رواية فجوة زمنية الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة على محمد

رواية فجوة زمنية الفصل الثامن بقلم فاطمة على محمد


بلهفة متوجسة لفيت بكل جسمي أدور على "يونس" وأنا من جوايا متراهنة على كذب "فولاك"، على إخلاص جوزي وحب عمري، متأكدة إن حبه ليا عمره ما يخونه، ولا يخوني، الصراع جوايا كان بينهش قلبي، رغم ثقتي ، إلا إني خايفة، لأ مرعوبة إني أشوف حاجة تكسرني وتكسر صورته المثالية اللي فضلت أرسم فيها طول عمرنا سوا رغم عيوبه اللي موجودة في ناس كتير، واللي كنت بحاول أتقبلها رغم ضيقي منها ونفوري. 

أخيرًا عيني وقعت على أوضة نومي اللي أنا مرتباها بإيدي، واللي حافظة كل ميللي فيها بقلبي، قلبي اللي ضربات الخوف جواه صدعت عقلي اللي بيقولي عادي، ما كل الرجالة خاينة، مفيش راجل مخلص بنسبة ميه في المية، كل الرجالة بيعدي في حياتها نزوات، اللي مرة واللي اتنين واللي أكتر، واللي طول العمر مقضيها، هزيت راسي بقوة أنفض منها الأفكار دي عشان يظهر قدامي "يونس" اللي صوت ضحكته رن في وداني، واللي اختلطت بصوت ضحكة أنثوية خليعة جلدتني بكرباح من نار، عشان عينيا تجحظ بشكل تلقائي تدور على صاحبة الصوت ده بكل لهفة وفضول، لحد ما أخيرًا لقيتها داخلة أوضتي بهدوم فاضحة، وجوزي بيحضنها.

دموعي كانت حمم بركانية بتنحت طريقها في وشي، وقلبي هيشق صدري ويخرج منه ، أما رجليا فماعدتش قادرة تشيلني، وقعت على الأرض وأنا بهز راسي برفض وبقول بهذيان:
  - مش "يونس"، مش جوزي اللي يعمل كده، أكيد دي خيالات إنت اللي مصورها ليا.. إنت شيطان بيوسوس ليا بخيانة جوزي، وبيصورلي كده، ربنا قال كده.. إنت شيطان.. ده مش جوزي. 
 
ابتدى صوتي يعلى بعياط وأنا بحط ايديا على وداني أمنع صوتهم اللي واصلني وبقوله بصريخ :
  - كفاية.. مش عايزة أشوف حاجة، اقفل القرف ده، خرجني من لعبتكم دي، عايز تنتقم منه أهو عندك انتقم ، ابعدني أنا عن كل ده، بالله عليكم كفاية.. أرجوك.
 
 أخيرًا.. الصورة اختفت من قدامي، والأصوات تلاشت تمامًا، وأنا استسلمت للانهيار اللي تمكن من كل ذرة في كياني.

أوقات طويلة عدت وأنا قاعدة ساكتة ما بنطقش حرف، رغم الدوشة والصراع اللي جوا عقلي، واللي خلاني آخد قراري أخيرًا، وأقوم من مكاني أخرج بره الأوضة اللي كانت كاتمة على نفسي، للبراح الواسع اللي أول مرة كنت أشوفه.

فضلت أتنفس بقوة كأني باخد آخر أنفاسي في الدنيا، وأنا بنادي :
  - "فولاك".
 
لحظات بسيطة دورت بعينيا عليه فيهم، عشان أشوف سرب كبير من المخلوقات اللي طايرة في السما وجاية ناحيتي، ركزت بقوة لحد ما الصورة اتضحت، "فولاك" بيقود سرب من بني جنسه، اللي مجرد ما قربوا مني اتفرقوا بإشارة من راس "فولاك " اللي نزل على الأرض قدامي وهو بيقولي:
  - شكلك ارتاحتي وتقبلتي الحقيقة أخيرًا. 
  
روحت ناحيته بعصبية وأنا بقوله :
  - أنا عايزة أرجع بيتي وآخد حقي من "يونس" اللي داس على قلبي وكرامتي بكل  وقاحة وغدر. 
  
ضم "فولاك" أجنحته جنبه بثبات لحد ما اتحولت لدراعين عقدهم قدام صدره وهو بيقولي :
  - مواجهتك مع الوغد ده إنتي الخسرانة الوحيدة فيها لأن الشر خلاص تمكن من قلبه وسيطر عليه سيطرة كاملة، للأسف جوزك اتحول لشيطان بشري. 
  
