رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة على محمد


 رواية فجوة زمنية الجزء الثانى  الفصل الثامن بقلم فاطمة على محمد


قوة "نيرون" ووحشيته كانت محط دهشة "فولاك" وتعجبه، لكنه لسه المحارب المغوار اللي تشهدله جميع ساحات المعارك، ففي لمح البصر قدر يوصل لنقطة ضعفه ، في نفس الوقت اللي كان "خوان" وجنوده بتحارب أتباعه وبتهزمهم شر هزيمة، عشان تكون ساحة المعركة عبارة عن رماد جن ميت أو أجساد لجن فاقد الوعي. 


 عشان يتنهد" خوان" وأنفاسه بتلهث بقوة،  وهو بيبصلهم بنظرات انتصار وشماتة للحظات، قبل ما يلتفت ناحية " فولاك" ويقرر الانضمام له ومساعدته في القضاء على "نيرون"، إلا أن نظرة واحدة من عينه كانت كفيلة إنها توقف حركة الجميع، فـ "فولاك" كان عنده القدرة إنه يقضي عليه بضربه واحدة لكنه قرر يستفزه لإظهار أقصى قوة عنده، عشان يكون ليه كتاب مفتوح زي ما كان دايمًا.


ضربات سيف "نيرون" واللي كان بيتفاداها "فولاك"، ده غير كرات اللهب، وأحجار الجحيم، واللي جميعهم تفاداهم بكل مهارة  واتزان، وهو بيطير في الهوا بكل رشاقة  متجه ناحية "نيرون" يصطدم بيه بصدمة قوية اختل ليها توازنه، وابتدي يترنح في الجو تحت أنظار "فولاك" اللي فَضَّل إنه يديله كل فرصته في إنه يفوق ويستعيد توازنه مرة تانية، عشان يبتدي معاه من جديد، وفعلًا حصل، فمجرد ما "نيرون" استعاد كل توازنه، هجم على "فولاك" بكل قوته وابتدى يغرس حوافره في رقبته، لكنه قبض على إيديه بكل ثبات وبعدها عنه، وضربه ضربة قوية زقته لبعيد. 


الزقة دي بسببها جن جنون "نيرون" وصابته حالة من الهلع خليته يزأر بصوت وحشي وهو بيضرب في واحد من حراسه اللي كان فاقد لوعيه بكل وحشية لحد ما مات في ايده، وابتدى ياكله بنهم وغضب قوي تحت أنظار "فولاك" اللي كانت علامات التقزز واضحة على كل ملامحه. 


"فولاك" كان انتهى فعلًا من استكشاف قوة" نيرون" ومعرفة مداها، عشان كده قرر إنه ينهي جولته، فكور قبضة ايده ولكمها بكل قوة في أعلى نقطة في راس "نيرون" واللي كانت الأضعف تمامًا، عشان يقع تحت رجلين "فولاك" اللي بصت له جنوده بانبهار شديد من ذكاءه وفطنته. 


زفر  فولاك" زفرة قوية وعينيه بتطوف المكان حواليه للحظات قبل ما ينزل، يسند على ركبته جنب "نيرون" وهو بيهمس بصوت غليظ:

  - أديك واقع قدامي ضعيف وذليل، وأقدر بكل سهولة أقتلك، أو أرميك في السجن اللي باقي من عمرك، لكني مش هعمل كده.. عارف ليه؟

 

رفع "نيرون" أنظاره الغاضبة بوحشية صامتة، عشان يكمل "فولاك" اللي رفع ايده يعدل خصلات شعر "نيرون" المبعثرة :

  - في أي تدريب بتدربه بيجبولي أهداف لعبة أتمرن عليها، فبزهق، وبحس بملل من التدريب ده، إنما لما أتدرب عليك إنت بحس بنشوى، وسعادة، يرضيك أخسر سعادتي دي يا أخويا؟

 

 خنجر مسنون فتك بكرامة وكبرياء "نيرون"  ومزقهم أشلاء، فهو مجرد دمية جلدية بيتدرب عليها شقيقه، اشتعل الغضب في جسمه اللي اتحول لجسم شيطاني بندوبه وقشوره، وهو بيقوله بصوت أجش:

  - اقتلني.. عشان لو ما عملتش كده هقتلك أنا، وإذا كنت فشلت في مرة، فأكيد مش هفشل في التانية، اقتلني يا "فولاك" لأني هعيشك وأعيش مملكتك في جحيم مالوش نهاية.

