رواية مع وقف التنفيذ الفصل العاشر بقلم دعاء عبدالرحمن
وقف عمرو أمام هذا المبنى الكبير الكائن في أحد الأحياء الراقيه فى القاهرة وتنقلت عيناه بين اللافتات الكثيرة في ذك المبنى ما بين لافتات عيادات أطباء كبار وبين شركات متنوعه أستيراد وتصدير ومقاولات وشركات هندسيه وهنا توقف نظره على أحدى الافتات الكبيرة والتي من الواضح أنها تحتل أكثر من ثلاثة طوابق في المبنى الكبير ... مشى ببطء داخل
ردهة الشركة الهندسة الخارجيه يتأمل الفخامه والديكور المميز الذى يدل على ذوق رفيع وبذخ في الانفاق.. ظل يجول ببصره حتى سمع صوت أنثوى يقول بلباقة :
أهلا وسهلا يا فندم أقدر أساعد حضرتك أزاى ؟؟
انتبه على صوت السكرتيرة ونظر إليها متفاجأ وقال:
هه .. اه.. أنا المهندس عمرو مصطفى عندى معاد النهارده مع صاحبة الشركة
أبتسمت السكرتيرة وهي ترفع سماعة الهاتف وتضغط أحد الازرار قائله :
البشمهندس عمرو مصطفى وصل يا فندم
وضعت السماعه ونهضت واقفة وسارت أمامه وهي تشير للداخل قائله بروتينيه
- أتفضل يا بشمهندس
فتحت الباب وأشارت له بالدخول وأغلقت الباب خلفه خطى عمرو داخل المكتب وهو ينظر الى تلك المرأه القابعة خلف مكتبها تنظر له بابتسامه وعينين متفحصتين... مدت يدها
وصافحته قائله:
- أهلا وسهلا يا بشمهندس .. أتفضل أرتاح
ثم قامت بالتعريف بشخصها قائلة:
- أنا البشمهندسه إلهام مديرة الشركة
أبتسم عمرو وهو ينظر إليها جالسا .. كانت أمرأة في العقد الرابع من عمرها شارف الزمان على طوى نضارة شبابها ولكن من الواضح أنها تعانده بشده وتصر على محاربة الايام بالازياء الحديثة التي لا تليق بعمرها والزينة المتكلفة التي هي سلاحها الدائم في هذه المعركة ومن الواضح أنها قاتلت فيها باستماته فلم تخسر منها الكثير....
كانت نظرته إليها استكشافيه لم تخلو من الفضول ولكن نظراتها هي قد تبدو مختلفة
ومتباينة أكثر وذات معنى لم يفهمه عمرو للتو....
وأخيراً تكلمت وهى تتصفح ملفه الخاص الذي بين يديها قائلة:
- ملفك عاجبني أوى يا بشمهندس .. ماشاء الله تقديراتك حلوه أوى وخصوصا في العملي.. مش ناقصه غير الخبره بس .. ودى سهله اوى .. هنا هتتعلم كل حاجه وخبرتك هتبقى أكبر مما تتوقع
قال عمرو بتلقائية:
أن شاء الله يا فندم .. أنا اصلا بتعلم بسرعه والشغل معاكوا هنا مكسب لاى حد لسه متخرج زبي
أبتسمت في رضا وضغطت أزرار هاتفها قائله وهى عيناها لا تفارق عمرو :
أبعتيلي البشمهندس صلاح بسرعه
أغلقت الهاتف وهي مازالت تتفحصه بابتسامتها العذبه .. شعر عمرو بالحرج فقال:
طيب أنا ممكن استنى بره مش عاوز أعطل حضرتك اكثر من كده
انتبهت لعلامات الحرج التي ظهرت على ملامحه فعادوت النظر الى ملفه مرة أخرى وهي تغلقه قائلة
البشمهندس صلاح هيجي دلوقتي علشان يوريك مكتبك ويعرفك على زمايلك فيه... طرق الباب ودخل المهندس صلاح ... رجل في أواخر العقد الخامس من عمره يظهر عليه الوقار والنشاط في نفس الوقت .. دخل وهو يرمق عمرو بنظرات خاليه من أى تعبير وقال موجها حديث لألهام
