رواية فجوة زمنية الجزء الثانى الفصل التاسع بقلم فاطمة على محمد
ابتسامة "فولاك" اللي كانت مزينة محياه وهو بيبص لـ "نور" فجأة اتحولت لتعابير غضب وحقد وكراهية، وهو بيتنفض من مكانه يجري ناحية "آشماداي" يدفعه بايده للخلف بكل غضب وغيظ وبيقوله :
- إيه اللي جابك هنا؟
اصطدم "آشماداي" بحيطة القصر، اللي وقفت حركته تمامًا، خاصة بعد ما رفع "فولاك" ساعده قدام رقبته، وضغط عليه بكل قوته قاصد إنه يخنقه، عشان "آشماداي" يسعل بقوة وهو بيبصله بنظرات جامدة وبيقوله بصوت متحشرج:
- جاي أشوفك.
غضب "فولاك" اتضاعف، واتضاعفت معاه قوته البدنية اللي تمركزت أغلبها في دراعه اللي شدد من ضغطه على رقبة "آشماداي" اللي ابتدى يجاهد للتنفس.
الموقف كله أثار رهبة وخوف "نور" اللي حركت عينيها مع حركة "فولاك" من البداية، واللي اتنفضت من مكانها تجري عليه بهلع شديد وهي بتقوله بصدمة :
- ده بيطلع في الروح! .. سيبه يا "فولاك"، هيموت في إيدك.
كل تركيز "فولاك" وغضبه كان منصب في اتجاه واحد، وتقريبًا كل حواسه فقدت خصائصها، فلا كان سامع ولا شايف غير "آشماداي" اللي فعلًا كان بيحتضر بشكل دب الرعب في قلب "نور" اللي ابتدت تبكي وهي بتشد في ايد "فولاك" وبتترجاه :
- سيبه بقا.. بيموت، والله بيموت.
"فولاك" كان لسه على وضعه، وما إتأثرش لحظة بـ "نور" ولا لمستها كأنه مُغيب عن العالم، أو داخل عالم خاص مفيهوش غير" آشماداي" وهو.
الرعب كان فارض كل سطوته على حواس" نور" اللي بعدت ايديها المرتعشة عن إيد "فولاك" وهي بترجع ورا بجسم كله بيترجف بقوة، عشان تهز راسها بنفي وهي بتحط ايدها على ودانها وبتدخل في نوبة هلع قوي، وصراخ ابتدى صداه يدوي في كل القصر وهي بتقول :
- إنت قاتل.
صدى صراخها زي ما اتردد في أركان القصر، اتردد في حجرات قلبه، اللي جذبه بكل قوة ناحيتها، ودفعه للنظر ليها بصدمة من الحالة اللي وصلت لها، عشان يبعد ايده عن "آشماداي" ويجري ناحيتها يحاول يهديها وهو بيقولها :
- إنتي كويسة؟
هزت راسها بنفي وهي لسه بترجع لورا لحد ما اتصدمت بعمود رخامي بارد، اتنفض بسببه جسمها بقوة وهي بتصرخ بهلع :
- ابعد عني.. إنت قتلته.. إنت قاتل.. ابعد عني.
قرب منها "فولاك" وهو بيمد ايده ناحيتها يطمنها، لكنها نفضتها بعيد عنها بكل قوتها وهي بتقوله :
- إنت هتقتلني..ابعد.
انفطر قلب "فولاك" وهو شايفها مرعوبة منه، لكنه لسه عايز يطمنها، فبص ناحية "آشماداي" اللي كان لسه بيتنفس بقوة عشان يسحب كل الهوا لرئته ، اللي كانت قربت تنفجر من قلة الهوا فيها، وصوت سعلاته المتقطعة كان بيدوي في المكان، وهو بيرجع ناحيتها بأنظاره وبيقولها :
- لسه عايش.. ما تخافيش يا "نور".
رعب "نور" وخوفها تملك منها بالفعل، ورفضوا يتخلوا عنها، خاصة لما رفضت تصدقه وهي لسه بتهز رأسها بهلع وبتقوله ببكاء شق قلبه لنصين:
- إنت كداب.. أكيد ده وهم! .. كابوس! .. أنا في عالم مخيف! .. عالم ماعرفش عنه حاجة! .. خرجني من هنا.. أنا بكره هنا.. وبكرهك.. وبكره "يونس".. وبكره" مويرا".. بكره كل حاجة وصلتني لهنا.. أنا مش قادرة أتنفس.
