رواية فجوة زمنية الحزء الثانى الفصل الرابع بقلم فاطمة على محمد
بحار، وأنهار، وصحاري عبرها "خوان" من أجل الحصول على ترياق النجاة لـ "فولاك"، اللي محمي بتعويذة من سبع عقد، كل عقدة لازم تتحل بخط من خطوط الخريطة السبعة، ومجرد ما تتحل الخط ده يتلاشى ويختفي عشان يفضل الخط المؤدي للكهف موجود لوحده.
الطرق اللي عبرها "خوان" كانت سلسلة بشكل مُريب، لكنه تغاضى عن ده، وكمل طريقه اللي متأكد إن نهايته هتكون يا نجاة يا موت، يا موته هو وجلالة الملك، يا حياتهم الاتنين.
عينيه كانت زي الصقر بتراقب كل تفصيلة تحته وهو طاير، كان الأمر هادي وطبيعي، لحد ما اقتحم صحراء الشيطان، المرسومة على الخريطة، واللي كانت موجودة وادي خفي، محدش يعرف عن وجوده ، واللي كانت طُرقها كلها موت، والبداية كانت مع جيش من الجان حُماة الصحرا دي، واللي ابتدوا يهاجموه في السما بشكل مفاجيء مجرد ما خطى خطوة واحدة جواها.
صدمة قوية لـ "خوان" ما كانش عامل حسابها إن الهجوم يكون جوي وفي أول لحظة، لكنه استجمع كل قوته وشجاعته وهو بيقول لنفسه:
- إنت هنا عشان تنقذ الملك والمملكة، ولازم تخرج منتصر من الحرب دي أيًا كان التمن.
وانطلق ناحيتهم بكل قوته يحاربهم بأسلحته الخاصة، لكن عددهم الكبير كان بيرجح كفة الفوز و الانتصار ناحيتهم ، إنما "خوان" ما استسلمش وابتدى يقاوم ويدافع بكل قوته في حرب غير متكافئة عدديًا، لكن الأكيد إنها خسرانة تكتيكيًا، فذكاء ودهاء "خوان" قائد جيش المملكة كان يفوقهم بكتير، وده اللي جعل من مراوغته سلاح قوي مكنه من التغلب عليهم وهزيمتهم بكل أريحية، فجميع الضربات تفاداها، وكان تخطيه ليهم ومروره من خلالهم شعلة احتراقهم جميعًا واختفائهم من المكان، عشان يختفي معاهم أول خط من الخطوط السبعة.
مجرد ما عبرهم "خوان" واقتحم الصحرا، اتنهد بكل راحة وهو بيهز راسه باستنتاج وبيهمس:
- يعني كده كل مرحلة بعديها بتتحرق حراسها.
وابتدى يهبط تدريجي لحد ما استقام بوقفته في الصحراء ، وبدأ يدور بعينيه في كل أرجاءها بترقب وحذر شديد وهو بيتقدم جواها بخطوات محسوبة، عشان فجأة يلاقي الصحرا قدامه اتشقت نصين كاشفة عن الجحيم بباطنها.
اختل توازن "خوان" اللي جاهد لحفظه على حافة الجحيم بكل قوته، ومال جسمه ناحية الحفرة، لكنه وقع جواها بكل تقله لمسافة مترين، عشان فجأة يتوقف سقوطه ده بفعل إيد قوية اتمسكت بيه وسحبته للخارج في نفس لحظة إغلاق الحفرة لسطحها.
غمض "خوان" عينيه بقوة وهو بيتنهد براحة قبل ما يفتحها مرة تانية، ويرفعها ناحية مُنقذه، اللي اتصدم من رؤيته ليه، لأنه ماكانش غير "هيرينا"!
صدمة "خوان" تلاشت تدريجيًا وهو بيستوعب وجودها، لكن دهشته كانت لسه موجودة وهو بيقف قصادها بكل جسم مشدود وبيسألها :
- إنتي إزاي جيتي هنا؟، وعرفتي المكان ده منين؟
زفرت "هيرينا" زفرة قوية براحة وهي بتبص للأرض اللي رجعت لطبيعتها وبتقوله بهلع :
- إنت كنت هتتدفن في الجحيم، أنا كنت هخسرك، فاهم يعني أخسرك؟.. إنت كنت هتموت يا "خوان".
