رواية زهرة الفصل الثانى بقلم رانيا عثمان البستاني
الفصل الثاني/
أحيانا تشعرنا الحياه أن لا أمل من العيش ، نشعر وكأننا مختنقين داخل عنق زجاجة كلما حاولنا التنفس يضيق أكثر مطلبا إيانا بالإستسلام ، والتوقف عن المقاومة ، وبينما نحن في خضم القرار تنبعث أشعة الشمس مشرقة تعطينا الأمل من جديد .
...
لم تجف دمعاتها بل زادت حتي شعرت أنها تحولت لدماء وليس ماء فقط ، ساعدتها آيات التي كانت تبكي بحرقة من أجل صديقتها للذهاب لمنزلها ، فبعد إتخاذ القرار القاطع لم يعد بيدها شيء لتفعله سوا البكاء على كرامتها المهدورة ، كانت تشعر بأن الأرض تميد بها ، وبأن علقم شعور اليتم يسرى بجسدها .
وهاهما الآن بمنزلها بعدما أوصلتها فحالتها لم تسمح لها بأن تتركها وحدها ولم تعرف أيا منهما ما ينتظرهم .
أما نبيل فكان يشعر بالتخبط فالفتاه التي أمامه لا تفعل شيء كهذا ، نعم هو ظن في البداية أنها فتاه مستهترة ، ولكن بعما تجددت لقاءاتهم أزعن أن تلك فكرة خاطئة تماما ، ليست مستهترة ومتفوقة ولديها ذكاء نابغ ، ومتحفظة في التعامل مع الآخرين فكيف تكون ذات أخلاق سيئة ؟
شعور بداخله يؤكد له أن تلك التهمة تم إلصاقها بها متعمدة وأنها بريئة نقية كما عرفها وأكد ذلك بكاء ابنة عمته السيدة سهر فقد تملكها الحزن المفجع وأخذت تبكي وتدعوا لها ، كانت حالتها منهارة تماما وكأنها تبكي إبنتها لذا لم يجد بد سوى أن يحاول تهدئتها قليلا قائلا بنبرة شابها الضيق :
_ إهدي بقي يا سهر ، كل ده مالوش لزوم .
نظرت له بحزن وصوتها خرج مختنقا :
_أهدي إزاي !! زهرة دي أغلب من الغلب،الدنيا كلها عليها مفرحتش يوم واحد في حياتها ،حرام إل بيحصل فيها .
شعر بالحيرة فهو يريد إخماد تلك النيران بداخله ، فالغضب والرفض لما حدث أودج النيران به ، شعور قاتم يلهبه يريد أن يطفئه وهي لا تساعده إطلاقا ، لذا وجد نفسه ينطق بما خطر بعقله دون إقتناع :
_ إنتي شكلك متعاطفة معاها جدا ،مش يمكن ....
نهرته بحدة صائحة :
_ لأ ،مستحيل لو هي بنت مش كويسة كانت استسلمت ، جتلها الفرص كتير تبقى زي الصورة إل بيحاولوا يظهروها بيها ، لو هي بنت مش عفيفة كانت وافقت وخضعت للعندها في البيت .
دقت نواقس التفكير والظن برأسه ليسألها بحدة بعض الشيء لم يستطع السيطرة عليها :
_ياعني ايه الكلام ده ؟
زاد إرتباكها من نبرته ، ولكنها قررت أن تعلمه عله يستطيع تقديم المساعدة وإنقاذ تلك البريئة ، لذا بادرت بالتحدث مسترسلة :
_هقولك ،هقولك علشان تعرف إنها بنت مظلومة في حياتها ومتستاهلش إننا نظلمها أكتر من كده ، يمكن تقدر تمنع الظلم ده ،
زهرة والدها اتوفى وهي عندها سنة ،عاشت هي ووالدتها أربع سنين بتحاول أمها إنها تربيها وتكافح علشانها بس بقي ظروف الحياه ونظرة المجتمع لواحدة أرملة معاها بنت وعايشة لوحدها في بلد مش بلدها ، تعرف أمها زميلة لأختي أمينة وانا عارفاها كويس
قاطعها متسائلا بتعجب :
_يا عني زهرة من بلدنا ؟!