حالة انهيار تام لـ "نور" عاشها "فولاك" بعجز نهش روحه زي الوحش الجائع وهو مش قادر يقرب منها ولا يلمسها، ولا حتى قادر يطمنها، اتسمر في أرضه، فاقد أي قدرة على التصرف أو التفكير، عشان تقرب منه الفراشة اللي كانت في حجم "نور" بالظبط وهي بتبصله بنظرات وجع عشانه وعشان "نور"، اللي ابتدت تدوخ وتتزحلق بجسمها على العمود لحد ما قعدت على الأرض.
في اللحظة دي بصلي "فولاك" بنظرات كلها ضعف وانكسار لأول مرة أشوفها في عينيه، مسحت دموعي اللي كانت نازلة شلالات عشان "نور" وخوفها، وعشان قلة حيلته قصاد خوفها ده، وقربت منه وأنا بقوله برجاء :
- خليني أظهر لها عشان أقف جنبها وأطمنها.
بصلي "فولاك" بجمود وصمت تام، لكني قربت منه أكتر وأنا بشاور بأيدي ناحية "نور" وبقوله بغضب :
- البنت منهارة، ممكن قلبها يقف من كتر الخوف.. خليني أظهر لها عشان أساعدها.
هز "فولاك" راسه برفض، لكني مسكت دراعه أهزه بكل قوتي وأنا بقوله :
- فوق.. أخرج من الصدمة دي، البنت منهارة، بالشكل ده هتخسرها للأبد.
الوجع اللي كان بيجلد "فولاك" كنت حاساه رغم الصلابة والجمود اللي كان ظاهرهم في اللحظة دي، فاتنهدت بقوة وأنا بحاول أظبط انفعالاتي وأنا بقوله بتوسل :
- خليني أساعدكم.. مش هتخسر حاجة.
رفع "فولاك" أنظاره عني ووجها ناحية الفراشة اللي كانت مستنية الإذن منه بالتدخل، عشان تبتسم ابتسامة خفيفة وهي بتهز راسها وبتلف بكل جسمها تجري ناحية "نور" تقعد جنبها وتفرد جناحاتها تضمها جواهم بحنان قوي، عشان تحجبها عن كل اللي بيحصل حواليها.
في الوقت اللي سحب فيه "فولاك" نفس قوي وهو بيغمض عينيه للحظات، قبل ما يفتحهم مرة تانية وهو بيكشف عن حجيم الغضب المشتعل جواهم وخطواته متجهة ناحية "آشماداي" اللي استعاد أنفاسه وقوته، وبيقوله بنبرة جامدة خالية من أي مشاعر :
- جاي ليه؟.. ودخلت المملكة إزاي؟
اترسمت إبتسامة ماكرة على وش "آشماداي" اللي رفع أنظاره ناحية نقطة ثابتة خلف "فولاك" وهو بيجاوبه ببرود:
- فتحتلي الحصن.
ضيق "فولاك" عينيه بدهشة وهو بيتلف وراه يبص للمكان اللي مركز عليه "آشماداي"، عشان تبرق عينيه بصدمة وهو شايف والدته "شمس الأخاديد" بتبصلهم بصدمة أكبر لدرجة إن عينيها قربت تخرج من مكانها.
*******
في ساحة التدريب بقصر "نيرون"؛ كان "نيرون" واخد من حراسه أهداف حية للتصويب عليهم وهو في حالة هياج عصبي شديد، تحت أنظار "ايزابيل" اللي كانت واقفة في شرفة القصر بتبصله بخوف وتوتر من تبعية اللي بيحصل، وعينيها متعلقة بكل جني بيتحرق ويتحول لرماد بيطير في الهوا مجرد ما تنفصل روحه عن جسمه.
في الوقت ده انضمت "هيرينا" ليها بدهشة وتعجب مسيطر على كل ملامحها وهي بتبص لأخوها بغضب شديد وبتردد :
- "نيرون" فقد عقله خلاص، وهيقلب علينا الملك "العيلان" بعمايله السودا دي.
صكت "إيزابيل" أسنانها بقوة وهي بتضم قبضة ايدها وبتضرب بيها سور الشرفة وبتجاوبها وهي بتتفقد الهوا حواليها:
- اللي مخوفني هدوء الملك، على عكس المرة اللي فاتت، اللي كان هيهد فيها الجبل فوق روسنا ، حاسة إن ده هدوء ما قبل العاصفة.