 

 مط "فولاك" شفايفه بأسى متهكم وهو بيبصله بصة متفحصة لكل ميللي في جسمه من رجليه لحد راسه وبيبتسم ابتسامة نصر معاها تنهيدة بقوة وهو بيرد عليه :

  - إعمل كده.. أنا معاك، بس ياريت تستعد كويس عشان المواجهة الجاية مش هتكون الأخيرة من ناحيتي، فحاول إنت تخليها الأخيرة من ناحيتك وتقضي عليا.

 

وقام من مكانه يقف قصاده بجسم مشدود وصدر منتفخ وهو بيضع سيفه في غمده مرة تانية، وبيوجه كلامه لـ"خوان"، لكن أنظاره لسه متعلقة بأنظار "نيرون":

  - وصلوه لمملكته،  وياريت تخلوا الملكة "ايزابيل" تعمله مايه بسكر عشان الدوخة. 

  

وارتفع "فولاك" في الهوا بغرور وكبرياء متجهًا ناحية قصره.


*********

الضوضاء والفوضى اللي كانت جاية من أوضة "نور" اتنفض ليها الحراس، وفتحوا باب الأوضة وهما في حالة استعداد لصد الهجوم عليها، لكن الصدمة اللي علت وجوهمم كانت بتأكد إن فيه حدث مرعب، فكانت "نور" مرمية على الأرض جنب السرير بتتألم بقوة، عشان يدخل الحارس ناحيتها وهو بيتفحص الأوضة حواليها بأنظار ثاقبة، وبيهمس لها :

  - إنتي بخير يا مولاتي؟

 

تألمت "نور" بشدة وهي بتدلك ضهرها بإيدها وبتحاول تقوم من مكانها وهي بتقوله:

  - هكون بخير إزاي وأنا متكومة على الأرض كده زي شوال البطاطس، ساعدني أقوم يا ابن العفاريت.

 

قرب منها الحارس بحذر يساندها للوقوف، ومازالت أنظاره بتراقب المكان بكل تأهب، وهو بيقولها :

  - فيه حد حاول يئذيكي؟


تصنعت "نور" البكاء وهي بترفع عينيها ناحية سقف الأوضة وبتقوله :

  - آه.


تأهب كل الحرس ورفعوا أسلحتهم مكان ما كانت بتبص "نور" عشان يضيقوا عينيهم وهما بيدققوا النظر في سقف الأوضة، وهي بتكمل كلامها :

  - الفراشة اللي في السقف دي.


في الوقت ده كان فيه عيون تانية بتراقب السقف بضيق وسخط وهي بتقولها باستهزاء:

  -مالها الفراشة يا إنسية؟! 


مجرد ما سمع الحرس صوتها التفتوا ناحيتها جميعًا وهما بينحنوا بتقدير واحترام لجلالة الملكة "شمس الأخاديد" اللي تقدمت ناحيتهم تئذن لهم بالمغادرة، عشان ينطق الحارس بارتباك قوي:

  - لكن يا مولاتي جـ.... 

  

نظرة واحدة منها كانت كفيلة إنها تخلي الحارس يبلع باقي كلامه وينحني بطاعة وخنوع هو وجميع الحرس معاه، ويغادروا الأوضة رغم علمهم بعقاب "فولاك" اللي هيكون في انتظارهم. 