الغضب والحقد ملا عينيا اللي بصت له بتفكير وأنا بقوله :
  - بس أنا عايزة أنتقم منه، عايزة أدفعه تمن كل لحظة حب عيشتهاله. 
  
هز "فولاك" راسه بموافقة وهو بيقولي :
  - هيدفع تمن كل حاجة وبزيادة، وأنا اللي هعمل كده بنفسي، لكن إنتي لازم قلبك يفضل نقي زي ما هو، إياكي تلوثيه بالشر. 
  
غصة قوية وقفت في حلقي وأنا بفتكر كلام بابا الشيخ "علي" اللي دايمًا كان يقولي قلبك يا "نور" أنقى من حبات الندى وقت طلوع الفجر، واسمك ليكي منه نصيب إوعى تخسريه أو تفرطي فيه في يوم. 

غمضت عينيا بقوة أحاول أداري دموعي اللي سبقتني، وأنا بقول في نفسي:
  - ليه يا بابا ما علمتنيش إن القلوب زي ما فيها نور فيها ضلمة وظلم وحقد وخيانة؟ عارفة إنك كنت شايف "يونس" مش شبهي ، عارفة إنك وافقت عليه عشان حبي ليه اللي كنت شايفة كتير عليه، متأكدة إني كنت عايشة كل السنين اللي فاتت دي بدعواتك ليا في سجودك، ومتأكدة أكتر إن الوجع اللي في قلبي ده استجابة لدعوة منك، وإنه وجع استئصال ورم خبيث من حياتي، وإني بعدها هخف حتى لو فضل أثر. 
  
سحبت نفس قوي يبرد نار وجع قلبي وأنا بفتح عيني وبقوله بثبات شديد :
  - عايزة أشوف بعينيا.
  
بصلي "فولاك" بتوتر لحظي وهو بيقولي :
  - دي هتكون حرب شيطانية، مجرد إنك تشوفيها أذى في حد ذاته. 
  
سرحت في الفضا قدامي للحظات وأنا بقوله :
  - أشوف لقاءكم سوا، ولو حسيت إني هتئذي إحجب الرؤية عني، لكن لازم أشوف شر "يونس" وصل لفين. 
  
  - لسه بتدوري ليه على مخرج، رغم كل اللي شوفتيه وسمعتيه؟!
  
هربت بنظراتي بعيد بحاول أمسح من ذاكرتهم منظر خيانته ليا، لكنه كان أقوى من إرادتي وطاردني في كل مكان بهرب ليه، حاولت انشغل بالكلام مع "فولاك" لكن لساني سبقني بسؤال مباغت :
  - هو اتعرف على خطيبتك إزاي؟ 
  
خطى "فولاك" خطوتين ووقف على مسافة مني سرحان في الفضا قدامنا وهو بيقولي :
  - كانت بتعوم في البحر بالليل، شافها وفكرها إنسية، عجبته، نزل المايه وقرب منها، جمال "مويرا" كان خرافي، يسحر أي مخلوق ويحوله لمجذوب، لكن البشر عمرنا ما نقدر عليهم غير بكامل إرادتهم، وده اللي حصل مع" يونس" كان عايز يقرب منها بأي شكل وبأي تمن، حاول معاها أكتر من مرة. 
  
غمضت عينيا بقوة وأنا بتخيل جوزي اللي عيشت معاه وهو بيتودد ليها وبيحاول معاها، لكن "فولاك" كمل بصدمة عمري:
  -حتى لو التمن ده كان انتي. 
  
برقت عينيا بصدمة وأنا بقوله برعشة لجمت لساني:
  - أنا؟!.. قدمني لـ.. 
  
قاطع "فولاك" كلامي ومنعني إني أنطق الكلمة اللي ممكن تقتلني وهو بيقولي بحزم :
  - قولتلك إننا ما نقدرش على الإنس غير بموافقتهم سواء بالتساهل معانا، أو دعوة منهم، أو استهتارهم، أو حتى فتح بوابات الحصن. 
  
اتنهدت براحة قوية وأنا بحمد ربنا ألف مرة جوايا، لكني لسه عايزة أعرف إزاي كنت التمن، لكن فجأة صوت طنين قوي ارتفع في المملكة، ومعاه كل المخلوقات اتجمعت بذعر شديد، ذعر ظهر على الملك "فولاك" اللي لهب عينيه اشتعل بقوة وهو بيطير لفوق بكل قوته 
  
فوضى قوية حصلت في المكان لسبب مجهول بالنسبالي، لأن الكل حواليا مذعور بشكل مرعب، بيأكد إنهم عارفين اللي بيحصل، فجأة جه حد منهم وأخدني دخلني جوه الأوضة بتاعتي بصمت كلامي، لكن صخب الخوف كان مالي عينيه وهو بيبصلي بتوسل للدخول والبعد عنهم ، دخلت وأنا بقرأ جوايا القرآن اللي حافظاه وبدعي ربنا يسلم ويعديها على خير وأنا بقعد في جنب ضامة رجليا وحاضناهم بإيديا. 

