رواية المخطوطة الاخيرة الفصل الاول
في أحد المطاعم الصاخبة وسط القاهرة، حيث تملأ رائحة القهوة أجواء المكان، جلست مجموعة الأصدقاء حول طاولة خشبية، تتناثر عليها أكواب العصير والمشروبات الغازية. عقارب الساعة تقترب من الخامسة مساءً، والمناقشات الحماسية تدور حول فكرة واحدة: الهروب من الملل.
"لازم نسافر، نغير جو، ونعمل حاجة مختلفة عن أي حاجة قبل كده." قالت ميلا، وهي تحرك كوب العصير أمامها، تنظر إلى وجوههم بانتظار ردود فعلهم.
يامن، الذي كان يستند إلى الكرسي بكسل، رفع حاجبه قائلاً: "مختلفة زي إيه يعني؟ كل سفرية جديدة في الأول، وبعد يومين نحس إنه نفس الروتين."
"ممكن نروح إسكندرية أسبوع!" اقترحت ساندي بحماس، لكنها لم تجد سوى نظرة متململة من روز، التي أسندت رأسها إلى كفها قائلة: "إسكندرية؟ إحنا قولنا تغيير، مش خروجة مصيفية!"
"طب مطروح؟" قال مالك محاولًا اقتراح بديل، لكنه قوبل بانفجار ضحك من سليم، الذي مال إلى الخلف واضعًا يده على صدره وكأنه غير قادر على استيعاب الاقتراحات.
"أنا مش مصدقكم! إسكندرية ومطروح؟ بجد؟ يا جماعة، إحنا محتاجين حاجة مش طبيعية، حاجة تتحفر في الذاكرة!"
رمقته ساندي ومالك بنظرات غاضبة، بينما تابع سليم ضحكه، قبل أن تقطع ميلا حديثهم بنبرة واثقة: "إيه رأيكم في رحلة تخييم في الصحراء؟"
توقف الجميع عن الحديث، وتبادلوا النظرات فيما بينهم. روز وساندي كانتا أول من تكلما بحماس واضح: "موافقين طبعًا!"
يامن، الذي لم يكن من محبي المغامرات غير المحسوبة، نظر إلى ميلا بتردد وقال: "أنا معاكم... بس ربنا يستر."
"وأنا كمان." أضاف مالك وهو يهز رأسه بالموافقة، لكن تعبيرات وجهه كانت تخفي شيئًا من القلق.
أما سليم، فأطلق ضحكة قصيرة قبل أن يقول بثقة: "طبعًا مش هقول لا! هاجي معاكم، مقدرش أسيبكم لوحدكم... إفرض ظهرلكم ذئب، لازم يبقى معاكم البطل اللي يحميكم!"
انفجر الجميع ضاحكين، لكن صوت الضحك تلاشى تدريجيًا عندما لاحظوا رجلاً مسنًا يجلس في الطاولة المجاورة، يحدق بهم بصمت.
كان يرتدي جلبابًا رماديًا، وعيناه غائرتان، وكأنهما تحملان سنوات من الأسرار. عندما لاحظ أنهم انتبهوا إليه، اقترب منهم قليلًا وقال بصوت أجش:
"التخييم في الصحراء؟ مكانكم مش هنا يا أولاد... الصحرا مش مجرد رمال وصخور. فيها حاجات مدفونة... حاجات ماينفعش حد يصحّيها."
ساد الصمت للحظة، قبل أن يضحك سليم وقال مستهزئًا: "حاجات إيه يا عم الحج؟ إحنا رايحين نخيم، مش هنفتح مقبرة فرعونية!"
لكن الرجل لم يضحك، بل ألقى عليهم نظرة غامضة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر، قبل أن ينهض ويمشي مبتعدًا ببطء.
تبادلت المجموعة نظرات مترددة. ميلا شعرت بقشعريرة باردة تمر في جسدها، لكنها تجاهلتها بسرعة وقالت بحزم: "تمام، هننطلق بكرة الفجر، والتجمع عند بيتي."
هز الجميع رؤوسهم بالموافقة، ثم غادروا المكان، كل واحد منهم مشغول بأفكاره، غير مدركين أن هذه الرحلة لن تكون مجرد تغيير للجو... بل بداية لشيء غامض، شيء سينقلب بحياتهم رأسًا على عقب.