ارتجف جسم "نور" بقوة وهي بترجع لورا تسند على طرف السرير، وعينيها متعلقة بعينين "شمس الأخاديد" اللي وقفت قدامها وهي بترفع عينيها للسقف وبتقولها :

  - مالها الفراشة بقا؟

 

هزت "نور" راسها بنفي وهي بتبلع ريقها بصعوبة وبتقولها بتوتر:

  - مالهاش.


اتنهدت "شمس الأخاديد" بهدوء وهي بتسند جنب "نور" على طرف السرير وبتقولها بتهديد :

  - أتمنى إن العيشة عندنا ما تكونش عجباكي، وإلا هخليها فعلًا ماتعجبكيش، بس بطريقة هتزعجك.

 

ارتجف جسم "نور" مرة تانية، وكمان ايديها اللي قبضت على طرف السرير برعب وهي بتتلجلج في الكلام وبتقولها :

  - مش عجباني.

 

مالت "شمس الأخاديد" براسها ناحية ودنها تهمس لها بصوت أجش مرعب:

  - أومال لسه قاعدة هنا ليه؟


اتنفضت "نور" من مكانها، وبعدت عنها مسافة كافية وهي بتقولها بخوف :

  - همشي.. عايزة أمشي.


في اللحظة دي دخل "فولاك" الأوضة ونيران الغضب مشتعلة في أحداقه اللي موجهها ناحية والدته وهو بيقولها :

  - أنا اللي عايزها تقعد هنا يا جلالة الملكة، أتمنى إن ده ما يزعجكش جلالتك.

 

مجرد ما صوته وصل لمسامع "نور" حست بأمان العالم كله، لكنها رغم كده اتلفتت ناحيته وهي بتقوله بصوت مهزوز :

  - وأنا مش عايزة أقعد هنا، أرجوك رجعني بيتي.

 

نظرات الغضب اللي كانت في عينيه لوالدته اتضاعفت، وكانت كرابيج بتجلدها في صمت، وده خلاها اتوترت وقامت من مكانها تسيب الأوضة وهي بتبص لـ "نور" بحقد وغل قوي.


اتنهدت "نور" بقوة مجرد ما خرجت "شمس الأخاديد"، ورفعت ايديها تهوي بيها قدام وشها المشتعل، وهي بتبص لـ "فولاك" وبتقوله :

  - أمك دي مرعبة، عفريتة تخوف بجد يعني.

 

نظرات الغضب اللي كانت مالية عيون "فولاك" اتحولت في لحظة لنظرات ود وحب ولهفة وهو بيتلفت ناحية "نور" وبيبتسم ليها وبيقولها :

  - دي أقوى جنية مرت في التاريخ، غضبها يزلزل جبال، ويحرق غابات، ويعمل فيضانات، ملوك عظماء بيعملوا لكلمتها ألف حساب، جلالة الملك "برقان" ذاته كان بيعمل لزعلها مليون خاطر. 

  

كانت "نور" بتابع كلامه بانبهار وفمها مفتوح بدهشة للحظات بعد ما خلص "فولاك" كلامه عشان تهز راسها للحظات برفض وهي بتقوله :

  - أمك بتعمل كل ده؟ 

  

ابتسم "فولاك" ابتسامة خفيفة وهو بيقولها :

  - بتعمل كل ده، وبلاش تقولي أمك دي قدامها هتزعل، وزعلها وحش قوي. 

  

اتنفض جسم "نور" بقوة وهي بتفتكر كلام "شمس الأخاديد" من شوية، وبتبلع ريقها وبتقوله بصوت متوسل :

  - أنا عايزة أرجع بيتي بجد. 

  

في لحظات كان الحزن والأسى متمكن من "فولاك" اللي قالها بصوت حاني:

  - بجد يا "نور"؟ 

  

مجرد نطقه لاسمها كان هلاك ليها، حواسها كلها توقفت عن العمل للحظات، ما عدا سمعها اللي كان بيرن جواه صوته باسمها، فماكانش منها غير إنها تنطق بعفوية خالصة:

  - لأ.. مش عايزة.. بس والدتك مش طايقاني من أول ما لمحتني، ومش عايزاني أبقى معاك هنا. 