رفعت "هيرينا" أنظارها للسماء، تحديدًا لقرص الشمس اللي كان بيتوسط سماء المملكة وهي بتجاوبها :
- كل جنود الملك "العيلان" مختفين، وده بيكون الإنذار الأخير في قاموسه، يعني العاصفة جاية جاية يا أمي.
يدوب انتهت "هيرينا" من كلامها وكان الظلام مسيطر على كل المملكة، والشمس اختفت بشكل بث الرهبة والخوف في قلب "هيرينا"و "ايزابيل" اللي رفعوا أنظارهم للسماء مرة تانية، عشان يشوفوا الملك" العيلان" متقدم جيشه الضخم، واللي غطى على ضوء الشمس وحجبه عنهم تمامًا.
شهقت "ايزابيل" شهقة قوية وهي بتنزل بأنظارها ناحية "نيرون" اللي عينيه كانت مشتعلة بنار مضيئة، وصرخت فيه بفزع :
- حذرتك ميت مرة من غضب الملك "العيلان" وماصدقتنيش، أهو بيقود جيشه وجايلك بذات نفسه، عمايلك جابت الخراب لمملكتنا يا غبي.
الظلام اللي حوالين "نيرون" وصراخ والدته، ونعتها ليه بالغبي أشغل غضبه وخلاه يتلفت ناحية بقية الحرس اللي كان بيتدرب عليهم ويوجه ناحيته سلاحه، ويبدأ في التصويب عليهم بشكل عشوائي، لكن الجنود وعلى غير العادة اتحركت من أماكنها وابتدت تدور حواليه في شكل دائري لحد ما حاوطته من كل اتجاه.
الدايرة ابتدت تضيق بشكل كبير حوالين "نيرون" اللي ابتدى يتحول لشيطان ثائر، بيضرب فيهم بكل قوته ووحشيته، لكنهم ما زالوا يتصدون لضرباته دي، لحد ما هبط الملك "العيلان"( بملامحه الحادة، البارزة، وخصلات شعره الطويلة التلجية اللي كانت بتلامس أقدامه، وعيونه اللي كانت قطعة من لهب جهنم ) في ساحة القصر، وبقيت كل جنوده تحوم في فضاء القصر والمملكة لتأمينه.
مجرد ما لمست أقدام الملك "العيلان" أرض المملكة، اتفرقت الجنود عن "نيرون" واصطفوا صفين على يمينه، وعلى شماله وهما بينحنوا باحترام وإجلال لملكهم "العيلان" اللي وجه أنظاره ناحية "نيرون" بغضب شديد وهو بيقوله بحدة :
- لا سلام لك عندي يا "نيرون".
"نيرون" لسه بهيئة الشيطان اللي متلبساه، ونظراته كانت نيران بتحرق أي حاجة بتطولها، لكن خصمه في الوقت ده كان قوي وعنيد وصعب هزيمته، فالملك "العيلان" يملك جيش قوي من الجن المرتزقة، جميعهم بيدينوا له بالولاء والطاعة العمياء، ده غير إنهم يفدوه بأرواحهم بدون لحظة تفكير واحدة، فهو المسئول الأول والأخير عنهم.
اقتحم الملك "العيلان" صف جنوده وعبر من خلالهم لحد ما وقف قدام "نيرون" اللي ابتدت هيئته الجنية تعود له من جديد، وهو بيصيح فيه بصرامة وحزم :
- يوم ما جيتلي تعيطلي عشان مجلس الجن خرجك من مملكة والدك الملك "برقان" بدون حارس واحد يخدمك، واترجيتني إني أعين لك جيش يحميك ويكون في حراستك، وقعت وثيقة بالحفاظ على أرواحهم، اتعهدت قدامي إن مفيش أذى هيصيبهم غير في حرب نزيهة، وده ما حصلش، وأكتر من جندي جاني واشتكي منك ومن خستك في الحرب، يومها جيبتك عشان نفض الشغلانة دي، لكنك ركعت قدامي واترجيتني إني أسيب لك الجنود وإنك مش هتخوض أي حرب بدون وجه حق... فاكر؟
حالة هدوء وسكينة عجيبة سيطرت على "نيرون"، فكان كالطفل الصغير، انحنى براسه بخنوع قوي للملك "العيلان" وهو بيهمس بصوت خفيض :
- فاكر.
