رواية فجوة زمنية الحزء الثانى الفصل السادس 6 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الحزء الثانى  الفصل السادس بقلم فاطمة على محمد



دخل "نيرون" قاعة الحكم الخاصة بيه ونظرات الانتصار بتتراقص قي أحداقه الشيطانية وهو حاضن الصندوق ناحية صدره بايديه الاتنين، وبيصرخ في حراس العرش بتاعه :
  - الكل يطلع بره...يلا.
  
استجاب الجميع لأوامره في الحال، عشان يراقبهم لآخر واحد فيهم خرج من الأوضة، وهو بيحط الصندوق على الطاولة قدامه وبيبصله بكل نهم وانتصار وصوته المتحشرج بيقول :
  - أخيرًا بقيتي بين ايديا، القوة المطلقة، والحياة الأبدية، أخيرًا هفوز على "فولاك" اللي خلاص بقا على مشارف الموت، أخيرًا هحكم من العرش العظيم، وهكون الملك الأعظم في التاريخ. 
  
وابتسم كاشفًا عن أنيابه الوحشية الطويلة، والمقوسة وهو بيفتح الصندوق بلهفة وترقب اتحولوا لصدمة وجنون مجرد ما شافه فاضي، شيطان الإنس والجن كانت بتتراقص قدامه وهو بيرفع الصندوق بين إيديه ويقلبه يمين وشمال، وصراخه بيدوي في المكان :
  - "هيرينا"! .. الغبية غدرت بيا واختارت الأحمق "فولاك". 
  
ورفع الصندوق لأعلى ورماه بطول دراعه وهو بيسحب سيفه من حوالين وسطه وبينادي على حرسه اللي لبى نداه ودخل على الفور، عشان يقابلهم "نيرون" بسيفه ويقطع رقابهم جميعًا وسط صرخاته الغاضبة. 

 كانت مذبحة حقيقية بكل المقاييس، أكتر من عشر جثث مفصول رقابهم ومرمية علي أرضية القاعة، اللي سال فيها الدم بشكل مقزز، واللي غضبت ليها جدران الغرفة، اللي ابتدت تتهز بكل قوتها وغضبها، عشان يوصل صوتها لكل مكان في المملكة، وتسمعه "ايزابيل" اللي كانت في أوضتها بتجدل جدايل من شعر الجنيات الحارسة لبير المملكة واللي بتوصل ليهم الماية في فجر كل يوم. 

ارتجف قلب "ايزابيل" برهبة وهي بترفع راسها ناحية سقف أوضتها اللي بيتهز  وبتقول :
  - صخور المملكة غضبانة، وغضبها مفيش مخلوق هيقف قصاده. 
  
وقامت من مكانها تجري وهي تصرخ بغضب شديد :
  - الغبي "نيرون" استفز حارس الجبل، ومش هيهدى غير لما يطبق حجارته علينا ويموتنا كلنا. 

لحظات وكانت "ايزابيل" بتقتحم غرفة العرش بصدمة وذهول وهي بتطوف المكان بنظراتها الهلعة عشان تصرخ فيه بجم غضبها:
  - قتلت حرُاس العرش؟!.. إنت عارف دول خدم مين؟.. إنت فتحت علينا أبواب جهنم بغبائك وتهورك ده.
 
بصلها "نيرون" نظرات كلها غل وحقد وكراهية وهو بيقرب منها لحد ما أصبح في مواجهتها وصرخ فيها بكل صوته :
  - أبواب جهنم دي اللي فتحتها علينا هي بنتك، اللي ضحكت عليا بصندوق فاضي، وأخدت العشبة تديها لـ "فولاك" عشان يكون الأقوى، عشان ينتصر عليا، وعشان أتذل قدامه.
 