حركت رأسها برفض متحدثة :
_أمها بس ،وسابت البلد من زمان ،أنا فاكرة أختي أمينة إتكلمت قدامي مرة مع أمي وعرفت إنها بتتكلم عن زميلتها ال بعد طلاقها سافرت مصر واتجوزت هناك واحد تاني وأفتكر إنها قالت إن هو السبب إل خلاها تطلب الطلاق من زوجها الأولاني
المهم أم زهرة إتجوزت تالت مرة واحد كان صديق لأبو زهرة كانت فاكرة إنها كدة بتتصرف لمصلحة بنتها إنها تعيشها بين أم وأب ،وكبرت زهرة لغاية ما بقت في أولي ثانوي وماتت أمها ،انقطعت عن الدراسة سنتين ورجعت. بعد مارفعت قضية علي زوج أمها .
كان يستمع بدقة دون المحاولة منه أن يقاطعها ليعلم تفاصيل أكثر ولكن زاد تعجبه حينما نطقت جملتها الأخيرة لذا بادر في السؤال :
_إنتي ال رفعتي القضية !!؟
خرجت تنهيدة عميقة أوصلت له من خلالها مدى ما عايشته تلك الزهرة ، فأخذ يستمع مرة أخرى لما تقول :
_لما كانت والدتها بتقدم ورقها في المدرسة شافتني وعرفت إني بشتغل هنا ولقيتها بتعرفني بنفسها وانها كانت زميلة أمينة واتجوزت في مصر ودي بنتها ،افتكرت كلام أختي زمان وقد ايه كانت بتحب زميلتها دي ولقيت نفسي بوعدها إني هخلي بالي منها وأعتني بيها مهما حصل ،لأني حسيت إنها بتودعني وبِتِودٓعِها في رقبتي وده إلى حصل بعد المقابلة دي بأسبوع ماتت وامتنعت زهرة الأيام الأولي عن الدراسة ،ولما روحت أزورها كلمتها أن لازم ترجع لمدرستها وتحقق حلم والدتها وتنجح وهي بدأت تجهز فعلا بس إتفاجئنا بمحروس زوج أمها سحب ورقها ورافض تكمل تعليمها ،وشغلها في البيوت طبعا لو كان يطول يخلص منها نهائي كان عملها بس هو محتاجها علشان الشقة ال عايشين فيها في الأصل ملك لوالد زهرة كتبها باسمها قبل ما يموت ،وإتجوز فيها بإعتبار إنه وصي على زهرة ،وتقدر تتخيل كل أنواع العذاب النفسي والجسدي إل عاشته زهرة مع الست وابنها .
تصنمت حركته وتساءل بترقب :
_ ابنها !!
نظرته لعينيه الغاضبة بنظرة مفداها أن هذا قليل بعد مازال هناك المزيد وهو تلقى رسالتها وشعر بخفقان شديد لما ينتظر سماعه :
_ أيوة عنده سبعة وعشرين سنة وطايش جدا وبيتعرضلها ، فاهم طبعا قصدي ؟
حاول جاهدا الهدوء ، فمغذى كلماتها أوصلت غضبه إلى ذروته ولكن دون سيطرة منه خرج صوته صائحا بحدة :
_ وإزاي القانون يسمح بكده ،شاب زي ده يعيش مع بنت متقربلوش أي حاجة تحت سقف واحد !
_علشان كده رفعت القضية وكان لازم نوصل لإتفاق علشان مصلحة زهرة وكان إنه بإعتباره واصي عليها لأنه قريبها الوحيد هيعيش معاها هو ومراته لكن ابنها لأ مسموح بزيارات بس ولازم تكمل تعليمها والحال ده بقاله سنتين ودي التالته بس ...
مسح على وجهه بعنف وتساءل :
_بس ايه ؟
إبتلعت ما في جوفها وحاولت تنظيم أنفاسها ثم أكملت :
_الحالة دي كانت مقبولة في الأول قبل ما يخططوا يربطوا مصيرها بمصيرهم طول العمر .
نظر لها بتوجس يريد أن تكذب ما جال بخاطره وتساءل بهدوء منافي للتخبط بداخله :
_ ازاي ده ؟
أجابته بتمهل :
_إن زهرة وسعد يرتبطوا رسمي .
