رواية زهرة الفصل التاسع 9 بقلم رانيا عثمان البستاني

 رواية زهرة الفصل التاسع بقلم رانيا عثمان البستاني

 
الاشتياق نار مشتعله لا يخمدها سوي رؤية واحتضان المعشوق واستنشاق رائحته والغوص داخل روحه ولكن ماذا ان كان الاشتياق لشخص لم يعد موجودا ؟ ماذا إن كان هذا الإشتياق محرماً ؟ ماذا إن كان إشتياقا بلا هداية بلا وصول ؟ 
عام ١٩٩٣/ 
((ما شأني بإشراقة الشمس وسطوع القمر، ما شأني بهطول الامطار وتفتح الازهار... بينما زهرتي ليست موجوده. 
يا الله عشقها اصبح سم يسري بعروقي لا استطيع التخلص من احتراقه داخلي... احترقت يا ربي.... احترقت ، زهرتي ذبلت روحي 
‏ زهرتي... اشتاق اليك بشده، أنتظرك كالمجنون على الطرقات، أبحث عن طيفك بين الناس. 
‏ اختنقت ونزفت زهرتي، لا تتركيني لا تعاقبيني هكذا اعرف ان الخطأ خطأي، سامحي غيرتي تعالى وانظر كيف هو حالي بدونك. 
‏أهانت عليك نفسي يا مهجه الفؤاد. 
عشت بقدر ما عشت زهرتي ولكن فقدت روحي معك. 
‏حبيبتي اعيش دون أنفاس، أحترق دون نيران ، طفلتي انظري إليّ فراقك يقتلني ....لا اريد أخري اريدك أنتي.... 
‏يقولون انك رحلتي للابد ...هل عشقك ما يقطع انفاسي الان أم غضبي منهم . 
‏عندما افترقت أيدينا ورحلتي بكبرياء مجروح هل ظننت ان روحي لا تتألم 
‏رحماكي يا ساحرتي... رحماكي.)) 
‏كان جالسا كعادته ممسكا بصوره لها واحدي ملابسها ليستنشق عبق عطرها عله يستشعرها بجانبه فمنذ رحيلها وهذه هي حالته عندما يدلف لحجرتهم يحادثها ويخبرها بكل شيء يمر عليه في يومه، يخبرها كم اشتاق لها وكم أن بِعادها اخذ منه دنياه ،وقبل أن يترك الغرفة يتأكد من غلقها جيدا بالمفتاح لكي لا يعبث أحد بحاجياتها في غيابه . 
‏اصبح شديد الانفعال ....كثير الغضب ....قليل الكلام ترك عمله كمدرس واصبح يباشر الاعمال مع والده 
‏ بعد ان كان اكثرهم لينا... اصبح اكثر هم جفاء وقسوه . 
‏طرقات على باب حجرته جعلته يترك ما بيده ويتوجه للخارج فهو لا يسمح لاحد ان يدلف الداخل لا يريد لأنفاس غيرها أن تنتشر بالحجرة كما ان هو من يقوم بالتنظيف كما كانت تفعل وهي رافضه ان يفعل غيرها. خرج ليجد احدي الخادمات تخبره بانتظار والده والعائلة في الاسفل. اغلق بابه ثم هبط للأسفل ليجد جميع عائلته والده ووالدته اخوته جميعا و حوريه الشخص الوحيد الذي يسمح لنفسه بالضعف امامها. جلس مكانه بعد أن ألقي تحيه السلام باقتضاب لتبدأ سلوي الحديث : 
‏_نبيل انا كنت عاوزاك في خدمه يا اخويا و أملي إنك مترودنيش وجمعت العيلة كلها عشان تساعدني في اقناعك. 
‏_ اكيد يا سلوى لو في يدي هنفذ من غير المقدمات دي كلها. 
‏أجفلوا جميعا من فظاظة رده ،ولكنهم لم يتتركوا للأمر فهو ليس بالأمر الجديد عليهم منه . 
‏فمنذ خمس سنوات وتبدل اخيهم ذو سعه الصدر الى اخر لا يتواجد معهم بنفس المكان لأكثر من نصف ساعه لذا يعلموا صعوبة اقناعه بما تريد.
أجلت صوتها وتحدثت : 
‏_ كنت... كنت عاوزاك تيجي معانا خطوبه امير . 
‏سكت .....لا ينبش بكلمة .....عقله يترجم ما قالته الآن. 
‏هل تريد أن تجعله يترك البلد ويرحل ...؟!! 
‏ماذا إن عادت زهرته ولم تجده ؟ 
‏إهتزت بؤبؤة عينه لتظهر مدي التخبط داخله ،ولكنه نهر نفسه علي التفكير بالأمر ،فلا ينبغي عليه أن يرحل ،إتخذ قراره ليقول بجفاء : 
‏_مقدرش إنتي عارفه ان مينفعش اسيب البلد.
صاحت والدته بغضب : 
‏_علشان ايه ...رد عليا؟..إنت ناوي تفضل دافن نفسك لإمتي وواجع قلبي عليك ؟ 
‏نظر شرزا لوالدته قبل ان يقف ويتجه للدرج ناويا الصعود لحجرته وما ان هم بالصعود حتى وقف بعد أن استمع ل ابن شقيقته : 
_ ‏خالو انا فاكر دايما لما كنت بتقولي انت ابني انا ، في أب بيسيب ابنه في يوم زي ده؟ 
طافت عليه ذكريات طفولة ذلك الأمير بعقله فهو من اطلق عليه اسمه ،ولا طالما اعتبره ابنا له ليتسم بإشتياق لتلك الايام عندما خطي اول خطواته بمساعدته فأردف بحنان: 
‏_ كبرت يا امير عاوز تتجوز 
‏حك أمير رأسه بخجل وأردف : 
‏ ‏_ الحب بقي يا خالو . 
‏أكان عليه قول تلك الكلمة . 
‏شعر بالإختناق وأن دموعه علي وشك الهطول نعم مازال عاشقا حد النخاع 
‏ليتمتم سريعا قبل أن يصعد : 
‏_ماشي يا أمير هاجي معاك . 