  

ابتسم "فولاك" بتفكير وهو بيسأله :

  - هي صحيح دخلت هنا إزاي؟، أنا مدي تعليمات للحرس ممنوع مخلوق يدخل هنا. 

  

ابتسمت "نور" ابتسامة واسعة وهي بترفع عينيها ناحية السقف وبتقوله :

  - بسبب الجميلة دي. 

  

********

 عند مملكة "نيرون" كان "خوان" وشوية من جنوده سلموه بالفعل لحرس البوابة، عشان يتنهد بقوة وهو بيؤمر جنوده بالمغادرة، مجرد ما أطمن إنهم اختفوا من قدامه، مشي ناحية الباب السري للحديقة الخلفية للقصر واللي كانت من ضمن أسراره هو و"هيرينا" اللي اشتياقه ليها الأيام دي واصل لآخر مداه.


اتنفس "خوان" بقوة وهو بينظم ضربات قلبه الثائرة من مجرد عبوره للبوابة بعد ما تمتم بالتعويذة الخاصة بيها، واتفتحت قدامه كاشفة عن حديقته السرية. 


مجرد ما لمست رجليه أرض الحديقة  البوابة اتقفلت، لكن خطواته لسه مكملة ناحية كل مكان شهد خلوة ليهم، أو ذكرى حلوة جمعتهم، لحد ما وصل عند نافورة صغيرة كان عملها مخصوص هدية لـ "هيرينا" لحبها الشديد لصوت خرير الماية، افتكر وهو مغمي عينيها وواخد ايدها ناحية النافورة، اللي مجرد ما سمعت صوت مايتها اتنططت من الفرحة وهي بتشيل ايده عن عينيها وبتبص للنافورة بسعادة، قبل ما تحضنه بكل قوتها وهي بتقوله "بحبك". 


ابتسامة خفيفة زارت فم "خوان" اللي قعد على الكرسي المقابل ليها وهو بيتنهد بشوف جارف لمعشوقته، أشعله صوتها الناعم اللي ردد :

  - بحبك.


نفض "خوان" كل ذكرياته ولبس رداء الجمود والصلابة وهو بيبص ناحيتها بنظرات ثابتة، عشان تكمل هي بصوتها الدافي:

  - أول كلمة بحبك أقولهالك بعد جوازنا كانت في المكان ده. 

  

قام "خوان" من مكانه بجدية من غير ما يرد عليها بحرف واحد، ومشي ناحية البوابة، عشان تقف قدامه وهي فاردة دراعتها جنبها تمنعه من المرور وبتقوله :

  - مش هسيبك تمشي المرة دي من غير ما نتكلم يا "خوان". 

  

زفر "خوان" زفرة قوية وهو بيبصلها بجمود وبيقولها بحزم :

  - ماعتش بينا حاجة نتكلم فيها. 

  

صرخت فيه بصوت موجوع :

  - لأ فيه.. إنت سيبتني من غير ما تاخد رأيي، ولا حتى تسألني. 

  

ابتسم "خوان" ابتسامة ساخرة وهو بيقولها بتهكم :

  - بجد؟!..

  

واتحول صوته لصوت غاضب، ثائر وهو بيكمل كلامه :

  - انتي اللي حطيتينا في أسوأ موقف ممكن يتحط فيه مخلوق على وش الأرض ، إتهام بالخيانة ومحاولة قتل، تحطي سم لأخوكي؟!.. لـ "فولاك" بالتحديد؟..عارفة كان إحساسي إيه وأنا واقف قدام جلالة الملكة ومجلس القضاء في محاكمة؟.. ومش لاقي حرف واحد أدافع بيه عني أو عنك... حسيتي شعوري وأنا واقف قدام صاحب عمري موطي راسي ومش عارف أنطق بسببك؟.. طب عارفة إحساسي وأنا بسيب بيتنا اللي كل ركن فيه بيشهد بحبنا؟.. عارفة يعني إيه اتحط في اختيار الحب والصداقة؟.. أقسم لك إنك ما تعرفيش ولا شعور واحد من كل ده. 

