رواية نفحات مضيئة الفصل الثاني 2 بقلم مريم عثمان

 

رواية نفحات مضيئة الفصل الثاني بقلم مريم عثمان


لم يكن الليل أرحم من النهار، ولا الفجر أكثر عدلاً من الغروب، فكل الساعات في حياة السُهاد كانت تحمل ذات الطعم المرير، وذات العبء الثقيل.

 على ضوء قنديل قديم، هناك ورقةً صفراءَ مهترئة، تحمل حروفًا تآكلت مع الأيام، لكنها لم تفقد بريقها في القلب 

"يا ابنتي، إن طال بك الألم، فاصبري، وإن اشتد عليك الضيق، فاستمسكي، فإن الله لا يخذل قلبًا تعلّق به."

لم تبكِ، لم تصرخ، بل نطقت بكلماتٍ حملت كل ما تعلّمته من صبرها:
"إن كنتَ ترى فيَّ عبئًا، فاعلم أني كنتُ سيفك لا ثقلك، وإن كنتَ ترى فيَّ صفقة، فاعلم أني لستُ بضاعةً تُباع، وإن كنتَ تظنني ضعيفة، فاعلم أن الصبر الذي في قلبي هو الذي جعلني أقف أمامك الآن دون خوف."

في دروب الحياة، تُلقى الأعباء على أكتافٍ لا تعرف التراجع، وتتوالى الاختبارات، حتى يصبح الصبر سلاحًا لا سلاح سواه. تتجلى القسوة أحيانًا في أقسى صورها، فتُفرض الأثقال دون تمييز، ويصبح الانتظار معركةً بحد ذاته.

 ليس الصبر في أن يُحتمل الظلم، بل في أن يُقاوم اليأس، في أن يُؤمن بأن الأيام ليست ثابتة، وأن الأقدار تحمل في طياتها سرّ التغيير.

وحين تشتد العتمة، يظهر ذلك الشعور العميق بأن شيئًا ما يُعد في الخفاء، أن الفرج ليس وهمًا، بل وعدٌ لا يخلفه الزمن، لكنه يُمنح فقط لمن يعرف كيف يواجه الانتظار دون أن ينهار.في لحظة فاصلة، قد يُكشف ما خفي، وقد تُوضع الخيارات أمام من ظن أن لا خيارات لديه. 

ليس كل ما يُفرض يُقبل، وليس كل ما يُراد به الانكسار يتحقق. فالقوة ليست في الغضب، بل في الصبر الذي يعرف متى يتحول إلى فعل، متى يكون الانتظار حكمة، ومتى يكون الوقوف في وجه الظلم ضرورة.

كم من امتحان ظُنّ أنه نهاية، فإذا به بداية؟ وكم من قيد ظُنّ أنه أبدِي، فإذا به ينكسر حين يشتد الصبر حتى يغدو صلبًا لا يُكسر؟ ليس الانتصار في الهروب من الألم، بل في الخروج منه أقوى، بلا ضغينة، بلا استسلام، بل بوعيٍ جديد بأن الأيام تمضي، لكنها لا تمحو أثر الصابرين.

ليس الزمن ساكنًا، ولا الألم دائمًا، فكما يتبدل الليل بالنهار، كذلك تتغير الأحوال. الصبر ليس في احتمال الأوجاع بلا نهاية، بل في الثبات حتى يُكتب الخلاص. حين يُدرك المرء أن الصبر ليس ضعفًا، بل طريقٌ نحو القوة، يكون قد انتصر على اختبارات الزمن.

وحين تهب الرياح من جديد، لا تعود المخاوف كما كانت، ولا يعود الألم كما بدأ، بل يصبح الصبر درعًا، لا لحماية النفس فقط، بل لحملها نحو ما تستحق من نورٍ بعد العتمة، ومن حياةٍ تُبنى على أرضٍ صلبة، لا تهزها العواصف بعد الآن.

لا يُولد الصبر من فراغ، ولا يُزرع في أرضٍ قاحلة، بل ينبت في أعماق الألم، حيث يختبر الزمن قوة الاحتمال، ويمتحن الإرادة بما لا يُطاق. ليس الصبر مجرّد احتمالٍ للأذى، بل هو انحناءٌ مؤقت أمام العواصف حتى تنقشع، واستعدادٌ خفيٌّ للقيام حين يجيء أوان النهوض.