جزع ... حقا شعر بأن هناك سطل من الماء البارد إنصب فوق بركان من النيران وهناك معركة دامية بينهم ولا يعرف في أي يصف يصتف ، لا يعلم أيشعر بالراحة بأنها بعد تلك المعاناه ستستقر حياتها ،أم يشعر بالغضب النابع الذي لا يعلم له مصدر ، ولكن وجد لسان حاله يتساءل بنبض منتظر :
_وحصل !!؟
نفت برأسها وأردفت :
_جت زهرة ليا بعد ما هربت قبل كتب الكتاب ورفعنا قضية لأنه مش من حقه يبقي وكيلها في الزواج لأن صلة القرابة مش من الدرجة الأولى ده طبعا بعد تهديده ليها بأنه يتم كتب الكتاب من غير موافقتها ، بالإضافة لرفضها هي وسمعة سعد السيئة .
شعر نبيل بالشفقة عليها والغضب علي كل من آذاها فيبدو أنها تعرضت للكثير فإن كانت كل تلك الأمور هي الظاهرة فكيف هي الأمور الباطنة ،كان يشعر بنفسه مذنبا أيضا هو تحامل عليها كثيرا، لطالما جذبته هالة الحزن بعينيها ،وشعر بها بداخله تجذبه كالمغناطيس ، حاول مرارا وتكرارا أن يبعدها عن تفكيره ولكن هيهات ولتأتي أيضا تلك القصة الحزينة التي عايشتها حتى تقضي على آخر ذرة مقاومة بداخله بأن لا ينساق في التفكير بها ، بعدما إستمع لحديث إبنة عمه وجد نفسه دون إرادة يتذكر أول لقاء بينهم ليساعدها في الإستذكار .
( منذ أسبوعين )
وقفت أمام المكتبة الخاصة بالمدرسة تفرك يدها بقوة ، فإلى الآن لم يجمعها موقف واحد مع هذا المدرس يشفعلها أو يظهرها بمظهر حسن ، فقد لازم وجوده بفترة سيئة جدا من حياتها ، كان التوتر آخذا مجراه منها فتارة تجذب حجابها بيدها في حركة مرتعشة وتارة تمسح على وجهها وأخرى تضرب وجهها بالكتب بيدها ، حتى أنها لم تشعر بالواقف ورائها يتابع حركتها إلى أن تحدث مارا بجانبها متخطيا إياها :
_ هتفضلي واقفة كتير ، إتفضلي جوة .
تفاجأت من وجوده فعلت شهقتها ومن ثم أعادت الهدوء لوجهها وتبعته إلى الداخل وجلست إلى الكرسي المجاور له متبعة إشارة يده .
بقيت لعدة دقائق على وضعها تنظر إلى الكتب بيدها ولا تعلم ما عليها فعله إلى أن تطوع هو رأفة بحالها محدثا إياها :
_ عرفت إنك الأولى على المدرسة .
أماءت له بهدوء ، ثم تحدثت بهدوء مجيبة على سؤاله الخفي :
_ أنا بعتذر من حضرتك ، الفترة إل فاتت كان تركيزي معدوم ، طبيعي تتعجب إن البنت إل تقريبا مشاركتش في أي مرة خلال الشرح تبقى الأولى .
نظر لها بتعجب ممتزج بإعجاب لفطنتها الواضحة ولباقتها في الحديث ثم تساءل مرة أخرى :
_ وأقدر أعرف السبب ؟
أغمضت عيناها للحظات ثم فتحتهمت مرة أخرة مجيبة :
_ ظروف في البيت شتت إنتباهي ، وقبل ما حضرتك تقول أنا عارفة إن ده مش مبرر لأي شخص عاوز ينجح ويتقدم في حياته ، علشان كده أوعد حضرتك إني أنتبه لمذاكرتي وأهتم بمستقبلي .
أنهت حديثها وظلت ساكنة تستنظر منه الحديث وعندما طال سكوته رفعت وجهها لترى ماذا يفعل لتجده محدقا بها فقط ، ثم تنحنح وطالبها بالكتب الخاصة بها ومن ثم بدأ الإسترسال في الشرح مباشرة .
مرت نصف ساعة وهي المدة الخاصة بالإستراحة اليومية كانت ملامحها المشتدة منذ وطأت قدمها المكتبة إسترخت بل زينت وجهها بإبتسامة بسيطة راضية ، وعيناها تبعث بريق منبهر ، فأمامها أستاذ متمرس في لغته قادرا على إيصال المعلومة لها ببساطة شديدة ، بينما هو أخذ يسترسل في الشرح بلباقة .