‏صعد سريعا لحجرته ليلقي بنفسه فوق الفراش يبكي بوجع كطفل صغير . 
‏يبكي ولا يخجل ....لا يقول أن الرجال لا تبكي 
‏لا يقص علي روحه بأن حزن الرجل زمنه قليل وحبه يذوب مع الوقت . 
‏لا بالله عشقه يكبر مع الوقت ،يرتوي مع كل قطرة مطر ...يزهر مع سطوع الشمس . 
‏حبه يا سادة تأٓلف روحين وليس مجرد مشاعر سطحية . 
‏معشوقته ليست ككل الإناث . 
‏أغمض عينيه بألم لذكري هذا اليوم المشئوم الذي فقدها به قبل خمس سنوات . 
‏(عودة ليوم الفراق )١٩٨٨/ 
‏ظل يلكمها ويضربها بقوة أطاحت بجسدها الضئيل . 
‏صراخها ...بكاؤها ...وتوسلاتها لم تشفع لها . 
‏أصبحت عيناها كتلة شديدة الإحمرار ، 
‏صدمتها بأنها تتلقي الضرب والإهانة لا تقارن بوجعها بأنه من يفعل، لا لن تقبل بهذا ....لن تسمح لقلبها بالتألم هكذا لذا .....بدأت بالإنسحاب من وجودها مرحبه بتلك الغيمة التي تجذبها. 
‏ كان كالوحش المفترس، عيناه ذئيبية تذيب اعتي الرجال فكيف تتحمل هي نظراته. 
‏ شعر نفسه بدوامه ،عقله يكاد يجن كيف لها ان تخونه؟ كيف لحبيبته ان تخدعه....؟ قلبه ينزف ألما ولكن يا للغرابه ينزف من اجلها وليس لما فعلته و كأن قلبه يرفض ان يتهمها ايها القلب الأهوج.... هل لازالت نبضاتك ملك لها رأها متكوره حول نفسها تبكي وتأن وهي فاقدة الوعي حمل كوب الماء من فوق طاولة العشاء التي سبق لها تحضيرها لمفاجأته وألقاه رشفة واحدة فوق وجهها لتشهق بفزع وتتقابل عيناها المرتجفة بذئبيتيه . 
‏لم يحتمل رؤياها بهذا الشكل فتركها وهبط مسرعا لأسفل وقف في منتصف الدور الاول من المنزل أمام الدرج يصرخ بكامل قوته ،صرخ ....وأطلق العنان لأنينه ،،كان كالأسد الجريح يزأر ولا يزيد جرحه سوي قوة. 
إجتمع من بالمنزل في حالة فزع . 
هرول الجميع إليه ليطمئنوا عليه ولكن هو كانت نظراته بإتجاه الدرج ينادي شقيقه : 
وليد .....تعالي ....اظهر لي ..... 
وما إن لمحه بأعلى الدرج هرول وصعد إليه بسرعة قياسية ليجذبه من ملابسه وألقاه من فوق الدرج . 
صراخ وفزع سيطر علي الحضور ومن بينهم حمدي ونبيلة اللذان أقسموا أنهم في عداد الموتى إن إكتشف خدعتهم فهم يعرفون مسبقا أن غضبه مخيف ولكنه الآن تحول لغضب قاتل ينظرون لبعضهم بفزع لم يستطيعوا مداراته . 
بينما حورية تبكي بفزع وزوجها أكثر المصدومين فتقدم من نبيل الجاثي ليجذب وليد مرة آخري ويهم ليلكمه وصرخ به مستنكراً: 
_إنت اتجننت بتمد إيدك علي أخوك ؟!!
صرخ بعنف غير عابيء أنه يحادث والده : 
_أه اتجننت وما إن أنهي كلماته حتي لكم وليد ليبصق دما قبل أن يترنح ويسقط أرضا . 
لحظات كانت كفيلة ببث الرعب في النفوس . 
توقف الجميع عن التنفس وهم يرون الحاج عبدالرحمن يرفع يده ويصفع نبيل صفعة أدمت قلبه . 
لم يستطع نبيل أن يقاوم أكثر ليبكي بجرح خيانة شقيقه ،يبكي لفراق حبيبته الحتمي ،يبكي خداعها 
ليردف بألم : 
_أخويا إلى نهش لحمي وضيع شرفي ،أخويا إلى طول عمري بعتبره سندي وقوتي هو إلى يكسرني 
نظر عبدالرحمن وحورية له بتعجب لتهتف بإستنكار حورية : 
_مستحيل وليد يعمل حاجة تأذي حد من إخواته وخصوصا إنت ،أكيد في حاجة غلط 
لأول مرة بحياته يصرخ بها ويحادثها بقلة إحترام أشعلت النيران بقلب والده : 
_وأنتي هتقولي ايه غير كدا، ما أنتي إل مربياه. 
هم عبدالرحمن بصفعه مرةثانية ولكن يد قوية أمسكت ذراعه بلطف ،نظر نبيل شرزا لوليد الممسك بذراع والده ليهتف : 
_إنكر ...إنكر إن في بينك وبين زهرة علاقة وخنتوني . 
هذه المرة لم يستطع أحد حمايته ،فالصفعة الأن من يد وليد غضب احتل صدره ،غيرة أذابته لاتهامها بمثل هذا الإتهام البشع ليردف بصوت حاد غاضب : 
_أيوة بينا علاقة ،علاقة أسمي وأطهر من إتهامك ،كنت فاكرك راجل وهتحافظ عليها وهتحميها من الكل ،طلعت أول واحد هينهش لحمها ويأذيها زهرة ال بتتبلي عليها وعليا بإننا خاينين وقبلها ضيعنا إيمانا وزنينا تبقي أختي ،أختي من الأم. 
كلمات كالسهام ألقي بها في وجه الجميع ليتراجع نبيل بعدم إتزان للخلف ليقول بتيه : 
_إنت كداب ...إزاي إنت أكيد بتكدب . 