مشى الملك "العيلان" خطوات تانية لحد ما وقف تمامًا قدام "نيرون" اللي كان لسه حاني راسه لأسفل، وكمل كلامه بنبرة حادة غاضبة :
- اديتك يومها فرصة تانية، وعملنا وثيقة جديدة وغلظنا العقوبة، ووافقت يومها، وأقسمت إن جنودي هتكون في أمان عندك.
بلع "نيرون" ريقه بصعوبة وهو بيجاوبه :
- حصل.. بس...
صرخة قوية دوت من حلق الملك "العيلان" اترجت لها جبال المملكة، وثارت لأجلها جنوده في في الفضاء، وهو بيقوله بغضب وحشي:
- مافيهاش بس.. قتلت جنودي وشربت دمهم.. انتظرتك تيجي تقدم اعتذارك مع فروض الولاء والطاعة، لكنه ما حصلش، أخدتهم لحد مملكة الملك "فولاك" في حرب بلا أي هدف، ومات منهم جنود وإنت ولا مهتم من الأساس، لكن النهاردة توقفهم عساكر رماية وتموتهم.. كده رصيدك معايا خلص، وكل جنودي اللي في مملكتك هترجع معايا، ومفيش جندي واحد بس منهم هيفضل معاك، دور بقا على حرس يحميك، أو روح لجلالة الملك "فولاك" اترجاه يبعت معاك كتيبة حماية.
اتنفض جسم "نيرون" بهلع ونزل على ركبه تحت أقدام الملك "العيلان" يضم كفوفه لبعض قدام وشه اللي رفعه ناحيته بتوسل وهو بيقوله :
-العفو والسماح جلالتك.. أنا مستعد لأي عقوبة توقعها عليا، لكن جيشي يفضل معايا.
بصله الملك "العيلان" بنظرات كلها اشمئزاز واحتقار قبل ما يرفع عينيه ويطوف كل المكان حواليه وهو بيقوله :
- القصر ده هيكون قصري.
هز "نيرون" راسه بقوة وهو بيجاوبه :
- وأنا خادم مطيع لجلالتك.
توقفت نظرات "العيلان" على "هيرينا" الجميلة بطلتها البهية، وبصلها بعيون جائعة، شرسة وهو بيقوله :
- والأميرة "هيرينا" تكون زوجتي.
ما زال "نيرون" بيهز راسه بهذيان وهو بيقوله بخضوع :
- لو عايزها جارية لجلالتك هتكون، ولو عايز الملكة "ايزابيل" كمان خادمة عندك أنا موافق.
ابتسم الملك "العيلان" ابتسامة زهو رغم السخرية والتهكم في كلامه:
- خادماتي بنات صغيرات، و"ايزابيل" بلغت من العمر أرذله.
ورجع بنظراته مرة تانية ناحية "هيرينا" اللي غادرت الشرفة ونزلت تهرول ناحيته وكمل كلامه بوقاحة :
- أما "هيرينا" فقد نضجت وطابت وتدعوني لالتهامها والتلذذ بها.
كانت تهرول وعلامات الغضب والكراهية تفرض سطوها على أنظارها اللي ارتكزت عليه وهي تصرخ به بسخرية:
- تتجوز مين يا عجوز الجن إنت؟!.. أنا أميرة متزوجة من قائد عظيم اسمه القائد "خوان".. أعتقد إنك تعرفه كويس، خاصة بعد ما هزمك إنت وجنودك اللي فخور بيهم دول من تلت سنين.
ابتسم الملك "العيلان" ابتسامة واسعة كشفت عن سواد أسنانه وقذارتها وهو بيقولها بوعيد :
- ما أنا عشان كده ههزمه في الحرب دي وبدون ما أرفع سلاحي، ولا أعرض جنودي لأي خطر.
شوحت "هيرينا" في وشه بغضب وهي بتقوله باستهزاء :
- لا.. دا أنت مجنون بقا، بقولك متجوزة.. يعني ما ينفعش تتجوزني، ولو حتى ينفع أنا مش هتجوزك.
كانت نظرات "العيلان" بتراقب انفعالات "هيرينا" بانبهار شديد وهو بيبتسم لها وبيجاوبها:
- مش جوزك ده اللي هاجرك من سنين، وفي قانون مملكتنا لو هجر الزوج زوجته أكتر من عامين تعتبر امرأة حرة، وأظن إنك عارفة القوانين كويس يا سمو الأميرة "هيرينا".