توالت الأيام وبدأ الجدار الصلب أمامها يتلاشى فهو بعد أن تأكد من تفوقها وأدبها أضاف نكهة من المرح خلال الشرح أضفت الراحة عليها .
مرت عشرة أيام كان يراها يوميا ، شعر بالتخبط فهو كلما إنتهى الوقت يشعر بالضيق ويتمنى أن يظل يستفيض بالشرح أكثر عله يصل لسبب إضطرابه بقربها وهي التي من المفترض طالبة لديه ويجب عليه الإلتزام بمعايير تلك العلاقة ، لذا كان كلما يتشتت إنتباه يحاول جاهدا ضبط نفسه ليعود مرة اخرى أستاذا مسؤلا .
( الوقت الحالي )
كان فكره مضطرب لا يعلم ما به ، أهي مراهقة متأخرة ؟ فأي عقل يعي إنجذابه لإحدى طالباته ؟ لا يوجد لديه أي تفسير لشعور الغضب الكامن داخله والذي يحثه على عقاب كل من آذوها ، وما يخيفه أن ذلك الشعور بعيد عن المشاعر الإنسانية المشفقة على حياتها وما تتعرض له .
أفاق من حديث النفس مع إسترسال سهر بالدعوات :
_ يارب إنت قادر تنصر المظلوم وترجع الحق لأصحابه .
أغمض عينيه لبرهة وهو يدعو الله داخليا أن يلهمه الصواب .
كاد أن يرحل بعدما استأذن من سهر وودعها حتى تفاجأ الاثنين بالباكية أمامهم
_ أبلة سهر إلحقي زهرة هيجوزوها.
.........
الضعف شعور قاتم مرير ، أن تشعر وكأن جميع خلايا جسدك وعقلك غير قادرة على الصمود أو المواجهة ، أن تكن مسيرا لا مخيرا في كافة شؤن حياتك لهو أمر شبيه بالقتل البطيء .
كانت جالسة بحجرتها لم تكف عن البكاء تنظرلما ترتديه بإشمئزاز وكره ،فقد أجبرتها نرجس علي إرتداء فستان زفاف إحدي بنات الجارات بعد أن استعارته منها وإلا كانت ستؤذي صديقتها آيات ،فعندما أتوا إلي المنزل وجدوا نرجس ومحروس وسعد أمامهم ينظرون نظرات منها الشماتة ومنها الغضب وبالطبع المكر ،وتفاجأن بنرجس تقول لها :
_. ادخلي أوضتك وإجهزي يا عروسة الليلة دخلتك .
وكأن كلماتها أعدتها لأرض الواقع لتحاول الصراخ بها فوجدت من يطبق علي فمها ويمسكها من ذراعها بقوه ،ونرجس تشير إلي آيات الذاهلة برعب فهي تعلم أن زهرة تعاني ولكن لم تتخيل بشاعة ما تعايشه
_ هتلبسي الفستان ال جوه من سكات ولا أسيب سعد يشوف شغله مع صاحبتك ؟
........
أمام منزل سهر /
_إهدي يا آيات وفهميني .
كانت شهقاتها تتعالى فالخوف الذي عايشته لم يكن بالهين أبداً.. ولكنها حاولت أن تستجمع قواها وتتحدث سريعا علهم ينقذوها :
_لما روحتها بعد إل حصل النهاردة إتفاجئنا بيهم عارفين إل حصل وكانوا زي إل مستنيينها توصل وفجأة مسكوني وهددوها إنها لو ملبستش الفستان الفرح ه......ه
ضيق عيناه بتركيز يحاول فهم ما تقوله ليتفاجأ بسهر تصرخ ملتاعة :
_هيخلوه يعمل فيكي إلا كان ناوي يعمله في زهرة؟؟!
نظر إليها بحدة يريد أن تنفي ما جاء بخاطرة ولكنها نكثت رأسها بخجل وارتباك وحزن فاض بعينيها ليشعر بوخزة بصدره وجد قلبه ينبض بقوة ،جسده يهتز ،عيناه تحولت للون القاتم وبرز الغضب جليا عليهم لا يعلم لما أنفاسه ثائرة إلي هذا الحد ولكن كل ما يعلمه أنه لا يستطيع الوقوف بأيدي مكتوفة
ولم يشعر بنفسه ولا بيده التي تجر آيات وهو يقول لها غاضبا :
_وديني بيتها بسرعة .
.......