غضب "ايزابيل" اشتعل في عينيها وصوتها اللي حررته بكل سخرية :
  - وإيه الجديد؟!.. ما "فولاك" فعلًا الأقوى، ودايمًا بينتصر عليك، إنت اللي غبي وما سمعتش كلامي لما قولتلك ما تفتحش بوابة الجحيم، لكن طمعك خلاك تفتحتها وتقدم القرابين للشيطان، وعنها فقدت تأهلك للفوز بـ "عين الشيطان"، وفقدت الخواص اللي معاها العشبة تعمل مفعولها.. العشبة معاك كانت هتكون بلا أي قيمة، لكن مع "فولاك" هتزيده قوة وسلطة ونقوذ.
 
صرخ "نيرون" صرخة مدوية وهو بيرمي سيفه اللي عدى من جنب راس "ايزابيل" بكام ميللي، واتغرس في الجدار وراها، لكنها كانت ثابتة زي الصخرة، وما اتحركش فيها رمش واحد، عشان يقولها :
  - عايزاني أروح أقتله في مملكته وقدام شعبه، وأجيب لك راسه تعلقيها على باب المملكة؟  
  
ابتسمت "ايزابيل" بسخرية وهي بتقوله باستفزاز :
  - ما تقدرش تعمل كده.. ما تقدرش تعدي حدود مملكته من الأساس. 
  
صرخ "نيرون" صرخة شيطانية أقوى، عشان تطبطب "ايزابيل" على كتفه وهي بتقوله :
  - اشعل النار جواك، بس إوعاها تحرقك، جهزها عشان تكون محرقة لـ "فولاك" وكل أعوانه، افتكر لما خرجنا من المملكة مذلولين، وافتكر لما اتعطفوا علينا وادونا قصر "خوان" الخادم بتاعه عشان نعيش فيه.. افتكر مجلس الملوك وهو بيوبخك وبيحكم لك بفتافيت.. افتكر جلالة الملك "برقان" وهو بيتناقش مع "فولاك" في كل أمور المملكة، وافتكره وهو بيسكت مجرد ما تدخل، كل ده لازم يكون وقود لمحرقة "فولاك" اللي هنرميه فيها بإيدينا. 
  
نظرات عينين "نيرون"  الشيطانية ليها كانت بتأكد إنها نجحت في هدفها باستفزازه، وإن معركة قوية مفيهاش أي فرص للنجاة جاية جاية. 

********
أما "فولاك" فكان شايل "خوان" بين إيديه ونظراته ليه كلها خوف وقلق من فقدانه لصديقه، ورفيق دربه اللي عاش معاه طفولته، وصباه، وشبابه، اللي كان دايمًا ليه الناصح الأمين، والسند القوي، اللي كان جنبه في انكساراته قبل انتصاراته، الصديق اللي مش متخيل حياته من غيره، الصديق اللي يستأمنه على روحه وهو متأكد إنه هيضحى بروحه عشانها، وده اللي عمله "خوان" فعلًا.

عشان كده قرر "فولاك"  إن علاج "خوان" يكون في غرفته الخاصة اللي دخلها بخطوات تقيلة وهو بيتقدم ناحية السرير يحط صديقه عليه، وجميع الأطباء ملفوفين حوالين السرير بما فيهم الطبيب الشاب اللي رفع "فولاك" عينيه ناحيته وهو بيقوله :
  - "أوتو" علاج القائد "خوان" مهمتك.
 
انحنى "أوتو" مُطيعًا للأوامر وهو بيقوله :
  - أمرك يا مولاي، بس ياريت جلالتك تقولي السبب اللي وصل القائد "خوان" للحالة دي.
 
نزل "فولاك" بأنظاره مرة تانية ناحية "خوان" اللي مستسلم لمصيره وهو بيقوله :
  - صغار الحية القرعاء حطوا سمهم في جسمه، ده غير إن فيه ضلوع مكسورة من ضمة الحية ليه.
 
