رواية فجوة زمنية الفصل السابع 7 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الفصل السابع بقلم فاطمة على محمد

 كلمة كانت قدرنا أنا و "يونس"، مصممة تتكرر في حياتنا، كأنها بوابة لحياة مختلفة، أو قدر قرر يبدل أدوارنا رأسًا على عقب.

بصيت للملك  "فولاك" بدهشة حقيقية وأنا بقوله :
  - وعد مين؟.. من يوم ما الكلمة دي اتكتبت على صدر "يونس" وحياتنا اتبدلت، كأنها كانت لعنة علينا.
 
عينيه برق لهبها بشكل مرعب وهو بيقولي بوعيد :
  - اللعنة الحقيقية لسه ما حلتش، والوعد ده لشعبي اللي أقسمت إني أحميه حتى لو حاربت عشانه ممالك الإنس والجن مجتمعة، ووعدي ده مش هيتوفي بيه غير بقلب الإنسي "يونس".
 
رجفة قوية مسكت كل خلايا جسمي وأنا بشهق شهقة قوية وبقوله :
  - قلب "يونس"!.. يعني إيه؟!.. هتقتله؟

ضحكة قوية مُخيفة دوى صداها في الوادي، واتفتت معاها جبل جليد كامل، لدرجة إنه غطى أرض الوادي، لكني لقيت نفسي طايرة فوق كل الجليد ده عشان يظهر قدامي أرض جليدية واسعة، مش ظاهر منها غير شوية مرتفعات مطموسة المعالم، اتلفت براسي ناحية "فولاك" اللي كانت ضحكته لسه مستمرة وأنا ببصله بصدمة لحد ما انتهى وهو بيقولي :
  - الإنسيون دايمًا تفكيرهم محدود، وخيالهم ضيق، مجرد ما ذكرت قلب الوغد "يونس" مجاش في بالك غير القتل، وده رحمة ما يستاهلهاش. 

شعور بالراحة والخوف لازمني، راحة من إنه مش هيقتل "يونس"، وخوف من اللي بيفكر وبيخطط ليه للانتقام، لكن برضه جوزي ذنبه إيه في إن جنية تحبه، وده اللي صوتي نطق بيه :
  - وإنت ما قدرتش على خطيبتك جاي تشيل الليلة كلها لجوزي؟.. هو ذنبه إيه يعني؟ 
  
نظرات عينيه اللي طافت المكان دوبت جبال الجليد كلها لدرجة إنها اتحولت لبحر واسع، بحر أنا لوحدي اللي بعوم فيه، رغم إني عمري ما عرفت أعوم في يوم، الماية  درجة حرارتها بتزيد بشكل سريع جدًا لدرجة إنها ابتدت تتبخر، كل ده ونظراته ثابتة ناحيتي وهو طاير مع البخار اللي شوش رؤيتي له لحد كبير، إلا إن صوته وصداه كانوا واضحين بقوة خلوني أعرف المسافة الفاصلة بيننا وهو بيقولي:
  - الأميرة "مويرا" دفعت تمن غلطتها وأخدت عقابها اللي تستاهله، لكن أي خيانة في الكون بتكون من طرفين، والطرفين لازم يدوقوا نفس العقاب وبعدل. 
  
سطح البحر كان بساط  واسع وأنا واقفة عليه بكل ثبات وبقوله بسخرية شديدة:
  - يتعاقبوا وبعدل؟!.. وإنت مين نصبك تكون قاضي وجلاد في نفس الوقت؟.. وبعدين إنت قولت إنك بتحميني من جوزي، وأنا بقولك أنا عايزة أرجع لبيتي ولحياتي ولـ "يونس" اللي أكيد عمره ما هيإذيني، وأنا عمري في حياتي ما هرضى بأذاه. 