بعد القليل من الوقت /
دلفت نرجس بشماته وسعادة لقرب تحقيق مبتغاها في الحصول علي ملكية الشقة لتراها جالسة مازالت تبكي لتتحدث بسخرية :
_في برده عروسة يبقي منظرها كده ليلة دخلتها ، ده حتى العريس يطفش أنهت حديثها بضحكة عالية كانت كالنشاز أصابت زهرة بالإشمئزاز وزاد كرهها أضعاف ، وظهر جليا في نبرتها الغاضبة وهي تقول مستسلمة :
_حسبي الله ونعم الوكيل فيكم .
نظرت نرجس لها بلا مبالاه وتحدثت بسخرية :
_حسبني ياختي براحتك وخدي إمضي .
أمسكت القلم بيد مرتجفة تضع ختم إصبعها بجانب نقشة إسمها بقهر وشعور بالعجز يجعلها تتمني الموت ،ولكن أن تتزوجه خيرا من أن ينفذ تهديده ويحصل عليها دون زواج ويساعده علي ذلك والدته وزوجها هكذا أرشدها عقلها فإن كانت ستخضع ليكن بإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
.......
صباح اليوم التالي /
استيقظت من نومها بعدما داعبت أشعة الشمس عيناها ،لتفتحهم ببطيء فتسللت الأشعة الذهبية لداخلهم تذوب شوائبهم ،تبثها دفئ جعلها تستكين وتشعر أن ما عاشته ليس سوي سراب ولكن هل هذه أحلام اليقظة أم بداية كابوس الظلمة أم إنه نداء قلب آخر ؟
نظرت لما ترتدي بعدما شعرت بالراحة فوجدت أنها ترتدي إحدي الملابس المريحة التي ترتديها أثناء نومها في العادة ولكن كان هذا قبل وفاة والدتها فمنذ ذلك الحين لم ترتدي مثل هذه ،فخوفها منعها ،فملابسها عبارة عن بنطال يصل لرُكبتيها ومن فوقه بلوزة بدون حمالات ،نظرت بتعجب لنفسها فهي لا تذكر ارتدائها مثل هذا كل ما تذكره فستان الزفاف ......
وعلي ذكر ذلك بدأ عقلها يسترجع ما حدث لتنتفض فزعة خوفا مما بدأت في استنتاجه ، أخذت تدور ف الغرفة مرتعشة الجسد مما قد يظنه عقلها ولكن إن كانت ستفقد نفسها عليها أن تتمسك بحلمها في النجاح.
أبدلت ملابسها لملابس المدرسة فالمدير قد نبه عليها كثيرا عدم تغيبها عن الدراسة اليوم وإلا ستُفصل نهائيا ، حالتها لا تسمح لها بالذهاب ولكن عل وجودها في الموعد المحدد يشفع لها لديهم وجعلهم يتراجعون عما يريدون ،خرجت خارج المنزل دون أن يراها أحد فالوقت مازال مُبكراً وأرادت أن تهرب منهم كما أنها تخشي أن يكون ذلك المدعو سعد من أبدل لها ملابسها ...
ياالله لماذا لا تتذكر ؟كل ماتتذكره أنها وٓقعت علي تلك الأوراق ثم فقدت وعيها .
وصلت إلي المدرسة وصعدت إلي. حجرة الدراسة في انتظار اليوم الدراسي أن يبدأ.
بدأ اليوم الدراسي ولكنه ليس كأي يوم ،فهو يوم حافل بالسخرية والشماتة والكثير من الهمس والنبذ والشفقة ممن حولها ،
اجتمعت الفتيات حول بعضهن يتحدثن عما دار بالأمس بين موافق ومعارض ،ولكنهم تحلوا جميعا بالصمت عندما دلف المدير بصحبة مُدرستين واصطحبوا زهرة لغرفة المعالجة الطبية بالمدرسة
كانت تمشي معهم كمن يزف للإعدام ، صامتة وواجمة لا تعرف مصيرها بعد هذه اللحظة ،لا تعلم ما الذي حدث معها بالأمس ؛
يا للسخرية هي نفسها لا تعلم إن كانت مازالت تحتفظ ببراءتها أم دُنست.