تقدم منه مرة آخري ليصفعه فيقع أرضا دون أي مقاومة وأهدر بصراخ : 
_سهل إنك تصدق خيانتنا وصعب إنك تتقبل إننا إخوات. 
هذه المرة كان الدور علي نبيلة المصعوقة م لتتكلم بصدمة : 
_زهرة بنت وفاء ؟!
أجابها وليد بغضب : 
_أيوة بنت أمي من الراجل إلى اتجوزته في مصر بعد الطلاق ، زهرة بنت الست إلى بتكرهوها.
نظر لوالده وإستكمل حديثه:
وإلى كانت السبب في إحراجك بين كل عيلتك وهي واقفة تقولك طلقني وخد إبنك ،طلقني ولا انت قابل علي نفسك تعيش مع واحدة مجبورة عليك ،زهرة بنتها . 
عرفتها أول ما شوفتها ،سنين وانا بدور عليها ،شوفتها لما أمي جت البلد أيام عزا جدي ،حفظت ملامحها ،بس مقدرتش أوصل ليها بعد ماعرفت إن أمي ماتت ، بالرغم إن أمي سابتني وإتخلت عني لكن أنا مجرد ما شوفتها أول مرة إتمنيت نعيش سوا ، لما إتعرفت عليها هنا كانت أسعد لحظة في حياتي وأخيراً هيبقى ليا عيلة .
نظر لهم ولعينان والده تارة و عينان حورية تارة أخرى وإسترسل:
- متشتغربوش عارف إن ليا إخوات بس مافيش منهم حد أقرب ليا من زهرة ، نظر لنبيل بطرف عينيه ليراه جالساً يبكي بصمت فوجه الحديث له :
- كنت إنت أقرب العيلة دي كلها لقلبي، بثق فيك أكتر من نفسي وكنت فاهم إنك إنت كمان بتثق فيا ، بس يظهر إني كنت غلطان . 
أنهي كلماته الحزينة بإزالة دمعة خائنة أظهرت ضعفه أمامهم لتسأل حورية بتعجب : 
_طب ليه مقولتوش ؟!!بدل ما تسيبوا الشك ينهش فيه كدا ؟ 
نظر وليد بألم لنبيل وأردف بنبرة يشوبها العتاب : 
_قولتلها خلينا نقولهم قالتلي خايفة ليكرهوني أصلا مش كلهم بيحبونى ،قولتلها نظرات وتصرفات نبيل غريبة قالت بيحبني وعمره ما هيشك في حبي ليه. 
أغمض نبيل عيناه بألم لتنساب دمعاته كالنهر 
إسترسل حديثه لأبيه : 
_أكبر خوفها خسارتها ليك ،كانت دايما تقولي أنا عمري ما حسيت إن ليا أب ومش بعد أما ألاقيه أخسره ، هي كانت خايفة وأنا كنت جبان ، أيوة كنت أجبن من إني أقولك الحقيقة.
نظر الجميع لعبد الرحمن حتى نبيل ليروا رد فعله عما سمعه ليجدوه يجلس بهدوء فوق أحد المقاعد ويتحدث بصوت عميق ليصدمهم بما قال:
_ ومين قالك إني مش عارف .
نظر لهم جميعاً ولعينيهم المُنفتحة على أوسعها وإسترسل :
- أنا عارف زهرة من أول لحظة شوفتها، ويمكن من قبلها كمان ، أول مرة كلمني نبيل عنها وعرفت حكايتها وحكاية أمها شكيت أصل أنا بآمن بالقدر ، زهرة شبه أمها يمكن مأخدتوش بالكم من الشبه ده ، لكن زي ما قولت كده يا وليد واحدة أحرجتني قدام الناس صعب أنسى شكلها ولما شوفت قسيمة جوازهم إتأكدت من إسم الأم .
تحدثت حورية بعتاب :
_ طيب ليه مقولتش يمكن كانت النفوس إتراضت ومحصلش بين الإخوات كده ؟
نظر لها أولا ثم لوليد الذي ما زالت علامات الصدمة على وجهه وأشار عليه وأجاب :
_ أنا عمري ما كنت ظالم ، صاحب الحق ياخده ، لكن إنت النقطة الوحيدة في حياتي ال كنت بحس فيها إني ظالم ، كل مرة أشوفك فيها أحس إني ظلمتك وظلمت إخواتك ، ظلمتك لأني محاولتش أدور على وفاء وأخليك تتواصل معاها، وظلمت إخواتك علشان حبك في قلبي أكتر منهم ، كنت عاوزك تتعود عليها ، أنا عارف إنك عرفتها من أول لحظة وهي كمان عرفتك ، كان لازم تاخدوا وقتكم كل واحد فيكم محتاج التاني في حياته .
وقف وذهب بإتجاه نبيل وجلس أرضاً بجواره وإسترسل:
_ لو كانت وفاء جرحت رجولتي وأهانتني فنظرة واحدة في عينك وإني أشوف حب بنتها إتغلغل جوة روحك يشفع لها ، والحق يتقال زهرة بنت زي النسمة تشرح القلب، أنا خبيت الحقيقة علشان خاطرها زيها زي وليد ، علشان يكملوا النقص ال جواهم ، ولأني أشفقت على زهرة كانت خايفة وقلقانة عالطول شافت كتير في حياتها كان لازم تحس بالآمان وإن ده بيتها وإحنا عيلتها قبل أي حاجة.
قاطعته نبيلة متحدثة بسخرية :
_ علشان كده كنت مخلي وليد الدادة بتاعتها.
نظر لها الجميع باستثناء حمدي بإستنكار ليجيبها زوجها بغضب :
_أكتر حاجة كنت عاوزها تتجنبها كرهك ليها ال هيزيد لما تعرفي إنها بنت وفاء ، كان هدفي يقربوا من بعض كل واحد
فيهم يعرف التاني ويقرروا سوا إمتى يقولوا الحقيقة .
نظر نبيل لأبيه بوجع ومازالت دموعه تتساقط ليربت والده على كتفيه وأردف:
_قوم إطلع لمراتك وطمنها، الست ال تخاف في وجود جوزها ووجوده يبقى زي عدمه ميبقاش رٓجل ، قوم أقف على رجليك وإل حصل ده يعلمك إنك تتأكد وتواجه ، قوم وقبل ما تطلع لزهرة إعتذر لأخوك .