وقرب منها قليلًا وهو بيهمس جنب ودنها :
- أو يا جلالة الملكة "هيرينا العيلان".
********
عينين "فولاك" اللي كانت متعلقة بعيون والدته كانت بترفض تصدق اللي شيطانه صورهوله، لكنه كان مستني الرفض القطعي من الست اللي كانت له مثل أعلى، اللي كانت له نموذج لازم يكون موجود في أي ست عشان يسمح لها إنها تدخل مجاله من الأصل، لكن الإجابة كانت واضحة وصريحة وصافعة من "آشماداي" اللي مشي بخطوات واثقة وتخطاه، لحد ما وصل قدام "شمس الأخاديد" اللي سحبها لحضنه بقوة وقبل راسها بقبلة طويلة وهو بيجاوبه على سؤاله الأخرس :
- جلالة الملكة "شمس الأخاديد" ملكة العرش، وملكة قلبي، وزوجتي الحبيبة.
جحظت عيون "فولاك" بصدمة، وارتفع صدره وانخفض بقوة من أنفاسه المشتعلة، وهو بيبصله بغضب مستعر وخطواته سابقاه ناحيته عشان يلكمه لكمة قوية دفعته للخلف بعيد عن والدته وهو بيسألها بأنفاس حارقة تصاعد لهبها في الهواء :
- أكيد بيكذب! .. أكيد فاجئك وحضنك! .. أكيد كنتي هتبعديه عنك.
وصرخ فيها بكل قوته وغضبه :
- انطقي.. ساكتة ليه؟.. ما هو مش معقول الملكة "شمس الأخاديد" بجلالة قدرها تتجوز وغد حقير زي ده!.. مش معقول الملكة "شمس الأخايد" اللي كانت متجوزة جلالة الملك "برقان" وشايلة اسمه تتجوز حثالة زي ده؟!.. ردي.
"شمس الأخاديد" كان حلقها جاف زي صحرا قاحلة في عز ظهر أغسطس، جاهدت عشان تبلع ريقها لكنها كانت محاولة فاشلة، حاولت تنطق أي حرف ترد بيه على كلامه ابنها، لكنها اتجمدت في أرضها وفقدت أي قدرة على الكلام، لكن "آشماداي" أخد دورها في الإجابة بشكل ممتاز وهو بيرجع ناحيته وبيقوله :
- الحثالة ده قدر يعيش والدتك اللي جلالة الملك "برقان" نفسه ما قدرش يعيشهولها.
كلامه كان تعويذة تحرير الشيطان من سجن "فولاك"، وإن يسيب له السيطرة الكاملة على المعركة، فارتفع "فولاك" في الهواء لأقصى مسافة يقدر يوصل لها، وبعدها هبط بأقصى سرعة كالصاروخ، وحضن في طريقه "آشماداي" بقوة، وأخده معاه في طريقه لتحت الأرض في نفق طويل شقه "فولاك" بقوة اندفاعه وغضبه، لحد ما استقر في آخر النفق ووقف على رجليه بكل غضب وهو بيبص لـ "آشماداي" اللي واقع قدامه بيتألم من قوة الارتطام.
زفر "فولاك" زفرة قوية وهو بيستقيم بوقفته وبيرتفع بجسمه لسطح الأرض، عشان يقف بكل كبرياء والأرض بتضم نفسها على جسم "آشماداي" بقوة وهي بتقفل النفق عشان يتدفن جواه.
المسافة ابتدت تتطابق لحد كبير، و ده كان تحت أنظار "شمس الأخاديد" الهلعة، واللي أخيرًا قدرت ترجع سيطرتها على جسمها وكل حواسها، عشان تجري ناحية ابنها تقف جنبه وعينيها على "آشماداي" اللي في قاع الحفرة وهي بتقوله بتوسل :
- ده جوزي يا "فولاك" متجوزين على سنة الله ورسوله، يعني جوازنا حلال، أنا عارفة إنك غضبان مني دلوقتي، ومن الدنيا كلها كمان، ويمكن بتكرهني، بس أستحلفك لو فيه لسه في قلبك ذرة حب ليا تحرره وتعفو عنه.