دلفت بها المدرسات فكن أربعة بالإضافة إلي الطبيبة ،شعرت بالخوف والرهبة وابتدأ جسدها ينتفض فزعا ,قاومتهن كثيرا ولكن دون جدوى ،كانت تستمع لصراخ زميلاتها المحبين لها بالخارج كأنه وداعها إلي مثواها الأخير
بدأ جسدها بالتشنجات الدالة علي تعرضها لصدمة،فبدأت تصرخ بهستيرية أرعبت الواقفات يحاولن السيطرة عليها ولم يفلحن إلا بعد أن فقدت وعيها
لحظات وانفتح الباب علي مصرعيه بقوة جعلتهم ينتفضون فزعا ،إبتلعن ما في جوفهن برعب عندما رؤا أمامهم وحشا بهيئة إنسان ،كانت عيناه شديد الإحمرار وعروق يديه وعنقه بارزة تكاد تنفجر بأي وقت إزداد غضبه عندما لمحها نائمة علي ذلك الفراش مقيدة بعدة أحبال ،حجابها منفلت ليسمح لخصلات شعرها بالتحرر قليلا ،جزء من قدمها ظاهرا لأعينهم ،إقترب منهم ببطيء وعيناه تحذران أي منهن أن تتجرأ علي الحديث
ذهبت إحدي المدرسات سريعا لغرفة المدير المنتظر هناك أن تتم الطبيبة عملها لتخبره بقطع المهمة من قبل أستاذ نبيل
وصل المدير وأمر من تبقي من الطالبات بالذهاب إلي حجرهم الدراسية ودلف إلي الداخل ليري ما يحدث
فوجد الأمر كالتالي .الطبيبة ومعها الثلاث مدرسات يقفن بعيد بالقرب من الباب ،أما نبيل فقام برمي تلك الحبال أرضا بعدما قام بفك وثاقها،ثم أعدل لها ملابسها ومن ثم حجابها ،أشار المدير للواقفات ذاهلات بالخروج ثم أغلق الباب وتقدم خطوتين بإتجاه نبيل الذي أشار له بعدم الإقتراب ثم نظر لتلك الفائدة للوعي وقام بوضع تلك الملاءة البيضاء فوقها ثم ابتعد عن الفراش ونظر للمدير نظرات غاضبة غامضة ، لكنها لم تثنيه عما يريد أن يقوله ، لذا خرج صوته متسائلا بهدوء نسبي :
_ايه ال بتعمله هنا يا نبيل ؟؟إنت مش عارف إن ده قرار الإدارة بعد الفضيحة إلى حصلت في المسابقة ،سمعة المدرسة والطالبات هنا متوقفة علي الكشف ده ومقدرناش نعمله في المستشفى علشان نحافظ علي كرامة المدرسة وسط الوزارة كلها فأخدنا قرار الكشف هنا ولازم ...
قاطع حديثه بصوت منخفض لكنه غاضب حاسم :
_ده قبل ما تكون مراتي .....جملة واحدة ألقاها بثقل ناري مغلف بتهديد جعلت من أمامه يقف بلا حِراك.
...........
تململت في إنزعاج واضح وبدأت في فتح عيناها ببطيء لتجد صديقاتها آيات وبعض من رفيقاتها،بدت شاردة بعض الشيء كأنها تتذكر ما حدث ،وبالفعل ما هي إلا ثوان حتي تذكرت سبب بقائها بهذا الشكل حتي نهضت فزعة مع انهمار دمعاتها،تنظر لمن حولها بكسرة وهن يحاولن مواساتها وتهدئتها ولكن نحيبها كان يزداد مع محاولاتهن ، إلى أن قالت آيات سريعا :
_ إهدي يا زهرة ،خلاص محصلش حاجة والله إنتي كويسة .
نظرت لها بغير تصديق فهى لا تعرف معنى لحديثها ، أيعني هذا أن سعد لم يقربها ، أنها ما زالت بريئة أم ماذا ؟ وجدت لسان حالها ينطق بما يجوش داخلها من تساؤلات بتردد وصوت يمزق القلوب :
_كو.....كويس....انا ........هما عملوا إيه ؟
وبالفعل إستجابت لها إحدى زميلاتها وأجابت :
_معملوش حاجة ،أستاذ نبيل منعهم وكمان أثبت براءتك قدامنا كلنا وعرفنا إن ال افترى عليكي ده متفق مع واحد كان عاوز يتجوزك وإنتي رفضتيه علشان كده كان بينتقم منك .
زادت دموعها وعلا نحيبها وهي تردف بنشيج :
_حسبي الله ونعم الوكيل قالتها بإنهيار ووجع روح .
.......