_زهرة!!!!
قالها نبيل بصدمة وهو يوجه رأسه وينظر بإتجاه الدرج بجزع وصدمة .
لاحظ الجميع تلك الحركة وهذه النظرات لينظر له والده بشك وجاء ليسأله ليجد وليد يجذبه من تلابيب ملابسه بقوة ويسأله بعنف:
_ إنت عملت فيها إيه ؟ 
أنهى سؤاله ليرى نظرة بعينيه أعلمته أن ما حدث أمرا جلل ليتركه ويهرول فوق الدرج بإتجاه حجرتها ويتبعه نبيل . 
عام ١٩٩٣/ 
((أريد أن أنسى الوقت ..أن أمحو ما يدور حولي ..لأجل أن أتنفس للحظة ..أريد أن أسافر إلى حيث يُرشدني قلبي. 
أين حياتي؟؟ أصبحت وحيد .. الإنسان إلى قلبي يُمزقني ..فلا أستطيع أن أحيا لِغِذائي دونك حُطاماً غارقاً في أحزاني.... فليدعوني أحلُم ..ليدعوني أؤمن بذلك ..أنيّ أستطيع تغيير القصة ..هل حقاً أصبحت بارداً.. ؟؟؟ هل صِرتُ مجنوناً يُحلق كالنسور فوق السراب..؟؟)) 
عاد نبيل من سيل ذكرياته علي صوت آذان الفجر ليمسح دمعاته المنسابة ويتجه للحمام . 
الانكسار إنكسار النفس قبل القلب ،أن تظن شيء بمزيد من العشم والثقة ويأتي أقرب الأشخاص لقلبك يحطم هذه الثقة،لتجد نفسك دون روح ،تنتقي لإنتظار الموت . 
........ 
في إحدى المساكن / 
تستطع تلاوة آيات من الذكر الحكيم ما تيسر من سورة البقرة ،يملأ المكان بهدوء للأنفس . 
طرقات فوق الباب لنجد طفلا لم يتجاوز السادسه من عمره يهرول إلي الباب ويهتف بحماس : 
_أنا هفتح يا ماما ،،وما إن فتح الباب ظهرت فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها ترتدي ملابس بيتيه ليقول بصوت مرتفع : 
_ دي نيفين يا ماما ، وكأن اسمها كلمة سحرية لينطلق لأحضانها صغيران آخران لتهتف بمحبة : 
_التوأم العسل . 
_هما بس إل عسل أنا مخاصمك . 
قالها الصغير أحمد بعتاب لشقيقته الكبرى لتحمله بمرح وهي تدغدغه وتقول بحب : 
_إنت عسل وسكر يا حمودة . 
أنزلته مرة أخري بجانب أخويه وشاهدتهم يعودان لللعب مرة أخرى قبل أن تتوجه إلي المطبخ هاتفة بمرح : 
_صباحو عسل يا زوزو. 
نظرت لها بإبتسامة : 
_صباح الخير ياعروسة 
_الله بتكسف . 
قالتها بحرج مصطنع لترتفع ضحكتها بمرح وتردف بمشاغبة : 
_لأ صدقت .
ضحكت الإثنتان معا لتحدث نيڤين أولا : 
_بقولك ايه يا بابا قالي مينفعش أطلب منك ده بس هطلبه عادي .
إبتسمت مشجعة لها لتكمل مردفة : 
_عادي ياختي ..خير 
عقدت حاجبيها شارحة: 
_بصي بصراحة جد وجدة أمير كُبار في السن ، فكنت بستأذنك نعمل الخطوبة هنا في شقتك طبعاً لو ممكن .
أجابتها سريعاً: 
_طبعا يا حبيبتي مفيش مشاكل ،وبعدين ليه الأستاذ مدحت بيقول مينفعش هو ناسي إن ده بيته .
تناولت شريحة من ثمار الطماطم وأوضحت بعد أن إبتلعتها : 
_هو أه بيته بس دي شقتك إنتي ، وهو عارف إنك بترفضي الإختلاط فكان رافض الفكرة .
وضعت ما بيدها وإستدارت لها بكامل جسدها وأردفت : 
_لا يا نيڤين دي مش شقتي أنا ضيفة هنا لغاية ما يجي اليوم ال عبدالرحمن وحور يكبروا فيه ونشق طريقنا ، وهنمشي من هنا .
ظهر الحزن على وجهها فأردفت بعتاب: 
_وهتسيبينا يا زهرة ؟
جلست فوق أحد المقاعد وأشارت لها لتجلس هي الأخرى في مقابلتها وإستمعت بعناية : 
_يا حبيبتي إنتي هتتجوزي أهو وأختك إن شاء الله تحصلك ، هتبدأي حياة جديدة في مكان جديد ، أكيد هنفضل على تواصل وكل ما نقدر نزور بعض ، أنا حاسة إني تقلت عليكم ، وطبيعي في يوم من الأيام همشي أنا وولادي .
أماءت لها بحزن وتساءلت بألم : 
_طب وأحمد إنتي ناسية إنك أمه ؟

حياة جديدة شكلتها ولكن هل إستطاعت أن تحيا بها فقلبها مازال يتألم ويعشق ،روحها جريحة ولكنها مشتاقة .... 
أخرجت تنهيدة بحيرة وألم وأردفت : 
_أكيد مش هقدر أطلب من والدك يسيبه معايا بس في نفس الوقت مينفعش أفضل طول العمر هنا .
أجابتها بإصرار : 
_لأ ينفع.. لو تقبلي تتجوزي بابا ، هو محامي ويقدر يخلصلك ورق طلاقك .
تنهدت زهرة بيأس منها ووقفت تكمل ما كانت تفعل وهى تسترىسل : 
_نيڤين أنا قولتلك قبل كدا الموضوع ده مالوش علاقة بوالدك لشخصه ،أنا مش هقدر ،وبعدين إنتي رغاية ليه يا بت أنا لو من أمير أطفش .