كلماتها كالصواعق بتنزل على دماغ "فولاك" تضربه بكل قوتها، لدرجة فقدانه لاتزانه، لكنه كان بيجاهد للصمود والثبات، رغم عينيه المستنكرة اللي اتلفتت ناحيتها تبصلها بكل وجع وألم في صمت تام رغم ضجيج الكلام جواهم، عشان تضم كفيها لبعض بتوسل وهي بتركع قدامه وبتقوله :
- أتوسل إليك تحرره من غضبك ، أنا بحبه.
طعنة قوية بخجر تلم اخترقت قلب "فولاك" اللي عاش وشاف بعينيه ضعف والدته وتذللها له، والدته اللي كانت المثل الأعلى والأعظم للقوة والكبرياء في حياته، أتمنى قلبه الجريح إنه ماكانش يعيش للحظة دي، عشان صورتها العزيزة تفضل في ذاكرته لأبد الآبدين، لكنها كانت مصممة توقع آخر قطعة في تمثال كبريائها المزيف، لما أحنت راسها قدامه ببكاء وهي بتكمل كلامها :
- أرجوك حرره، أنا ما أقدرش أعيش من غيره.
في اللحظة دي وبشكل لا إرادي جت في ذاكرة "فولاك" لحظة احتضار والده الملك "برقان"، واللي كان بيواجه الموت بكبرياء وعزة نفس لآخر أنفاسه، واللي وصاه بوالدته وصية واجبة، وخلاه يعاهده على حمايتها وتلبيه أوامرها دايمًا، إنه يجعلها كريمة عزيزة النفس غالية زي ما كانت في عهده، إنه ما ينصرش أي مخلوق عليها؛ حتى زوجته عند زواجه، حكاله قد إيه كان بيحبها بل بيعشقها، وقد إيه زعلها كان عزيز علي قلبه، وإنه جاهد لرضاها طول الوقت، وإنها كانت زوجة مخلصة وفية، وملكة عادلة قوية.
كل الذكريات دي هاجمت عقل "فولاك" اللي رافض مشهد انكسار والدته قدامه، واللي عينيه رغم غضبها زارتها قطرات خفيفة من الدموع، لكنه وئدها في لمح البصر وهو بيكتم أنفاسه الملتهبة، وبينحني يمسك دراع والدته بايد باردة، يساعدها على الوقوف قدامه وهو بيقولها :
- جلالتك تدي الأمر وإحنا ننفذ، لو على تحريره فتم، إنما العفو عنه فده درب من دروب الخيال .
ابتسمت "شمس الأخاديد" في نفس اللحظة اللي الأرض ثبتت فيها، ونزل حارس من حراس الملك "فولاك" يساعد "آشماداي" على الخروج من النفق.
لحظات وكان واقف "آشماداي" جنب "شمس الأخاديد" مقابل "فولاك" بيبتسم ابتسامة ماكرة خفيفة ضاعت في لحظات وحل محلها نظرة انكسار وخضوع وهو بيقوله :
- معروفك معايا دين في رقبتي يا جلالة الملك، وأكيد هردهولك في يوم من الأيام.
تجاهله "فولاك" تمامًا، والتقط كف والدته بين كفوفه برفق وهو بيقولها بحزم :
- جلالتك هتروحي قصر الحالمات، وممنوع تخرجي منه، وممنوع أي مخلوق يزورك، حابة تاخدي جوزك معاكي اتفضلي، لكن مجرد ما هيخطي برجله جواه مش هيشوف نور الشمس تاني.
رجفة قوية تملكت من قلب "شمس الأخاديد" وهي بتبص لابنها بصدمة وبتقوله :
- إنت بتنفيني وبتحدد إقامتي يا ابني ؟!.. بتحرمني منك وأنا عايشة؟!..
ابتسم "فولاك" ابتسامة مكسورة للحظات وهو بيزفر زفرة قوية بكل صلابة بيقولها بجمود:
- فقدتي أي حق فيا، وكلمة ابني ما بقاش لها أي وجود في حياتك، أو لو محتاجاها قوي ممكن تجيبيلك ابن من جوزك الجديد، وأهو تستعيدي معاه شبابك، وتمارسي معاه أمومتك، بس أتمنى إنها تكون المرادي حقيقة مش استعراض قدام شعب المملكة عشان يقولوا جلالة "الملكة شمس الأخاديد" القوية، واللي رغم انشغالنا بالحكم والمملكة، أم عظيمة، وزوجة وفية.