  

سالت دموع "هيرينا" بغزارة وهي بتجاوبه بكل غضبها:

  - طب عارف إنت إحساس إن جوزي يصدق فيا كل ده من غير ما حتى يسمعني؟.. عارف إحساس إن حبيب عمري ما يقفش في وسط المحكمة ويصرخ فيهم ويقولهم مستحيل حبيبتي تعمل كده!.. مستحيل اللي اتربيت معاها تعمل كده!.. عارف إحساس إني أترفض من جوزي ويختار صديقه؟.. عارف شعور إني أعيش في المكان اللي شاهد على كل لحظات حبنا وجنونا لوحدي؟.. لو كنت تعرف حاجة واحدة من دول يا "خوان"ما كنتش قسيت عليا لحظة، ولا كنت وقفت قدامي تحاكمني تاني على ذنب أنا ما عملتوش، ولا عمري فكرت إني أعمله في يوم. 


غضب وانفعال "خوان" خلاه صرخ في وشها بكل قوته :

  - أومال مين؟ 

  

="نيرون".. "نيرون" هو اللي حاول يسم "فولاك". 

قالتها "هيرينا" بقوة غضبها وانكسارها وهي بتبصله بيأس وبتكمل كلامها :

  - دخلت على "نيرون" لقيته بيحط السم في كوباية "فولاك" اتخانقت معاه وشديت منه الكوباية عشان أرميها، لكن "فولاك" دخل علينا فجأة وكان مصمم ياخد العصير، فإديته عصيري أنا، وما كنتش أعرف إن "نيرون" حاطط فيه كمان سم.. ماكنتش أعرف إنه عايز يقتلني أنا كمان. 

  

كلمات كالمطرقة بتنزل على راسه بكل قوتها، لدرجة اختل ليها توازنه ورجع لورا خطوتين وهو بيردد بذهول :

  - "نيرون".. هو اللي حط السم لـ "فولاك"! .. "نيرون" كان عايز يتخلص منك إنتي كمان! .. طب ليه سكتي؟.. ليه سيبتي الكل يحاسبك على ذنب إنتي مالكيش علاقة بيه. 

  

اتنهدت "هيرينا" بوجع شق صدرها وهي بتقوله :

  - ومين كان هيصدقني وأنا اللي اديت العصير بايدي لـ "فولاك"؟.. مين كان هيصدق إن "نيرون" اللي الجميع بيحلف بحبه وإخلاصه للمملكة هيصدق إنه حاول يقتل ملكها.. طب لو صدقوني، كان "فولاك" هيسامحه زي ما سامحني ؟.. لأ؟.. كان هيقتله، وكنت هعيش بذنب إخواتي الاتنين طول عمري. 

  

الوجع اللي كان في قلبها، أضعافه كان بيحرق قلب "خوان" اللي شاف نفسه أكبر مغفل في الحياة، واللي ما قدرتش يعرف زوجته ولا يفهمها، والندل اللي اتخلى عنها، عشان كده قلها بصوت مبحوح :

  - اختارتي أخواتك؟.. ماكانش فارق معاكي إننا نفترق؟.. ما كانش فارق معاكي إني أفضل بعيد عنك، وأبعدك عني؟! .. إني أتجهالك كل ما أشوفك؟!.. إني أسمعك كلام يسم بدنك في الراحة والجاية؟!.. ليه كل ده؟! 


غمضت "هيرينا" عينيها بقوة تحرر كل دموعها المحبوسة فيها وهي بتقوله:

  - كنت بموت في كل لحظة من دول، لكني كنت بصبر نفسي إنك مسيرك تعرف الحقيقة.

