رواية فجوة زمنية الحزء الثانى الفصل الخامس 5 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الحزء الثانى  الفصل الخامس بقلم فاطمة على محمد

"هيرينا" أخدت الصندوق من "خوان" اللي كان بيواجه مصيره لوحده في ظلمات كهف الموت، اللي وقفت قدامه بين اختيارين  أصعب من بعض ، يا تاخد "عين الشيطان" وتروح تنقذ أخوها وتسيب حبيبها يواجه مصيره ، يا تحاول تنقذه وتسيب أخوها يصارع الموت.

وقفت فترة طويلة تصارع قلبها اللي مال ناحية "خوان" عشق العمر، لكن عقلها فض النزاع ده وهو بيفكرها بكلام "خوان" ووعدها ليه إنها تساعد "فولاك" ويرجعوا سوا يحرروا حبيبها اللي حياته ما كانتش فارقة عنده في مقابل حياة صديقه.

 أخيرًا اتنهدت بقوة بعد ما أخدت قرارها النهائي وهي موزعة أنظارها ما بين الصندوق اللي فيه" عين الشيطان" وبين الكهف اللي بصت له بتحدي و هي بتقوله بتحذير :
  - أنا سايبة جواك روحي اللي عايشة بيها أمانة عندك، هرجع عشان أسترد أمانتي دي، خليك حكيم في تعاملك معاه ومعايا، أنا ما بسيبش حقي مهما طال الزمن.
 
واتلفتت تغادر المكان عبر طريق الطوارئ اللي ابتدت تهمس بتعويذته عشان تتفتح بوابته ليها، واللي مجرد ما مشيت فيه مسافة بسيطة جدًا، اتفاجئت بـ "نيرون" وراها وبيقرب منها بأقصى سرعة ليه.

اتلفتت "هيرينا"  تبص على "نيرون" بصدمة وهي بتقول :
  - عرف يوصل للطريق ده إزاي؟.. حتى لو بيراقبني مش هيعرف يدخله.
 
كلامها كان جرس تذكير وتأنيب ليها وهي بتغمض عينيها بقوة وبتردد :
  - غبية "هيرينا".. غبية.. نسيتي تقفلي البوابة وراكي.. "خوان" مش هيسمح ليكي بالوصول مهما كان التمن.
 
وفعلًا المسافة الفاصلة بينهم ابتدت تقل تمامًا، لحد ما قرب منها ووقف قدامها وهو بيبصلها بنظرات سخرية وبيقولها :
  - غبية، وعمرك ما هتتغيري.

بصتله "هيرينا" بتحدي وهي بتقوله بنبرة ساخرة :
  - كان نفسي أتصدم فيك وأقولك عمرك ما هتتغير، لكنك الثبات ذاته يا "نيرون".

مسك "نيرون" دراعها بقوة وشدها ناحيته وهو بيهبط بيها على الأرض وبيقولها :
  - ماعنديش وقت أضيعه على غبائك ده، هاتي "عين الشيطان".
  
نفضت "هيرينا" ايدها من قبضته بكل قوتها وهي بتقوله بغضب شديد :
  - "عين الشيطان" دي علاج جلالة الملك "فولاك"، واللي دفع تمنها صاحبه، يعني مش من حق أي حد غيره. 
 
ضحك "نيرون" ضحكة شيطانية مدوية وهو بيقولها بسخرية :
  - مش "فولاك" ده اللي حاولتي تقتليه بالسم قبل كده، وصاحبه ده اللي هجرك عشان اخترتي جلالة الملكة "ايزابيل". 
  
غضب "هيرينا" تضاعف، وتطاير شراره في عينيها وهي بتقوله بتحذير :
  - بلاش إنت بالذات تتكلم معايا في الموضوع ده، وإلا... 
  
بحركة مفاجئة كان كف "نيرون" محاوط رقبة "هيرينا" بكل إحكام، لدرجة إن أنفاسها ابتدت تضيق، وهو بيقولها بشر :
  - وإلا إيه؟!.. هتحطيلي السم في الأكل أنا كمان؟.. 
  
وصرخ فيها بكل قوته :
  - هاتي"عين الشيطان". 
  
حاولت "هيرينا" تتخلص من قبضته وهي بتحرك راسها باختناق وبتقوله بصوت متقطع :
  - هموت.. هموت. 
  