وابتسم بسخرية وهو بيكمل كلامه :
- الحرس هيوصلك، وكل متعلقاتك الشخصية هتوصل لحد جلالتك، وخدي جوزك معاكي عشان يونسك، لأني أقسم لك بربي لو قابلته صدفة بعد الوقتي مش هرحمه.
*******
" خوان" كان نايم في سريره ساند راسه فوق كفوفه المتشابكة، سرحان في سقف الأوضة اللي كان بالنسباله شاشة عرض سينمائي لذكرياته الخاصة مع "هيرينا"، واللي بسببها اترسمت ابتسامة واسعة تزين محياها وهو بيهمس بعشق :
- "هيرينا"!.. فاتنتي الماكرة.
واتنهد تنهيدة حارة قوية، وصوت ضحكتها المغرية بيدوى في ودانه، عشان يسمع صوتها الملهوف المرتبك :
- "خوان".
في البداية ظن إنه مجرد خيالات زي اللي عايشها، لكن مجرد ما اسمه اتكرر تاني بصوت أكتر لهفة، رفع راسه عن ايده قليلًا، وهو بيبص قدامه عشان يلاقي "هيرينا" واقفه قصاده بلون بشرتها الشاحب كأنها هربانة من الموت، وصدرها بيعلو ويهبط بقوة من فرط مجهودها الزايد كما لو أنها كانت في سباق ركض لمسافات طويلة، ووصلت لخط النهاية للتو.
مجرد ما عين "خوان" وقعت عليها بهيئتها المزرية دي، اتنفض من مكانه بلهفة وجري ناحيتها يسألها :
- إنتي بخير؟.. فيه حاجة حصلت؟.. حد أذاكي؟ أو عملك أي حاجة؟
عينيها كانت بحر من الأمواج المتلاطمة من الهلع وهي بتبصله بخوف وذعر بدون ما تنطق، عشان يسحب "خوان" ايدها ناحية السرير ويقعدها على طرفه برفق، قبل ما يجري ناحية طاولته الجانبية ويصب لها عصير طازج، ويجري ناحيتها مرة تانية يناوله ليها وهو بيقولها :
-اشربي العصير ده، واهدي واحكيلي كل حاجة.
أخدت "هيرينا" رشفة واحدة بايدين مرتجفة وهي بتهز راسها بتوتر وبتقوله :
- كفاية.
قعد "خوان" جوارها وهو بيبص لها بقلق اقترب من أن يفتك بعقله في انتظار أي إجابة تهون عليه ما هو فيه، لتنظم "هيرينا" أنفاسها بهدوء وهي بتقوله :
- الملك "العيلان" عايز يتجوزني.
اتنفض "خوان" من مكانه بصدمة سيطرت على جميع حواسه وهو بيهتف مستنكرًا :
- يعني إيه يتجوزك؟!.. ليه مش شايفني؟!.. هو أنا هوا بالنسبالهم ولا إيه؟!
نهضت "هيرينا" من مكانها هي الأخرى وهي بتقوله بوجع قوي :
- القانون بيقول لو الزوج هجر زوجته أكتر من عامين يقع الطلاق، وانت هاجرني من سنين يا "خوان".
بصلها "خوان" بذهول وهو بيتذكر هذا القانون، قبل ما يهتف بها بسخرية :
- أي قانون ده اللي هيقف في طريق زوجين بيحبوا بعض وعايزين يكملوا مع بعض؟!
بصت له "هيرينا" بأسى وهي بتقوله:
- للأسف القانون في صفه، و"نيرون" كمان في صفه.
ضيق "خوان" عينيه بدهشة وهو بيردد :
- و "نيرون" ماله ومال جوازك؟!
تحركت قليلًا وهي بتديله ضهرها وبتجاوبه بنبرة باكية مرتبكة :
- "نيرون" اتجنن وابتدى يقتل في جنوده المرتزقة، والموضوع وصل للملك "العيلان" وغضب عليه وقرر يجرده من الجنود دي، لكن "نيرون" اتوسله إنه يعفو عنه، وهو عشان يعمل كده شرط عليه إنه ياخد القصر ويتجوزني.
سيل من الصدمات نزل على "خوان" اللي كان بيهز راسه برفض لكل كلامها، عشان يقولها قبل ما يغادر أوضته :
- الليلة مراسم رجوعك ليا هتم، وهتفضلي معايا هنا في المملكة، ومفيش أي قوة على الأرض هتقف في طريقي، ولازم "فولاك" يوافق بكده.
