رواية فجوة زمنية الحزء الثانى الفصل السابع 7 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل السابع بقلم فاطمة على محمد

الصدمة اللي سيطرت على "فولاك" من هيئة "نور"، لجمته للحظات، لكنه قدر يستجمع قوته ويجري ناحيتها بخوف شديد وهو رافع راسه لفوق، ودراعاته مفتوحة لها وهو يتمتم بتعويذة خاصة حررتها من براثن الوحش ده، عشان تسقط بين دراعاته ويضمها لصدره بقوة وهو بيسحب نفس قوي بصمت، وبيتحرك بيها ناحية السرير ينيمها برفق وهو باعد أنظاره عن جسمها العاري، واللي بصلي بحزم وهو بيقولي :

  - فيه هدوم عندك في الدولاب هاتيها وتعالي بسرعة. 

  

وقام من مكانه في نفس الوقت يجيب علبة صغيرة من صندوق مجوهراته الخاص، وناولهالي وهو بيكمل كلامه :

  - وادهني كل جروحها من الكريم ده، وغيري ليها هدومها، أنا هستناكي بره على ما تخلصي. 

  

هزيت راسي بموافقة وأنا باخد منه الكريم وببصله لحد ما خرج من الأوضة وقفل الباب وراه، عشان أرجع أبص ناحية "نور" تاني وأنا حاضنة الهدوم اللي مجرد ما قربت من السرير حطيتها على طرفه، وقعدت جنبها أرفع عنها باقي هدومها المتقطعة وأنا قلبي بيتوجع على منظر جسمها اللي اتشوه بشكل بشع. 


عقمت كل جروحها بمعقم كان موجود جنب السرير، وابتديت أحط الكريم بأطراف صوابعي على كل الجروح اللي مجرد ما لمسها التئمت تمامًا، واختفت، ولا كأن كان فيه أي حاجة. 


كنت مبهورة بقوة الكريم ده في الشفاء، لكني كنت مكملة في تطبيبها وأنا بسمي  بالله الرحمن الرحيم عليها، لحد ما انتهيت تمامًا، ولبستها هدومها الجديدة، وابتديت أرقيها وأنا ايدي على راسها. 


في اللحظة اللي كنت برقيها فيها دي حسيت برجفة قوية في قلبي، وايد باردة بتخنقه بكل قوتها، فهربت دمعة من عيوني عشان "نور" اللي حالها اتبدل بين يوم وليلة، واللي دخلت عالم مش بتاعها، وعاشت حكاية ما كانش لازم تعيشها، لكنه قدرها. 


اتنهدت بقوة بعد ما خلصت الرقية، وبعدت عنها وأنا بسحب الغطاء عليها وبلم هدومها القديمة، في اللحظة دي الباب اتفتح ودخل "فولاك" بلهفة شديد وهو بيقولي:

  - هي عاملة إيه؟ 

  

بصيتله بحيرة وأنا بتنفس بقوة وبديله هدومها وبقوله :

  - الحمد لله بخير، جروحها كلها طابت.. الكريم ده سحر بجد، عالج جروحها ولا كأنها كانت موجودة أساسًا. 

  

اتنهد "فولاك" براحة رغم القلق اللي كان واضح في نظراته، وبكل قوة وهو بيكور هدومها وبيرميها في زواية من زوايا الأوضة، اللي بلعتها في لحظة واختفت من الوجود، رجع بأنظاره مرة تانية ناحية "نور"، اللي ابتدت تفوق من نومها بتعابير وش متألمة. 


مجرد ما شُفتها بتفوق جريت عليها بلهفة حقيقية، عشان أطمن عليها على عكس "فولاك" اللي كان لسه متسمر مكانه، واللي بصيت له بدهشة وأنا بقوله :

  - تعالى جنبها عشان تطمن أول ما تشوفك. 

  

هز راسه برفض وعينيه متعلقة بيها بتركيز قوي، مطيت شفايفي بلا مبالاة وأنا برجع بأنظاري ناحيتها وبقوله :

  - إنت حر. 

  

في اللحظة دي "نور" استعادت كامل وعيها وصحيت من غفوتها تبص للأوضة قدامها بتوتر شديد، اختفى مجرد ما وقعت عينيها على "فولاك" اللي ابتسم لها بمودة وهو بيقولها :

  - حمد الله على السلامة. 