نص جسمي كان مختفي من كثافة بخار المايه، لكن "فولاك" كان جوه دوامة شفافة، نقية تمامًا،  وفي غمضة عين كنت معاه جوه الدوامة دي، اللي ابتدت تلف بينا بقوة ناحية فوق لمسافة طويلة جدًا، لحد ما استقرت أخيرًا. 

فتحت عيني اللي كنت مغمضاها بقوة عشان ألاقي "يونس" قدامي، ابتسمت بسعادة وأنا بجري ناحيته عشان اتخبط في مجال مغناطيسي كبير ، حصل تنافر قوي بينه وبين جسمي اللي رجع لورا بكل قوته، استجمعت كل طاقتي وجريت ناحيته تاني وأنا بنادي بكل صوتي :
  - "يونس".. أنا هنا يا "يونس". 
  
مرة تانية رجعت لورا لكن بقوة مضاعفة وقعتني على الأرض ، سندت على ايدي وجريت ناحية "يونس" تاني، لكن صوت "فولاك" هو اللي وقفني المرة دي وهو بيقولي :
  - كل محاولة بتحاوليها بتضعف من قوتك وبتزيد من قوة الهالة اللي حوالينا، ليكي تلت محاولات بس، والمحاولة الرابعة هيحصل صدمة كهربائية قوية هيتوقف فيها القلب. 
  
اتسمرت مكاني بحذر للحظات قبل ما ألف بكل جسمي ناحيته وأنا بقوله بغضب شديد :
  -أومال جايبني هنا ليه؟ 

راح "فولاك" بنظراته ناحية "يونس" اللي كان قاعد على مكتبه يشتغل وهو بيقولي :
  - عشان تشوفي اللي عمره ما هيئذيك بعنيكي وهو بيتحول لوحش شيطاني بيدمر أي حاجة بتقف في طريقه. 
  
عينيا كانت عاملة ماراثون جري جوا جفوني اللي اتسعت ليها راحة وجاية وأنا بحاول أستوعب الكلام اللي بيقوله، عشان يكمل هو بكل بساطة :
  - "مويرا" قبل ما يتحكم عليها بالموت اتحولت روحها النقية لروح شريرة، مش شايفة قدامها غير الإنسي ده، قتلت والدتها وأكلت قلبها مش غير ما يتهز لها رمش، حكمت على الشعب اللي كانت هتكون ملكته المقدسة بالموت عطش، حتى قوتي اللي ما بتضهيهاش أي قوة في العالم ضعفت قدام لعنتها. 
  
هزيت راسي بصدمة من كل كلامه وأنا بقوله باستنكار :
  - أكلت قلب والدتها؟!.. إنتوا وحوش. 
  
  - ما تتسرعيش في حكمك، واصبري لحد ما تشوفي جوزك اللي ابتدى دمها الشيطاني يمشي في عروقه، واللي ابتدى يستلذ بيه. 
  
اتلفت بسرعة ناحية "يونس" وأنا عقلي رافض يصدق كل الهذي ده، وعينيا بتدور في كل ذرة في جسمه اللي كان طبيعي جدًا، راقبته للحظات، ودقايق وكان كل حاجة طبيعية، بيشتغل بتركيز قوي، زي عادته دايمًا، بس لحظة إزاي مش مشغول عليّا، ولا متأثر بغيابي، معقول مش فارقة معاه؟! 

دقايق تفكيري دي قطعها المنظر الغريب اللي شفته لما "يونس" فتح درج مكتبه و أخد منه طبق، كشف غطاه وابتدى ياكل منه بنهم شديد، عمري ما شفته ملهوف على الأكل بالشكل ده، وفضولي خلاني أركز معاه، لكن الدم اللي ابتدى ينزل من جنب شفايفه خلاني أقع يغمى عليا. 

إحساسي بالزمان والمكان مفقود عندي تمامًا، زماني لا له توقيت ولا شمس بتشرق، أما مكاني فكان في مسافة فاصلة صغيرة ما بين عالمين، عالم عيشته كل عمري اللي فات، وعالم خفي جاهلة كل خباياه. 