اتفهم "خوان" قلقها وتوترها، وسحب كفها بين كفوفه يطبطب عليه برفق وهو بيقولها بنبرة مُطمئنة:
- اهدي.. أنا كويس ومفيش أي حاجة حصلت.
رفعت عينيها المليانة بالدموع تطوف كل ملامحه بشوق قبل ما تترمي في حضنه، وتدفن راسها بين دراعاته القوية وهي بتقوله ببكاء :
- أنا ماقدرش أعيش في عالم إنت مش فيه يا "خوان"، أنا متحملة بعدك عني بس على أمل إننا نرجع لبعض في يوم من الأيام.. أنا بحبك ومقدرش أشوف حياتي من غيرك.
طبطب "خوان" على كتفها برفق وهو بيقولها :
- أنا هنا يا سمو الأميرة.. اهدي.
وبعدها عنه شوية وهو بيبصلها بنظرة عشق مفقودة من سنين وبيقولها :
- لازم ترجعي المملكة، وجودك هنا خطر عليكي.
هزت راسها بنفي وهي بتقوله بنبرة حازمة ما تقبلش أي نقاش:
- لو كنت عايزة أرجع المملكة ما كنتش قطعت كل المسافة دي عشان آجي لحد هنا ، وبعدين خطر إيه؟!.. إنت ناسي إني أميرة محاربة في الأساس، ومعايا كل تعاويذ وطلاسم الحروب، يعني مفيش أي عقدة تقف قصادي.. يلا نكمل طريقنا عشان ننقذ جلالة الملك.
وتقدمته متوغلة داخل الصحراء بعد ما سقطت العقدة التانية، ومعاها تلاشى الخط التاني في الخريطة.
وقف "خوان" للحظات يراقبها بتأمل شديد، قبل ما يزفر نفس قوي باستسلام ويتبعها مرددًا بسخرية :
- خليتيني أصدق إن حياة جلالة الملك تهمك.
وقفت "هيرينا" في مكانها بشكل مفاجيء ولفت بكل جسمها ناحيته وعلامات الغضب ظاهرة على ملامحها وهي بتقوله:
- إنك تصدق أو لأ! ده ما يفرقش معايا، وأي سخافة تاني منك هكمل طريقي لوحدي بعد ما أقرأ عليك تعويذة الحجارة، وأحولك لتمثال حجري لحد ما ألاقي "عين الشيطان" وأوصلها لجلالة الملك بسلام.. فاهم؟
رفع "خوان" حاجبه بتهكم وهو بيقولها بسخرية :
- وكنتي فين من أول ما جلالته تعب؟!
قربت منه بتحدي قوي وهي بتقوله :
- لو كنت أعرف من البداية كان زمانه وسط شعبه وعشيرته دلوقتي، مش نايم في سريره بين الحياة والموت، وبعدين يا صديقه الصدوق، وقائد جيوشه القوي ما إنت عارف من وقتها سيبته ليه على حالته دي لحد دلوقتي؟!
غضب "خوان" وصل لذروته وهي بتتهمه بالتخاذل والتقصير، عشان يقبض على دراعها بقبضة من حديد ويسحبها ناحيته بقوة لحد ما اصطدمت بصدره، ولفحت أنفاسه المشتعلة وجهها الناري وهو بيقولها :
- الخيانة والغدر والتخاذل دول في دمكم، أخوكي السبب في الحالة اللي جلالة الملك وصل لها، وإنتي كنتي من قبله، أما أنا فقلبت الأرض من شرقها لغربها عشان أوصل للترياق، واللي أعتقد وجودك هنا عشانه، بس أشك إنك عايزاه لجلالة الملك.
ونفض دراعها بعيد عنه وهو بيبصلها باشمئزاز قبل ما يتحرك ويتوغل جوا الصحرا مع اتجاه الخط التالت.
*******
الرهبة والخوف اللي تملكوا من قلب "نور" خلوها تاخد من ركن بعيد في الزنزانة مخبأ ليها، وهي ضامة رجليها لصدرها وحاضناهم بإيدها بقوة ودموعها سيول، أما التحركات الغريبة واللي بتحس بيها جوه الزنزانة فكان بالنسبالها الرعب بذاته، حاجات بتتحرك حواليها بدون أي سبب، وجدران الزنزانة وسقفها بيضموا عليها لدرجة تكسر عضمها، ويرجعوا يبعدوا عنها تاني عشان تاخد نفسها.