بصلها "نيرون" بلا مبالاة، اتحولت لانتصار لما عينيه وقعت على الصندوق في شنطتها 
اللي حوالين وسطها، عشان يدفعها بايده بعيد عنه لحد ما وقعت على الأرض، وانحنى بجسمه ناحية شنطتها وأخد منها الصندوق بابتسامة شيطانية منتصرة، وهو بيقولها :
  - بلغي سلامي لأخوكي وصديقه "هيرينا" . 
  
وسابها ورجع لجيشه اللي كان مستنيه قدام كهف الشيطان. 

*******
جوه الكهف كان الوضع أسوأ بكتير، الظلام الحالك مسيطر على كل ميللي فيه، أما الحية القرعاء فابتدت تضيق الخناق على جسم "خوان" اللي عارف إن أي مقاومة ليه هتسرع من موته، لأنها ببساطة هتستفز الحية اللي هتطبق عليه بكل قوتها وتدق راسه دقات متتالية توصله إلى طريق اللارجعة ، أما صغارها فكانوا بيبتدوا يقربوا من رجليه يستكشفوها بحرية تامة، ولدغاتهم ابتدى يبان أثرها على جسمه اللي اتملى بالندبات السوداء، ده غير إن سمهم ابتدى يمشي في أطرافه، وابتدى أثره يبان عليه؛ من ضيق في التنفس، لفوران في الدم، لحكة قوية في الجسم، لكنه ما كانش عنده حل غير الاستسلام والتحمل لوقت لا يعلمه إلا الله، فهذه العقدة حلها الوحيد التحمل والاستسلام. 

********
أما حالة الملك "فولاك" فكانت بتسوء بشكل سريع، الكل حواليه مكتوف الايدين مش عارف يقدم له أي حل أو مساعدة؛ حتى الطبيب الشاب فقدت جميع وسايله للمساعدة أهميتها وأصبحت بلا أي جدوى، أما "شمس الأخاديد" اللي كانت بتصول وتجول في الأوضة وهي بتصرخ بتوتر شديد آمرة رئيس كتيبة الحرس الخاص :
  - المملكة تتأمن تحسبًا لأي هجوم، مش عارفين مين اللي ممكن يستغل حالة الملك ويهجم علينا، إعمل إعلان لحالة الطوارئ في كل المملكة.
 
انحني الجندي بموافقة وتقدير قبل ما يسيبها ويخرج لتأمين سور المملكة.

أما الطبيب فكان بيعقم جرح الملك اللي حالته تدهورت كتير، وابتدت الديدان تنهش فيه بضرواة، عشان يرفع عينيه ناحية الملكة باستنجاد وهو بيقولها :
  - الحالة ما بقيتش مُبشرة يا مولاتي، ممكن نفقد جلالته في أي لحظة. 
  
دارت الملكة حوالين نفسه أكتر من دورة وهي بتكسر في كل حاجة ايديها بتطولها وبتصرخ بضعف وقلة حيلة، عشان يقاطعها دخول واحدة من خادماتها وهي بتقولها :
  - مولاتي الأميرة "هيرينا" واقفة على بوابة المملكة بتطلب الإذن بالدخول يا مولاتي. 
  
صرخت "شمس الأخاديد" صرخة مدوية وهي بترمي وعاء فضي في وجه الخادمة وبتقولها :
  - قولي للجنود يمنعوها من الدخول، ولو قاومتهم يقتلوها.
  
تحسست الخادمة مكان الضربة اللي سال منه الدم بألم وهي بتبص ناحية الملك "فولاك" اللي دايمًا كان كريم وشهم معاها بحزن شديد، قبل ما تبص لـ "شمس الأخاديد" مرة تانية وهي بتقولها :
  - لكن يا مولاتي سمو الأميرة "هيرينا" معاها الترياق لجلالة الملك. 
  
مجرد ما سمع الطبيب كلام الخادمة، جري ناحيتها وهو بيقولها بحزم :
  - دخليها بسرعة مفيش قدامنا وقت. 
  
تعلقت نظرات الخادمة بأنظار الملكة اللي هزت راسها بموافقة وهي بتقولها :
  - اسمحولها بالدخول فورًا. 
  
