وهي بتدخل جوه مجال الدوامة اللي سحبتها جوه فجوة زمنية نقلتها لعالم أصبح عالمها من الآن.
*********
نار الحقد والانتقام اللي اشتعلت في قلب "نيرون" واللي زادت من وحشيته، وحولته لشيطان بصورة كاملة، خليته يتجول ما بين الجنيات والإنسيات الضعيفة اللي فتحت بابها ليه بكل سهولة، وده اللي عمله مع "نادية" اللي عندها ستة وعشرين سنة، واللي مقضية حياتها مراسلات مع شباب من كل الجنسيات العربية، لكنها كانت محافظة على شرفها على حد قولها هي، لحد ما وقعت بين ايدين "نيرون" اللي اتشكل ليها في هيئة "نادر" الشاب الوسيم، الغني، الأعزب، اللي غواها بكلامه المعسول، وببذخه في الهدايا، والسهرات في أغلى المطاعم والكافيهات.
خطته كانت طويلة الأمد، وكان لسه ليها خطوات يمشيها عشان يقدر يسيطر سيطرة تامة على "نادية"، لكن غضبه من "فولاك" ومن زوجة أبيه "شمس الأخاديد" خلاه يتخطى كل المراحل دي، ويقتحم عليها أوضتها في بيتها.
"نادية" كانت نايمة بسلام لحد ما حست بإيد دافية بتلمس جسمها، اتنفضت من مكانها وصحيت من نومها تفتح نور الأباجورة جنبها بخوف قوي، وضربات قلب مسموعة، لدرجة إنها كانت هتنادي على باباها ومامتها لكنها سكتت في آخر لحظة وهي بتقول:
- أكيد ده "كابوس"، مش لازم أقلقهم معايا، كملي نومك يا "نادية".
طفت النور وسحبت بطانية خفيفة تغطي بيها نفسها لحد راسها ، وتمسكت بيها بقوة، عشان تلاقيها تسحبت بقوة أقوى بكتير، صرخة قوية اتحبست في حلقها وهي بترفع عينيها، عشان تلاقي "نادر" قصادها.
اطمنت "نادية" لحد كبير، وقامت من سريرها جري ناحية باب أوضتها تتأكد إنه مقفول كويس، ورجعت له جري تمسك ايده تسحبه لزاوية الأوضة جنب ستارة الشباك، وهي بتهمس بصوت واطي :
- إنت دخلت هنا إزاي؟
بص "نادر" للشباك اللي كان مفتوح، وستارته الهوا بيطيرها وهو بيقولها :
- من الشباك.
سابت ايده وسحبت شيش الشباك تقفله بهدوء وهي بتقوله بخوف :
- الجيران هتشوفنا، وبعدين بابا وماما نايمين في أوضتهم، أنا هحاول أشوف لك الطريق وأخرجك بسرعة، ثانية واحدة وجيالك.
يدوب بتتحرك "نادية" ناحية باب أوضتها، لقت إيد "نادر" ماسكة ايدها بقوة وهو بيقولها بصوت حاد :
- أنا ما كنتش جاي لحد أوضتك عشان أمشي.
نبرة صوته الحادة دي حطت رهبة قوية في قلب "نادية" اللي لفت بكل جسمها ناحيته تبصله بتوتر قدر يفهمه بسرعة.
أخد "نادر" نفس قوي سيطر بيه على غضبه وانفعالاته ونظراته اللي حولها لنظرات عاشق متيم، ونبرة صوته اللي اتحولت لنبرة حنونة وهو بيقولها :
- كنت هتجنن عشان أشوفك.
التوتر والارتباك اللي جوه "نادية" اتبخر في لحظة، واتحولت نظراتها هي كمان لنظرات خجل وهي بتقوله :
- إحنا كنا مع بعض من يومين.. عمومًا انزل دلوقتي ونتقابل الصبح في الكافية.
هز "نادر" راسه بنفي ونظراته بتتحدى نظراتها بقوة، لحظات وكان انتصر عليها وقدر يسيطر عليها سيطرة كاملة، واتحركت معاه زي المنومة مغنطيسيًا، وابتدى يقرب منها بشكل فج، استحل جسمها تحت نظراتها المستسلمة، نظراتها اللي اتسعت ذعر، وهلع وهي بتشوف "نادر" اللي معاها بيتحول لـشيطان دميم، مشوة الخلقة، كريه الريحة، همجي المعاملة.
عقلها الأفكار جواه قربت تنفجر، ومعدتها ابتدت تنفر الأكل جواها، جسمها كمان نفرت كل مسامه، وقلبها من الرعب والخوف قرب يتوقف عن نبضانه، لكنها عاجزة، مشلولة.