- خير يا بشمهندسه
قالت بترفع وهي تشير الى عمرو
البشمهندس عمرو مهندس مدنى هيبدأ معانا من النهاردة وهيبقى تحت مسؤليتك يا
بشمهندس
أو ما براسه لها ثم نظر الى عمر بأبتسامه ودوده قائلاً:
أهلا بيك يا بشمهندس أتفضل معايا
نهض عمرو شاكراً أياها وتوجه في سرعه للخارج وكأنه يهرب من وحش نظراتها الملتهمه
دخل حجرة مكتبه بصحبة المهندس صلاح الذي قال :
- إن شاء الله الشغل معانا هيفيدك كويس اوى فى بدايتك يا بشمهندس .. رفع الزملاء نظرهم
إلى القادم الجديد فأشار المهندس صلاح إليه قائلاً:
البشمهندس عمرو هيبقى معاكوا فى المكتب من النهارده
ثم قام بتعريفهم لديه قائلا:
البشمهندس أحمد البشمهندس نادر
صافح عمرو زملاءه في ترحاب شديد شعر به مع أحمد ولكنه شعر يعكسه تجاه نادر الذي صافحه ببرود وهو يبسم له بتهكم .. لم يوله عمرو اهتمام وجلسه خلف مكتبه وهو ينظر له وللكمبيوتر الخاص به بنشوة وسعادة .. كانت هذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها الكمبيوتر خارج أسوار الجامعه فهو لم يكن قد انتشر في هذا الوقت ليصل للجميع بعد ........
هتفت أم يحيى بصوت اشبه للبكاء قائلة بلوعة
- أنا خايفه على البنت يا ست أم فارس .. أنا حاسه كده أن مخها متأخر عن سنها .. مش
زی زمايلها في المدرسه ابدا
نظرت لها أم فارس بدهشة كبيرة وقالت :
ما تصلى على النبى كده يا أم يحيى أيه الكلام اللى بتقوليه ده.. مهره ذكيه وكنت بشوفها وفارس بيذاكر لها بتجاوب لهلوبه
تكلمت أم يحيى بحنق شديد وقالت بأنفعال:
اومال ليه كل ما اقعد أقولها سمعى ولا أخلى أخوها يسألها سؤال مبترضاش تجاوب .. وغير كده البت زى ما تكون عبيطه كده وشعنونه مش عارفلها حاجه
وضعت أم فارس يدها على صدرها وقطبت جبينها قائله:
عبيطه !!! بقى مهره عبيطه .. لاء ده انتى شكلك متعرفيش بنتك كويس بقى.... قاطعها ان سمعت صوت قرع جرس باب الشقه فنهضت وفتحت الباب وقالت بترحاب شديد
أهلا يا عزة يابنتي تعالى
وقفت أم يحيى المصافحة عزة ثم قالت بحرج :
طب استأذن أنا بقى يا ست أم فارس
جلست أم فارس بجوار عزة وقالت بحنو
ها يا حبيبتي تشربى معايا قهوة ولا اجيبلك حاجه تانيه
تمسكت عزة بذراعها قبل أن تنهض وقالت بسرعه
لا يا طنط أنا مش غريبه وبعدين انا ماشيه على طول .. ثم تنحنحت بحرج قائله:
أنا بس كنت عاوزه أخد رايك في حاجه كده
خير يا عزة شكلك كده في حاجه مهمه
شعرت عزة باضطراب شديد أبتلعت ريقها بصعوبه وقالت:
بصراحه يا طنط أنا جايه أخد رايك في عمرو .. أصلك ياعنى أتعاملتي معاه عن قرب اكثر
مننا بحكم انه صاحب فارس من زمان یعنی
أبتسمت أم فارس وهي تنظر لعزة المطرقة براسها لاسفل.. فهى تعلم أنها ما ارادت رايها وأنما أرادت راى فارس .. مازالت متعلقة بلأمل مازالت ترغبه ... تود أن يقول لها لا
تتزوجيه أرفضيه فساصبح لكي في يوم من الايام ...