قرب "أوتو" من "خوان" يتفحص حرارة جسمه اللي كانت مرتفعة بشكل كبير وهو بيقوله :
  - الكسور أمرها سهل يا مولاي، الأهم إننا نتخلص من السموم اللي في جسم القائد "خوان".
 
وسابهم وراح ناحية طاولة الأعشاب والعقاقير الخاصة بيه، وابتدى يضيف العقاقير بعضها لبعض بنسب محددة، وجمعهم كلهم في كاس معدني قربه من النار، لحد ما وصل لدرجة حرارة محسوبة، فأخده ورجع ناحية "خوان" وهو بيوجه كلامه لـ "فولاك":
  - هيتحسن تدريجي مجرد ما يشرب الدوا ده.
 
أخد "فولاك" الكاس من ايد "أوتو" ورفع راس "خوان" بإيده وابتدى يسقيه الدوا على جرعات متقطعة، لحد ما انتهى الدوا تمامًا، وناول الكاس مرة تانية للطبيب اللي قاله بنبرة مطمئنة :
  - اطمن يا مولاي، بنيان القائد "خوان" قوي، وسم الصغار الدوا هيقضي عليه تمامًا، الخوف كان من سم الحية ذاتها. 

أما "هيرينا" فكانت واقفة بعيد عنهم بتابع كل الموقف ودموعها رافضة تقف، وضربات قلبها تعدت كل الحدود المسموحة لدرجة أرهقتها، لكنها ما كانتش مهتمة بأي حاجة غير حبيبها اللي بيصارع الموت، واللي سابته يلاقي مصيره لوحده. 

رفع "فولاك" أنظاره ناحيتها بأسى وهو بيقوم من مكانه يروح ناحيتها يغمرها بنظراته الأخوية الحنونة وهو بيقولها :
  - هيبقى كويس، بس قربي منه وحسسيه بوجودك جنبه عشان يتمسك بالحياة، إنتي أكتر حد محتاجه دلوقتي يا "هيرينا". 
  
ورفع أنظاره ناحية الطبيب اللي أطاع أوامره وغادر الغرفة معاه جميع الأطباء، ووراهم  "فولاك" اللي راح يدور على الإنسية اللي استحوذت على خافقه، وسايب وراه "هيرينا" اللي كانت بتقرب من معشوقها بخطوات تقيلة. 

*******
غادر "فولاك" الأوضة يدور بعينيه عن "نور" اللي كان متوقع إنها هتكون في انتظاره، لكنها للأسف لم تهتم بوجوده من الأساس وده من وجهة نظره الخاصة، لكنه في نفس الوقت كان بيدور عليها بقلب ملهوف وهو بيقول :
  - أنا سايبها مع جلالة الملكة "شمس الأخاديد" أكيد هي الوحيدة اللي هتكون عارفة مكانها فين. 
  
وفعلًا استدار بكل جسمه ناحية غرفة الملكة اللي كانت على الناحية التانية من أوضته، واللي قلبه سبق خطواته المتلهفة ليها، عشان يقف ببابها وينحني ليه حراسها بتقدير قبل ما يدخلها وهو بيلقي السلام على الملكة اللي مجرد ما شافته جريت ناحيته ملهوفة وهي بتقوله بسعادة :
  - من شهور طويلة ما دخلتش الأوضة دي يا جلالة الملك. 
  
ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة وهو بياخد كف والدته بين ايده برفق ومحبة قوية وبيقولها :
  - اعذريني على تقصيري جلالتك، لكنك كنتي عارفة الظروف اللي المملكة كانت فيها الأيام اللي فاتت، وكمان جلالتك كنتي بره المملكة. 
  
طوفت الملكة ملامحه بود شديد وهي بتقوله :
  - كنت هموت من الخوف عليك مجرد ما خبر تعبك وصلي.
  
واتنهدت تنهيدة قوية براحة وهي بتكمل :
  - قلبي رفرف من الفرحة لما شفتك واقف على رجليك من تاني، وسعيدة قوي إنك الوحيد اللي قدرت تتحصل على العشبة. 
  