عدى وقت وأنا بالشكل ده لحد ما سمعت صوت مألوف بالنسبالي، رفعت عينيا ناحيته لقيت شقتي و"يونس" بيكسر في كل حاجة بغضب قوي، انتبهت كل حواسي وقومت من مكاني قربت شوية من المشهد، لكن "يونس" بدأ يتحول لشكل شيطاني دميم، أنيابه طويلة وبارزة، وعينيه جاحظة بلون الدم، وصوته صوت وحش غضبان.

الغضب اللي كان فيه "يونس" اتضاعف واتوحش مجرد ما شاف "فولاك" اللي جرى عليه وابتدى يصارعه بقوة. 

حرب ضارية دايرة بين "فولاك" اللي أعرفه، و"يونس" اللي ما أعرفرش ولا عمري شوفته، "فولاك" دايمًا كان مدافع، بيحاول يتلاشى هجمات "يونس" الشرسة على قد ما يقدر، "يونس" اللي كان بيختفي ويظهر بشكل مرعب، واللي كان بيزمجر ويصرخ بنفس لغة "فولاك" اللي ما كنتش فاهماها. 

جسمي اتنفض بقوة وأنا برجع لورا بخوف وبداري عينيا وصوتي بقراءة القرآن عِلا، وراسي بالرفض ابتدت تتحرك، لحد ما اتخبطت في جدار ورايا، فتحت عينيا أحاول أستوعب كل اللي بيحصل حواليا، واللي عقلي رافضه بكل قوته، لكن عينيا بتقسم إن كل ده حقيقي، وواقع، "يونس" اتحول شيطان رجيم، بيكسر ويحرق بيتنا اللي بانيناه سوا، هدفه كان يتخلص من "فولاك" اللي كان صامد لآخر وقت، واللي ما فهمتش من كل كلامهم وصريخهم غير كلمة "مويرا". 

لكن بشكل مفاجئ كان "يونس" منقض على "فولاك" وواقع بيه على الأرض، بيقطع هدومه بضوافره المقوسة، وبيحاول يشق صدره بخنجر مسنون وهو بيصرخ صرخة انتصار، ولعابه سايل. 

صرخة رعب قوية مني دوت في كل المملكة، بعدها صورتهم اختفت من قدامي. 
__________
الحلقة التاسعة والأخيرة من الجزء الأول. 

واخدة ركن في جنب السرير، ضامة نفسي بإيديا بقوة وشكل "يونس" وهو ماسك الخنجر عشان يقتل "فولاك" مش راضي يتخلى عن مكانه جوه عينيا؛ حتى لو غمضتها، المشهد بيكون أفظع وأبشع، إنما لو إرهاقي وتعبي تمكنوا مني والنوم غلبني، فبعيش جوه كوابيس بتقبض روحي.

الأوضة كانت محرابي لوقت طويل مر عليّا من غير "فولاك" اللي مش عارفة حصله إيه؛ حتى شعب مملكته كله مكتوف الإيدين، لا وصله أخبار، ولا عارف يخترق الفجوة الزمنية اللي بين العالمين ويخرج يطمن على ملكهم اللي كل المؤشرات في المملكة بتقول إنه مات.

الحزن والعطش ابتدى يأثر بشكل قوي على الجميع ، مفيش أي مايه بتدخل المملكة من يوم ما "فولاك" اختفى،  وعشيرته اللي كانت بتخرج بره المملكة تشرب وترجع اتحبست جوه أرضها اللي سكانها نفسهم قربوا يتجمدوا، لولا نظام العزل والتدفئة اللي عامله "فولاك" لأوضته واللي أنا مُقيمة فيها طول الوقت كان زماني مُت متجمدة، لكن في الأحوال فرص النجاة بالنسبالي ابتدت تقل وتضعف. 

الخوف جوايا ما كنش من الموت، إنما كان من إني أموت في أرض غريبة، في عالم آخر غير العالم بتاعي، خرجني من كل تفكيري ويأسي ده صوت الحارس المكلف بحمايتي، واللي كان بيتكلم بلغتهم، اللي اتصدمت لما فهمتها بكل سهولة.