علمت أنها تريد تغيير مجرى الحديث فضحكت مجيبة إياها بغرور مصطنع : 
_ ولا يقدر علي قلبه زي العسل .
إبتسمت لها قائلا بمحبة : 
_ماشي يا عروسة ربنا يسعدكم .
ترددت وظهر هذا جليا وعندما وجدت أن زهرة لاحظتها تساءلت بخفوت : 
_أبلة زهرة ممكن أسألك سؤال ؟؟
تعجبت زهرة لنبرتها وتساءلت بوجس : 
_أبلة !!!خير ؟
تنهدت بقوة متسائلة : 
_إنتي لسة بتحبي زوجك ؟ 
((أعلم أنني لم أُحب أحد بهذه الطريقة غيرك قط..ولم يُحبني أحدهم أكثر منك...معك ضحكت .. 
ومعك بكيت ..معك عِشت وبدونك مِت....أعرف أنيّ يجب أن أنساك ..لكني لا أستطيع منع دموعي عند تذكرك...وبالرغم من هذا حياتي لن تعود ..يجب أن لا أنهار..أو أُظهر إنكساري لأحد..وهذا مؤلم لأني أفعله لأجلك وبشعوري بالحب إتجاهك. 
لذا رحلتُ بعيداً وأغلقت بابي .. لن تكن هُناك لحظة أشعُر فيها بالندم ..فقد أحببتك منذ إلتقيتُك .. ومن أجل هذا الحب وجدت القوة لأرحل.)) 
غاصت بروحا في ذكرياتهم ،أغمضت عيناها تستشعره بجانبها ،إستطاعت إستحضاره ليهتز جسدها إثر لمسته الواهية ،طربت أذناها لسماعه يناديها بياء الملكية انتعشت رئتاها من رائحته . 
أخيرا فاقت من دوامة مشاعرها لتفتح عيناها لتري نيڤين إجابة سؤالها دون أن تنبش هي بكلمة لتبتسم بهدوء وتسترسل : 
_طب مش هتعلميني أصنع البيرفيوم بقي .
أخذت عدة أنفاس محاولة السيطرة على تأثير ذكراه وأردفت بمشاغبة : 
_دا سر المهنة .
عبست بوجهها وتحدثت متذمرة : 
_طيب إنتي عارفة إني عروسة ،فهروح أجهز بقي .
ضحكت زهرة على هيئتها المستاءة وأردفت بسخرية لطيفة : 
_تجهزي فين يا مجنونة الخطوبة بكرة .
ضربت نبڤين رأسها بكفها وتشدقت : 
_أخ ....نسيت . 
ضحكت زهرة عليها ومن ثم تحدثت بحنان : 
_يلا يا ست العرايس نادي رضوى نتغدي وبعدين نجهز المكان .
رفعت كف يدها بإتجاه رأسها كالتحية العسكرية مردفة: 
_تمام يا فندم عُلم وسينفذ . 
بدؤا في تحضير الطعام بين الممازحات والخطط ليوم الغد حتي قطع ذلك بكاء يصدر من إحدي الغرف 
ذهبت زهرة مسرعة بإتجاه حجرة أبنائها لتجد إبنتها الصغيرة ،النسخة المصغرة منها تبكي وتأن وبجوارها شقيقها التي تعترف هي بداخلها أن له معزة خاصة لقوة التشابه بينه وبين والده فهو نبيل بكل تصرفاته وحركاته . 
اندفعت بلهفة ملتاعة وفحصتها بقلب أم ينزف لبكاء طفلتها : 
_مالك يا حبيبتي ؟؟ 
_أه ...أه .أشارت الطفلة لقدمها ليسرع شقيقها بالقول : 
_وقعت علي رجليها . 
تفحصت زهرة صغيرتها جيدا ليطمئن قلبها انها لم تصاب بأذى ثم حملتها ووضعتها علي الفراش وبقيت بجانبها حتي هدأت . 
نظرت لطفلها الساكن بهدوء ينظر لشقيقته بخوف ولهفة حتي بعد أن هدأت من البكاء ولكن عيناه هو مازالت ملبدة بالدموع فتذكرت والده وخوفه عليها والألم والدموع الذي كان يتشكل بعينيه عندما تتألم هي لتبتسم بألم واشتياق وهي تسترجع أحداث الماضي . 
عام ١٩٨٨ / 
((أنت في قلبي لكن لم أعُد أريد رؤيتك..فقد حان الوقت لكي نودع بعضنا..سأحتفظ بذكرياتنا في داخلي فلم يعُد هنالك مستقبل بيننا. 
مع كل المدّ والجزر معك لم أعتقد أنك ستؤذيني يوماً. 
أعلم أن هُناك ألماً في قلبك وأنك مغطى بالجراح ولكني أصبحت كما لو أني أضعت ط فيريقي ..لذا ليس لدي سوى بعض الكلمات لك ..لن أنساك أبداً..أنت في صميم قلبي..)) 
بعد أن ألقي فوقها المياه وقفت بصعوبة بسبب الألم المبرح الذي تشعر به ولكن ألم جسدها لا يضاهي ألم الروح والقلب فاتجهت لخزينة ملابسها وأبدلت ثيابها وحملت حقيبة صغيرة بها أوراق ثبوتيتها وبعض الملابس وإضطرت إلي أخذ بعض المال الخاص به . 
أثناء خروجها إستمعت لصراخ الجميع ورأتهم من أعلي الدرج ملتفين حول شيء علمت بعدها أنه وليد الملقي أرضا بسبب صفعة نبيل . 