اتنهد "فولاك" هو كمان براحة وامتنان وهو بيقولها :
  - كل الفضل للإنسية، لولاها كان زماني ميت دلوقتي. 
  
اشتعل غضب "شمس الأخاديد" وسحبت ايديها من بين إيديه بقوة وهي بتقوله بحدة :
  - محدش له فضل عليك، خاصة الإنسية دي. 
  
ضيق "فولاك" عينيه باستغراب ودهشة وهو بيقولها :
  - ما بينكرش الفضل غير جاحد، وأنا مش جاحد يا أمي، وفعلًا أنا مديون ليها بحياتي ليوم الدين. 
  
اشتعلت عينين" شمس الأخاديد " بحمرة النار وهي بتقوله بصرامة:
  - رجعها عالمها بسلام ويبقى وفيت دينك لها، وما سمعكش تاني تقول إنك مديون بحياتك لحد، حياتك دي ملكك لوحدك. 
  
جاهد "فولاك" للسيطرة على غضبه، وهو بيكلمها بنبرة باردة :
  - أقابلها الأول وبعدين أقرر هرد دينها بأي طريقة.. هي فين؟ 
  
استشاطت "شمس الأخاديد" غضب وهي بتصرخ فيه وبتقوله :
  - أهي مرمية في سجن المتمردين. 
  
اتسعت عينين "فولاك" صدمة، وطوف كل معالم والدته بغضب كفيل يحرق الأخضر واليابس وهو بيصك على أسنانه بكل قوته وبيقولها من بينهم :
  - بقولك مديون لها بحياتي تقوليلي في سجن المتمردين!.. أي تمرد؟! ودمها كان هيتصفى بسببي!.. كانت هتضحي بحياتها عشاني وهي لا من جنسي، ولا من عشيرتي، ولا حتى تعرفني.. قسمًا بمن خلق النار لو "نور" جرالها حاجة لأفتح جميع بوابات الجحيم برحابة صدر، وأكون الشيطان ذاته قصاد اللي كان السبب في كده.. أيًا كان مين. 
  
ورفع صوباعه في وشها بتحذير وهو بيكمل :
  - أيًا كان مين. 
 
واستدار بكل جسمه يطوى الأرض تحت أقدامه بقوة غضبه، وصدق قسمه. 

*******
الحال عند "خوان" كان على ما هو عليه بالنسبة له، أما بالنسبة لتلك المعشوقة التي اختبرت فقدان معشوقها منذ ساعات، فكان الأمر مختلف كليًا، فماكانش منها غير إنها تسحب ايده وتفردها جنبه على الفراش، وتعتبرها وسادة ليها وتنام وهي بتتأمل كل ملامحه الهادية اللي اشتاقت لها بعشق،  مدت ايديها ناحيته وهي بتفتحها وتحط كفها فوق قلبه اللي كان بينبض بوتيرة هادية وهي بتقوله بإبتسامة مختلطة ببكاها:
  - من يوم ما فتحت عينيا وإنت جنبي، كنت دايمًا بتحميني من أي حاجة، كنت بتدافع عني قصاد جلالة الملك "برقان" ، كنت بتقف قصاد "نيرون" وبتتحمل عقابه عشاني.
 
وحركت ايدها أسفل قلبه حركة بسيطة وهي بتقوله :
  - الطعنة دي أخدتها مكاني، خنجر "نيرون" اللي شق صدرك كان يقصدني أنا، يومها استسلمت لمصيري اللي كان الموت، لكنك فجأة ظهرت قدامي وغيرت قدري، الطعنة اللي طعنتك دي طعنت قلبي يومها، واكتشفت إنك القدر اللي جالي لحد عندي.. عارفة إنك اتحملت سخافات "نيرون" عشاني، واتحملت عقاب الملكة "ايزابيل" برضه عشاني .