اتنفضت من مكاني بلهفة وأنا بسمح له بالدخول، عشان يدخل وهو بيقولي :
  - مولاتي، أنا "خوان" خادمك، الملك "فولاك" وصاني قبل ما يغادر المملكة إني أفك شفرة اللغة في حال إتأخر في العودة للملكة، و كان مديني أمر إني أرجعك أرضك تاني، لكن للأسف المجال بين العالمين مقفول حاليًا لأول مرة، ولأسباب إحنا ما نعرفهاش.
 
جريت بلهفة ناحيته وأنا بسأله :
  - طب والملك "فولاك" مفيش أي أخبار عنه؟
 
انحنى الخادم براسه بحزن شديد وهو بيقولي :
  - للأسف كل طرق التواصل مع جلالة الملك "فولاك" فشلت، كل محاولاتنا لاختراق المجال فشلت، وفيه مننا كتير اتحرق بسبب المحاولات دي.
 
حسيت بقبضة قوية عصرت قلبي اللي دقاته زادت بشكل مفاجيء، لكن" خوان" كمل كلامه بنبرة يأس خرجتني من حالتي دي لحالة أكتر سوء :
  - وللأسف مملكتنا اتحكم عليها بالإبادة، كل المخلوقات الحية على الأرض دي هتتباد.. أنا بعتذر إني مقدرتش أوفي بوعدي لجلالة الملك، الحكم لكي مولاتي لفشلي.
 
آخر بيبان الأمل قفلها "خوان" في وشي، وبيطلب مني بكل استسلام إني أحكم عليه لفشله، أحكم بإيه وكلنا هالكين، اتنهدت بتوتر وأنا بقوله :
  - طب مفيش أي حل خالص لمشكلة الماية دي؟
 
هز "خوان" رأسه بحزن وهو بيقولي :
  - المشكلة ما بقيتش مايه بس يا مولاتي، الأكل كمان اتجمد، الأطفال اتجمدت تمامًا ودخلت جوه جبال الجليد، معالم الحياة هنا ابتدت تتلاشى، ده غير إننا محبوسين يعني مفيش أي مهرب.
 
سحبت نفس قوي وأنا بغمض عينيا بتفكير وبقول جوايا :
  - ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تُفرج.. يارب عندي يقين بقدرتك، كلنا عبادك يارب، وكلنا مخلوقاتك، يارب حلها من عندك يارب. 
  
خرجت النفس وأنا بفتح عيني وبقول لـ "خوان" :
  - عايزة أتكلم معاهم. 
  
هز "خوان" راسه برفض وهو بيقولي :
  - ما ينفعش تخرجي من أوضتك يا مولاتي، هتتجمدي. 
  
لفيت بعينيا في الأوضة كلها ببصة سريعة، أدور على أي حاجة ألبسها وتكون تقيلة، لحد ما لقيت عباية رجالي مبطنه فرو، مشيت ناحيتها وأخدتها لفيت نفسي فيها وأنا بقوله :
  - هلبس عباية الملك "فولاك"، هتدفيني شوية. 

وفعلاً كان جواها دفا عجيب، وفريد من نوعه، دفا عمري ما حسيته في حياتي، اتنهدت براحة وخرجت مع "خوان" عشان اتصدم صدمة قوية، أغلب المخلوقات اتحولت لتماثيل جليدية، حتى الأطفال اتحاوطت بجليد شفاف، علامات الألم والأسى ظاهرة على ملامحهم، قلبي اتقبض بقوة وأنا برفع عيني المليانة دموع ناحية "خوان" وبسأله :
  - الوضع وصل للحالة دي من إمتى؟
 
انحنى برأسه بألم وهو بيقولي من بعد اختفاء الملك "فولاك" بكام ساعة.

بصيت تاني للعشيرة وأنا بفكر إزاي ننقذهم وبسأله :
  - قدرتهم على تحمل الوضع ده قد إيه؟
 
=الموت انتصر على البعض منهم بالفعل، والباقي مسألة وقت.. ومش طويل.

رفعت عينيا لفوق وأنا بقول يارب حلها من عندك، ورجعت تاني أبص لـ "خوان" وأسأله:
  - لو ولعنا نار هتساعدنا إن التلج ده يدوب؟
 
=للأسف يا مولاتي، الجحيم ذاته ما يقدرش يفك اللعنة دي، ومحدش يعرف طريقة فكها غير الملك "فولاك"، الأميرة "مويرا" كل طيبتها ونقائها اتحول لشر مجرد ما اتحكم عليها بالنفي، يومها فجرت الأرض  وخرجت كل الماية اللي كانت في جوفها، وكل ماية المملكة جمعتها وحولها لجبال جليد زي ما جلالتك شايفة، جلالة الملك "فولاك" قطع بحار ومحيطات لشهور طويلة عشان يدور على طلاسم اللعنة اللي الأميرة "مويرا" قفلت بيها الدايرة قبل ما تنزع قلبها من صدرها وترميه.