  

ابتسمت "نور" ابتسامة خفيفة وهي بتسند على ايديها عشان تقعد في مكانها وهي بتقوله :

  - الله يسلمك.. إنت واقف بالمنظر ده من ساعتها؟ 

  

قرب منها بابتسامة عذبة وهو بيهز راسه بنفي وبيقولها :

  - أنا لسه جاي حالًا، سيبتك ترتاحي بعد ما الطبيب طمني عليكي. 

  

كنت براقب ابتسامتها بسعادة وأنا بقعد جنبها على السرير وبقولها بعطف:

  - حمد الله على سلامتك يا "نور". 

  

تجاهلتني تمامًا كأني هوا قدامها، وده استفزني بشكل كبير، وبصيت لها بغيظ وأنا بتنفض أقوم من مكاني وبقولها :

  -  بقا دي جزاتي إني كنت هتجنن عشانك، وكنتي صعبانة عليا، وبدعي ربنا ينجيكي من العالم ده.. ماشي يا "نور". 

  

وروحت ناحية "فولاك" أصب غضبي عليه وأنا بقوله :

  - شُفت الست "نور" بتاعتك متجهلاني إزاي، ومش بترد عليا!  

  

سيطر "فولاك" على ابتسامته بصعوبة وركز بنظراته على "نور" للحظات، قبل ما يقوم من مكانه ويقرب مني وهو بيقولي :

  - ما هي مش شايفاكي ولا سامعاكي أصلًا. 

  

ضحكت ضحكة بلهاء وأنا بقوله :

  - أصلًا؟.. ليه لابسة طاقية الإخفاء ولا إيه؟ 

  

مال "فولاك" ناحيتي بجدية همس لي بيها :

  - محدش بيشوفك ولا بيسمعك في العالم ده كله غيري. 

  

رفعت عيني ناحيته بنفس البلاهة وأنا بضحك وبقوله :

  - يا راجل؟! 

  

هز راسه بإيجاب وهو بيقولي :

  - هو لو حد كان شافك ولا سمعك كان سابك في حالك وإنتي عمالة تتنططي من هنا لهنا؟

  

ضيقت عينيا بتركيز في كلامه اللي كمله بكل جدية وهو لسه بيهمس :

  - من لحظة ما عبرنا الهاوية وأنا قارئ عليكي تعويذة التورية، عشان كده بتتحركي بكل أريحية. 

  

لسه بضحك نفس الضحكة وأنا ببصله بإعجاب قبل ما أبص ناحية "نور" اللي كانت بتبصلنا بصمت تام، عشان أرجع أبصله تاني وأنا بقوله :

  - والست "نور" شايفاك دلوقتي وسامعاك وأنت بتكلم شبح خفي؟

  

هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيجاوبني :

  - "نور" دخلت الفجوة دلوقتي، يعني لا شايفة ولا سامعة. 

  

هزيت راسي لفوق بتذكر وأنا بقوله :

  - فجوة زمنية!.. آه.. زي اللي كانت بتدخلها وهي متجوزة يونس؟!.. يعني إنت اللي كنت السبب في كل ده. 

  

سحب "فولاك" نفس قوي بغيظ شديد وهو بيقولي :

  - أديكي عرفتي كل حاجة، ياريت تكتبي حكايتنا وإنتي ساكتة. 

  

و راح بأنظاره للحظات تاني ناحية "نور" اللي اتنهدت بتوتر وهي بتسترسل في كلامها بشكل طبيعي:

  - أنا الحمد لله أحسن، بس شُفت كابوس وحش قوي، من بشاعته حسيت إنه حقيقة. 

  

ابتسم "فولاك" ابتسامة باهتة وهو بيقولها :

  - كان مجرد كابوس وراح لحالة.. قومي معايا نخرج عشان تشمي هوا. 

  

رفعت "نور" الغطا عنها ونزلت من السرير وهي بتقوله :

  - محتاجة ده جدًا. 

 

********

كانت "هيرينا" في غرفتها بتمشط شعرها وهي سرحانة في انعكاسها في المراية وابتسامة خفيفة بتغازلها بين وقت والتاني وهي بتفتكر "خوان" وكلامه معاها، عشان تتنهد أخيرًا باشتياق جارف وهي بتهمس:

  - وحشتني يا "خوان".. كنت أتمنى لحظة ما كنت في حضنك دي تفضل العمر كله.. آه لو تسامح ونرجع تاني زي ما كنا. 