حمدت الله علي إنشغالهم فلم ينتبه لها أحد لتستطيع أن تخرج من المنزل وتتوجه سريعا إلي محطة القطار بعد أن ساعدها أحد الغفر معتقدا أن هذه أوامر الحاج عبد الرحمن كما أفهمته، تريد الهروب ليس من ذنب لم تفعله وإنما إنكار من جرح غائر بقلبها ومن نفسها التي لن تحتمل عدم المغفرة له 
(في محطة القطار ) 
كانت حالتها مزرية بكاؤها لم يتوقف ،تشعر بآلام في بطنها دعت ربها في كل خطوة أن يحفظ جنينها فهي علمت بوجوده اليوم ولا تريد فقدانه ،لا تريد تجربة هذا الالم ثانيا ،تريد شيء يذكرها به ،تتمني رؤية ثمرة عشقهم ،فإن خسرته ستخسر اخر شيء يبقيها علي قيد الحياة . 
صعدت إلي القطار بعد أن لاحظت نظرات الناس لها لتغمض عينيها بألم حين خار جسدها فوق المقعد وهي تمني نفسها بتحرك القطار قبل أن يكتشفوا غيابها .
بعد محطتين توقف القطار وحينها 
تعرفت بسيدة كانت تتألم فيبدوا أن جاءها آلام المخاض فمنعتها إنسانيتها أن تتركها لتهبط معها وتوقف سيارة أجرة منطلقين إلي المشفى. 
لا تعلم أن القدر كتب لها فرصة أخري بهذه المساعدة الإنسانية .
( مسار الحياة لكل منا مرسوم بتخبطاته وفرحه ، علينا فقط أن نؤمن بذلك ، وأنا آمنت بهذا .. آمنت به عندما رأيته لأول مرة ، وآمنت به حينما وجدت نفسي زوجته ، آمنت بالقدر عندما رأيت في نفسي إشتياقا له حتى وهو بجانبي ، آمنت ..وآمنت ووجدت ضالتي عندما عرفت معنى العائلة ، ولكن في تلك الليلة وكأني طائراً يحلق في السماء ومن دون إنذار كُسر جناحيه ، لا ... في الواقع كانت هناك عدة إنذارات ، تغيرات نبيل وإن كانت طفيفة بقدر إستطاعته كانت آلة لتنبيهي ولكن أنا إخترت أن أصّم أذنيّ ، ومثلما دخل إلى حياتي فجأة .. خرجت أنا من حياته ، لم أكن أدرك وقتها إلى أين أذهب فأنا ليس لدي أحد ، وطبعا لم أفكر بالعودة لمنزلي القديم ، كنت تائهة متخبطة ، لم أعرف حتى محطات ذلك القطار قبل أن أصعد به كل ما أردت أن أهرب بعيدا ، أدركت حينما تحرك القطار أنيّ أهرب من المواجهة ، لم أكن سأحتمل رؤية الآسف بعينيه عندما يعلم الحقيقة ، كان سيصبح هناك شرخاً في قلبه، لم أكن مستعدة لخسارته أو خسارة وليد فبالتأكيد لن يقبلني أحد ، خشيت مما حدث في الماضي ، خشيت أن أفقد جنيني على أيدهم للمرة الثانية ، لقد كان جرحي عميق أيكون نبيل حبيبي وزوجي ومهجة قلبي وروحي من يتسبب بهذا الجرح ؟ رفض عقلي قبل قلبي تصديق ذلك .. لذا كل ما أردته الهروب ..فقط الهروب ، ولكن كما قلت إن الحياة قد كُتب مسارها.. فمهما طال هروبي .. أشفق القدر علينا وجمعنا من جديد.

عام ١٩٩٣/

سطع نهار جديد ليبدأ معه يوم يحمل الكثير من الإنقلابات تجهز الجميع مبكرا فأمامهم سفرا لمحافظة أخري ألا وهي محافظة السويس وعليهم الذهاب مبكرا للعودة مبكرا ، كانت أحوال من في المنزل متعكرة قليلا ، فلم يحضر أحد من نساء عبد الرحمن الأخريات وأبناؤهم فيبدو أن خلافاتهم لم تسوى بعد .
تجهز عبدالرحمن وحوريته ونبيلة بسيارة يقودها سائق خاص، وسلوي وزوجها وأمير ومعهم نبيل في سيارة ،أما مني وزوجها وطفلتهما أسيل مع حمدي وسمية وطفلهم أدهم بسيارة، ووليد وزوجته وطفلته سلمي بسيارته ، نعم يبدو أن الجميع قد إستمر بحياته إلا هو توقفت الحياة بعد فراقهم

،انطلقت الأربع سيارات للعنوان المقصود ، وفي الطريق مروا بمحطة القطار ، وكأن الزمن لا يمهله فرصة ليغوص بذكريات تلك الليلة .
عام ١٩٨٨ (ليلة الفراق)
وصل وليد أولا إلى الغرفة وعندما رأى هيئتها المبعثرة وقف مصدوما ، لا يعي ما حدث ولكن إن كانت محتويات الغرفة هكذا فيبدو أن شقيقه جّن وعلى ذكره شعر به ورائه فإلتفت له سريعاً ليرى نظرات عيناه متسمرة على بقعة معينة لا يحيد بعينيه عنها ، وعلى الرغم من أنه لم يرى زهرة عندما مشطت الغرفة بعينيه قبلا إلا أنه وجه نظره بتوجس لتلك البقعة ، لم يجدها ولكن هناك أثر لدماء وأيضا للماء و.. وملابسها التي رأها قبلا .
أعاد نظره لنبيل ليجده يتوجه إلى دورة المياه المرفقة بالغرفة ، ظل منتظرا عودته من الداخل متأرجحا في قراره يريد أن يطمئن عليها وأيضاً يريد أن يترك لهم مساحة خاصة بهم لذا قرر في الأخير أن يخرج حفاظاً على خصوصيتهم وقبل أن يتخطى الباب وجد نبيل يخرج ملتاعا ينظر هنا وهناك بتشتت مرددا بصدمة وخوف:
- زهرة مش هنا.. زهرة مش جوة .
كاد أن يتحرك ليتأكد ولكن خطرت فكرة أن تكون بغرفته في عقله فذهب ليتأكد ، بينما نبيل وقعت عيناه على خزينة الملابس فتقدم منها ببطيء ليجد أن الحقيبة وبعض الملابس قد إختفوا.