مجرد تخيل المشهد خلي جسمي كله يقشعر، وقلبي يرتجف بقوة وأنا بقوله باستنكار شديد :
  - نزعت قلبها بإيدها؟
 
هز "خوان" راسه بتأكيد وهو بيقولي :
  - الأميرة كان عندها كبرياء وعزة نفس قوية، وده اتكسر مجرد تحويلها للمحاكمة، لكنها كانت متأكدة إنها هتتبرأ من كل حاجة، لكن للأسف اتحكم عليها، ورغم إنه حكم مخفف إلا إنه استفزها والباقي جلالتك عرفاه.
 
ابتسمت ابتسامة تهكم وأنا بقول بصوت واطي :
  - كبرياء وعزة ونفس وهي مقضياها مع جوزي!.. أومال لو كانت خسيسة كانت عملت فينا إيه؟
 
ورفعت صوتي لدرجة يسمعها "خوان":
الماية اللي كان سايبهالي الملك "فولاك" قربت تخلص، وأنا خايفة اللعنة دي ما تتفكش وأموت معاكم هنا من العطش، مفيش أي حل ممكن يساعدني إني أخرج من هنا.

التوتر والارتباك لجم "خوان" وهو بيهز راسه بنفي، لكني كنت مُصرة إنه يجاوبني إجابته اللي كان ردي عليها عجيب :
  - هو فيه، بس محدش خرج منه سالم غير الملك "فولاك"، المخرج ده مش شدة أهواله سميناه الهاوية، إحنا نفسنا ما نعرفش سره، ولا نعرف إيه اللي بيحصل جواه، حتى الملك "فولاك" رفض يحكي لأي مخلوق عن الأهوال اللي قابلها فيه.
 
أخدت نفس قوي وأنا بقوله :
  - هي موتة ولا أكتر، في غياب الملك "فولاك" مفيش للملكة أي فرصة نجاة، إنما مرورنا من الهاوية دي فيه فرصة للنجاة حتى لو ضئيلة، فين الهاوية دي؟
  
بصلي "خوان" بصة طويلة مرتبكة قطعتها بكلمتي:
  - فين؟ 
  
رفع عينيه ناحية أوضة الملك "فولاك" اللي جريت عليها بلهفة وأنا بقوله :
  - تعالى معايا. 
  
دخلنا الأوضة أدور في كل أركانها بعينيا وأنا بقوله:
  -فين بالظبط؟ 

اتحرك "خوان" ناحية كرسي العرش وهو بيقولي:
  - تحت عرش الملك. 
  
جريت ناحيته وزقيته بإيديا بكل قوتي لكن الكرسي ما اتحركش ميللي واحد، كأنه والأرض قطعة واحدة، استقمت بوقفي وأنا ببص لـ "خوان" وبقوله :
  - ساعدني طيب، ولا حرك الكرسي ده، ده تقيل جدًا. 
  
شاور "خوان" بايده إني ابعد عن الكرسي، فعلًا اتحركت لورا وبعدت كتير، وابتدى "خوان" يقرأ بعض الطلاسم اللي مافهمتش منها حرف عشان الكرسي يبتدي يدور ببطيء ست دورات، بعدها اترفع في الهوا وظهر تحتيه غطا ذهبي دائري مزخرف. 

جريت ناحية الغطا أستكشفه وأنا بلمسه بإيدي أدور على أي مفتاح، أو حتى مكان للمفتاح، لكني مالقيتش أي حاجة، رفعت عيني ناحية "خوان" وأنا بقوم من مكاني أبعد  وأنا بقوله :
  - ارفع الغطا ده كمان. 
  
رجع خوان لورا وهو بيقولي :
  - ماليش الحق في فتحه، البوابة هي اللي بتختار تفتح لمين. 
  
بصيت له بصدمة وأنا بقوله :
  - يعني إيه مش فاهمة؟!.. وبعدين استفادنا إيه لما شيلنا الكرسي من عليها؟ 
  
=عِرفت إننا بنطلب الإذن منها بالمرور، وهي هتتحقق من مدى قدرنا على المرور من الهاوية، وعليه هتاخد القرار. 