أفاقت أم فارس من شرودها على صوت المفتاح يدور في باب الشقه ورأت فارس يدخل ويغلق الباب خلفه مبتسماً لهما وهو يقول:
السلام عليكم .. أزيك يا عزة
أبتسمت عزة وهي تنهضت واقفة في حرج وقالت:
وعليكم السلام أزيك أنت يا فارس أخبارك أيه
تعجبت عزة أنه لا ينظر إليها وهو يحادثها ولكن قلبها خفق بشدة واصفر وجهها حينما سمعته يقول:
ولا بلاش يا ستى أناديكي بأسمك كده لعمرو يزعل ولا حاجه .. أنا بعد كده هقولك يا مدام عمرو بقى وأخلص ...
أخذت حقيبة يدها بضيق وهى تعلقها على كتفها وتقول بتبرم
- أنا لسه مبقتش مراته علشان تقولى مدام عمرو .. ثم أنحنت وقبلت أم فارس بسرعه
وقالت لها وهي على عجلة من أمرها
معلش يا طنط اصلى افتكرت حاجه مهمه عن اذنك
وخرجت سريعا وكأنها تهرول من بيته .. لا بل تهرول من صدى صوته التي مازال يتردد على مسامعها بكلماته التي أغضبتها وجعلتها تحسم أمرها سريعاً .. فلم تعد في حاجه الى أن
تستمع لرأيه في شأن خطبتها من عمرو .. لقد أجابها دون سؤال
نظر فارس إلى والدته وهو يقترب منها متسائلا وقال:
في أيه يا ماما مالها عزة ؟!!
قالت والدته وهي تربت على كتفه :
مفيش حاجه يابني أدخل أنت غير هدومك على ما يحل لك الغدا
دخل فارس غرفته ليبدل ملابسه ويلتقط انفاسه قليلاً من عناء العمل بينما دخلت والدته المطبخ لتعد طعامًا وهي واجمة وتحدث نفسها قائلة في شرود:
-وبعد هالك يا عزة هتفضلى متعلقه بحبال الهوا الدايبة لحد امتى يابنتي .. والله لو كان عليا ماكنتش أسيبك يبدأ لكن النصيب بقى
في اليوم التالي وفي المساء صدح رئين الهاتف في منزل عمرو .. قامت والدته للرد على الهاتف .. تحدثت في سعادة كبيرة وبعد أن أنهت المكالمة اتجهت الى حيث يجلس عمرو ووالده وأخيه محمود وقالت بابتهاج تبشرهم
مبروك يا عمرو يا حبيبي عزة استخارت ربنا ووافقت وعاوزنا نروح علشان نتفق على
معاد الخطوبه والذي منه
اتسعت عيني عمرو فرحاً وهو ينظر لوالدته قائلاً:
بجد يا ماما عزة
قالت والدته بزهو
هما كانوا هيلاقوا أحسن منك فين يا بشمهندس
ربت والده على كتفه قائلاً:
- مبروك يابني
التفت عمرو أليه وعانقه بشده وهو يقول:
- يا حبيبي يا بابا
تاوه والده من عناقه المؤلم ودفعه عنه قائلاً:
في ايه يا بنى هو حد قالك انى مش أبوك ولا ايه
ضحك أخيه محمود وهو يقول بعبث
ومالك فرحان كده ليه ده انت هتخش القفص برجليلك يا حلو
أمسكه عمرو من خديه مداعباً هو يقول:
- خاليك في الثانوية الجملي بتاعتك دى
ثم قبض كفيه وهو يشبكهما في بعضهما البعض وينظر اليهم جميعا بسعاده ويقول:
- الحمد لله ربنا حققلي أغلى حاجه كنت بتمناها ثم جلس بجوار والده وهو يقول بحرج
- بابا حضرتك عارف طبعا انى أستلمت شغلى الجديد وأن شاء الله مرتبى هيبقى كويس أوى البشمهندس صلاح طمني من الناحيه دى
قاطعه والده وهو يتفحصه قائلا:
عاوز تقول ايه هات من الآخر قال عمرو بسرعه
والله يا بابا كل دهو ملك أول ما أقبض
التقت نظرات والده بوالدته الحائرة فقال في ثقه :
- متقلقيش يا أم عمرو أنا عامل حسابي ....