في مكتب المدير/
يجلسان وحدهما بعدما أغلق الباب ، ثم إلتفت له محدثا إياه بعتاب :
_كان لازم تقولي يا نبيل .
زفر نفسا بإرتياح جزيء فهو لا يصدق إلى الآن أنه إستطاع أن ينجدها من هذا الأمر المشين لها ، والذي كان سيبقى له الآثر الدائم في حياتها ، أخذ يهديء من روع أنفاسه المتضاربة وتحدث بهدوء :
_ملحقتش أنا طول اليوم كنت بحاول أوصل للحقيقة ، وبليل كان لازم أجيب الدليل على كلامي وأوصله للإدارة وفعلا أول ما النهار طلع كنت هناك بشرح لهم الحقيقة ، ولما جيت الصبح كان كل شيء جاهز وكان لازم ألحقها الأول .
كانت علامات الحيرة تعلو وجهه وظهرت في سؤاله المباشر :
_يا عني دلوقتي هتعمل ايه ؟
أرجع رأسه للخلف واضعا يده فوق عنقه يحركها بهدوء عل الآلم الملم بها يخف تدريجيا وهو يجيبه : _الحقيقة الناس كانت مقدرة الموقف وطلبوا مني أخد البنت إل شهدت زور ويواجهوها بالولد إل إتبلى عليها وهما طبعا متحفظين بسعد ده لوقتها وبعد كده هيسيبوه ، بس طبعا البنت هتتعاقب هي والولد التاني ده ، بس إن شاء الله مش رفض علشان مستقبلهم ميضعش ده كان طلب مني وهما تفهموا ووافقوا .
زفر بحنق وتساءل ببعض الشدة :
_ مقصدش الكلام ده ، أنا بتكلم عن زهرة ، ناوي تعمل إيه في موضوعها ؟
ظهرت الحيرة على وجهه وأردف متسائلا بتعجب :
_هعمل ايه في موضوعها إزاي مش فاهم ؟!
تنهد بعمق وجلس بالكرسي المقابل له بعدما كان يستمع له واقفا وأردف بهدوء :
_إنت عارف إن القوانين هنا تمنع إن يكون في علاقة من أي نوع بين هيئة التدريس والطالبات وإن دلوقتي لازم إنت أو هي شخص منكم ينتقل من المدرسة .
زفر بعنف وأردف :
_ده في حالة لو حد عرف .
تساءل في حيرة من الوضع بأكمله :
_تقصد ايه ؟
لم يجد نبيل بد من إستماتته رغم أنه لا يفضل تلك الطرق ، ولكن الآن الوضع صعب ويجب إيجاد حل مناسب ، لذا لم يتردد وأردف :
_ إحنا أصحاب قبل ما نبقي شغالين مع بعض في مكان واحد وانا بطلب منك كصديق محدش يعرف موضوع جوازنا ،هي لازم تركز في دراستها ونقلها ممكن يشتتها وانا لو سبت المدرسة هروح مدرسة أبعد وده مش هينفع في الوضع ده .
بالفعل هو يعلم ذلك ولكنه محتار ماذا يفعل أيغفل عن تلك القوانين إذا ما الحل عندما يتم إكتشاف الأمر؟ لذا تساءل :
_طب لو انا مقولتش هي مش هتقول؟!!
نظر إليه قليلا قبل أن يجيبه بما صدمه :
_مش لما تعرف هي الأول.
............
انتهي اليوم الدراسي وهي تبحث عنه في كل ركن من أركان المدرسة ولم تجده ،فيبدوا أنه رحل مبكرا .\كانت تريد أن تشكره عما فعله من أجلها ، فقد علمت أنه قا بتجميع كل طالبات المدرسة والعاملين بها وألقى على مسامعهم ما يرد لها كرامتها من جديد ، بل قام بسؤال تلك الفتاه وتهديدها بالفصل النهائي إن لم تقل الحقيقة وكان الأمر أمام والدها الذي أخذ يصفعها بعد أن أفاضت بكل تلك المكيدة وإتضح أن هناك صلة قرابة بينها وبين الطالب من المدرسة الأخرى والذي إتفق مع سعد على تلك المكيدة مقابل مبلغ من المال .
أرادت أن تعبر له عن إمتنانها ، أن تشكره ، فبداخل تلك الحياه التي تتعثر بها لم يقف معها أحد كما فعل هو والأستاذة سهر التي تغيبت اليوم وعلمت أنها ستغيب عدة أيام أخرى لمرض زوجها المفاجيء .
