رواية فجوة زمنية الفصل السادس بقلم فاطمة على محمد
مجرد ما نطق "يونس" اسمي اتسحبت جوه دوامة من اللاوعي، واتحاوطت بهالة عجيبة عزلتني عنهم تمامًا رغم إنهم قدامي وشايفاهم حتى لو بشكل ضبابي، إنما أصواتهم وكلامهم كان غريب، كان صداه قوي كأنه جاي من بير عميق.
لحظات قليلة عيشتها في الحالة دي قبل ما أحس برجفة قوية في قلبي، كأني بقع من فوق جبل عالي، عشان فجأة ألاقي نفسي بتسحب بقوة جبارة جوه أسطوانة إزاز ضيقة، الصرخة محبوسة جوه حلقي مش قادرة أحررها، ووجعي كان وحش جعان بينهش جسمي بكل شراهة، الهوا في الانبوبة بيقل، والضغط بيزيد، وألمي بيتضاعف.
روحي بتتسحب حرفيًا، مش عايزة أموت دلوقتي، عايزة أفهم كل حاجة الأول، أفهم اللي حصل واللي بيحصل، فضلت أقاوم بكل طاقتي اللي بتخلص أساسًا، لكن كل حاجة كانت أقوى مني، بس آخر حاجة فاكراها قبل ما استسلم لمصيري، كانت خبطة قوية على أرض صلبة.
مش عارفة الوقت اللي عدى كان قد إيه، دقايق، ساعات، ولا حتى أيام! ؛ وأنا بفتح عيني بألم أستكشف المكان حوليا، فتحتهم لآخرهم أحاول أخترق الضلمة اللي عايشة فيها دي لكني فشلت، مديت ايدي ألمس الأرض جمبي في محاولة فاشلة مني لاكتشاف أي حاجة عن طبيعة المكان اللي أنا فيه ، لكن فجأة دب في قلبي خوف شديد بقبضة قوية خليتي أغمض عينيا وأنا بدفن راسي بين رجليا وبغطيهم بإيديا بشكل تلقائي.
دموعي اللي ما كنتش قادرة أسيطر عليها كانت بتحرق جلدي بشكل أول مرة أجربه، كأنه كان عقاب لعياطي ده، ألم شديد أجبرني إني أحبس دموعي وأنا بكتم بإيدي شهقة ألم قوية لحد ما حسيت بتيار هوا شديد حرك جسمي بقوة خبطتني في حيطة باردة.
مجرد ما جسمي لمس الحيطة دي حسيت بالدم اتجمد في عروقي، وكل جسمي اتحول للوح تلج، يمكن قلبي بس اللي كان محتفظ بحرارته ونبضاته اللي كنت سمعاها بتصرخ مع كل تيار هوا بيهب في المكان، لحد ما في لحظة عم السكون ، وحرارة جسمي رجعت طبيعية وبشكل سريع جدًا، حتى دقات قلبي انتظمت والخوف اللي كان ماليه اتشال منه.
بدأت أفك ايديا بحذر شديد وأنا برفع راسي اللي عينيا سبقتها بلهفة وفضول لكشف حقيقة كل اللي دار حواليها.
صدمة قوية سيطرت على جسمي اللي أخد الإشارة من عدسة عيني اللي ابتدت توسع وهي بتطوف المكان اللي كان عبارة عن جبال جليد شفافة مدببة محوطاني من كل اتجاه، رفعت راسي لفوق أحاول أجيب آخرها لكني فشلت كالعادة.
على قمة جبل منهم كان فيه حاجة بتتحرك ناحيتي، وكل ما تقرب كل ما تكبر وهيئتها توضح أكتر، لحد ما قرب مني وهيئته كاملة ظهرت، الشكل بشري لحد ما بس الحجم عشرين ضعف البشر العاديين، اللبس؛ قفطان طويل مغطي راسه ونص وشه، أما الصوت فكان بيرن في المكان بلغة غريبة مش فاهماها.
مفيش ذرة خوف واحدة دخلت قلبي، كأني ودعت أخر طيف ليه من شوية، وقفت بكل طاقتي وأنا برفع راسي لفوق وبقوله :
- أنا فين؟.. وإنت مين؟
صدى صوته رن تاني وبنفس اللغة اللي ما مرتش عليا في أي فيلم ولا مسلسل شوفته قبل كده، هزيت راسي أأكد له كلامي إني مش فاهماه وأنا بقوله :
- مش فاهمة بتقول إيه.
طار حوليا لدقايق، ومع كل لفة كان حجمه بيقل، لحد ما وصل لحجم وطول مقبول لحد ما، ومن تاني صدى صوته رن في المكان بس المرة دي بلغة ولهجة عربية مصرية:
- الملك "فولاك" ابن الملك "برقان" ملك الجان
طريقته في التعريف عن نفسه بصوته الجهوري كانت كفيلة إنها تدب الرهبة جوه قلبي اللي اتقبض للحظة واحدة وأنا بقوله بصوت مهزوز :
- و ملك الجان عايز مني إيه؟.. وإحنا فين؟
رجع تاني يدور في الهوا حوليا وهو بيجاوبني :
- مش هتفيدك معرفتك بالمكان اللي إحنا فيه لإنك ببساطة ما كنتيش المقصودة.