ثم نظر الى عمرو وقال مطمئنا
متحملش هم أنا كنت عامل حساب اليوم ده من فتره وشبكة عزة عندى
كان الجميع يعمل في صمت كل يرتب أوراقه ويدون ملاحظاته عليها حتى وضع فارس قلمه على مكتبه وأغلق أوراقه ثم مسح وجهه بكلتا يديه مزيلاً لآثار التعب والارهاق البادي على وجهه وقال موجها حديثه ل حسن
يالا يا حسن علشان ننزل نصلى العشاء
رفع الجميع راسه إليه وقال حسن
هبقى أصليها لما أروح البيت يا فارس متحبكهاش كده العشاء ممدوده
نهض فارس وأتجه إليه واغلق الملف أمامه وقال باصرار
افضل وقت العشاء قبل الثلث الأول ما ينتهى وبعدين أنت كده هيفوتك ثواب الجماعة يالا بقى نلحق الاقامة في المسجد
نهض حسن على مضض وهو يقول:
أمرى الله أديني قايم يا سيدي
قالت نورا بابتسامه رقيقه
طب وأحنا يا أستاذ فارس مش المفروض تصليها دلوقتي ولا ايه
قال فارس دون أن ينظر إليها :
لو قفلتوا الباب وضامنين محدش يدخل عليكم صلوا لكن لو ممكن حد يدخل ويشفكم وأنتوا راكعين ولا ساجدين يبقى تستنوا لما تروحوا البيت أحسن ... على رأى الشيخ حسن العشاء ممدوده...
نظرت لها دنيا بغيرة واضحه مخلوطه ببعض التهكم وانتظرت حتى خرج فارس وحسن ثم قالت:
بقيتي تهتمى أنتى يا نورا بمواعيد الصلاه وكده
التفتت إليها نورا بدهشه قائلة:
أنا بهتم بيها من زمان .. أنا بصلى من زمان الحمد لله
أبتسمت دنيا ابتسامة صفراء وهى تعيد نظرها للأوراق مرة أخرى
كان باسم يعلم ميعاد خروج فارس من المكتب لذهابه لاداء فريضة العشاء في المسجد ... انتظر حتى تأكد من ذهابه ثم أرسل في طلب حضور دنيا إلى حجرة مكتبه.. حضرت إليه كما أراد فاشار لها بالجلوس أمامه وفاجأها قائلاً:
كل سنه وانتى طيبه يا دنيا مش عيد ميلادك النهارده برضه
نظرت إليه بدهشه قائله:
وحضرتك طيب بس عرفت ازاى أن عيد ميلادي النهارده
قال بثقه زائدة
اللي بيهتم بحد .. بيحب يعرف عنه كل حاجه
أخرج عليه متوسطة الحجم من درج مكتبه وقدمها لها قائلاً:
- أتفضلي هديتك
نظرت إلى العلبه مندهشه ولمعت عيناها من المفاجأة وقالت:
- ايه ده تليفون محمول مره واحده
علت الابتسامه شفتيه وهو يقول:
ده اقل حاجه ممكن تتقدملك ... قال عبارته هذه وهو يتفحصها بجرأته المعهودة
شعرت بالخجل من نظراته وقالت بأرتباك :
بس انا اسمع أنه بيبقى مع رجال الاعمال بس علشان شغلهم يعنى .. أنا بقى هعمل بيه أيه
- لا ده كان أول ما نزل مصر بس دلوقتي ابتدى ينتشر شويه وبعدين يا ستى علشان لما أحب أطمن عليكي ... أصلك لسه مردتيش عليا في موضوع الشغل وأنا خلاص يومين وماشي من هنا وعاوز أعرف أكلمك وقت ما أحب
لم تكن كلماته تحمل معنى آخر نظرت الى العلبة بين يديها سعيدة بها وحائرة هل تقبلها أم لا إنها هدية ليست بالبسيطه وفى نفس الوقت ماذا ستبرر ذلك لفارس ... وكأنه قرأ أفكرها التي ظهرت جلية في عينيها وهى تنظر للعلبه فقال باصرار