ولفت دراعها حواليه تحضنه بقوة وهي بتقوله :
  - معاك وجنبك عمري ما خوفت أغلط، لأني متأكدة إنك هتلحقني، زمان كنت بتعمد أغلط عشان الملك يغضب عليا ويعاقبني وإنت تيجي من وراه تراضيني وتصالحني.. لكن من يوم ما هجرتني وأنا قسيت على نفسي وعملت المستحيل عشان ما أغلطش لأني من هتحمل عقاب بعيد عنك.. حتى لما "نيرون" كان بيحاول يئذيني كنت بقف في وشه وبرد أذاه، لكني المرة دي ما قدرتش أرده، ومحتاجاك جنبي.. محتاجاك يا "خوان".. محتاجاك قوي.
 
=طب اديني فرصة أتنفس الأول وبعدين نشوف موضوع الاحتياج ده
قال جملته دي بصوت خافت، لكنه أحياها من جديد، و دب شعاع الأمل جوه قلبها وهي بترفع راسها بعيد عنه بسعادة و بتقوله بلهفة:
- إنت كويس؟ 

جعد "خوان" ملامحه بألم بينخر في ضلوعه وهو بيقولها بصوته الموجوع :
  -كويس..

وطاف بأنظاره المكان حواليه بتعجب وهو بيسألها :
  - أنا جيت هنا إزاي؟!.. وفين جلالة الملك؟
 
ابتسمت "هيرينا" بسعادة وهي بتمسح دموعها بطرف وشاحها وبتقوله:
  - جلالة الملك بذات نفسه هو اللي أنقذك وشالك من الكهف لحد هنا، وماسابكش غير لما أطمن عليك من الطبيب، وعرف إن مجرد ما الدوا يشتغل هتبقى كويس.
 
اتنهد "خوان" براحة وهو بيقولها:
  - يعني جلالته بقى أحسن؟ 
  
هزت راسها بابتسامة ماكرة ذات معنى وهي بتقوله بلوم لعدم ثقته فيها :
  - بقا أحسن، العشبة وصلت له بأمان، والطبيب استخلص منها الترياق، وجلالته رجع زي الأول وأحسن كمان.
 
فهم "خوان" قصد "هيرينا" وسعيها لخلق جو من العتاب، لكنه كان فاقد لجزء كبير من طاقته، فاختار الصمت للحظات قبل ما يضيق عينه بتذكر وهو بيقولها :
  - و "نور"؟
 
رفعت "هيرينا" حاجبها بغيرة مشتعلة ما حاولتش تداريها وهي بتقوله:
  - مالها؟
 
 بصلها "خوان" بجدية صاحبت ملامحه وكلامه:
  - هي فين؟.. وعاملة إيه دلوقتي؟
 
ضمت "هيرينا" شفايفها بضيق، وحركت لسانها تنضف حلقها بغيظ قوي وهي بتقوم من جنبه بعصبية وبتجاوبه :
  - اطمن.. الإنسية بخير، وأكيد جلالة الملك راح يدور عليها عشان يطمن هو كمان.. وأنا كمان بما إني إطمنت عليك يبقى وجودي هنا معتش له داعي.. عن إذنك. 
  
واستدارت مغادرة تصاحبها موجات متلاطمة من الغيرة، وتتابعها تيارات هادئة من العشق المتيم. 

*******
الوضع عند "نور" رغم ثبات نفس الظروف المحيطة بيها، إلا إنه اتحسن بصورة كبيرة، اتحسن نفسيًا كتير بالنسبالها، لأن إحساسها بوجود "فولاك" حواليها إداها شعور كبير بالأمان، حتى الضلمة اللي محاوطاها بطلت تخوفها لأنها مغمضة عينيها طول الوقت عشان تحتفظ بنظرته الأخيرة لها جواها، أما الأصوات اللي كانت مستمرة حواليها، فهي مش سامعاها من الأساس، صوت "فولاك" وصداه هو اللي كان بيتردد جواها وبقوة.