وجريت ناحية "فولاك" تمسح جبينه بإيدها وهي بتقوله :
  - اتحمل شوية صغيرين يا جلالة الملك، العشبة معانا. 
  
في الوقت اللي الخادمة خرجت تبلغ الحرس قرار الملكة، كان الطبيب قدام الطاولة الخاصة بأدواته بيحضرها وهو بيتكلم بكلام موجه لـ "شمس الأخاديد":
  - عايزين الإنسية اللي شربت الخريطة من دمها. 
  
برقت عين "شمس الأخاديد" بغضب قوي، وانتفض قلبها بحقد أقوى وهي بتقوله :
  - الإنسية في الحبس، القائد "خوان" قال إن دورها انتهى عند الخريطة، ياريت تجهز العشبة في صمت. 
  
التفت الطبيب ناحية "شمس الأخاديد" وهو بيقولها :
  - لازم العشبة تختلط بدم الإنسية يا مولاتي ويتفاعلوا سوا عشان تتحول لترياق شافي، غير كده يبقا بنحط سم على جرح جلالة الملك. 
  
سحبت الملكة نفس قوي وهي بتغمض عينيها بغضب شديد من تلك الإنسية اللي أصبح وجودها مرتبط بكل شيء في المملكة. 

في اللحظة دي اقتحمت الأميرة "هيرينا" الأوضة وهي بتلهث بتوتر شديد وعينيها متعلقة بـ "فولاك" وهي بتقرب منه وبتطلع من بين طيات هدومها العشبة اللي كانت عبارة عن (كتلة حمراء من الأغصان المتشابكة بشكل متداخل، محاطة بمئات من الأشواك السامة) 

ناولتها للطبيب اللي جري ناحيتها ياخدها منها وهي بتفتكر _اللحظة اللي كانت واقفة فيها قدام الكهف بتفكر في إنقاذ حبيبها، اللي عشان تنقذه لازم "فولاك" هو اللي يقوم بالمهمة دي، وفي نفس الوقت كانت خايفة من "نيرون"، اللي هيقلب الدنيا عليها عشان يوصل لـ "عين الشيطان" قبل ما توصل لـ "فولاك"، عشان كده قررت إنها تفتح الصندوق وتخرج منه العشبة تخبيها في هدومها بعد ما لفيتها كويس في وشاحها، ورجعت قفلت الصندوق تاني وحطيته في شنطتها، وانطلقت في رحلتها_ 

اتنهدت "هيرينا" براحة والطبيب بيستلم منها العشبة يتفحصها بانبهار شديد وهو بيقولها بنصر :
  - أخيرًا.. 
  
ورفع عينيه في صمت ناحية الملكة "شمس الأخاديد" اللي فهمت قصده وزفرت زفرة غضب قوية وهي بتلتفت بجسمها عشان  تروح تخرج "نور" من حبسها. 
  
********
"نور" اللي كانت على حالها، قاعدة في زاوية الزنزانة الرعب مسيطر على قلبها، وهي بتبكي وبتستنجد بـ"فولاك" :
  - "فولاك" بالله عليكي فوق وخرجني من هنا، وأنا والله هختفي عنك خالص، قوم بقا.. إنت الوحيد اللي تقدر تقف قدام قرار والدتك، اللي مش عارفة هي بتكرهني ليه، أنا والله ما عايزة منك حاجة.. أنا كنت قلقانة عليك وبس.. فوق بقا بالله عليك. 
  
  سكتت فجأة وهي بترفع راسها بإنصات شديد للخطوات اللي بتقرب منها، عشان تنزوي أكتر وهي بتتحامى في جدار الزنزانة وعينيها بتخترق خيوط الظلام اللي ابتدى يقل تدريجي كل ما قربت منها المشاعل. 

فجأة الخطوات دي وقفت، وباب الزنزانة اتفتح ودخلت منه "شمس الأخاديد" اللي صرخت فيها بغيظ شديد :
  - قومي. 
  
وقفت "نور" بتوتر ورعشة حاولت تسيطر عليها وهي بتقولها بصوت مهزوز :
  - هتمشوني؟ 
  
شاورت الملكة براسها في تجاهل تام لواحد من الحرس اللي اتقدم ناحية "نور" يسحبها بقوة، قاومته "نور" لكن مش كتير لأن طاقتها استنزفت بالفعل، لكنها سألتها ببكاء :
  - هتموتوني؟ 
  
استدارت الملكة بكل جسمها وهي بتمشي قدامها وبتقولها :
  - لو عليا كنت عملت كده، لكن للأسف لسه محتاجينك عشان حياة جلالة الملك "فولاك". 
  