شعرت بالحزن لعدم رؤيته لكي تشكره ،
لا تعرف أنه ذهب متعمدا فهو تجنب رؤياها لا يعلم لما ولكن ما شعر به أنه يجب الفرار ،نعم الفرار......
ولكن إن إستطاع أن يفر منها وإذا كان مؤقتا ،فكيف سيفر من نفسه ؟!!!
كان جالسا بمنزله البسيط فبرغم من تيسر أحوال عائلته إلا أنه أصر أن يعمل بشهادته وليس في أعمال أبيه ،كما إبتاع إحدي المنازل البسيطة ليسكن بها ظل يفكر بما فعل وشرد فيما حدث .
الليلة السابقة/
وصل للمنزل برفقة سهر وآيات فطلب من الأخيرة الرجوع إلي منزلها و صعدا ،وطرق الباب ليفتح محروس :
_أيوة خير مين سيادتك ؟
ثم نظر لسهر بنزق وأردف بغلظة :
_ هو إنتي يا ست ملكيش بيت ورجل يحكمك كل شوية تيجي تعمليلنا مشاكل ؟
إغتاظ نبيل من نبرته وحديثه ولكنه حاول الحفاظ على هدوئه قدر المستطاع وأردف :
_ خليك معايا أنا .
نظر له محروس بسخرية وأردف بزهق :
_ ما قولت مين سيادتك ؟
إبتسم نبيل إبتسامة لم تصل لعينيه وأجابه :
_أنا واحد لو سمعت كلامه هتلعب بالفلوس لعب .
نظر له بشك ،ليتقدم نبيل ويقوم بإزاحته ويدلف إلي داخل الشقة فيجدها شقة متوسطة الحال ،كانت نرجس تعاتب سعد على أن آيات إستطاعت الهروب فلفت نظرها ذلك الواقف بشموخ وعيون حادة جذابة ثم رأت تلك المرأة التي تنظر لهم بكره واضح ولم تستطع إخفائه .
_مين ده يا محروس ؟!
_ أنا أعرفك بنفسي
قالها بثقة جذبت إنتبهاهم قبل أن يجلس فوق تلك الأريكة السوداء ووضع ساق فوق الآخري مما إستفز سعد ليصرخ به :
_ما تتكلم يا جدع إنت .
نظر نبيل له شرزا واستطاع بسهوله أن يعلم هويته فيبدوا من هيئته وسنه أنه المدعو سعد ، لذا إبتسم بهدوء وبعيون مترقبة قال :
_متستعجلش دورك جاي
لم تخف عنهم نبرة التهديد بصوته ليخرج صوت محروس مهزوز بعض الشيء :
_متفهمنا يا بيه إنت مين وعاوز مننا إيه ؟
حاول سعد أن يظهر في الصورة ويرسل له رسالة بأنه لم يخف من نبرته لذا قال ببرود :
_وياريت تخلص علشان أنا عريس ومش فاضي .
ضحك نبيل ضحكات خافتة أغضبتهم ولكن أحد لم يعقب إلى أن قال :
_لأ ما موضوع عريس ده تنساه .
إنتفض من مكانه غاضبا مدفا بحدة :
_بتقول إيه يا جدع إنت ؟
هنا لم تستطع سهر الإنتظار أكثر وتساءلت بحدة :
_ فين زهرة إنطقوا عملتوا فيها إيه ؟
وقفت نرجس وتخصرت مردفة بنبرة لعوب :
_ زهرة بتجهز أصل الليلة دخلتها ، معلهش ياختي أصلنا هنحتفل كده عالضيق .
كادت سهر التحدث ولكن نبيل منعها بإشارة من يده وهو يردف :
_ مش قولت تنسوا الكلام ده .
شعرت بالإضطراب من حديثه وعندما إنتوت أن تستفسر وجدت إبنها يتقدم منه ممسكا بملابسه يهز بعنف صارخا بوجهه
_ معناه إيه الكلام ده ؟
لم تتغير معالم وجهه ، بل زادت نظرات السخرية وأجاب بهدوء
_إل سمعته ،جواز من زهرة مش هيحصل .
اشتدت الأوضاع سوءا بينهم فكلا منهم يتربس بالآخر
ولكن هيهات من هم ليقفوا بوجهه.