أنا مش هتنازل عن أنك تقلبيها .. التفتت أليه فقال:
وبعدين يا ستى لو خايفه من الاحراج مش لازم تقولى أنى أنا اللى ادتهولك .. وكأنه أعطاها المخرج من تلك الورطه فابتسمت وهي تقول:
متشكره أوى يا أستاذ باسم على الهدية القيمة دى الحقيقه دى أغلى هديه جاتلي في عيد
ميلادي
مد يده ليصافحها قبل أن تخرج وضغط على كفها بين كفه برقه وقال:
دى حاجه بسيطه بالنسبه للى جاى لو وافقتى تشتغلى معايا
أبتسمت بارتباك وتوتر وهى تسحب يدها من يده ببطء قائله بخفوت
هشوف كده ربنا يسهل
خرجت دنيا من حجرة مكتب باسم مسرعة وهى تخشى أن يكون قد عاد من صلاة العشاء ولكنها أسترخت وهي لا ترى في الحجرة سوى نورا فقط والتي كانت منكبه على عملها بأهتمام
حشرت العلبة في حقيبه يدها عنوه ووضعتها تحت مكتبها الخاص حتى لا تلفت الانتباه
بانتفاخها وواصلت عملها بنظرات زائغه وكأن شيئا لم يكن
عاد فارس وحسن من صلاة العشاء وجلس كل منهم خلف مكتبهم ولكن نورا لم تنسى تحيييه بابتسامه قائله:
- تقبل الله
- منا ومنكم
نظر حسن الى الجميع بأهتمام وقال وكأنه سيدلي بمعلومة سرية
أنتوا عرفتوا يا جماعه أن الاستاذ باسم هيسيب الشغل هنا ويفتح مكتب خاص بيه
قال فارس دون أن يرفع نظره إليه وكأن الأمر لا يعنيه
أيوا عارفين ربنا يصلح حالنا جميعا
قالت نورا باهتمام :
تفتكروا مين اللى هيمسك أدارة المكتب مكانه يا جماعه
أكمل حسن حديثه وكأنه لم يستمع إليها قائلا:
طب عارفين أني هروح معاه
نظر له فارس باستنكار وقال:
ليه يا حسن أنت هنا بتاخد خبره أكبر وبتتعلم من الدكتور حمدى
قال حسن بتهكم وهو يشير الى حجرة باسم
وهناك هاخد فلوس أكثر
ردت دنيا بحماس وكأنها قد وجدت من يعينها ويفكر مثلها:
برافو عليك ده تفكير منطقی جدااااا
التفت فارس باستنكار وقال بضيق
تفكير منطقى ازاى يعنى ... الفلوس مش كل حاجه
أومات نورا موافقه لكلامه وقالت:
ده صحيح الخبره مستقبلها اكبر من المرتب بكتير .. ثم التفتت الى حسن وهي تتابع
حديثها:
وبعدين يعنى الفرق مش هيبقى كبير
عقد حسن ذراعيه أمام صدره وقال مخالفا
ولو جنيه واحد زياده هيفرق معايا ... وبعدين أنتوا مش ملاحظين ان الشغل هنا ابتدى يقل
... وأخفض صوته وهو يستطرد قائلا:
والدكتور كمان مبقاش يجي كتير
قال فارس بانفعال
ده علشان الدكتور مبيقبلش قضايا المخدرات والقضايا المشكوك فيها يعنى على الأقل يا
أخي ضامن ان مرتبك من فلوس حلال
أبتسم حسن بسخريه وهو يفتح ذراعيه قائلا:
أهلا الشيخ فارس وصل
هب فارس واقفا بغضب واشار له محذرا وقال:
ألزم حدودك معايا يا حسن وأتكلم باسلوب أحسن من كده
وقفت نورا مسرعه وهي تقول منفعله
أيه يا أساتذه صلوا على النبي كده وأهدوا .. كده صوتنا هيوصل للدكتور
أسندت دنيا رأسها إلى كفيها وهى تنظر إليهم مشتتاً أفكارها وهي تقول في نفسها