شعاع أمل نور في قلب "نور" اللي ارتجف بلهفة مجرد ما سمعت اسمه، وهي بتسألها بعفوية :
  - هو كويس؟ 
  
وقفت الملكة بشكل مفاجئ تبص لـ "نور" بطرف عينها، عشان تفهم بسرعة وتهز راسها بأسف وهي بتقولها :
  - أقصد جلالة الملك بقا كويس؟

زفرت الملكة زفرة قوية بعدها صمت تام  قبل ما تكمل طريقها لأوضة الملك ومعاها "نور" اللي مجرد ما خطت رجليها جوه الأوضة وشافت حالته اللي بقت أسوأ من آخر مرة، دموعها كملت طريقها اللي ما وقفتش عنه من لحظة ما اتحبست، لكن المرة دي الغصة اللي كانت في حلقها كانت أصعب بكتير وهي بتقرب منه كالمغيبة تمامًا، لحد ما وقفت قدامه تتأمل ملامحه بوجع شديد.

حاول الطبيب احترام خلوتها النفسية دي، لكن الوقت ما كانش يسمح بأكتر من كده، فاتقدم ناحيتها على مضض وهو بيقولها :
  - ممكن تساعدينا.
 
التفتت ناحيته "نور" بلهفة وهي بتقوله بصدق شديد :
  - أكيد.. بس أساعدك إزاي؟
 
بص الطبيب ناحية الوعاء المعدني اللي طحن فيه العشبة وهو بيقولها :
  - إحنا قدرنا نوصل للعشبة، لكن لازم تختلط بدمك عشان نقضي على سمها، وكمان نحولها لترياق يعالج جلالة الملك.
 
قربت "نور" بسرعة من الوعاء ومدت ايدها فوقيه بصمت واستسلام وعينيها متعلقة بـ "فولاك" بشرود ووجع قوي ، يدوب عدت  لحظات وكان الطبيب خلص، عشان يقولها :
  - خلصنا، تقدري تشيلي ايديك.
 
اتلفتت "نور" ناحية الطبيب اللي كان فعلًا جرح إيدها وأخد منها قطرات دم قليلة، خلطها بمطحون العشبة عشان يتخلص من سمومها، لكنها ما حسيتش بأي ألم، سحبت ايديها اللي رجعت تلتئم بسرعة عجيبة في صمت، وعينيها رجعت تتعلق بـ"فولاك" اللي الطبيب ابتدي يجمع المعجون بين إيديه ويحطه جوه الجرح، لحد ما غطاه تمامًا.

 أخيرًا اتنفس الطبيب براحة وهو بيقول :
  - المفروض مفعولها يظهر على طول. 
  
قربت "نور" من "فولاك" تراقبه بتأهب شديد ما اختلفش عن لهفة "هيرينا" اللي كانت بتبصله بنظرات كلها توتر وارتباك، إنما "شمس الأخاديد" واللي كانت موزعة أنظارها ما بين "هيرينا" اللي بتكرهها،. وبين "نور" اللي مش حابة وجودها في العالم كله، وبين "فولاك" اللي كان السبب في وجود الاتنين دول في مملكتها، واللي ابتدى يحرك جفونه ببطئ وهو بيهمس باسم "نور"، اللي مجرد ما سمعته جريت عليه بقلب نبضاته واصلة لمسامعها وهي بتقرب منه وبتقوله بصوت باكي :
  - "فولاك". 
  
مجرد نطقها هي كمان لاسمه كان كلمة المرور لعالمه الخاص، والتذكير بهويته الملكية القوية، واللي رجع يستعيد هيئتها بلمح البصر، فجرحه التئم تمامًا لكنه ساب أثر، وجسمه ابتدى يرجع لطبيعته بشكل سريع، وابتدت أنفاسه الهادية تعلو من جديد، وعيونه ابتدت تتحرك جوه جفونها اللي رفعها بشكل مفاجئ، عشان تكون أول صورة تقع عليها عينيه هي "نور" اللي دموعها اتحولت لدموع فرحة، وصوت بكاها اتحول لضحكات متقطعة. 