"نيرون" كان بيستمتع بحالة الرعب والذعر اللي كانت عايشاها "نادية"، وده اللي كان بيرضي كبرياؤه وغروره، أما غريزته فكانت دافعه لاستكمال مهمته بالفوز بابن مهجن بين الجني والإنسية.
**********
الملكة "شمس الأخاديد" اللي الجميع في ممالك الجن بيقسم بجمودها، وصلابتها، وقوتها، وحزمها، إنهارت تمامًا قدام ابنها اللي النار ابتدت تشتعل في الكرسي حواليه تمامًا، واللي علامات الألم والوجع ظهرت على ملامح وشه المجعدة من المرض ، صارعت كتير للصلابة لكنها بالنهاية أم، فماكانش منها غير إنها تقرب منه بهدوء وسلام نفسي جاهدت عشانه كتير، ومسكت كفه حضنته بين كفوفها بقوة وهي بتغمض عنيها، وابتدت تقرأ تعويذة الحياة على ابنها، واللي عشان تنجح وتعمل مفعولها، لازم تاخد من قوتها الخاصة.
عروق دراع "فولاك" ابتدت تنفر بقوة، والنار ابتدت تجري فيها مجرى الدم، وابتدت قوته تتماسك نوعًا ما، وهذيانه باسم "نور" توضح حروفه لوالدته.
في الوقت ده دخل "خوان" من باب الغرفة ينحني تقديرًا لجلالة الملكة، وتبعته "نور" اللي اتسمرت رجليها في أرضها مجرد ما شافت "فولاك" بالشكل ده.
مشاعر مختلطة تصارعت جواها، ما بين رعب وذعر من النار اللي حوالين "فولاك"، وبين خوف وقلق عليه، وبين حسرة وحزن على شكله اللي اتبدل مية وتمانين درجة، كل الصراع ده كان منفذه الوحيد دموعها اللي سالت فيضانات وهي بتمشي ناحيته بخطوات مرتعشة تحت أنظار "شمس الأخاديد" المستنكرة لهيئة وشكل "نور" الآدمي، واختراقها لخصوصية وحدود مملكة الجن.
المسافة اللي ما كاناتش تتجاوز كام متر؛ كانت بالنسبة لـ "نور" أميال طويلة وسراب، كل ما تحاول تقرب منه وتلمسه تلاقي المسافة بعدت أضعاف، وده ما كانش وهم بصري ليها، لكنه كان بفعل سحر الملكة "شمس الأخاديد" اللي كانت رافضة إن إنسية تمس ابنها من الأساس.
سحر "شمس الأخاديد" استوعب مغزاه "خوان" سريعًا، فقرب منها وهمس جنبها بخفوت غير مفهوم :
- علاج جلالة الملك "فولاك" بين ايديك الإنسية "نور" يا مولاتي.
مجرد ما اسمها رن في ودانها، واستوعبت هوية الست اللي كان "فولاك" بيهذي باسمها، حررت "نور" من سحرها وتركت لها المساحة الكافية للتقرب من "فولاك"، وبعدت عنهم وهي بتهمس باستغراب لـ "خوان":
- علاج جلالة الملك بين ايدين الإنسية دي إزاي؟!
حجب "خوان" صوتهم عن "نور" اللي كانت واقفة قدام "فولاك" تتأمله بصدمة وحزن ودموعها متحجرة في عينيها بوجع صرخ له قلبها، وهمس لجلالة الملكة :
- الإنسية "نور" هي الوحيد اللي هتقدر تساعدنا في الحصول على "عين الشيطان".
ضيقت "شمس الأخاديد" عينيها بتعجب شديد وهي بتقوله :
- إزاي؟!
أجابها خوان بثبات وعينيه متعلقة بـ "نور":
- دمها الوحيد المهجن بدم ملكي من مملكتنا.
صدمة قوية سيطرت على "شمس الأخاديد" بعد ما إتمكن الشيطان من عقلها ودور فيه حلقة خيانة مفرغة، فربما كانت "نور" ابنة زوجها الملك" برقان" من واحدة من نساء الإنس، وده التفكير الوحيد المنطقي اللي نهش عقلها وقلبها عشان تهز رأسها باستفهام وهي بتقوله:
- مش فاهمة.
أجابها "خوان" بنبرة جافة باردة المشاعر:
- دم الأميرة "مويرا" اختلط بدم الإنسية "نور"، وده اللي محتاجينه لخريطة عين الشيطان يا مولاتي.