أصوات مرعبة بتصرخ بلغة ما تعرفهاش رغم فهمها للغتهم بشكل كبير، عشان فجأة الصمت يعم المكان، والزنزانة توسع مساحتها بشكل غريب، وبابها يتفتح وتدخل منه الملكة "شمس الأخاديد" اللي أول ما وقعت عينيها على "نور" بصت لها بغضب شديد وهو بتصرخ فيها بنبرة آمرة:
- اقفي.
حررت "نور" جسمها وقامت من مكانها، عشان تقف قصادها بصمت، وتسألها "شمس الأخاديد" بعصبية :
- إنتي مين؟.. ودخلتي المملكة إزاي؟
بلعت "نور" ريقها بخوف وهي بتجاوبها بتوتر وبتفرك ايديها ببعض :
- أنا "نور عبد العزيز"، و "خوان" هو اللي طلب مني آجي هنا عشان أساعد "فولاك".
صرخة قوية غاضبة حررتها "شمس الأخاديد " وهي بتقولها بلهجة حازمة:
- اسمه جلالة الملك "فولاك" ابن جلالة الملك "برقان" ملك ملوك الجان.. إنتي مين يا إنسية عشان ترفعي التكليف بينكم؟!
اتنفض جسم "نور" بقوة، وابتدى يترعش لدرجة إن سنانها كانت بتخبط في بعضها بوجع شديد، وهي بترجع لورا بخوف وبتهز رأسها بموافقة وبتقولها :
- جلالة الملك "فولاك" ابن جلالة الملك "برقان" ملك ملوك الجان.. أنا أسفة.. انا عايزة أرجع بيتي.
قربت "شمس الأخاديد" منها بقوة وهي بتقولها بوعيد:
- مش قبل ما جلالة الملك "فولاك" يفوق وأعرف منه إنتي عملتي فيه إيه.
هزت "نور" راسها بنفي وهي بتقولها:
- والله ما عملت فيه حاجة، "خوان" جابني من البيت لحد هنا ولقيته بالشكل ده.
تضاعف غضب "شمس الأخاديد" وبرق لهب عينيها اللي تراقصت ظلاله على جدران الزنزانة وهي بتقولها :
- أومال حالة الصرع اللي وصلها مجرد ما لمستيه تتسمى إيه؟.. مين إداكي الحق إنك تلمسينه أصلًا؟
انحنت "نور" قدامها ببكاء وندم وهي بتقولها :
- أنا أسفة.. والله أسفة، مش هلمسه تاني، بس سيبيني أرجع للعالم بتاعي، وجلالة الملك هيخف بعد ما "خوان" يجي بعشبة "عين الشيطان".
ضيقت "شمس الأخاديد" عينيها باستغراب وهي بتسألها بدهشة :
- وإنتي تعرفي "عين الشيطان" منين؟!
رفعت "نور" عينيها المليانة بالدموع ناحية الملكة "شمس الأخاديد" وهي بتقولها بصوت خنقه البكاء :
- "خوان" اللي قالي، وقالي إن لازم الخريطة تشرب من دمي عشان خطوطها واحداثياتها تظهر، وفعلًا عملت كده عشان خاطر يجيب الترياق لجلالة الملك، وهو قالي دوري انتهى لحد هنا، فلو سمحتي سيبني أرجع بيتي بقا.
بصتلها "شمس الأخاديد" بتأمل شديد للحظات وهي بتفكر في كل الكلام اللي قالته "نور" قبل ما تاخد قرارها النهائي وتقولها :
- هتفضلي هنا لحد ما جلالة الملك يفوق، وبعدها هشوف هعمل معاكي إيه؟
بصتلها "نور" بنظرات متوسلة وهي بتقولها :
- طب أرجوكي خرجيني من هنا ووديني أي أوضة عادية.. أنا بخاف والله.
هزت "شمس الأخاديد" راسها بنفي وهي بتقولها :
- كلمتي فرمان ملكي غير قابل للنقاش، قولت هتفضلي هنا لحد ما جلالة الملك يفوق يعني هتفضلي هنا.