عينين "فولاك" اتعلقت بـعيون "نور" لوقت طويل في صمت، كأنه بيشبع منها، أو بياخد مخزون يقضيه لأيام جاية، أو يمكن بيعوض الأيام اللي بعدها عنها، بس أيًا كان السبب، فنظراته ليها كلها وحشة واشتياق. 

"شمس الأخاديد" اللي كانت مراقبة الوضع بغيظ شديد، كان ليها رأي تاني، فقررت تقطع عليه خلوته دي وتجري ناحيته وهي بتهتف بفرحة :
  - "فولاك".. أخيرًا فوقت ورجعت لنا.

بصعوبة قرر "فولاك" يترك عينين "نور" اللي ابتدت تتكسف، ويروح بأنظاره ناحية والدته اللي قعدت جنبه وهي بتقوله :
  - أنا كنت هتجنن عليك، المملكة كلها كانت حزينة يا جلالة الملك. 
  
ابتسم "فولاك" ابتسامة باهتة وهو بيقولها :
  - أديني رجعت بخير يا جلالة الملكة . 
  
وسكت للحظات وهي بيحاول يقوم من نومته عشان يجري ناحيته الطبيب وهو بيقوله :
  - لازم أفحصك الأول يا مولاي عشان أطمن على جلالتك. 
  
رفع "فولاك" عينيه ناحية الطبيب اللي كان غريب عليه وهو بيقوله باستغراب :
  - أومال فين كبير الأطباء؟! 
  
التوتر والارتباك ظهر على ملامح الطبيب اللي بص للملكة بصمت، واللي قررت تغطي على الموضوع وهي بتبص للجميع وبتقولهم :
  - الجميع يخرج بره عشان الطبيب يفحص جلالة الملك. 
  
اتحرك الجميع للخروج حتى "هيرينا" اللي وقعت أنظار الملك عليها لأول مرة، عشان يضيق عينيه بصدمة من التطورات العجيبة اللي حصلت في أيام مرضه، ويوفقها بنبرة مندهشة:
  - سمو الأميرة "هيرينا"! 
  
التفتت "هيرينا" ناحيته وهي بتنحني براسها باحترام وتقدير وبتقوله :
  - جلالة الملك "فولاك"، اسمح لنا نسيبك مع الطبيب لفحصك، وبعدها نرجع نتكلم، الأمر في غاية الأهمية. 
  
وانحنت مرة تانية وهي بتغادر الغرفة مع "نور" و "شمس الأخاديد" اللي قربت منها وقالت لها :
  - تقدري ترجعي مملكتك تاني، مش عشان جيبتي العشبة يبقى معناه إننا نسامحك ونديكي الأمان تاني. 
  
وقفت الأميرة "هيرينا" قدام باب الأوضة وهي بتربع ايديها قدام صدرها وبتقولها بتحدى :
  - وأنا مش جاية أطلب السماح يا جلالة الملكة، لكني عندي مهمة محددة ولسه ما خلصتش. 
  
بصت لها "شمس الأخاديد" بسخرية ملت صوتها زي ما ملت ملامحها وهي بتقولها:
  - جاية تسمي الملك "فولاك" مرة تانية؟.. ولا جاية تتطمني إنه مات وتستولي على المملكة؟! 
  
ابتسمت "هيرينا" ابتسامة ساخرة وهي بتقولها :
  - الظاهر إن ابتعادك عن الحكم حد من تفكير جلالتك!.. أنا اللي جايبة الترياق لجلالة الملك يبقى إزاي عايزاه يموت؟! 
  
استوعبت "شمس الأخاديد" خطأها اللي غضبها من وجود "نور" و "هيرينا" أعماها عنه، لكنها تحلت بالجمود واللامبالاة وهي بتقولها :
  - أومال إيه هي مهمتك؟ 
  
قربت منها "هيرينا" بتحدى أكبر وهي بتقولها بنبرة جدية :
  - جلالتك ما أخدتيش بالك إن "خوان" هو اللي كان رايح يجيب "عين الشيطان"؟.. وبرضه ما أخدتيش بالك إنه مش موجود وإني أنا اللي جيبتها؟.. طب ما سألتيش نفسك هو فين؟.. وبيعمل إيه؟ 
  
ضيقت "شمس الأخاديد" عينيها بتذكر وهي بتقول :
  - صحيح.. فين "خوان"؟ 
  
ابتسمت "هيرينا" ابتسامة خفيفة وهي بتقولها :
  - هتعرفي دلوقتي وأنا بحكي لجلالة الملك. 
  