ومن وسط الدوامة دي فتحت عينيا لقيت "فولاك" قدامي في مسافة نص متر، حاجب عني الرؤية لكل شيء، لحظات وطار حوليا عشان يكشف عن أوضة واسعة جدًا، عفشها عبارة عن صخور زرقا منحوتة بشكل زخرفي عجيب، وبابها مقفول بجليد شفاف موضح بياض واسع قدامه، قومت من نومي واتعدلت وصورة "يونس" اللي بياكل لحوم نية قدامي، رفعت عيني بصدمة لفوق وأنا بقوله :
  - "يونس" بياكل لحمة نية؟! .. حيوانات صح؟.. أكيد ده مش لحم بني آدمين. 
  
استقر "فولاك" أخيرًا على كرسي عرش ضخم قصاد السرير اللي كنت قاعدة عليه، وسند ايده على مخدع الكرسي وهو بيقولي:
  - هتفرق معاكي؟.. وبعدين كلها مراحل متتابعة، ومملكتي ملعونة، ولعنتها مش هتتفك غير بالقلب اللي ربطت فيه "مويرا"  اللعنة. 
  
قومت من مكاني أجرى عليه وأنا بقوله بتكذيب :
  - لعنة إيه دي؟.. وبعدين ما جبال التلج اتحولت لمايه عادي، يعني مفيش لعنة ولا أي حاجة. 
  
وقف من مكانه بهيئة متباهية بنفسها وهو بيقولي :
  - عندي القدرة إني أبخر مايه الأنهار والبحار والمحيطات، وأي ماية على البسيطة، وأي جليد في الكون بنظرة واحدة من عينيا  يدوب ويتحول لماية جارية وإنتي شوفتي ده بعنيكي، لكن رغم قوتي دي مقدرتش تصمد قدام لعنة "مويرا" غير لحظات والأرض بلعت ميتها، أو جمدتها تاني، ولو أي كائن حي شرب من الماية دي يتجمد في الحال ويفضل على هيئته دي ليوم البعث. 

هزيت راسي باستنكار وأنا بقوله بسخرية :
  - يعني خطيبتك تدور على حل شعرها وتحب جوزي وهو اللي يدفع التمن؟! ، هقولك نصيحة لوجه الله روح حل مشاكلك بعيد عننا، ورجعني بيتي لجوزي، وإنت بقوتك الخارقة دي سيح القارة القطبية وخلي شعبك يشرب لحد ما يشبع، إنما أنا وجوزي بره هبلكم ده.
 
واتلفت عشان أمشي في أي طريق ولأي ناحية تخرجني من العالم ده عشان يوقفني "فولاك" بكلامه :
  - تفتكري جوزك مخلص ليكي زي ما انتي مخلصة ليه بالشكل ده؟،  ده على اعتبار إنه علاقته بـ "مويرا" مش شايفاها خيانة ولا هزت شعرة منك.. صحيح إنتي ما غيرتيش منها ليه؟
 
اتنهدت بقوة وأنا بلف ناحيته وبقوله باستنكار قوي:
  - أغير من مين؟!.. من عفريتة، وميتة كمان؟!.. بص يا ملك المملكة عندنا إحنا البشر يوم ما نغير على اللي يخصنا نغير من حد عليه القيمة، لكن نستهلك مشاعرنا في حاجة تافهة ما يحصلش، وبعدين هغير من واحدة ما شوفتهاش إزاي؟
 
لف كل جسمه وإداني ضهره وهو بيقولي:
  - حبكم أنتم البشر منقوص، لكن طالما اللي مطمنك إن "مويرا" مش بشرية، وماقدرتيش تشوفيها، هخليكي تشوفي جوزك مع بنت جنسك وفي بيتك، وفي اللحظة دي.
تعليقات