وسكتت تمامًا وعلامات العشق على وشها بتتحول لأكتر علامات جدية وهي بتحرك راسها بهدوء قبل ما تاخد قرارها النهائي وتقول :

  - هنرجع.. مهما كان التمن هنرجع ، واللي دفعته زمان جه الوقت يدفعه أضعاف دلوقتي. 

  

اقتحام مفاجئ لغرفتها قطع كلامها مع ذاتها، عشان تتجه بأنظارها ناحية المتطفل ده، واللي ما كانش غير "نيرون" اللي هجم عليها بكل وحشية يقبض على رقبتها بقبضته وهو بيقولها بغضب مستعر :

  - تبيعيني أنا عشان خاطر "فولاك"؟! .. طب أديكي جيتيلي لحد عندي تاني، ومفيش مخلوق هيقدر يرحمك من تحت ايدي. 

  

استجمعت "هيرينا" كل قوتها ومسكت ايده بإيديها الاتنين، وابتدت تضغط عليها بكل طاقتها، وروحها الغاضبة ضاعفت من قبضتها دي، لدرجة إنه حرر رقبتها وهو بيصرخ فيها :

  - بتقاوميني يا "هيرينا"؟! 

  

اتنفست بقوة تملا رئتيها بالهوا وهي بتقوله :

  - ده دلوقتي بس، لكن بعد كده هحاربك، ومش هتقدر تقف في وشي. 


قهقه "نيرون" قهقهات شيطانية وهو بيستعرض قدامها شكله الشيطاني اللي اتحول له وهو بيقولها :

  - خسرانة.. كل حروبك ضدي خسرانة يا غبية.. دلوقتي السطوة بقت ليا أنا، لا "فولاك" ولا "خوان" ولا حتى "شمس الأخاديد" هيقدروا يقفوا قصادي. 

  

ارتبكت "هيرينا" للحظات بصدمة وهي بتراقب تحوله قدامها لشيطان دميم، قبل ما تبلع ريقها ببطئ وهي بتقوله بثبات تحلت به :

  - حتى لو اتحولت لإبليس اللعين ذاته؛ هتخسر، مش عشان هما أقوى، وأذكى..  ده عشان إنت ضعيف، وفاشل، وغبي. 

  

استشاط غضبه وتضاعف ودوى صوت زمجرته في أنحاء الغرفة وهو بيقولها بوحشية :

  - الفاشل والضعيف والغبي ده انتصر على الشيطان ذاته وقضى عليه وأخد مكانه، وبوابة الجحيم بقيت أنا حارسها الأوحد ، وبقيت المتحكم في مصاير وأقدار الكل. 

  

ضحكت "هيرينا" ضحكة ساخرة وهي بتقوله  :

  -  عشان أضعف منك، وأغبى منك، وعمره ما قدر يتحكم في مصاير وأقدار حد، وإن كنت فرحان بالمكان اللي أخدته ، فهو كان فرحان قبلك لما أخد المكان من شيطان غيره، وبكره هيجي اللي يهزمك، بس المرة دي مش هياخد مكانك، لأنه أنضف وأطهر منك مليون مرة. 

 

صفعة قوية استقرت علي وجهها، لكنها كانت ثابتة كالجبل، بتبصله بغضب وحقد، لكنه صرخ في وشها بكل قوته :

  - ساحة المعركة مفتوحة قدامك، بس مش كل الحروب بتدور فيها. 

  

اتنفست "هيرينا" بكبرياء وشموخ وهي بتقوله :

  - وأنا داخلة الحرب بكل قوتي، وببلغك عشان تعمل حسابك إن "فولاك" مش هيكون لوحده. 


ضحك "نيرون" ضحكة مستهزئة وهو بيقولها :

  - مش معنى إنك ساعدتيه وغدرتي بيا يبقا هيثق فيكي، ده نوع من الجن لو فقد الثقة عمره ما يدور عليها تاني.. يعني عمره ما هيفتح لك أبواب مملكته ويستقبلك بالأحضان. 

  

هزت "هيرينا" راسها بسخرية وهي بتديله ضهرها وبتقوله بتهكم :

  - ويستقبلني في مملكته ليه؟.. أنا مش هسيب مملكتي وقصري من الأساس، إنت ناسي إن ده قصري اللي اتجوزت فيه "خوان"، واللي هيرجع يعيش معايا فيه تاني. 