وبصت ناحية "نور" اللي كانت حاضرة معاهم بجسمها بس، إنما عقلها وقلبها سابتهم جوه الأوضة يمكن يطمنوها على" فولاك" اللي ظهر قدامهم بكامل هيئته وكأنه كان واخد قيلولة لاستعادة لياقته وقوته مش أكتر من كده ، عشان تبتسم له بامتنان كان انعكاسه أكبر بكتير في عيونه اللي ما كانتش شايفة غيرها. 

جميع الظروف تضامنت ضد "فولاك" و "نور" من وقت ما تعافى من مرضه، جواه مليون سؤال عايزين إجابة منها لكنه مش قادر يسألها حتى عن حالها، لكن عينيه سألت بشوق ولهفة، وعيونها جاوبت بألم وانكسار أشعلوا الغضب في أوردته، لكن "هيرينا" ضاعفت الغضب ده وهي بتقوله بنبرة حزينة :
  - "خوان" يا مولاي. 
  
ضيق "فولاك" عينيه بدهشة وهو بيطوف المكان حواليه يدور عن صديقه وبيقولها :
  - المفروض إنه كان أول واحد أشوفه لما أفوق. 
  
انحنت "هيرينا" براسها قليلًا وابتدت تحكي له كل اللي حصل من وقت ما عرفت بالأمر، عشان يسمعها "فولاك" بصدمة وغضب وهو بيقبض على سيفه اللي حزمه حوالين وسطه، وبيجري ناحية بره وهو بيقولها :
  - تعالي معايا يا سمو الأميرة "هيرينا". 
  
لحقته "هيرينا" بشجاعة وقوة، و كمان "نور" اللي ندهت عليه وقالت له :
  - عايزة آجي معاك. 
  
وقف "فولاك" مكانه للحظات والتفت لها بنظرات حنونة وهو بيقولها :
  -هيكون خطر عليكي، أنا هرجع على طول ومش هتأخر. 
  
وسابها وجري ومعاه "هيرينا" عشان تسرح "نور" في الفضا قدامها وهي بتهمس :
  - الخطر هنا مش هناك يا "فولاك". 
  
*******
"خوان" قلة حيلته كانت نار بتنهش في أحشائه، من قائد، محارب، عظيم بيخوض كل الحروب بقلب مفتوح، وعمره ما هاب الموت لحظة، بالعكس كان بيقابله بكل ترحاب وحفاوة، لراجل ضعيف مستسلم مستني هلاكه في أي لحظة، هلاكه اللي مشي له نص الطريق بالظبط، فالسموم تمكنت من رجليه، وكانت زي كرباج من نار بيضرب فيها بكل قوته، أما عضمه فابتدى يسمع صوت تكسير البعض منه بألم رهيب بينخر في روحه. 

قراره إن يقاومه مابقاش ليه أي لزوم، لأن ببساطة معتش عنده أي مجهود للمقاومة، وجسمه متكلبش كله بالحية القرعاء ، لكن جواه بيجلد نفسه ألف جلدة وهو بيهمس لها :
  - الموت في لحظتها كان أكرم مليون مرة من الاستسلام اللي أنا فيه ده، من إمتى وإنت بتخضع لأخصامك كده يا "خوان"؟!.. القائد العظيم حية تقدر عليه وتدوقه الموت ميت مرة قبل ما يموت! .. إيه؟!.. مستني "هيرينا" ترجع تنقذك تاني!.. دي لو راحت تنقذ أخوها.. آمنت لها تاني؟!.. وثقت فيها تاني؟!.. ليكون مصدق قلبك إنها بتحبك بجد، ولا مصدق نفسك إنك فارق معاها، إنت مش هتتعلم غير لما توجعك بخنجر غدرها مرة تانية.. بس أهو هتكون ميت عشان ما تتألمش، وهي هتعيش حياتها وتقابل غيرك، وهتنسى وجودك من الأساس. 
  