  

زفر "خوان" زفرة قوية بث فيها كل غضبه وحقده وهي بيتجه ناحية الباب الداخلي للحديقة، واللي بيوصل لساحة القصر وهو بيصرخ :

  - "نيرون".. أقسم لك بربي لأدفعك تمن كل لحظة عيشتها بعيد عن مراتي، وتمن كل دمعة ألم بكيتهالها، وتمن كل لحظة غضب منها عيشتها. 

  

جريت "هيرينا" بسرعة تقف قدامه عشان توقفه وهي بتقوله:

  - بلاش تضيع كل اللي عملته في لحظة تهور، ده مهما كان أخويا، وعمري ما هتحمل إنك تقف قصاده بسببي. 

  

بصلها "خوان" بعصبية وهو بيقولها :

  - أخوكي اتحول لشيطان، وبيحارب "فولاك"، ومستني يموته في أي لحظة، يعني كده كده هقف قصاده، وهواجهه، وهقتله. 

  

هزت "هيرينا" راسها برفض وهي بتقوله :

  - ما بقاش أنا السبب يا "خوان"، اتواجهوا  واقتله في ساحة المعركة، مش في بيته وعلى سريره. 

  

*******

في نفس الوقت كانت "إيزابيل" في أوضتها، قدامها مجموعة من الأعشاب السامة النادرة، وأملاح البحر القوية، بتحاول تخلط مستخلصهم بنسب معينة عشان تعمل منهم عقار سام دايمًا  بتستخدمه في سم الحيوانات المفترسة، اللي بتئذيها بشكل مباشر أو بتئذي حيوانها الأليف اللي أغلب الوقت شايلاه وبتتكلم معاه وهو الأفعى ذات الخمس رؤوس. 


انتهت "إيزابيل" من صب العقار في الإزازة الصغيرة، اللي رفعتها قدام عينيها وهي بتبصلها بسعادة وبتقول :

  - نقطة واحدة منها كفيلة إنها تموت ديناصور في لحظة، وأثرها يختفي من الجسم في نص ساعة.. كتير حاولوا يسرقوا التركيبة أو يعرفوا سرها، لكنهم بيحلموا، دا أنا دافعة تمنها غالي قوي للساحر قبل ما أقتله.

  

وقربت الإزازة منها تقبلها قبلة طويلة وهي بتكمل كلامها :

  - من زمن طويل ما استخدمتكش، لكن شكله جه وقتك تاني، ولازم أكون جاهزة. 

  

جلبة وفوضي بتقرب منها وبقوة، خليتها تتوتر وتفتح صندوق خاص وتحط فيه إزازة السم وهي بتقوم من مكانها، تبص ناحية الباب اللي دخل منه "نيرون" بهيئته الجنية رغم تصرفاته الشيطانية وهو بيصرخ بجنون :

  - هقتلك يا "فولاك"، هشرب من دمك، وهاكل عضمك عضمة عضمة، إما خليت جريمة قتلك يحكوا عن بشاعتها لأجيال وأجيال من الجن، ما بقاش أنا "نيرون" ابن "برقان" و"ايزابيل". 

  

بصتله "ايزابيل" بصدمة وهي بتطالع هيئته المزرية بتعجب شديد وبتقرب منه وبتقوله:

  - مين اللي عمل فيك كده؟! 

  

قرب "نيرون" من زهرية كبيرة محطوطة في جنب الأوضة وشالها بين إيديه يرفعها لفوق قبل ما يرميها ناحية مراية "ايزابيل" اللي عاكسه صورته، واللي زودت غضبه ووحشيته وهو بيصرخ :

  - مفيش غيره اللي دايمًا بينتصر عليا.. اللي دايمًا بيذلني ويكسرني، لكن ماعتش هيقدر يعمل كده تاني. 

  

واتلفت ناحية والدته يقولها بعيون بتطق شرار :

  - أنا عايز السم، لازم أقتله وأرتاح منه. 