أومال لو قلتله أنى عاوزه أروح أشتغل معاه هيعمل فيا أيه
أوت إلى فراشها ليلا وهى تمسك بالهاتف النقال في يد وبالكتالوج في اليد الأخرى محاولة فك طلاسم هذا الهاتف وهي تتمتم بسخريه
ايه الجهل اللي أنا فيه ده
وفجأه صدح رنينه بين يديها تفاجأت وهى تنظر لاسم باسم تضی به شاشة هاتفها وهمهمت
قائله:
انا مسجلتش اسمه .. معقوله يكون مديهولي وهو مسجل اسمه عليه
ترددت لبرهه ثم قررت الرد وقالت بصوت متلعثم
- الو
ها التليفون عجبك
اه جميل بصراحه.. ميرسي اوي
- مبروك عليكي ... طيب يا ستى أنا قلت بس أقولك تصبحي على خير
- وأنت من أهله
أغلقت الهاتف وهى تنظر له وتقلبه بين يديها وهى واجمة وتفكر في الخطوة القادمه
كيف ستفاتح فارس فى الأمر وكيف ستكون ردة فعله تجاهها
أستيقظ فارس قبل الفجر بساعه وهو يمد يده ويطفىء ساعته المنبهة التي تصدح يوميا في مثل هذا الموعد معلنة عن وقت صلاة القيام .... تململ فارس فى فراشه وهو يشعر بأجهاد شديد وكأنه لم يتم الا منذ لحظات قليله معدودة ولكنه جاهد نفسه وهب واقفاً بدون تفكير حتى لا يفكر في العودة الى النوم مرة اخرى ويغلبه كسله وأجهاده ... توضاً وعاد الى غرفته جلس وهو ممسكاً بالمصحف وقرا ورده الليلى منه ولكنه شرد بعقله وهو يفكر في عمله ولا يعلم لماذا راودته صورة وهو في حجرة مكتبه بين دنيا ونورا .. فشعر بالاستنكار لهذه الصورة وبانقباض قلبه لها .. كيف أجلس كل هذا الوقت بين فتاتين وخصيصا أن حسن هو الآخر سوف يترك المكتب للعمل مع باسم هذا سيكون مدخل من مداخل الشيطان ومدعاة للفتن .. كيف لم يفكر في هذا الأمر من قبل لماذا لم يطلب من الدكتور حمدى سابقا ان يفصل
بين النساء والرجال في مكتبه
كيف تجلس النساء كل يوم كل هذه الساعات من العمل بصحبة الرجال الزملاء في العمل .. من الأكيد سيحدث اعتياد وألفه وترى المرأة زميلها في صورة متالقة غير التي ترى بها زوجها فى البيت يوميا وكذلك سيفعل الرجال سيرون زملايتهم في ابهى صورة يوميا.. من
الملابس وطريقة المعاملات واسلوب الكلام غير التي يرى بها زوجته في المنزل رغم أن الفارق كبير .. فهذه في عملها وهذه بأطفالها ومسؤلياتها ولكن
الشيطان لن يقول لهما هذا ... أنما سيجمل زميلته وزميلها في عينيهما وسيصور لهما أنهما الافضل والاجمل وسيطفى عليهما صفات خياليه أخرى تجعل الالفه والاعتياد لهما مفهوما اخر
وضع المصحف جانبا ووقف يصلى القيام واطال فيه حتى ركع وأطال في الركوع حتى سجد ولاول مره يشعر بسجود قلبه مع سجود جبهته أطال السجود وهو يشعر بحلاوته التي يتذوقها بقلبه وجوارحه أغمض عينيه وهو يدعو لا يريد ان يفارق تلك السجدة التي وجد حلاوتها ابدا فهى له الدنيا بما فيها ووجد نفسه يدعو .. اللهم جنبني الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم أكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك ، اللهم خذ بيدى إليك أخذ الكرام عليك