ودارت بكل جسمها تغادر الزنزانة ، وسايبة
وراها "نور" اللي خوفها اتحول لوحش شرس هيفتك بيها.
********
الوضع عند "فولاك" كان مستقر لحد كبير، وتحت مراقبة الطبيب الشاب اللي كلفه "خوان" بالاهتمام بيه، وفعلًا كان قد المهمة، وكان بيساعده على البقاء واعي بكل الطرق الممكنة.
كان الطبيب في الوقت ده بيذاكر في كتاب في الطب عن حالة الملك والأدوية المعالجة ليها، تحسبًا لفشل "خوان" في الحصول على "عين الشيطان".
أخيرًا قفل الطبيب الكتاب وهو بيميل ناحية "فولاك" يستكشف حالته الصحية، عشان يتنفس براحة وهو بيهمس :
- الحالة مستقرة على عكس كل توقعاتي، ياريت تفضل كده لحد ما القائد "خوان" يرجع بالعشبة.
ورجع يتظبط في قعدته تاني وهو بيراقب "فولاك" اللي كان في عالم تاني، عالم اتنقل له من وقت ما لمسته "نور"، لمستها اللي سحبته بكل قوة لعالم موازي لعالمهم، لكنه كان زي الفقاعة الهوائية الكبيرة المحاوطة ليه من كل ناحية، واللي بتصد عنه هجوم الشياطين، اللي كانت بتنخر في قوته كل الفترة اللي فاتت.
الفقاعة دي فترة صمودها في علم الغيب، لكنها كانت حصن أمين بالنسباله، وكانت فترة نقاهة بيعيشها مع "نور" اللي شايفها قدامه، واللي ابتسم مجرد ما لمح طيفها، لكن الابتسامة دي ما طولتش كتير لما عينيه قابلت عينيها المليانة بالخوف والدموع.
إيد باردة عصرت قلب "فولاك" بوحشية وهو شايفها بتبعد عنه، حاول بكل جهده يمد ايده ليها لكنها للأسف سابته وبعدت، صرخ باسمها كتير لكن صوته رفض يطاوعه وفضل محبوس جوه حلقه، لكن همساته الخفيفة باسمها هي الوحيدة اللي استجابت له لمرة واحدة بس، وحررت حروف اسمها بكل لهفة:
- "نور".
********
في قاعة الحكم الخاصة بـ "نيرون" كان قاعد في مجلس من ملاعين الجن، اللي استباحوا كل شيء، وفعلوا كل الفواحش.
كان مجلس لهو ولعب حتى اقتحمه خادمه الخاص، واللي مجرد ما شافه "نيرون" وقف في مكانه بلهفة وهو بيصيح في الجميع :
- انفض المجلس، انصرفوا.
وقف الجميع بتوتر من لهجة ملكهم اللي كلهم عارفين غضبه وتهوره، عشان كده كلهم استجابوا للأمر بأقصى سرعة وبدون أي تردد أو تفكير.
اتلفت الخادم يراقب خروج آخر جني من القاعة، ومجرد ما اتطمن من ابتعادهم تمامًا، اتلفت ناحية "نيرون" اللي كان بيبصله بكل اهتمام وترقب وهو بيقوله :
- إيه الأخبار؟
ابتسم الخادم ابتسامة شماتة وهو بيقوله :
- حالة الملك "فولاك" أسوأ ما يكون، كل القوة والمهارات اللي كانت عنده قربت تختفي تمامًا، وبعدها هيعيش زي طفل صغير مش قادر يقضى أبسط حاجاته.
برقت نظرات التشفي في عيون "نيرون" وهو بيهمس بسعادة :
- وبكده الحقوق ترجع لأصحابها، وأرجع أسيطر على كل المملكة، وتكون الملكة "إيزابيل" هي الملكة الأم، وأخد تارها من "شمس الأخاديد" اللي كانت دايمًا بتتكبر عليها وبتعاملها زي الخدامة.
الخادم كان بيسمعه بتوتر وارتباك من بقية الأخبار اللي جاي ينقلها له، واللي خايف من عواقب سماعه لها، لكن لازم يأدي مهمته على أكمل وجه ويبوح له بكل الحقيقة، فاتنحنح بحشرجة وهو بيقوله:
- لكن يا مولاي.