  

هيئته وغضبه الشديد أكد لـ "إيزابيل" إنه ما ينفعش الصدام معاه، لكن في نفس الوقت ما ينفعش تطاوعه دلوقتي على الأقل، عشان كده طبطبت عليه وأخدت بإيده لأقرب مقعد وهي بتقوله :

  - ما ينفعش تعمل كده دلوقتي، كل الممالك والملوك عارفين إنك العدو الأول لـ "فولاك"، يعني يوم ما يحصله حاجة إنت هتتحاكم محاكمة كبرى ودي مفيهاش أي نقض، يعني الحكم هيتنفذ على طول وفي قلب المحكمة قدام كبار الجن. 

  

نفض "نيرون" ايدها بقوة يبعدها عنه وهو بيصرخ فيها :

  - ما يهمنيش المحكمة ولا القضاة بتوعها، ولاحتى يهمني إني أموت بعدها، المهم إني أنتقم منه. 

  

سحبت "ايزابيل" نفس قوي تحاول تسيطر بيه على غضبها وتكبته، وهي بتقوله :

  - بس أنا يهمني، يهمني إنك تكون عايش وقوي وتاخد مكانك اللي يليق بيك. 

  

انتقامه كان عاميه، فماكانش شايف قدامه غير صورة اذلال "فولاك" ليه، وودانه ما كانتش سامعة غير صوته وهو بيشبهه بالدمية،  فثارت ثورته وجري ناحية طاولة الزينة بتاعة "إيزابيل" يفتح صندوق مجوهراتها يرمي محتوياته على الأرض في حالة هياج تام وهو بيقولها :

  - أنا متأكد إنك لسه عندك إزازة السم، هي فين؟ 

  

عينين "ايزابيل" كانت متعلقة بالصندوق الصغير اللي فيه الازازة، واللي "نيرون" ابتدى يقرب منه بشدة، عشان تتنفس بقوة وهي بتجري ناحيته وبتمسك إيديه بحجة إنها تهديه وبتقوله :

  - السم خلصان دلوقتي، بس أوعدك إني هعملك كل اللي إنت عايزه.. بس إهدى دلوقتي. 

  

بصلها "نيرون" بحقد قوي وهو بيتنفس بلهاث شديد، اتكلم من خلاله :

  - نفس السم اللي قتلتي بيه الملك "برقان".. مش عايز سم غيره.


*********

"فولاك" كان واقف قدام أوضة "نور" وعلامات الغضب متملكة من كل ملامحه، ونظراته المشتعلة متعلقة بالحراس اللي منحنين براسهم للأسفل وتعليماته بالعقاب الصارم بتنزل على مسامعهم:

  - أنا إديتكم تعليمات بإن ممنوع أي مخلوق يدخل أوضة الإنسية "نور"، والتعليمات دي ضربتوا بيها عرض الحائط، وجلالة الملكة "شمس الأخاديد" قدرت تدخل الأوضة بكل سهولة وتنفرد بالإنسية. 

  

نطق كبيرهم بتوتر وراسه مازالت لأسفل :

  - الحكاية يا مولاي.. 

  

قاطعه "فولاك" بكف ايده اللي رفعه قصاده وهو بيقوله بحزم :

  - أنا ليا واقع مش حكايات، الواقع بيقول إن كل حرس الأوضة يتعاقب بالحبس أسبوع، وبعدها يتحول لحراسة المقابر، وممنوعين من دخول القصر ليوم الدين. 

  

هز الحارس راسه بموافقة وهو بيقوله :

  - سمعًا وطاعة يا مولاي. 