من جوه عالمها الخاص اللي قفلته عليها مع ذكريات اللحظات الأخيرة ليها مع "فولاك" رفعت راسها بإنصات كبير وبلهفة أكبر مجرد ما سمعت خطوات بتقرب منها، عشان تهمس :
  - دي مش خطوات الملكة، دي خطوات حد ملهوف وبيجري بأقصى سرعة ليه.
 
وفعلًا مجرد ما خلصت كلامها كان باب الزنزانة بيتفتح ونور قوي جاي من وراه مبين ضل اللي قدامها، لكنها لحظات بسيطة وكانت كل ملامحه واضحة ليها مجرد ما قرب منها ونزل على ركبته قدامها وهو بيبصلها بكل أسى وأسف :
  - حقك عليا.. أنا الغلطان إني عرضتك للموقف ده.
 
دموع "نور" سالت بشكل لا إرادي وبغزارة وهي بتبص لـ "فولاك" كأنه طوق النجاة بالنسبالها، صوت بكاها ابتدى يعلى بشكل تدريجي لحد ما دخلت في نوبة بكاء شديدة، بكاها ده كان نار بتحرق قلب "فولاك" اللي نفسه يضمها لحضنه بقوة عشان يطمنها، لكنه مانع نفسه بكل قسوة، نفسه يطبطب عليها ويقولها ما تخافيش، لكنه حالف ما يلمسها بدون وجه حق.

بكاها كرابيج بتجلده، وبتحسسه بعجزه، عجزه اللي أشعل غضبه من والدته، فكور ايده بكل عصبية وضرب الأرض بقبضته عشان تتزلزل تحت رجليهم.

رعب قوي دب في قلب "نور"، اللي ما كانش قدامها غير حضن "فولاك" تتحامى فيه بكل قوتها وهي تصرخ فيه بتوسل :
  - خرجني من هنا، بالله عليك خرجني، أنا عيشت أسوأ أيام حياتي.. خرجني. 
  
ونطقت كلمتها الأخيرة وهي بتستسلم لإغماءها بين دراعات "فولاك" بكل اطمئنان، عشان يتنهد تنهيدة قوية تزود نار قلبه وهو بيضمها لصدره وبيشيلها ويقوم بيها يخرجوا بره الزنزانة. 

********
غضب "نيرون" من "فولاك" و"هيرينا" توحش جواه وتمكن منه، وسيطر عليه بشكل كامل؛ حتى ملامحه إتحولت بالكامل لملامح شيطانية، تصرفاته تخطت تصرفات الشيطان ذاته، لدرجة إنه تفوق عليه وانتصر وهو بيقدم له قربان الخضوع التام.

"نيرون" جمع دماء كل الحراس اللي قتلهم في إناء كبير ضخم، وابتدى يشرب منه كميات كبيرة، أكبر من المسموح بيها بكتير، لحد ما اتفتحت بوابة الجحيم المشتعل، وظهرت عيون الشيطان الثائرة في ظُلماتها، وابتدى صوت زئيره يزلزل جدران الغرفة، عشان يبص ناحيته "نيرون" المُلطخ بالدم وهو بيقوله بهذيان :
  - أهلًا بالشيطان الأكبر.. مستنى القربان الأخير؟
 
ودار "نيرون" حوالين نفسه وهو بيرفع الوعاء فوق راسه وبيدلق منه على نفسه بسعادة كبيرة وهو بيقوله :
  - أنا اللي هيتقدم ليا القرابين من هنا ورايح، أنا اللي هكون حارس بوابة الجحيم، أنا اللي هفتحها لخدامي المخلصين بعد كده.. أنا اللي هسيطر على جميع ممالك النار، أنا اللي الكل هيخاف مني ويعملي ألف حساب. 
  