لم يستطع أن يرفع راسه ابدا الا عندما سمع صوت أذان الفجر ينتشر في الارجاء .. أنهى فارس صلاته وقد قرر ان يفاتح الدكتور حمدى فى امر فصل الرجال عن النساء حين عودتهم للعمل
دخلت والدتها لتوقظها في الصباح فوجدت الهاتف النقال بجانبها فأخذته وظلت تنظر إليه بأمعان وتتفحصه وباليد الاخرى توقظ دنيا وتهزها هاتفتا بها
قومى يا دنيا ايه اللى جاب التليفون ده معاكى
نهضت دنيا متكاسله وهي تتثائب فتحت عيونها فوجدت امها تمسك هاتفها النقال بين يديها وتقلبه متسائلة:
بتاع مين ده يا دنيا
انتزعته من يد والدتها وهي تقول برجاء
- الله يخليكي يا ماما مش عاوزه بابا يعرف ليقعد يحقق معايا وجبتيه منين ومجبتيهوش منين
نظرت لها والدتها بشك وقالت:
وانا يعنى مش هسألك
قبلتها دنيا على وجنتها وقالت :
انتي مامتى حبيبتى مش هتعقديلي الدنيا زي بابا
أبعدتها والدتها عنها قليلا وبرفق قالت:
طب جاوبيني مين اللى أدهولك
- أستاذ باسم مدير المكتب اللى حكتلك عنه قبل كده أنه عاوز ياخدني معاه مكتبه
وجابهولك بمناسبة ايه ده
- بمناسبة عيد ميلادي يا حبيبتي
صمتت والدتها قليلا فقالت دنیا متوتره
ايه يا ماما سكتى یعنی
مش عارفه مش مرتاحه
عانقتها دنيا وقبلتها مرة أخرى وهى تنهض من الفراش قائله بثقه
متقلقيش يا حبيبتي انا عارفه انا بعمل ايه كويس وبتعامل مع الناس أزاى
نظرت والدتها إليها وقد خرجت من الغرفه ثم التفتت الى الهاتف الملقى على الفراش وشردت تماما ولاول مره تشعر بالقلق حيال تصرفات ابنتها
ويوم الخميس وفي المساء كان منزل عزة مهيأ لتلك المناسبة المبهجة للأسرتين حفلة خطوبة عزة وعمرو
كانت الحفله بسيطه ينعزل فيها الرجال عن النساء نوعا ما فالنساء في الصالون والرجال في الخارج يفصل بينهما بابا لا يكاد ينغلق من كثرة الحضور .. لذلك أحتفظت عبير بنقابها حتى لا يراها احد دون أن تشعر
لم يكن هناك شخص أسعد منه في تلك اللحظه .. اللحظة التي طوق خاتم خطبته اصبعها وأخيرا اصبحت خطيبته واخيرا اصبحت له ... لم يكن بحاجه الى التعبير عن سعادته فلقد
تكفلت عيناه بهذا الأمر مما جعل عزة تشعر بتأنيب الضمير لانها لا تبادله نفس مشاعره ولا
حتى جزء منها غير الاحترام وفقط
كان فارس يجلس مع الرجال في الخارج وفجأة شعر بمن يهزة من الخلف نظر خلفه فوجد مهره ابتسم كعادته كلما رأها واستدار إليها في جلسته ودون ان يقف فأقتربت من اذنه وهي تشير الى محمود أخو عمرو وهي تقول :
- ألحق يا فارس الواد الرحم ده بيضايقني
نظر فارس إلى حيث تشير ثم نظر إليها مرة أخرى متعجبا وقال:
- بس هو شافك أزاى اصلاً علشان يضايقك نظرت له بغضب ومطت شفتاها وقالت:
- انت كمان بتتريق عليا ماشي يا فارس
قال مداعبا:
طب متزعليش بقى خلاص انا هقوم أكسر لك عضمه .. ثم حك ذقته وهو يقول:
بس قوليلي هو ضايقك ازاى یعنی خد منك حاجه
حرکت راسها نفيا وقالت:
لاء بيقولي شعرك حلو اوى
نظر لها بدهشه ثم تصنع الجديه والغضب وهب واقفا وهو يقول:
طب استنى هنا انا هروح أكسر هولك
تقدم فارس من محمود أخو عمرو وهى تتبعه كظله وقال مداعبا له :
أنت يا أخ أنت بتعاكس خطيبتي ليه
ضحك محمود وهو يقول:
- خطيبتك ايه يا ابيه فارس بقى الاوزعه دى خطيبتك
صاحت مهره من جواره بغضب
بس متقولش أوزعه
أمسكه فارس من شعره كما يفعل به دائما كلما رأه وقال له:
عارف لو شفتك بضايقها تانى هعمل فيك ايه .. هحلقلك شعرك اللي فرحان بيه ده زلبطه
ثم التفت الى مهره واشار لها أمراً وقال بجديه :
اتفضلی یا هانم اقعدی جوه مع الستات ايه اللى مطلعك وسط الرجاله
استدارت مهره وهي تنظر الى محمود بانتصار وشماته ودخلت عند النساء كما أمرها فارس قال فارس لمحمود
أنت من صغرك كده هتقعد تعاكس البنات اومال لما تكبر شويه هتعمل ايه .. وبعدين ملقتش الا مهره يعنى دى تجرسك في كل حته يابني
قال محمود : بصراحه يا ابيه فارس أنا ناوى اخطبها لما تكبر
والله .. وانت بقى هتستناها لما تكبر
وفيها ايه يا ابيه انا رايح تانية ثانوى وهى رايحه تانيه أعدادى يعنى قريبين من بعض
أمسكه فارس من كتفه وقال بجدية
بقولك ايه يا محمود أنت في مرحلة حرجه دلوقتى يعنى تركز فى مذاكرتك أحسن يابني علشان تعرف تدخل كليه محترمه .. وبعدين یعنی اشمعنی مهره دى شعرها أطول منها
ما هو ده اللي عاجبني فيها يا ابيه
كتم فارس غيظه وهو ينظر إليه شاعرا بتفاهته وقال:
هو انا واقف معاك ليه اصلا .. ودفعه قائلا :
- امشى يلا من هنا
وقفت أمرأة بجوار عبير عن قصد وقالت بتشفى :
عقبالك يا حبيبتي
نظرت لها عبير بود وقالت :
جزاكي الله خيرا يا طنط عقبال بناتك يارب كده لما تفرحى بيهم
ضحكت المرأة وهي تنوى أغاظتها
بناتي .. انا بناتي أتجوزوا من زمان يا حبيبتى مفيش واحده فيهم قعدت لبعد العشرين .. عقبالك انتي بقى
صمتت عبير ولم ترد فقد اغلق فى نبرة المرأة شيء غير مريح فاثرت الصمت حتى لا تحدث مشكله تعكر صفو خطبة اختها ولكن المرأة لم تصمت ولم تتوقف
الا أنتى عدتى الثلاثين ولا لسه يا عبير
بدون شعور منها وجدت العبرات طريقها الا عينيها حاولت منعها حتى لا تشمت بها تلك المرأة أكثر فرفعت يدها وأنزلت البيشه على عينيها فوق النقاب وهي تقول:
- لا لسه يا طنط عن أذنك
مرت بهدوء لتخرج من غرفة الصالون ولكن بذلك نادت عليها قائله :
اطلعی یا عبير هاتی صندوق حاجة ساقعه من بره البقال باعتهم على السلم
ذهبت بسرعه في طريقها للباب الخارجي للشق وهي تحاول دفع دموعها للتراجع ولكن بلا جدوى حتى انعدمت الرؤيا تماما لديها وأختل توازنها وهي تحاول حمل الصندوق ولم تشعر بشى ألا وهي خائفة من اعلى درجات السلم وفقدت الوعى تماما ...