تمضي الأيام، وتكشف كل لحظة سرًّا كان مطويًّا في ثناياها، فمن كان يظنّ أن الصبر سكونٌ أدرك متأخرًا أنه حركةٌ خفية، وأن التحمُّل ليس خنوعًا، بل ترتيبٌ دقيقٌ للمراحل حتى تحين اللحظة الفارقة.

 فمن يدرك أن الألم عابرٌ، لا يهتزّ له، ومن يُؤمن أن الليل لا يُقيم أبدًا، يرى الفجر قبل أن يولد.
ليس كل صبرٍ يطول يستحق أن يُحمل على الأكتاف، فبعض الانتظار وهمٌ، وبعضه استحقاق، وبين هذا وذاك، يشتدّ الابتلاء حتى يُميز الثابت عن الواهم، والمُصرّ عن العابر.

حين يُحاصر الصبر بالشك، يبدأ العقل في محاورته، يسائله: إلى متى؟ وهل في المدى القادم ضوء؟ لكن القلوب التي وعَت حكمة الانتظار لا تهتزّ بهذه الأسئلة، بل تعلم أن لكل صبر نهاية، وأن من تذوّق مرارته لا بد أن يرتشف حلاوته يومًا.

ليس الثبات مجرّد قرار، بل تجربةٌ تُصقل على مراحل، فمن لم يُحطّمه الانتظار، لن يُخيفه الخذلان، ومن عرف كيف يصمد في عتمته، لن يرهبه الضوء حين يبزغ.

للحياة طرائقها الخفيّة في ترتيب الفرج، وللقدر أسلوبه الخاص في قلب الموازين حين يحين الأوان. ليست كل الخسارات خسارات، ولا كل النهايات نهايات، فالصبر الطويل ليس عبثًا، بل هو بناءٌ غير مرئيٍّ لحدثٍ لم يأتِ بعد، لكنه آتٍ لا محالة.

وفي اللحظة التي يظنّ فيها الصابر أن لا طريق، تفتح الحياة أبوابًا لم تكن في الحسبان، ويجد من انتظر أن الصبر لم يكن تجمّدًا، بل عبورًا عبر الزمن إلى حيث يستحق أن يكون.

لا يحتاج الصبر إلى إعلانٍ، ولا إلى ضجيج، فهو انتصارٌ هادئٌ لا يُدركه إلا من تذوّقه. وحين يحين موعد القطاف، لا يتذكر الصابر الأيام التي نزف فيها انتظارًا، بل اللحظة التي أدرك فيها أن الثبات لم يكن إلا سبيلًا للحكمة، وأن ما ظنّه ألمًا، لم يكن إلا صياغةً لمجدٍ لم يكن ليولد دون صبر.

في نهاية الطريق، لا يعود السؤال: لماذا تأخّر الفرج؟ بل: كيف صُنِعَت القوة من الألم؟ وكيف صار الصبر شجرةً وارفةً تُظلّل صاحبها، بعد أن كانت مجرّد بذرةٍ صامتة في أرضٍ جدباء؟

ليس الصبرُ مجرّد وقتٍ يمضي، بل هو اختبارٌ يُصاغُ في خفاء الزمن، حتى إذا اكتمل نضجه، كشف عن جوهره الثمين. فلا تُبتلى النفوس إلا بما يرفعها، ولا يُؤجَّل الفرج إلا لحكمةٍ لا تدركها العيون العجلى. 

في مسيرة الصبر، يخطو الزمن بخطواتٍ وئيدة، يثقل كاهل المنتظر، يختبر يقينه، ثم يُهديه يقينًا أكبر مما ظنّ، فيوقن أخيرًا أن التأخير لم يكن حرمانًا، بل إعدادًا لشيءٍ أعظم مما تمنّى.

لا يكون الجزاءُ على مقدار الألم، بل على مقدار الثبات، فكم من صابرٍ حمل في داخله بحرًا من الأوجاع، لكنه لم يُغرقه، بل صار مركبًا يعبر به نحو ضفاف المجد.

 الصبرُ ميزانٌ لا يُخطئ، من وضع فيه شقاءه، استخرج منه سعادته، ومن صقل روحه في محرابه، خرج أقوى مما دخل.