زفرت نفس قوي وأنا بوزع نظراتي بينها وبين الكرسي اللي لسه طاير في الهوا وبقوله:
  - وهنستنى كتير ولا إيه؟ 
  
=الوقت غير محدد، كل اللي علينا هو الانتظار. 

قعدت على الأرض قدام البوابة أبصلها بتركيز شديد سرحانة في زخرفتها اللي لفتت نظري واللي كانت نفس الزخرفة اللي موجودة في كلمة "وعـد" اللي مكتوبة على  الصينية، الخطوط فيها تفاصيل غريبة، كأنها بتحكى أسطورة تاريخية لملك من ملوك الأساطير السبعة، فارس مغوار بيفتح ممالك، وبيقود جيوش جرارة. 

النوم غلبني من كتر تركيزي واستسلمت له، ونمت في مكاني نوم عميق، طويل. 

فات وقت وصحيت من نومي وأنا قاعدة مكاني ومفيش أي جديد، وقت تاني فات والأوضاع في المملكة بتزداد سوء، أيام عدت ومفيش جديد، اليأس ابتدى يتسلل لقلبي، وقررت أستسلم لمصيري ومصير المملكة، طلبت من "خوان" يرجع الكرسي اللي طاير بقاله أيام لمكانه، لكنه قالي :
  - ما ينفعش، لازم نستنى رد البوابة يا بالقبول والفتح، يا بالرفض والجذب. 
  
غمضت عيني بدهشة وأنا بقوله :
  - الجذب؟! 
  
رد "خوان" بثبات :
  - في حالة رفض البوابة استقبال الزائر هتجذب كرسي العرش تاني لمكانه، وبما إن ده لسه ما حصلش يبقى لسه القرار ما اتخدتش، ولسه فيه أمل بالقبول. 
  
ضربت راسي بإيدي برفق وأنا بقوله بيأس ساخر :
  - أمل الله يرحمها، أنا خارجة أشوف الوضع بره، ولما الست بوابة هانم تاخد قرارها إبقى بلغني بيه.. عن إذنك. 
  
مجرد ما لفيت ومشيت خطوتين سمعت صوت حركة قوية، اتسمرت رجلي في مكانها للحظات وقف خلالها الصوت، لفيت بكل جسمي لقيت البوابة مفتوحة وخارج منها نور أحمر قوي، رغم رعشة جسمي اللي حاولت اتغلب عليها بسخريتي وأنا بهمس :
  - هي زعلت مني وبتوريني العين الحمرا ولا إيه؟! 

اتحركت لا إراديًا الخطوتين اللي مشيتهم، لحد ما وقفت قدام الفتحة وأنا بقوله :
  - أنزل دلوقتي؟ 
  
دخان أحمر كثيف خرج من فتحة البوابة ملا الأوضة، رفعت ايدي أَغمى عينيا اللي ابتدت تحرقني من قوته وأنا بسأل "خوان" :
  - إحنا هنتشوي ولا إيه؟ 
  
صمت رهيب قطعه صوت عارفاه كويس:
  - لا مش هتتشوي يا "نور". 
  
شيلت ايدي عن عينيا بلهفة وأنا بحركها قدام وشي أطرد الدخان ده عشان أقدر أشوف اللي بيتكلم واللي قرب مني وهو بيقولي :
  - كنتي ناوية تهربي ولا إيه؟! 
  
فتحت عينيا على آخرها وأنا ببص لـ "فولاك" اللي واقف قدامي بصدمة وبقوله :
  - إنت لسه عايش؟!.. طب كنت فين كله ده وسايبنا نموت؟!، شعبك أغلبه اتجمد، والماية اللي كنت حافطهالي مابقاش منها غير حبة صغيرين. 
  
ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة واتحرك من مكانه عشان يكون مقابل للبوابة اللي حبست كل الدخان جواها، واتقفلت بإحكام، وجذبت الكرسي لمكانه، لحظات وانتهى كل شيء ورجعت الأوضة لطبيعتها مرة تانية، واتحرك "فولاك" بألم واضح في خطواته يقعد على الكرسي، عشان أجرى ناحيته وأنا بسأله بفضول شديد :
  - مش "يونس" شق صدرك وقتلك!.. إزاي لسه عايش؟!.. وكنت فين كل الوقت ده؟، أنا كنت قلقانة عليك. 
  
سند "فولاك" على الكرسي وقعد وهو بيبص لـ "خوان" اللي أطاع الأمر وانصرف مباشرة بدون ما ينطق حرف، عشان يسألني بدهشة :
  - انتي كنتي عايزاني أموت يا "نور"؟!