اتلفت "نيرون" ناحيته بأنظاره المشتعلة وهو بيقوله بتساؤل :
- لكن؟!
توتر الخادم تضاعف وده ظهر على ريقه اللي كان بيبلعه بصعوبة وهو بيقوله :
- "عين الشيطان".
مجرد ما رنت الكلمة في ودن "نيرون" برقت عينيه بترقب، وهو بيمسك دراع الخادم بلهفة وبيقوله:
- عرفت تلاقي الخريطة اللي توصلنا ليها؟
انحنى الخادم براسه بأسف وهو بيقوله :
- القائد "خوان" حصل على الخريطة وفي طريقة للحصول على "عين الشيطان" يا مولاي.
اتسعت عين "نيرون" صدمة وهو بيسأله:
- وعرفت الطريق؟
هز الخادم راسه بإيجاب وهو بيقوله :
- حصل يا مولاي.
استقام "نيرون" بصدره المنتفخ بغيظ شديد وهو بيقوله بأمر :
- جهز كل الجنود، لازم نوصل لـ "عين الشيطان" قبله، وحتى لو وصلها قبلنا، مش لازم يرجع بيها لـ "فولاك".
=لكن يا مولاي.
اشتد غضب "نيرون" وعصبيته وهو بيقوله :
- لكن إيه؟
بلع الخادم ريقه بتوتر مرة أخرى وهو بيقوله :
- مولاتي الأميرة "هيرينا" بصحبة القائد "خوان".
كور "نيرون" قبضة ايده بقوة غضبه اللي نفرت ليه كل عروقه وهو بيصرخ بكامل قوته :
-" هيرينا"!
********
حتى وإن كانت "هيرينا" تحمل بين عروقها الدم الملكي المقدس بكل خواصه وصفاته الإعجازية ، فـ "خوان" هو أعظم قائد جيش شهدته ممالك الجان، القائد اللي ما انهزمش جيشه في معركة واحدة، حتى المعركة الأخيرة اللي غدر بيهم "نيرون" وطعن جلالة الملك "فولاك"، لم يسميها "خوان" معركة، فاعتبرها جولة أولى سيرد عليها بجولة أخيرة الصاع صاعين.
"خوان" كان بيتقدم بكل ترقب وحذر، وهو مستني الفخ الجديد اللي هيقابلهم في أي لحظة، لكن عينه ما كانتش بتفارق زوجته "هيرينا" اللي كانت ماشية وراه بكل عشوائية وغضب، وكانت بتبصله بنظرات كلها غيظ وغل، جواها بتتمنى إنها تضرب فيه لحد ما يطلب منها العفو والسماح، ولكن هيهات فهو صديق وفي مخلص، حياته الخاصة آخر أولوياته، ماترددتش لحظة واحدة إنه ينفصل عنها مجرد ما اختارت والدتها وأخوها "نيرون" وسابت المملكة.
سمع "خوان" كان قوي بشكل كبير، فكان بيسمع خطوات النملة بين أوراق الشجر، لكنه هنا في صحراء الشيطان اللي جميع الأصوات غير الجنية جواها بتتحول لصوت واحد، وهو زئير مكتوم، لكنه كان بيجاهد لتمييز أي اختلاف بين كل الأصوات دي عشان يوصل لوجهته الصحيحة، واللي كانت في اتجاه معاكس للخط التالت تمامًا.
في عز انشغال "خوان" وتركيزه سمع صوت زئير مختلف، اتلفت وراه بشكل تلقائي عشان يشوف الأميرة "هيرينا" وهي بتتسحب من شيطان دميم.
عروق "خوان" نفرت بغضب شديد، ونيران عينيه اشتعلت بشكل مرعب وهو بيرفع نفسه لفوق وبينطلق ناحيتهم زي السهم.
نظرات الرعب اللي في عينين "هيرينا" اللي مقدرتش تسيطر على أي قوة من قوتها، كأن الشيطان ده جاي لها مخصوص وعارف نقطة ضعفها بالظبط وقدر يدخل لها منها، كانت الوقود اللي بيزود اشتعال "خوان" اللي ابتدى يطلق جمرات النار ناحية الشيطان، لكنه كان بيتفاداها كلها.