 ********

 طريق جبلي واعر كانت "شمس الأخاديد" بتمشي فيه بمفردها، من غير ما تاخد معاها أي حراسة، وكان التوتر والقلق ظاهرين عليها بشدة، لدرجة إنها بين كل وقت والتاني تتلفت وراها تتطمن إن محدش بيراقبها، لحد ما اتنفست بقوة وهي بتقف في مكان في جوف الجبل.


اتلفتت وراها للمرة الأخيرة باطمئنان قبل ما تقرأ التعويذة بصوت عالي اترج له الجبل ، واتحركت صخوره، عشان تكشف عن كهف شبه مُظلم وراها.


اتقدمت "شمس الأخاديد" ناحية الكهف ودخلته عشان يتقفل وراها مجرد ما وصلت لنصه بالظبط، ووقفت فوق صخرة مستديرة، دارت بها مرتين قبل ما يتفتح باب تاني بيكشف وراه عن جناح ملكي راقي، كل أثاثه من الدهب الخالص، وفرشه من الحرير الأصلي.


ابتسمت "شمس الأخاديد" بسعادة وهي بتدخل جوه الأوضة اللي كانت مشاعلها خافتة لحد كبير، لكنها منوراها النور اللي يكشف من غير ما يفضح تفاصيل.


اتنهدت بسعادة وهي بتشيل عنها قفطانها الأسود الطويل، عشان تظهر بفستان أنثوى صارخ، كاشف كتير من جسمها، اللي خصلاتها النارية مغطياه بعشوائية، وهي بتقرب من ترابيزة صغيرة متغطية بقطعة قماش من الحرير الأحمر، رفعتها بأطراف أصابعها وهي بتبص لوليمة الطعام بابتسامة واسعة قبل ما تاخد منها ثمرة تفاح سودا تاكلها بتلذذ وهي بتروح ناحية المراية تتطمن على هيئتها الأنثوية.


بعد لحظات من تأملها لمفاتنها بإعجاب وانهار قوي ، ظهر وراها جني شاب ابتدى يقرب منها بابتسامة واسعة وهو بينحني ناحية رقبتها يقبلها قبلة طويلة قبل ما يقولها وهو بيبص لانعكاسهم في المراية :

  - وحشتيني قوي.. طولتي الغيبة عليا.


ابتسمت "شمس الاخاديد" ابتسامة ماكرة وهي بتتلف بكل جسمها عشان تكون مواجهة له وتقوله بصوت مغناج :

  - دول هما كام يوم يا "آشماداي".. الملك "فولاك" كان مريض، وكان لازم أسيبك وأروح أطمن عليه وعلى المملكة اللي بعدت عنها من يوم ما عرفتك. 

  

نزل "آشماداي" براسه يقرب منها وهو بيضع قبلة حارة على خدها المشتعل وبيهمس جنب ودنها بإغواء :

  - ندمانة إنك بعدتي عن المملكة بسببي؟ 


رفعت ايديها تحاوط عنقه وهي بتسرح فيه للحظات قبل ما تتنهد وتقوله :

  - بالعكس، أنا ندمانة على كل الأيام اللي حبست نفسي فيها في المملكة، وضيعتها  وأنا بعيد عنك، كل ما أفكر إزاي أنا كنت عايشة قبلك أحس بحزن قوي، سجنت نفسي وعزلتها من بعد موت جلالة الملك "برقان".. 

  

 بقبلة غاضبة، حارة، مفاجئة قطع كلامها "آشماداي" للحظات طالت انقطعت فيها الأنفاس، لكنه استمر كعقاب ليها قبل ما يقرر ينهيها بطريقته الخاصة وهو بيقولها بحزم :

  -لسانك ده ممنوع ينطق باسم جني غيري حتى لو كان جوزك السابق. 


للحظات صمت طويلة حاولت "شمس الأخاديد" تنظم أنفاسها اللي كانت قربت تتقطع وهي بتبصله بامتنان لتجربتها الفريدة دي، واللي اكتشفتها معاه لأول مرة، عشان تتنهد بقوة وهي بتقوله :

  - أنا من يوم ما عرفتك وأنا اكتشفت إني ما كنتش متجوزة، كل حاجة معاك مختلفة "آشماداي"، بتعرف تتعامل معايا كويس، خليتني أحب نفسي من جديد، معاك بنسى فرق السن بينا، وبنسى إني أم لملك عظيم زي الملك "فولاك". 