  

وشاور لهم "فولاك" بالانصراف في نفس الوقت اللي كانت "نور" خرجت من أوضتها تنضم ليهم وهي بتبسم لهم ابتسامة، تلاشت مجرد ما انصرفوا عشان تقول لـ "فولاك":

  - هما مالهم فيه إيه؟ 

  

هز "فولاك" راسه بنفي وهو بيقولها بدون ما يجاوبها على سؤالها:

  - كنتي عايزاني في إيه؟ 

  

اتنهدت "نور" بقوة وهي بتقوله بابتسامة :

  - ممكن نقعد في الجنينة وإحنا بنتكلم. 

  

هز "فولاك" راسه بموافقة وهو بيسبقها إلى حديقته الخاصة، وتبعه هي بخطوات واسعة عشان تلحق بيه، لحد ما قعدت في المقعد المقابل له وهي بتقوله:

  - كنت بسأل على الفراشة اللي شفتها في أوضتي، واللي كنت هتجنن وأمسكها، لدرجة إني وقعت مرتين وأنا بحاول.. تعرف إنها بتفكرني بـ "تنة" و "رنة" شبهم بالظبط.. جسمها إنسان وشكلها فراشة بألوان مبهجة إزاي ده بقا؟! 

  

ضيق "فولاك" عينيه بتعجب وهو بيقولها بأريحية شديدة:

  - دي مخلوقات ربنا خلقها زينا وزيكم، وزي مخلوقات تانية كتير مالية العالم بتاعنا، يعني ما ينفعش معاها نقول كلمة إزاي ولا ليه يا "نور". 

  

كأنه اعتاد ارباكها، واعتاد التلذذ به، فنطقه لاسمها بالطريقة دي بيشعل خجلها وتوترها في كل مرة، عشان تحمحم بقوة تستجمع بها جمودها وثباتها وهي بتقوله بدهشة :

  - بس أنا ما شفتش أي مخلوقات غيركم هنا من وقت ما نزلت تحت الأرض. 

  

ضيق "فولاك" عينيه بصدمة وهو بيقولها:

  - مين قالك إننا تحت الارض أصلًا؟!.. وبعدين المخلوقات حوالينا في كل مكان. 

  

فتحت "نور" فمها بدهشة وهي بتضم أطراف أصابعها جنب بعض وبتشاور له وبتقوله :

  - واحدة واحدة عليا الله يسترك، أنا استيعابي مش أقوى حاجة، يعني إيه المخلوقات حوالينا؟.  ويعني إيه مش تحت الارض؟.. مش العفاريت عايشة تحت الأرض؟ 

  

اتنهد "فولاك" بزهو وهو بيتلف حواليه يتأمل المخلوقات العجيبة اللي موجودة حواليه في كل مكان وبيقولها:

  - يعني مش إحنا بس الموجودين هنا، ولا "تنة" و"رنة" بتاعتك دي كمان اللي موجودة هنا لوحدها. 

  

اتلفتت "نور" حواليها بلهفة وتأمل وهي بتقوله :

  - بس أنا مش شايفة أي حاجة حواليا. 

  

ابتسم "فولاك" لمخلوق من المخلوقات العجيبة واللي قرب من "نور" بقوة يشاور لها بايديه بحركة ترحيبية، عشان يقولها :

  - الحيوانات والطيور هنا مش زي العالم بتاعكم، بالعكس، ممكن تلاقي منهم أشكال مرعبة بالنسبالك، عشان كده حجبت عنك رؤيتهم جميعًا. 

  

ورفع عينيه ناحية الفراشة وهو بيكمل كلامه:

  - حتى المشاغبة دي كانت محجوبة عنك، لكني حررتها قبل ما أغادر عشان تتسلي معاها. 

  

رفعت "نوذر" أنظارها ناحية الفراشة وهي بتقوم من مكانها تقف جنبها وتقوله :

  - تقصد "رنة"؟ 

  

ابتسم "فولاك" ابتسامة واسعة وهو بيتابعها بأنظاره العاشقة، واللي وقفت فجأة  ناحية طيف أسود بيقرب منهم وبقوة، واللي ما كانش غير "آشماداي". 

الفصل التاسع من هنا

تعليقات