غضب "خوان" وصل للذروة والانتقام اللي جواه إتكون في نظرات عينيه اللي أشعلت المكان كله نيران، وخلته كتلة من جحيم قدرت تتفاداها "هيرينا" اللي الشيطان كان بيحاول ينهش جسدها بكل وحشية وهو بيشق ملابسها برغبة حررت الشيطان اللي جوه "خوان"، واللي تبادل النظرات المدروسة مع" هيرينا"، عشان تحرر انسيابية جسدها ، وتلفه حوالين الشيطان زي أفعى لينة، شلت كل حركته، لكن دي كانت أقصى قوة تقدر تستخدمها وهي في الوضع ده ، وهنا قرب "خوان" منه وابتدى يشق صدره بخنجره ويطلع منه قلبه، ويسلمه لـ "هيرينا" اللي حررته بعد ما كل عضلاته ارتخت، واستلمت القلب تقرأ عليه تعويذة الاحتراق الكبرى عشان يتحرق بين ايديها ويطير رماده في الأجواء ومن بعدها ينطفي الحجيم اللي أشعله "خوان"، ويظهر قدامهم كهف الشيطان "ذاته" ويختفي من الخريطة أربع خطوط كاملة بالقضاء على الحارس الأعظم للكهف.
كانت "هيرينا" بتتلاقط أنفاسها بمشقة وهي بتنزل بهدوء لحد ما استقرت على الأرض وابتدت تحاول تنظم تنفسها قبل ما تقول لـ "خوان":
- ده الحارس الأعظم للكهف، لكنه مش آخر خطر هنقابله، احتمال كبير نقابل الحية القرعاء، ودي مالهاش حل غير قوة التحمل.
استقر "خوان" هو كمان أرضًا، لكن نيران غضبه ما كانتش لسه انطفت، وكان أثرها لسه واضح بشكل قوي، دقايق طويلة مرت لحد ما رجع "خوان" لطبيعته، لكنه كان بيفكر في كلام "هيرينا"، وأخيرًا اتكلم بنبرة جدية :
- مواجهتنا دي اختصرت علينا خطوات كتير، لكن الخطوة الأهم محتاجة تركيز قوي، وتنسيق بينا، وللأسف مش هقدر أضحى بيكي وأدخلك الكهف ، لكني مضطر أثق فيكي، ويارب تكوني قد الثقة دي.
غضب "هيرينا" رجع يشتعل من جديد، لكنها أخمدته بزفرة قوية وهي بتقوله :
- أنا عارفة إننا الاتنين طاقتنا استنزفت في مقابلة الحارس الأعظم، عشان كده مش هجادل معاك دلوقتي خالص، لكنها جاية جاية، قولي خطتك إيه؟
اتنفس "خوان" بقوة وهي بيبص ناحية الكهف بتركيز وبيقولها :
- الكهف ذاته أكبر فخ، والعشبة موجودة في حضن الحية القرعاء اللي مجرد ما هتحس بيا هتلف حواليا وتكسر عضمي وباب الكهف هيتقفل مباشرة.
علامات الألم والقلق ظهرت على ملامح "هيرينا"اللي حاولت تقاطع "خوان" لكنه وقفها بإشارة من إيده وهو بيقولها:
- مفيش وقت، أنتي هتفضلي بره الكهف، وأنا هدخل في لمح البصر وأحدفلك الصندوق اللي فيه العشبة، مجرد ما إيدك تلمسه تاخدي طريق الطوارئ أمان أكتر عشان لو حد عامل لنا فخ في الرجوع، الطريق ده محدش غيرنا يعرفه، ولا حتى جلالة الملك "فولاك".. لازم توصليله بأقصى سرعة، وأنا هحاول أتحمل أطول وقت ممكن، يا ينقذني الملك، يا هكون مع الأموات.
هزت "هيرينا" راسها برفض، عشان يقرب منها "خوان" وهو بيقولها بصدق:
- أنا واثق فيكي يا سمو الأميرة، متأكد إنك هتوصلي بسلام، وإنك هترجعي تنقذيني مع جلالة الملك "فولاك".. هنتظرك.
سحبت "هيرينا" نفس قوي وهي بتشد جسمها بكبرياء وبتهز راسها بموافقة عشان يتحرك "خوان" ناحية الكهف بترقب وحذر شديدين، ويقف على بابه يبص للصندوق اللي كانت بتحاوطه حية سوداء ضخمة.