وحين يُرفع الصابرون، لا يُرفعون بأيدي البشر، بل بأيدي الأقدار التي لطالما اختبرتهم، فلما وجدتهم أهلاً، أهدتهم ما يستحقون، لا تصفق لهم الحياةُ فورًا، لكنّها تمنحهم وقارًا يُرى في أعينهم، ثقةً لا تهتزّ أمام العواصف، وطمأنينةً لا تنال منها الهزّات.

ليس كل انتصارٍ يُرى، وليس كل فوزٍ يُعلن، فهناك انتصاراتٌ تُحفر في أعماق النفوس، تُغيّر من جوهرها، تُعيد تشكيلها، حتى تصير أقوى مما كانت عليه. 

وحين ينظر الصابرُ خلفه، لا يرى رحلة ألمٍ فحسب، بل يرى كيف صار شخصًا آخر، كيف لم يعد الهوانُ يعرف طريقًا إليه، وكيف صار الصبر ميراثًا يُروى عنه، لا مجرد موقفٍ مرّ به.

هكذا يخطّ الصابرون أسماءهم في سجلّ الزمن، لا كأولئك الذين انتظروا فحسب، بل كأولئك الذين صمدوا حتى صنعوا من صبرهم مجدًا، ومن انتظارهم قصةً لا تموت.

ليس الصبر في الإسلام مجرّد احتمالٍ للبلاء، بل هو ميثاقٌ بين العبد والحق، عهدٌ بأن الإيمان ليس كلماتٍ تُقال، بل يقينٌ يُختبر في أعمق اللحظات.

 فالصابر في دروب الحق ليس كمن يصبر على عبثٍ، بل هو واثقٌ أن وراء كل تأخيرٍ حكمة، وأن كل وجعٍ يُروى بصبرٍ، يُثمر عاقبةً لا تخيب.

وحين يتجلّى الصبرُ في أبهى صوره، يكون نورًا في قلب صاحبه، درعًا يحميه من الانكسار، وبوصلةً لا تضلّ طريقها نحو الفرج. 

فقد كُتب على السالكين في دروب الإيمان أن تُرهق أقدامهم، وأن تُختبر أرواحهم، فلا يُميَّز الصادق من المتخاذل إلا حين يطول الطريق، ويثقل الحمل، ويشتد البلاء، فإذا بمن عقدوا العزم على الثبات لا تهتزّ عزائمهم، بل يزدادون يقينًا أن ما بعد الصبر إلا رفعةٌ وسلام.

لم يكن الصبر يومًا ضعفًا، ولم يكن انتظارًا خاملًا، بل هو سلاحٌ يحمله المؤمنُ حين تضيقُ الطرق، حين تُشتدّ المحن، حين يُحاصر الإيمانُ بالشكوك، وحين يضيق الأفقُ حتى لا يُرى منه إلا الظلام. لكنه يعلم أن العزة في الثبات، وأن الانحناء لا يكون إلا لخالقه، وأن القلوب التي تعلّقت بالحق لا تتزلزل، وإن اشتدّ عليها البلاء، وإن تأخر عنها الفرج.

ففي الإسلام، لا يُؤمر الصبر إلا ليكون عبورًا نحو شيءٍ أعظم، لا يُفرض إلا ليُطهّر القلوب من تردّدها، وليرفع الأرواح إلى مقامٍ لا يناله إلا من فهم أن الصبر ليس تجرّعًا للألم، بل شموخٌ في وجهه، أن يكون في القلب يقينٌ أن النهاية ليست هنا، وأن كل انتظارٍ مؤلمٍ في الدنيا، يُبدّله الله بفرجٍ يُنسي صاحبه كل ما مضى.

الصبرُ سرٌّ لا يدركه إلا من صبر، نورٌ لا يُرى إلا لمن مشى في ظلمة الابتلاء ولم يرتدّ، مكافأةٌ لا تُهدى إلا لمن آمن أن الأقدار لا تخطئ، وأن العطاء يأتي في وقته، لا قبل ذلك بلحظة، ولا بعده بلحظة.