  

عاود "آشماداي" فعلته مرة أخرى، لكن بجرأة أكبر، فهو خبير ومختص في هذه العلاقات، ليبتعد عنها قليلًا وهو بيقولها :

  - ومعايا هتنسى الوقت والدنيا كلها. 

  

وسحب ايديها إلى ركن مُظلم تمامًا. 


********

في الحديقة الخاصة بـ "فولاك" كان ماشي جنب "نور" اللي كانت مبهورة بالنباتات والأشجار الغريبة اللي موجودة فيها وهي بتقوله :

  - سبحان الله، الزرع هنا غريب جدًا، لكنه جميل وفريد، تحسه إنه محطوط في متحف، من بعيد تقول ده منحوت من صخور ملونة، لكن مجرد ما تقرب منه وتلمسه تحس بإبداع الخالق. 

  

وزع "فولاك" نظراته ما بينها وبين الحديقة اللي حافظها عن ظهر قلب، لكنه النهاردة بيستكشفها معاها من جديد، قلبه يتمنى يتجاوب معاها في براءتها وسعادتها، لكن عقله اللي هينفجر من الصراع اللي جواه، وفضوله اللي مسيطر عليه كليًا خلاه يقطع لحظتها دي، وهو بيبصلها بتركيز شديد و بيسألها:

  -ما قولتليش إيه حكاية الكابوس اللي شُفتيه؟ 


علامات الضيق والتوتر ظهرت على ملامح "نور" اللي اتبدلت تمامًا وهي بتقوله :

  - طب ليه بتفكرني بالموضوع ده؟ 


ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة يطمنها بيها وهو بيقولها :

  - أنا عارف إنه مزعج ليكي، بس محتاج أعرف. 

  

اتنهدت "نور" بقوة وهي بتمط شفايفها باستسلام وبتقوله :

  - أول مرة أعرف إنك فضولي بالشكل ده يا "فولاك".. عشان كده هشبع فضولك ده وأحكيلك. 

  

ابتسامة "فولاك" ما فارقتوش وهو بيبصلها قبل ما يبص ناحية مقعد خشبي في الحديقة وهو بيقولها :

  - إحكيلي وإحنا قاعدين. 

  

هزت "نور" راسها باستسلام وهي بتمشي  ناحية المقعد، وقعدت وهي بتقوله بامتعاض كأنها بتعيش الكابوس مرة تانية:

  - كنت نايمة؛ حسيت بالبطانية بتتسحب من فوقي براحة، شديتها وحضنتها بقوة  وأنا متبتة فيها، لكنها رجعت اتشدت تاني، بس أقوى من الأول، حاول أشدها بكل قوتي لكني كنت الأضعف، فتحت عينيا أشوف مين اللي مصمم يشدها ده، لقيت خيال أسود ضخم فوقي، اترعبت، وزقيته بكل قوتي لكني فشلت، حاولت أصرخ وأنادي عليك لكن صوتي ما طلعش، فضلت أقاوم وأقاوم، والكائن ده بيكتفني بكل قوته، وابتدى يقطع في هدومي بضوافره، ضوافره اللي شقت جسمي، وكانت زي النار اللي بتحرق فيه، اتوجعت قوي وحاولت أصرخ تاني وتالت وصوتي برضه مش مطاوعني... فجأة شالني ورفعني في الهوا وابتدى يلف بيا بكل سرعته لحد ما دوخت وفضلت أصرخ بعزم ما فيا وأنا مرعوبة.. فجأة صوتي طلع وسمعت صداه في وداني. 

  

 ملامح وش "نور" كانت بتتفاعل مع الموقف كأنها عايشه فعلًا، أما "فولاك" فملامح الغضب والوجع فكانت ممزوجه بنظراته الحنونة ليها، نظراته اللي كانت بتحضنها بكل قوتها عشان تطمنها، لحد ما اتنهدت بابتسامة مرتبكة وهي بتقوله :

  - بس الحمد لله صحيت لقيتني نايمة في السرير زي ما أنا وهدومي سليمة، ومفيش أي جرح في جسمي، والأهم من كل ده إني لما لقيتك واقف قدامي؛ اطمنت. 

  

مجرد كلمة من خمس حروف نطقتها "نور" بكل عفوية وأريحية، لكن أثرها في نفس "فولاك" كان أقوى وأصعب بكتير، فكانت زي سلسلة من نار بتحاوطه وتكتفه بعهد خيانته دمار. 