اتنفس "خوان" عدة مرات قبل ما ياخد قراره ويدخل في لمح البصر يخطف الصندوق ويرميه بكل قوته ناحية "هيرينا" اللي لقطته بكل حرفية وهي بتبص ناحية معشوقها من خلال باب الكهف اللي بيتقفل، والحية بتنقض عليه وبتلف جسمها حوالين جسمه بكل قوتها.
******
دخلت الملكة "شمس الأخاديد" الأوضة عند الملك "فولاك" بخطوات تقيلة سرحانة في عاصفة الأفكار اللي بتعصف بعقلها، مين "نور"؟.. وإيه علاقتها بابنها؟.. طب لو بيحبها وحب يتجوزها إيه هيكون مصيره؟، خاصة بعد اللي حصل مع الأميرة "مويرا"!.. طب تحرر الإنسية وتبعتها عالمها؟، ولا تنفيها في أرض الغوارب ومحدش يقدر يوصل لها؟.. بس حتى أرض الغوارب مش بعيدة عن "فولاك" وهيقدر يوصل لها بكل سهولة.." فولاك" اللي حالته لسه زي ماهي، طب لو "خوان" فشل في إنه يوصل للعشبة، إيه مصير "فولاك"؟.. وإيه مصير شعب المملكة لو مات "فولاك" أو فضل علي حالته دي؟.
كل الأفكار دي خليتها تقف قدام سرير "فولاك" تبصله بحيرة وهي شايفة انفعالاته الهادية ابتدت تتحول لانفعالات أكتر عصبية وغضب، وهو بيحرك راسه بقوة ونفور شديد، كأنه بيحارب مصيره بكل قوته.
مجرد ما الطبيب شاف الملك وصل للحالة دي جري ناحيته بلهفة يستكشف حرارته ومؤشراته الحيوية بتركيز شديد وهو بيصيح متوترًا :
- درجة حرارة جلالة الملك بتنزل بشكل مفاجيء وقوي، الحالة خدت طريقها للانهيار مرة تانية بعد ما كانت مستقرة.
وزعت الملكة "شمس الأخاديد" نظراتها الهلعة ما بين ابنها والطبيب وهو بتقوله :
-اشعل النار المباركة مرة تانية.
هز الطبيب رأسه بنفي وهو بيقولها :
- ما ينفعش نستخدم النار أكتر من مرة يا مولاتي، جلالة الملك ممكن يتحرق ويموت.
التوتر والارتباك ابتدى يتمكن من "شمس الأخاديد" اللي وقفت قدام الطبيب تقوله بنبرة آمرة :
- اتصرف.. شوف حل، الملك لازم يقاوم لحد ما "عين الشيطان" توصل.
بصلها الطبيب بأسف وقلة حيلة وهو بيقولها بانكسار :
- للأسف يا مولاتي اللي كنا بنعمله ده مجرد مسكنات لجلالة الملك عشان يتحمل الألم، لكن حالته كانت استقرت بشكل فاق كل توقعاتنا، وده خلانا مطمنين شوية وقولنا الحالة هتفضل مستقرة بالشكل ده لحد ما القائد "خوان" يرجع بالعشبة، لكن للأسف الحالة اتدهورت زي ما جلالتك شايفة، ومفيش في ايدينا غير الدعاء.
بصت الملكة "شمس الأخاديد" للطبيب بغضب قوي قبل ما تدفعه بايديها بعيد عنها، لحد ما اصطدم بجدار الأوضة بكل قوته ووقع على الأرض بألم قوي، وهي بتصرخ فيه :
- لو مش هتقدر تنقذ جلالته يبقى تحصل كبير الأطباء.. ابني مش هيموت ويسيب شعبه فريسة سهلة في ايد "نيرون" و "ايزابيل".
واتلفتت ناحية "فولاك" تجري عليه، وتميل ناحيته، وهي بتحط ايدها على راسه وبتقرأ كل تعاويذ الشفا والحياة اللي تعرفها، لكن حالة الملك كانت بتزيد سوء، ودخل فعلًا في حالة صرع أقوى من الأولى بمراحل ، أنفاسه كانت بتضيق بقوة كأنه بيلفظ آخرها وهو بيصارع ملك الموت.