كلام "نيرون" وغروره استفز الشيطان بشكل كبير، لدرجة إن ثورته وغضبه اللي نفس عنهم بزئير قوي وقع جدران البوابة، إلا إن نظرة واحدة من "نيرون" للحجارة رجعت مكانها من جديد، وده اللي زود من غضب الشيطان لأنه إتأكد من قوة "نيرون" اللي تساوت مع قوته تمامًا. 

كبرياء وغرور الشيطان خلوه يغادر نفق الجحيم ويعبر بوابته، ويدخل أوضة "نيرون" اللي مجرد ما شافه قدامه انبهر بدمامة مظهره، وبشاعة شكله، وابتسم له يستعرض أنيابه الحادة وهو بيفتح ايده يستعرض غرفته ويقوله :
  - أهلًا بيك في مملكتي الخاصة، مملكتي اللي بتخضع لقوانيني وشروطي، واللي أنا صاحب الأمر فيها، وايدي الإيد العليا فيها. 
  
ورفع "نيرون" عينيه ناحية البوابة اللي استجابت للأمر واتقفلت بكل قوة، عشان تبتدي الحرب الأخيرة بين "نيرون" و الشيطان. 

حرب كانت متكافئة القوى، ومتساوية الشر، لكن الغلبة فيها كانت لذلك الشيطان اليافع "نيرون" اللي سحب الشيطان لمكان قوته وقدر يهزمه شر الهزيمة ويتربع هو على عرشه. 

*******
"فولاك" مجرد ما نيم "نور" في سريرها واطمن عليها من الطبيب "أوتو" اللي أتعرف عليه وعرف كل الحكاية منه مجرد ما فاق من غيبوبته ، واللي ابتدى يثق فيه بشكل كبير، اتنهد بقوة وهو بيخرج بره الأوضة، وبيدي التعليمات للحراس الخاص على بابها، بمنع دخول أي مخلوق غيره للغرفة. 

اتحرك "فولاك" ناحية الحديقة الخاصة بقصره، وفي الركن الخاص بيه، واللي ممنوع أي حد يقرب منه نهائي غير "خوان"، قعد سرحان ومهموم، محتار بين والدته اللي قررت تئذي "نور" ومش هترجع عن أذاها ولا هتستسلم أيًا كان السبب، وبين "نور" اللي قلبه هواها من أول لحظة شافها فيها في بيتها، واللي قلبه نبض بين ضلوعه عشانها بس. 

اتنهد تنهيدة حارة وهو بيقعد على مقعد من المقاعد اللي في الحديقة بشرود كبير لاحظته وأنا واقفة جنبه بصمت تام من يوم ما تابعت أحداث ومشاكل المملكة، كنت واخدة دور المشاهدة الناقلة للأحداث بكل حيادية وفي صمت تام، كنت حزينة عشان اللي حصل لـ "فولاك" رغم غضبي منه، وكنت سعيدة بإخلاص "خوان"
ووفائه لصديقه، لكني دلوقتي فضلت الكلام عن الصمت، وقررت أتدخل في الأحداث حتى لو بنصيحة بسيطة.

سحبت نفس قوي وأنا بقفل دفتري اللي بسجل فيه، وبروح أقعد قصاد "فولاك" اللي شايفني ماشية جنبه طول الوقت، واللي اتنهد بكل قوة وهو بيقولي:
  - سيبتي مكانك ليه؟.. المفروض إنك بتتفرجي على الأحداث، ما بتعيشيهاش.
 
مطيت شفايفي بتهكم وأنا بقوله :
  - ما بعيشهاش؟!.. دا أنا من يوم ما جيبتني هنا وأنا مسحولة معاكم، بجري من هنا لهنا عشان أشوف الحكاية اللي إنت اخترت تمشيها بمزاجك، واللي اخترت إنك تكتبها على كيفيك! 
 
رفع "فولاك" عينيه الثابتة ناحيتي يبصلي بشرود طويل قبل ما يقولي:
  - وهمشيها على مزاجي برضه.
 