وما من طريقٍ إلى العظمة إلا وقد مَرّ بالصبر، وما من قصةٍ تُروى عن النصر إلا وكانت بدايتها صبرًا، فكل خيرٍ متأخّرٍ لم يُحرم صاحبه، بل كان يُهيَّأ له، يُعدّ على مهلٍ ليأتي في أبهى صورةٍ، حتى إذا جاء، نسي الصابرُ كل ما تحمّله، ولم يبقَ في ذاكرته إلا النور الذي أشرق بعد ظلمةٍ ظنّها لا تنقشع.

فهكذا يكون الصبر في الإسلام، لا مجرّد فضيلة، بل طريقٌ نحو العزة، نورٌ يُضيء الدرب، وسرٌّ لا يبوح به إلا الزمنُ لمن صبر وثبت.

فحين وُضع إبراهيم عليه السلام بين نار العناد والكفر، كان الصبرُ زاده، فنجاه الله من لهبها، وجعلها بردًا وسلامًا، كما قال تعالى: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ" (الأنبياء: 69)، فكان يقينه سلاحًا، وصبره نصرًا مؤجلًا لم يتأخر.

وحين اشتدّ الوجعُ بأيوب عليه السلام، وأحدقت به الآلام من كل جانب، لم يكن صبره تملّقًا للبلاء، بل كان يقينًا أن الفرج حتمي، فاستجاب الله له، وقال: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ، فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ" (الأنبياء: 83-84).

وموسى عليه السلام، الذي صبر على تعنّت قومه، لم يكن انتظارُه ضعفًا، بل كان ثباتًا حتى حانت لحظة الفصل، فشقّ له الله البحر، وفتح له طريقًا لم يكن يُرى، كما جاء في قوله: "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ" (الشعراء: 63).

أما يوسف عليه السلام، الذي صبر على ظُلم الأحبة، لم يُغلبه الحزن، بل صعد بصبره حتى صار على خزائن الأرض، وبدّلت العتمة التي احتوته إلى مجدٍ لا يُمحى، فقال تعالى: "إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ" (يوسف: 90).
ما كان الصبرُ ميراث الأنبياء وحدهم، بل كان ميراثًا لمن تبعهم بإيمانٍ صادق، ومن اقتفى أثرهم حتى بلغت بهم الابتلاءات مبلغًا يُزلزل الجبال.

حين أوذي المؤمنون في البدايات، لم يكن صبرهم انتظارًا سلبيًا، بل كان يقينًا أن النصر ليس بالأيام، بل بالثبات، حتى إذا ضاق عليهم الأفق، جاءهم الوعد بالنصر، فقال تعالى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: 214).

حيث يُختبر الرجالُ على الحقيقة، كان الصبرُ فصلًا بين النصر والهزيمة، بين من يقف حتى آخر رمق، ومن تهزّه الخطوب. وحين رُفعوا فوق جراحهم، علموا أن الصبر لم يكن انتظارًا، بل كان سُلَّمًا صعدوا به نحو المجد، وأن كل قطرةِ عرقٍ نزفوها في طريق الحق، لم تضع هباءً، بل كُتبت في ميزانٍ لا يخطئ الحساب، كما قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ" (البقرة: 155).

لم يكن الصبر يومًا إلا مفتاحًا يُفتح به بابُ الخير، ولم يكن إلا عهدًا بين العبد وربه، أن لا يُضيع الله من صبر، ولا يخيب من احتمل البلاء بقلبٍ مطمئن.

فالصابرون لا يُبشَّرون بأحلامٍ تُرسم في الخيال، بل بواقعٍ يتحقق، بفرجٍ لا يأتي متأخرًا، بل يُرسَل في اللحظة التي يُدرك فيها الصابر أن صبره لم يكن إلا تمهيدًا لمعجزةٍ لم يكن ليراها لو لم يصبر.

وقد وعدهم الله بوعدٍ قاطعٍ، لا ريب فيه: "إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر: 10)، فما أعظم الصبر حين يكون بابًا لعطاءٍ لا يُحدّ، وجزاءً لا يقف عند حدّ.
فهكذا يُبشَّر الصابرون، لا بوعودٍ زائفة، بل بحقائق يراها من ثبت، ويدركها من انتظر دون أن يلين، وحين يصل إلى لحظة الجزاء، يدرك أن الصبر لم يكن إلا طريقًا نحو المجد، وأن الله لا يُخيّب أبدًا من صبر صبرًا يليقُ بعظمته.