عاد وليد سريعاً فزعا من فكرة إختفائها ليجد نبيل جالساً أرضاً يبكي بقوة محتضنا إحدى قطع ملابسها ، فهدر به بقوة :
- قوم بينا نلحقها قبل ما يفوت الآوان .
ولكن لم يعلما أن الآوان قد فات .
بالأسفل كان الجميع منتظر ليجدوهما مهرولين إلى الخارج ولكن دلوف الغفر عبد السميع وحديثه أوقفهم.
_ يا حج أنا وصلت الست زهرة المحطة زي ما أمرت ، في أي طلبات تاني .
كانوا جميعاً في حالة صدمة متى وكيف خرجت من المنزل ؟
إقترب منه وليد يسأله:
_ من إمتى الكلام ده ؟
نظر له الغفر بفزع وعلم من هيئتهم أن ليس لديهم علم ليتحدث بتوتر:
_ والله يا أستاذ وليد هي قالتلي إن الأستاذ نبيل والحج عبد الرحمن عندهم علم ، والحاج كان مأكد قبل كده إن طلبات الست زهرة تبقى مجابة عالطول ، فلما خرجت من قيمة نص ساعة كده أخدتها للمحطة بالعربية ، وإنتوا عارفين المحطة قريبة ياعني كلها عشر دقايق ووصلنا ، بس بالله يا حج ما سيبتها إلا لما ركبت القطار وإطمنت إنها مش محتاجة حاجة.
صدمة فوق صدمته أي قطار هذا إستقلته وهي لم تستقل مثله قبلا ، إلى أين ذهبت ؟
_القطار ده رايح فين؟
نطق بها عبد الرحمن بقوة ليجيبه:
_والله يا حج أنا معرفش بالظبط ، لكن انت عارف إن القطورات عندنا بتمر على كام محطة ، وأنا معرفتش الست زهرة هتنزل أنهي محطة لأنها ركبت عالطول من غير ما تسأل والقطار إتحرك بعدها بثواني .
كان نبيل يستمع وعيناه تذرف تحولت لكتلة من الدماء ، لم يستطع التحرك أو النبش بكلمة ، رأه وليد هكذا فأشفق على حالته فإقترب منه ممسكاً بذراعه محدثاً إياه:
_ تعالى يا نبيل هنروح نسأل ، وإن حكم الأمر هندور عليها في بلاد كل المحطات .
لم تعد تحتمل ، هي فعلت الأفاعيل لتتخلص منها ، وبعد أن حدث هذا يريدان عودتها ، لا ... كانت تخشى زوجها ولكنها أبت السكوت فصرخت :
_ وعلى إيه ده كله ، عامل في نفسك كده ليه تايه وعامل زي العيل الصغير ال لعبته ضاعت ، واحدة معدومة الأدب والأخلاق سابت بيت جوزها في الليل عاوز تجري وراه ، لأ وكمان ترجعها تاني ليه فين نخوتك ، سيبها لحال سبيلها....
_نبيلة.. إخرسي 
فزعت من صراخ زوجها ولكن هذا لم يردعها لتجيبه:
_ بتزعقلي ليه ، انت التاني زعلان علشان بنت وفاء ، أنا كان قلبي دليلي لما حسيت إن البت دي مش هتجيبلنا غير المرار والحزن، وأهي طلعت شوم لأمها ، ربنا لا يعودها ..و...
لم تكمل حديثها فقاطعها صراخ نبيل بكلماته المقهورة:
_بس..بس ، إسكتي بقى حرام عليكي ، إنتي إيه مبتخافيش ربنا ، إرحميني ده أنا إبنك ، عملتلك إيه علشان تتبلي عليها وتظلميها إنتي وابنك .
وجد حمدي نظرات والده النارية تتوجه له ليتمتم بتوتر :
_ وأنا مالي بيها ، أنا كنت أعرف منين إنهم إخوات ، وبعدين إنت هتحملني نتيجة غلطك وعصبيتك ، بقولك إيه يا نبيل طلعني من دماغك عاوز تدور على مراتك ولا لأ انت حر ، إنت ال طفشتها مش أنا .
أنهى حديثه وصعد إلى الأعلى متهربا من نظرات أبيه تاركاً والدته تسبه في الخفاء .
تحرك وليد بإتجاه الباب بقنوط منهم فأوقفه عبد السميع مردفا:
_ يا أستاذ وليد أنا عندي طريقة تعرفوا بيه الست زهرة نزلت أنهي بلد .
توجه نبيل له سائلا بلهفة:
_ بسرعة إيه هي الطريقة دي ؟
نظر له بتوجس ثم أجابه :
_ بصراحة كده يا أستاذ نبيل الست زهرة ياعني حالتها كانت تعبانة وكانت عم تبكي طول الطريق وأنا فكرت أنكم متخانقين شوية وهي راجعة لأهلها وقولت أكيد بعدين حضرتك هتروح تصالحها والمية تعود لمجاريها.
_خلص يا عبد السميع .
فزع من صوت عبد الرحمن ليجيبه سريعاً:
_ أمرك يا حج ، أنا لما وصلتها وهي ركبت عالطول لمحت من الشباك محمود إبن الحاجة مريم انت عارف إنه شغال كمسري ، شاورتله على الست زهرة وقولتله يخلي باله منها ويساعدها وهي نازلة المحطة في شيل الشنطة ، فحضراتكم ممكن تستنوا للصبح لما يعاود من شغله وتسألوه.
إحتضنه نبيل سريعاً معبراً عن إمتنانه وذهب سريعاً متوجهاً لمحطة القطار ولحق به وليد بينما الحاج عبد الرحمن إقترب من عيد السميع مربتا على كتفه:
_ تسلم يا عبد السميع.
_إن شاء الله تسلم من كل شر يا حج أنا معملتش غير واجبي ، وأنا آسف ياحج الست زهرة فهمتني إنك عارف لولا كده ....
قاطعه عبد الرحمن قائلا بتفهم :
_ إنت نفذت أوامري وأنا عارف إنك رجل جدع ، روح إنت نام .