غمض عينيه للحظات وهو بيقسم جواه إنه يحافظ على عهده ليها، وإنه يكون بر الأمان والطمأنينة في حياتها. 


وفتح عينيه تاني بابتسامة وهو بيقوم من مكانه وبيقولها :

  - كفاية كده النهاردة، إنتي لسه تعبانه. 

  

هزت "نور" رأسها بنفي وهي بتقوله :

  - لأ.. أنا كويسة. 

  

بصلها "فولاك" بمحبة وهو بيقولها بلين:

  - ارتاحي النهاردة وبكره نكمل كلامنا، وبعدين أنا عايز أطمن على "خوان". 

  

شهقت "نور" شهقة قوية بتذكر وهي بتضرب جبينها بكفها وبتقوله :

  - "خوان"!.. تصدق نسيت أطمن عليه أو حتى أسألك عنه، أنا هاجي معاك أطمن عليه. 


هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيتحرك ناحية أوضتها وبيقولها :

  - هبلغه سلامك، بس لازم ترتاحي دلوقتي، إنتي تعبانة أكتر منه، وماتخافيش أنا حصنت أوضتك بتعويذة، يعني تقدري تنامي في سلام، وأنا هخلص مع "خوان" شوية مسائل خاصة بالمملكة وهجيلك. 

  

أنهى "فولاك" كلامه وهو بيقف قدام باب أوضتها بالظبط وبيفتحه وهو بيقولها :

  - احلمي بأحلام حلوة. 

  

حاولت "نور" الاعتراض لكنه ماكانش عطيها أي فرصة لكده، ودخلها وقفل الباب وهو بيدي أوامره للحرس:

  - خدوا بالكوا منها كويس جدًا، وبرضه ممنوع أي حد يدخل لها، ولو حسيتوا بأي حركة غريبة جوه الأوضة اتعاملوا معاها.

  

انحنى قائد الحرس بطاعة لأوامر ملكه الذي هرول إلى غرفته ليبدأ مع صديقه الكشف عن من اقتحم المملكة. 


********

  في صالة تدريب لمهارات الجن الفريدة كان "خوان" بيتدرب بكل همة ونشاط، عشان يقوي خواصه في التعامل مع الشيطان أو من على شاكلته. 


كان بيلهث بقوة من المجهود المفرط اللي بيبذله وصورة "هيرينا" شاغلة كل خياله وتفكيره، تحامل على ألم ضلوعه اللي كانت لسه في مرحلة إلتئام عشان متأكد إن "نيرون" مش هيهدى غير لما يجر "فولاك" وجنوده للحرب . 


كل الأفكار دي كانت بتدور في دماغ "خوان" لكن دخول "فولاك" وانضمامه ليه قطعها تمامًا، لكن أقحمه في مناقشة أقوى بكتير وهو بيقوله بغضب وغيظ :

  - حد غريب اقتحم المملكة، واقتحم أوضة "نور". 

  

دهشة وتعجب سيطرت على ملامح "خوان"  اللي نطق بصدمة:

  -وعمل لها حاجة؟ 


هز "فولاك" رأسه بنفي وهو بيزفر زفرة قوية وبيقوله :

  - دي كانت رسالة بيوصلها ليا.. بيقولي أهو قدرت أدخل مملكتك، مش كده وبس، دا أنا قدرت أدخل أوضة ضيفتك وكنت أقدر...

  

اتنهد "فولاك" بمشقة وهو بيقطع كلامه عشان يباغته "خوان" بتساؤل:

  - "نيرون"؟ 

  

ضغط "فولاك" على شفايفه بقوة للحظات قبل ما يقوله :

  - بالمنطق لأ.. المملكة كلها محتصنة ضده، يعني لو عدى سورها هيتحرق، لكن من إمتى فيه منطق في عالمنا؟ 

  

بصله "خوان" للحظات بتفكير قبل ما يقوله :

  - طب مش ممكن اللي عمل كده يكون حد من جوه المملكة. 

  

بصله "فولاك" بصمت للحظات أنهاها وهو بيقوله بثبات:

  - تقصد جلالة الملكة "شمس الأخاديد"؟ 

  

هز "خوان" راسه بموافقة عشان يكمل "فولاك" بنفس نبرته :

  - مش بعيدة عن دايرة الشك، ومش هي بس.