اتعصبت منه، وحطيت دفتري على المقعد جنبي وأنا بشوح بإيدي في وشه وبقوله بسخرية:
  - وده إزاي بقا إن شاء الله؟!.. دا أنت من أول يوم أنا دخلت فيه عالمكم وإنت نايم بين الحياة والموت، وكل حاجة حواليك بتتحكم فيك، "نيرون" طعنك واتحكم في الطعنة إنها ما تموتكش، "خوان" اترمى في كهف الشيطان واتحكمت فيه حية وعيالها، "نور" اترمت في زنزانة المتمردين وكانت بتموت من الرعب في كل لحظة وإنت ما قدرتش تعملها أي حاجة.
 
اشتعل غضب "فولاك" وقام من مكانه يقف قصادي بكل عصبية وهو بيقولي :
  - لكني رجعت تاني، وهنتقم من كل حد أذاني، أو أذى أي حد بحبه.
 
قومت أنا كمان من مكاني وأنا ببتسم له بإعجاب مصطنع وبقوله :
  - براڨو.. حلو قوي الإنتقام ده، الإنتقام اللي سحبوك ليه بمزاجهم هما.. بس عمومًا عشان تنتقم بحق وتعرف الحقيقة الكاملة.
 
لفيت ناحية المقعد وانحنيت أمسك دفتري أناوله ليه وأنا بقوله :
  -  هتلاقيها هنا.. كل الأحداث اللي حصلت في غيابك مكتوبة بكل صدق، وكل المشاعر اللي عاشها اللي حواليك متدونة في دفتري ده، أتمنى إنك تقراها عشان تحس باللي حسوا بيه، لأن مهما حكالك "أوتو" مش هيقدر يوصلك كل الحقيقة.
 
بصلي "فولاك" بتردد للحظات طالت قطعتها أنا بسؤالي :
  - خايف تواجه حقيقة اللي حصل في غيابك؟.. ولا خايف تعرف خبايا نفوس اللي حواليك؟ 
  
 مانطقش بحرف، لكني انحنيت أسيب الدفتر على المقعد اللي وراه وأنا بقوله :
  -عمومًا هسيبه هنا، تقدر تقراه بعد ما أمشي.. عن إذنك.

يدوب مشيت كام خطوة وأنا متجهة ناحية أوضة "نور" أطمن عليها، لقيت صوت "فولاك" الشجن بيقولي:
  - هو ينفع "نور" تحبني؟ 
  
وقفت في مكاني أسحب نفس قوي للحظات وأنا بغمض عينيا بأسى لحاله، لكني فتحت عيني تاني وأنا ببصله وبقوله بصدق :
  - ينفع.. رغم إني رافضة علاقتكم دي، لكنه ينفع.. إنت تتحب بجد يا "فولاك" بس خليك محافظ على الحاجات الجميلة اللي جواك، إوعى تتغير وتكون زي "نيرون". أو حتى زي "مويرا" مهما كانت الأسباب. 
  
اتنهد "فولاك" بقوة وهو بيبتسم ابتسامة باهتة اتبدلت مجرد ما قررت أطمنه وأنا بقوله :
  - "نور" ابتدت تحس بالأمان معاك، وإحنا الإنسيات إحساس الأمان عندنا أول طريق الحب، ويمكن يكون هو الحب نفسه. 
  
كان ظني في محله، وفعلًا اتسعت ابتسامة" فولاك" بسعادة وهو بيتنهد براحة، لكنها راحة ما طالتش كتير، لأن صرخة "نور" القوية اللي دوت في أرجاء المملكة خلعت قلوبنا إحنا الاتنين ، وجرينا ناحيتها برعب، وقلق، وفزع، اتحول لصدمة مجرد ما دخلنا ولقيناها طايرة في الهوا في وضع نومها اللي سيبينها عليه، وهدومها كلها متقطعة بوحشية، وجسمها مجروح بآلة حادة. 
تعليقات