كان جميعهم بدؤا في الذهاب لغرفهم ما عدا حورية التي إقتربت من زوجها تتمسك بذراعه قائلة بلطف :
_ ربنا هيلطف بينا وزهرة تعود والليلة هنمحيها من حياتنا.
في محطة القطار /
جلس كلا من نبيل ووليد فوق مقعد خشبي للإنتظار .
بادر نبيل بالحديث وعيناه تنظر بلا هدف في الأنحاء:
_آسف .
نظر له وليد بعمق وأردف:
_ إتوجعت على وجعك ووجعها ، زهرة مش بس أختى زهرة بنتي ، المشاعر والأحاسيس جوايا ال إتكونت في المدة دي أساسها سنين إتمنيت أشوفها وأعرف عنها حاجة ، أنا ضعف عمرها ياعني لو كنت إتجوزت صغير كان ولادي لحقوها ، زهرة بتحبك جداً ، كل ما نجتمع كل كلامها عليك انت وبس وكأن الدنيا مافيش فيها غيرك بالنسبة ليها .
نظر له نبيل بحزن ليجذبه وليد من رأسه فيرتمي على كتفه متحدثا ببكاء :
_ زهرة أغلى من روحي ، وعلى قد الحب يبقى الوجع ، أنا خايف.
ظل وليد يربت على ظهره إلى أن هدأ وابتعد وظل إثنيهم يراقبان سكة القطار إلى أن.....
مع خيوط الصباح وبعد أن خرجا من مسجد المحطة بعد تأدية صلاة الفجر وجدوا محطة القطار بدأت تحتشد بالناس ، ولكن كان الوضع غريباً فجميع الموجودين في حالة هلع وصدمة ومنهم من يبكي بحرقة .
إقتربا إثنيهم من أحد الرجال والذي لم يكن سوى شقيق الحاجة مريم وسأله وليد :
_ هو في إيه يا عم صابر ؟
نظر لهم الرجل بآسى وتحدث بصوت باكيٍ:
_ آخر قطار طلع من المحطة بليل إنقلب قبل ما يوصل للمحطة الأخيرة .

عام ١٩٩٣ /
عاد نبيل من سيل ذكرياته على يد سلوى التي من الواضح أنها توكزه منذ فترة فنظر لها لتسأله:
_إنت ندمت إنك جيت ؟
نظر لها قليلا ثم نظر من النافذة مرة أخرى مجيباً إياها :
_ مبقتش أملك ندم لأي حاجة ، حسرتي وندمي وكل وجعي عشتهم لما قالوا ماتت.
تساءل أمير بتردد :
_ هو إنت يا خالو زي ما جدتي نبيلة بتقول مش مصدق إنها ماتت ؟
أغمض عيناه بقوة مرجعاً رأسه للخلف غائصاً مرة أخرى في ذكرياته .
عام ١٩٨٨/
علم وليد إسم المشفى التي إستقبلت الجرحى والمتوفين ، ليطلب سيارة أجرة ويساعد نبيل الذي يتحرك معه بآلية لا يعي لما يحدث تماماً.
وصلا أخيراً بعد عدة ساعات قليلة إلى المكان المنشود وبعد السؤال هنا وهناك إبتدؤا البحث بين الجرحى ولكن دون فائدة ، ليدلفوا بقلب متمزق وأعين تذرف الدموع لثلاجة الموتى ولكنهم أيضاً لم يجدوا شيئا ، كاد الأمل أن يرفرف في قلوبهم مرة أخرى بأنها تركت القطار في إحدى المحطات السابقة لتلك المحطة ولكن أحد الأطباء المسؤل طلب منهم التوجه لحجرة بها بعض الحقائب المحترقة التي تحتوي على الملابس فقد يتعرفون على إحداهم قائلا:
_ في جثث إتفحمت وبقت رماد مش هتقدروا تتعرفوا عليها ، لو اتعرفتوا على الهدوم يبقى الجثة ال بتدورا عليها من ضمنهم .
دلفوا متضرعين إلى ربهم سرا بعينين تخشى ما هو قادم وبدأ وليد يساعد نبيل في رؤية الحقائب والملابس ، إلا أن وجد نبيل توقف فجأة وشحب وجهه وتباطأ نبضه بعد تعرف على حقيبتها وبقايا هذا الفستان لتغوم عيناه لحظة شراؤه له ...
(في وقت سابق قبل أن يسافروا إلى بلدته بيومين)
كانت سعادتها تتصاعد يومياً معه وبرفقته فهو أعلمها أن الحياة ممكن أن تكن سعيدة فرحة عادلة ، أذاقها الكثير من الحنان والحب ، أعطاها كل ما أرادت يوما.
والآن أخذها إلى السوق ، كانت تسير بجانبه بخجل ، فهي لم تعتد أن تذهب للتسوق وشراء الملابس مع أحدهم وفي تلك الأماكن فالمحلات هنا تبيع أغلى البضائع.
كانت تنظر له وكأنه نجم عاليٍ لا تصدق أنه ينير لها ..ولها فقط الطريق .
كان يعلم براقبتها له ويبتسم داخله لذلك ، فعشقها له ينير قلبه وينعش روحه .
دلفوا إلى عدة محلات وإبتاعوا الكثير من الملابس التي قد تحتاجها ، الكثير والكثير من كل شيء ، كانت إبتسامتها لا تغيب عن وجهها أبدا وهو سعيد بذلك ، مبهورا بكل ما تراه من أشياء يبتاعها وهو مبهورا بها .
وعندما هموا بالرحيل من آخر تلك المحلات ، لمح بيعينه فستانا أحمر اللون به ورود بيضاء ، كانت نظراته لهذا الفستان معبرة فقد كان يتخيلها مرتدية إياه لذا ودون تردد إبتاعه تحت سيل من نظراتها العاشقة .
عودة إلى المشفى ١٩٨٨
شعر وليد بإعتصار قلبه عندما تأكد من هيئة شقيقه الضائعة أن تلك الأشياء تعود إلى زهرة .
همّ أن يسأله ليتأكد ولكنه فزع عندما وجده يسقط أرضاً فاقداً للوعي .

تعليقات