  

ضيق "خوان" عينيه بتأمل لملامح صديقه وهو بيقوله بتوجس :

  - الأميرة "هيرينا"؟ 

  

اتنفس "فولاك" نفس قوي بجدية وهو بيقوله :

  - بلاش نسبق الأحداث، أكيد الحقيقة هتنكشف، وهعرف مين اللي اتجرأ إنه يئذي "نور"... تعالى معايا. 

  

وغادر الملك "فولاك" غرفة التدريبات، عشان يلحقه "خوان" بعقل الصراع جواه اشتعل للذروة. 


******

على البوابة كان جنود الحرس حاسين بريبة، وكأن فيه أمر جلل هيحصل، دوامات من الريح العاتية بتحوم حواليهم لسبب مجهول، حتى رئيسهم اللي كان واقف متأهب لصد أي هجوم كان مشوش لدرجة إنه عجز عن فك طلاسم الرياح دي، لكنه في وضع الاستعداد مستني حضور الملك "فولاك" اللي بعتله واحد من جنوده يبلغه بالأمر، وينقله الصورة كاملة، وفعلًا كان الجندي وصل لـ "فولاك" و "خوان" وبلغهم الرسالة، عشان يثور غضبهم ويسبقوه للبوابة بنيران من سعير. 


 دقايق وكان "فولاك" بينزل على طرف سور المملكة وجنبه "خوان" المتأهب، عشان يبتدوا يتفحصوا الدوامات دي بصمت تام، وتركيز قوي، وينحني لهم قائد الحرس بترحاب :

  - أهلًا بجلالة الملك "فولاك" والقائد "خوان" العظيم. 

  

اتلفت له "خوان" يبصله بصة ذات مغزى ارتبك ليها قائد الحرس واتلجلج في الكلام وهو بيديه تقرير وافي :

  - الدوامات ابتدت بهبات خفيفة للرياح، اعتقدنا إنها رياح عادية، لكن فجأة اتحولت للدوامات اللي جلالتك شايفها يا مولاي، وللأسف ما قدرناش نفك طلاسمها ولا نعرف هي تبع أي مملكة. 

 

كان "فولاك" بيسمع لكلام قائد الحرس بإرهاف شديد، في نفس الوقت اللي  بيتفحص ثغرات الدوامات دي بعيون ثاقبة كالصقر، وهو يهمس بتعاويذ كاشفة قوية، لكن حصن الدوامات كان أقوى بكتير بشكل قطع شك "فولاك" بهوية المقتحم . 


قوة "فولاك" وكبرياؤه منعه من الاستسلام، وخلاه يضاعف قوة تركيزه حتى لو سخر كامل قوته في النقطة دي، وده فعلًا اللي حصل، عشان تكون النتيجة انهيار الحصن من حوالين الدوامات دي وكشف صاحبها اللي ما كانش غير "نيرون" وأتباعه. 


اندهش "فولاك" للحظة من قوة "نيرون" العجيبة واللي ما كانش يملك حتى لو جزء قليل منها، واللي معرفته بيه استبعدته من الهجوم ده لقوة حصونه ، لكنه تغلب على اندهاشه ده في لحظة، وقفز من مكانه لجوه الدوامة وهو بيقول بصوت جهوري:

  - فيه معركة بينا لسه ما خلصتش يا أخي العزيز، النهاردة أوعدك إني أخلصها وبسيفي. 

  

مجرد ما سمع "خوان" والحرس كلام "فولاك" انضموا ليه في لحظة واحدة وابتدت معركة ضارية. 


 معركة كان هدف "فولاك" واضح فيها، ومحدد وهو "نيرون" لأنه تاره معاه هو ومش مع أي حد غيره. 


ابتدى "فولاك" يضرب بسيفه "نيرون" اللي كان بيتفادى الضربات بحرفية كبيرة أشعلت ذهول وتعجب "فولاك"، لكنه لسه مصمم على الفوز، وابتدى يختبر كل نقاط قوة وضعف "نيرون" اللي تحلى بوحشية الشيطان. 


*******

 أما الحرس قدام أوضة "نور" فكان يقظ بشكل كبير، ده غيره إنه متأهب لأي أمر طاريء، وتبع لأوامر الملك "فولاك" منعوا دخول أي مخلوق للأوضة؛ حتى الخادمة اللي كانت عايزة تدخل لها أكل منعوها، الوضع كان هادي بشكل مطمئن خلى الحراس يسترخوا للحظات بسيطة، لحظات قطعها صوت ضجيج قوي جوه أوضة "نور". 

الفصل الثامن من هنا 

تعليقات