هزيت راسي بنفي وأنا بقوله :
  - لأ طبعًا، بس اللي شفته قدامي إن "يونس" كان غالبك، وبعدين كل حاجة اختفت، وإنت اختفيت معاها أيام طويلة قوي، وحتى الهالة كانت مقفولة حوالين المملكة، وكل عشيرتك اتحبست هنا وأنا اتحبست معاها، وكنت هموت معاهم كمان. 
  
هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيقولي :
  - ما تخافيش، مش هتموتي معانا ولا حاجة، هترجعي عالمك بالسلامة، كل حاجة رجعت لطبيعتها. 
  
=ولعنة "مويرا"؟ 

توتر لحظي ظهر على "فولاك" قبل ما يلبس ثوب الجمود وهو بيقولي :
  - كل حاجة هترجع لأصلها. 
  
نطقت بفضول بينهش عقلي:
  - طب عملت إيه مع "يونس"؟ 
  
الثبات والترقب كان مصاحب لكلام "فولاك" اللي نطق بيه :
  - القلب اللي كان في صدر جوزك هو قلب الأميرة "مويرا"، لما نزعته من صدرها ورمته استقبله "يونس" بحفاوة، كان متخيل إن يقدر يعيش بقلبين، لكن للأسف بعد صراع طويل قلب "مويرا" انتصر وسيطر بالكامل على جسم "يونس". 
  
ضيقت عينيا بذهول من الكلام اللي بسمعه وأنا بسأله:
  - يعني "يونس" كان عايش معايا بقلب جنية؟! .. يعني كانت ممكن تقتلني في أي وقت؟ 
  
هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيقولي:
  - كنت مراقبه طول الوقت، من لحظة ما عرفت، ومن لحظة ما قلب "مويرا" رجع ينبض تاني في جسم "يونس" وأنا مراقبه ومراقبك، عشان كده اتدخلت.. المهم دلوقتي إني معايا قلب "مويرا" وهنقدر نوقف اللعنة، وهترجعي أرضك بأمان. 
  
=يعني "يونس" مات؟ 

قام "فولاك" من مكانه ووقف قدامي وهو بيقولي:
  -"يونس" ميت من يوم ما قلب "مويرا" رجع للحياة. 

دمعة حارة هربت من عيني، رغم الشيطان اللي شفته قدامي إلا إني لسه فاكرة كل ذكرى حلوة بينا، ذكرياتنا سوا تستاهل يتبكى عشانها ألف دمعة، حاولت أهرب من الغصة اللي في حلقي واللي وقفت كلامي للحظات قبل ما أسأله:
  - وإنت كنت فين كل ده؟ 
  
=كنت مصاب، وإصابتي اتسببت في قفل هالة المملكة، فماكنش قدامي غير الهاوية، وكان لازم أنتصر على كل الأهوال اللي قابلتها، لحد ما وصلت للبوابة اللي اتفتحت بكل سهولة. 

زميت شفايفي بسخرية وأنا بقوله :
  - وأنا اللي فكرتها اتفتحت ليا!.. يلا خير، حل مشاكلك إنت، وأنا أرجع بيتي بقا. 
  
اتحرك "فولاك" ناحية باب الأوضة يخرج منها وهو بيقولي:
  -مش تشوفي مملكتنا على طبيعتها الأول . 

لحقته بفضول حقيقي معاكس لكلامي :
  - أنا شوفت ما فيه الكفاية، رجعني بيتي. 
  
وقف "فولاك" يبص لشعبه بحزن وحسرة قبل ما يتلفت ناحية "خوان" اللي قدم له خنجر ذهبي ملوث بدماء جافة، أخد "فولاك" الخنجر منه واتجه بيه ناحيتي وهو بيقولي بترقب :
  - طلاسم فك اللعنة احتفظت بيها "مويرا" في دمك يا "نور"، دمك النقي، عشان كده كنت بقولك لازم تحافظي على نقاء قلبك وطُهره. 
  
هزيت راسي باستنكار وأنا بقوله :
  - يعني إيه؟.. هتقتلني عشان لعنتكم تتحل. 
  
هز "فولاك" راسه بقوة وهو بيقولي :
  - أبدًا، أنا هنا عشان أحميكي مش عشان أقتلك. 
  
ابتسمت بسخرية وأنا بقوله :
  - بتحميني عشان مصلحة مملكتك مش عشاني، عمومًا أنا في مملكتك يعني ماليش مهرب ولا مخرج، وهموت يعني هموت، بعد ما الأمل رجع نبض في قلبي من جديد من لحظة ما شفتك قدامي، بعد الخوف ما هرب مني مجرد ما سمعت صوتك.. طلعت ساذجة وهبلة زي ما أنا.
  