كنت في مواجهته وأنا بلف معاه بحيرة وبقوله :
- لو مش المقصودة يبقى أنا هنا ليه؟
أخيرًا استقر الملك "فولاك" على الأرض ووقف قدامي مباشرة ولسه نص وشه متغطي وهو بيحاوب سؤالي :
- لأني قررت أحميكي.
صوتي ارتفع بدهشة وأنا بقوله :
- تحميني من مين؟
كور قبضة ايده وضمها بقوة لدرجة إن عروقها أصبحت جمرات نار، بالظبط زي عينيه اللي ظهر لهبها تحت الوشاح اللي مغطي راسه وهو بيقولي:
- "يونس".
كررت الاسم بدهشة وأنا بضيق عينيا باستنكار قوي:
- "يونس"؟!.. جوزي!.. ده اللي هو إزاي يعني؟
حرارة النار اللي طالعة من عينيه وعروقه دوبت جزء من جليد الجبال حولينا، لدرجة إن الوادي اللي إحنا فيه مايته وصلت لنص جسمي بالظبط وأنا واقفة، وكل ده حصل بسرعة غريبة جدًا وهو بيقولي بغضب شديد:
- القاتل.
صدمة قوية استحوذت على كل جسمي، حتى عقلي اللي رافض كلامه ده، عشان يكمل صدمتي بقوله :
- قاتل وضيع، قتل الأميرة "مويرا" بكل خسة وندالة.
حاولت أحفظ توازني اللي اختل من سيل الصدمات اللي نازل على دماغي من كل ناحية، لكنه خذلني وسحبني لتحت الماية اللي كانت غطت أغلب جسمي.
من ميت حد حكالي عن إحساس الغرق، محدش قدر يوصف ألمه، وإحساس انفجار الرئة اللي هواها أوشك إنه ينتهي، صارعت كتير إني أقف على رجلي لكنها اتسلسلت بسلاسل في الأرض، وكمان ايديا اتسلسلت بنفس السلاسل، يعني كلها لحظات ونفسي الأخير يخرج من صدري.
في عز استسلامي لواقع بعيشه السلاسل اتفكت وجسمي اترفع لسطح الماية وأنا بشهق شهقة قوية أسحب بيها أكبر كمية من الهوا، دقايق وكنت نظمت تنفسي وأنا برفع عيني ناحيته بتوسل وبقوله :
- وأنا ذنبي إيه؟
زعق بصوت جهوري مرعب اتفتت له قمم الجبال وهو بيقولي:
- والأميرة "مويرا" ذنبها إيه؟، وشعبنا كله ذنبه إيه؟
حاولت أتفادى قطع الجليد اللي بتقع علينا وأنا برجع لورا وبقوله بخوف :
- مين الأميرة "مويرا"، و "يونس" قتلها إزاي؟
صوته لانت نبرته بحنين عجيب وهو بيقطع المسافة الفاصلة بيننا وبيقولي :
- خطيبتي.. وأميرة المياه في مملكتنا، ومن يوم ما اتقتلت وكل مايه المملكة اتحولت لجبال جليد زي دي، شعب كامل هيموت من العطش بسبب بشري وضيع.
استجمعت كامل قوتي واتحركت ناحيته وأنا بسأله بفضول بينهش قلبي :
- وجوزي ماله ومال خطيبتك، وإزاي وصل ليها أو وصلت له، دلق مايه سخنة في الحمام يعني فأذاها ولا إيه مش فاهمة؟
رجعت نظرات الغضب تاني تسيطر على عينيه، ورجع صوته أكتر غلظة وهو بيجاوب سؤالي بسخرية غضبانة:
- إنسي صعلوك غواها، عشقته لدرجة إنها اتخلت عن كل حاجة عشانه.
- عشقت مين؟!.. جوزي؟!، حب عمري حب جنية وعشقته، واتخلت عن كله حاجة عشانه، يعني إيه؟.. كان هيتجوزها ويسيبني؟!.. ولا كان هيعدل بينا ولا إيه؟
قولت كل الكلام ده وأنا بقعد على الأرض اللي كانت بلعت مايتها واتحولت تاني لجليد، عشان يقرب مني وهو بيتكلم على مسافة قريبة، لدرجة إن أنفاسه اتنفض لها جسمي :
- يعدل بين مين ومين؟، الأميرة "مويرا" تعادل نساء العالم أجمع، يعني إنتي كنتي هتبقى جارية من جواريها، عمرك ما تتحطي معاها في مقارنة.
نظرات غضب وتحدى سيطرت على عينيا اللي صارعت نظراته لأول مرة وأنا بقوله :
- أميرتك دي تتقارن بيك وببني جنسك، إنما أنا لأ، لسه ما اتخلقش اللي أكون له جارية يا اسمك إيه انت، وبعدين أنا عايشة أنا وجوزي في سعادة.
نظرات التحدي منه كانت أقوى بمراحل وهو بيقولي بسخرية :
- سعادة.. السعادة دي اللي سحلك بيها على الأرض، ولا اللي خليته يشك إنك اللي بتعملي فيه كل ده؟!
سألته بثبات كامل:
-إنت اللي عملت في "يونس" كده؟.. طب ليه؟
إجابته كانت جامدة ومختصرة:
- وعـد.