أفكار سوداوية كانت مسيطرة عليه، لدرجة إنه ابتدى يهمس للحية بعلو صوته اللي قادر يتكلم بيه عشان يستفزها :
  - موتيني.. عشان يتكتب في تاريخك إنك قدرتي على القائد العظيم "خوان"، اللي مقدرش عليه ولا جندي في ممالك الجان كلها، يبقى إنتي اللي قدرتي..  لو فاكرة إني بتكلم كده من وجعي تبقى غلطانة، أنا أتحمل قد كده ألف مرة، لكن أتحمله في حرب متكافئة، حرب أحارب فيها، مش أخضع وأنكسر فيها.. موتيني بقا. 
  
صوته بالفعل ابتدى يستفز الحية بشكل كبير، وابتدت تثور وتغضب، وتشدد من خناقها عليه بكل قوتها، لدرجة إن أنفاسه ابتدت تتخنق، وابتدى الموت يقرب منه بكل قوة 

 اتنفس "خوان" أنفاسه الأخيرة وصورة "هيرينا" قدامه بتبتسم له، عشان تنزل من عينيه دمعة حارة تحرق قلبه وهو بيهمس :
  - "هيرينا". 
  
همسه ده كان أبواق الاستغاثة اللي انطلقت في قلب وعقل "هيرينا" اللي كانت وصلت بصحبة "فولاك" لـ قدام الكهف، واللي ابتدى "فولاك" يتفحصه باهتمام شديد وتركيز أشد، يدور على مقبض الباب الخفي اللي من غيره الكهف ينهار تمامًا على "خوان"، لكن "هيرينا" اللي دموعها نزلت لأول مرة في حياتها وهي بتقول لأخوها بتوسل:
  - بسرعة يا جلالة الملك، "خوان" قوي ويتحمل لكن كل طاقة مصيرها تخلص. 
  
اتحرك "فولاك" بعصبية أكتر وايديه بتستكشف كل حجر في باب الكهف، لحد ما اتحرك حجر صغير تحت ايده، واتفتح الباب فجأة، عشان تجري "هيرينا" جوه الكهف بلهفة، لولا إيد "فولاك" اللي سحبتها بقوة وهو بيصرخ فيها :
  - كده هتموتيه وتموتي معاه. 
  
وقفت "هيرينا" بقلب موجوع وهي شايفة" خوان" محاصر بالحية وصغارها اللي مغطيين كل جسمه، وماعتش باين منه أي معالم، حتى راسه اللي مالت على جنبها، راس الحية مغطياها، وهي متأهبة للهجوم بشكل مرعب. 

نظرة سريعة من "فولاك" لكنها متفحصة، قرأت الموقف كله، وابتدى يحلله في دماغه بصورة كاملة وعينيه متعلقة براس الحية اللي فاتحة فمها ناحيتهم بغضب شديد، لكن "فولاك" كان ثابت زي الجبل وهو بيتحداها بنظراته اللي أربكتها، عشان تبخ سمها ناحيته، لكنه تفاداه بكل سهولة وبساطة وهو بيسحب سهم صغير من جرابه، وبيمسكه بين صوابعه بحرفيه، ويغرسه في كفه يشربه من دمه المشبع بـ "عين الشيطان" وهو بيتنفس بهدوء قبل ما يرمي السهم ناحية فمها المفتوح واللي اخترقه بمهارة. 

 في اللحظة دي ثورة الحية تضاعفت وهي بتحرك راسها وجسمها بكل قوة؛ حتى صغارها كمان ابتدوا يتحركوا بعشوائية ويقعوا من على جسم "خوان". 

دقايق والحية ابتدت ثورتها تخمد، ومقاومتها تقل تدريجيًا، وابتدى جسمها يلين حوالين جسم "خوان" لحد ما وقعت من عليه تمامًا، وعنها وقع جسم "خوان" هو كمان، لكن بين ايدين "فولاك" اللي جري بكل سرعته عشان يتلقى صديقه. 

زي الجثة الهامدة كان "خوان" بين ايدين "فولاك" اللي شاله وخرجه بره الكهف وهو بيراقب الحية وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة هي وصغارها، عشان يتقفل باب الكهف للأبد. 
تعليقات