وشديت ايده بالخنجر ناحية قلبي وأنا بقوله :
  - اقتلني وخلص مملكتك، وخلصني من كل ده. 
  
ايده كانت فولاذ صلب، ما اتحركتش ميللي، لكنه مسك ايدي، وفتح كفى، وجرحه، مجرد جرح خفيف ما حستش معاه بأي ألم رغم إنه نزف ولوث نصل الخنجر اللي سلمهوني في ايدي المجروحة وهو بيخرج قلب "مويرا" اللي لسه بينبض من حافظة جلدية وبيقولي :
  - اغرزي الخنجر في نص القلب يا "نور".. بسرعة. 
  
مجرد ما شفت قلب حي بينبض قدامي جسمي كله اتنفض في مكانه، والخوف تملك مني، لكن "فولاك" ضغط على ايدي اللي ماسكة الخنجر وهو بيقولي :
  - بسرعة يا "نور"، لو القلب وقف عمرنا ما هنخرج من اللعنة دي، وكلنا هنموت هنا.. بسرعة يا "نور".  

مجرد ما كلمة موت رنت في وداني، لقيت ايدي بتترفع بكل قوتها وبتغرس الخنجر في نص القلب بالظبط، القلب اللي دمه اندفع بقوة زي النافورة، واللي سال بين ايدين "فولاك" وغرق أرض المملكة، اللي مجرد ما لمس أول قطعة جليد فيها، دابت و داب معاها كل جبال الجليد، وكل قطعة جليد في المملكة. 

عينيا كانت بتدور في كل مكان بذهول حقيقي وأنا بشوف الجبال اللي حاجبة وراها عالم كامل بتدوب وبتتحول لبحار وبحيرات، والأطفال اللي اتجمدت اتحررت من أسرها البارد، وجميع المخلوقات الحية رجعت تتحرك حوالينا، تقريبًا العالم اتبدل، والحياة رجعت له من جديد. 

ابتسمت بسعادة وأنا ببص لـ "فولاك" اللي قلب "مويرا" في ايده ابتدا ينشف ويتفتت، ويطير في الهوا لحد ما تلاشى تمامًا، مجرد ما وقعت عينيا على الخنجر اللي في ايدي رميته بصدمة وأنا ببص لجرحي اللي التئم تمامًا، ورجع جلدي لطبيعته. 

أبواق الفرح والسعادة دوت في المكان، والجميع بيجري ناحية البحيرة يرتوي منها، و "فولاك" واقف قدامي بامتنان يقولي:
  - جميلك في رقبتي ليوم الحشر، عشيرتي كلها في خدمتك في أي وقت، مجرد ما تنطقي اسمي هتلاقيني عندك، في أي وقت احتاجتيني هتلاقيني. 
  
ابتسمت ابتسامة خجل وأنا بقوله :
  - أنا اللي مديونة ليك، جوزي هو اللي دخلني في كل ده، وإنت اللي انقذتني، يعني أنا بشكرك على كل حاجة، وجميل حمايتك ليا دين في رقبتي. 
  
ابتسم "فولاك" وهو بيقولي :
  - غمضي عينيكي وخدي نفس عميق واحبسيه للحظات. 
  
بصيت له للحظات وجوايا كلام كتير مش قادرة أعبر عنه، شكر وامتنان وعرفان، لكني اتنهدت بقوة وأنا بغمض عينيا وبتنفس وبحبس نفسي، اللي مجرد ما خرجته لقيت نفسي في بيت كبير واسع. 

قفلت عينيا وفتحتها أكتر من مرة أتأكد من اللي بشوفه، جريت ناحية البلكونة أستكشف المكان، لقيت جنينة كبيرة واسعة مليانة بشجر وورد في حياتي ما شفته. 

ابتسمت بسعادة وأنا بجري ناحية جوه تاني اتفرج على المكان اللي كان مفروش بأحدث  فرش وموبيليا موجودة. 

لفت نظري ورقة محطوطة على الكومود، جريت ناحيته وأخدتها أفتحها بلهفة وفضول وأنا بقرأ سطورها 
{{هدية شكر وعرفان من مملكة الجان، فهذا المكان يعلو مملكتنا تمامًا، أنتِ الآن محاطة بسياج من محبين مُخلصين، دمتي سالمة، آمنة، مطمئة}}
                               "فولاك"
تعليقات