وقد شاءت حكمة الله أن يجعل الصبر جسرًا بين الابتلاء والتمكين، فلا وصول إلى علوّ إلا بعد انحدار، ولا بلوغ إلى القمة إلا بعد مكابدة السفوح، ولا نصرَ إلا بعد ثبات، وقد قال الحقُّ في كتابه: "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" (السجدة: 24).

وقد جعل الله للصبر ثمارًا لا يجنيها إلا من انتظر، وجزاءً لا يُعطى إلا لمن احتمل، فقال سبحانه: "وَاصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ" (هود: 115)، فكل لحظةِ ألمٍ تُكتب، وكل دمعةٍ تُحصى، وكل أنّةٍ تُسمع، ولا شيء يضيع عند الله، بل يُدخر لصاحبه، ليجده يومًا في هيئةِ عطاءٍ لم يخطر له على بال.

ليس الصبرُ مجرد احتمالٍ للأذى، أو تجرّعٍ لكأس المرارة دون جزع، بل هو مقامٌ رفيعٌ في مدارج السالكين، ومنزلةٌ عظيمةٌ لا يبلغها إلا الموقنون بعدل الله وحكمته، المستسلمون لحكمه، الراضون بقضائه، الراجون لعطائه.

 فالصبرُ درعٌ واقيةٌ تُحصّن القلوب من الجزع، وتربط على الأرواح كي لا تنهار عند الشدائد، وقد قال الله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ" (البقرة: 155).

وما كانت العظمةُ يومًا إلا ميراثَ الصابرين، فكل قصة مجدٍ سُطِّرت بمداد الثبات، وكل نصرٍ تحقق كان الصبرُ له حجرَ الأساس، فلا قوة تُبنى بلا صبر، ولا نجاح يُبلغ بلا احتمالٍ، ولا مجد يُنال إلا بثباتٍ أمام العواصف.

ولذلك، لما أُوذي الأنبياءُ وأُخرجوا من ديارهم، وأُرهقوا بالمحن، كان الصبرُ سلاحَهم، وكان وعدُ اللهِ لهم أن العاقبة للصابرين، كما قال سبحانه: "حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ" (يوسف: 110).

وما أعظم رحمةَ الله حين وعد بأن بعد كل عسرٍ يُسرًا، وبعد كل ضيقٍ فرجًا، فقال: "فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5-6).

كان يوسف صابرًا وهو في البئر، صابرًا وهو يباعُ بثمنٍ بخس، صابرًا وهو يُراودُ عن نفسه، صابرًا وهو يُلقى في السجن ظلمًا، ومع ذلك، لم يكن يرى في الصبر ضعفًا، بل كان يرى فيه طريقًا للنجاة، حتى أنجاه الله، فرفعه من ظلمات السجن إلى عرش الملك، وحقق له ما لم يحلم به، وكان وعد الله حقًا: "وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ" (يوسف: 56).

لم يكن صبرُ نوحٍ على المرض أو الأذى الجسدي، بل كان صبره أعظم، فقد كان صبرًا على الصدود، وعلى الجهل، وعلى عناد القلوب، إذ ظلّ يدعو قومه ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، وهو يرى في كل يومٍ صدودًا جديدًا، لكن قلبه لم يفتر، ولسانه لم يسكت، وظلّ موقنًا أن النصر يأتي لمن صبر، حتى حينما جاءت اللحظة الحاسمة، فاض الماءُ من الأرض والسماء، وجاء أمرُ الله بغرقِ القوم الذين استهزأوا، ونجا نوحٌ ومن معه على متن السفينة، تحقيقًا لوعد الله: "فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ" (يونس: 73).

وهكذا، كان الصبرُ ميزانَ الأنبياء، وطريقًا للتمكين، فلم يكن مجرد احتمالٍ، بل كان عمادًا يُبنى عليه المجد، فإن الصبرَ يُجدد العزم حين تخور القوة، ويزرع الأمل حين تذبل الأرواح، ويبعث الطمأنينة في قلوبٍ مُنهكة، لأن وراء كل ليلٍ فجرًا، ووراء كل محنةٍ منحة، ووراء كل دمعةٍ فرحًا يتربص بباب الصبر، ينتظرُ الإذن بالعبور.

فالصبرُ ليس خسارة، بل هو التجارةُ الرابحة، والعاقبةُ التي يستحقها من آمنوا أن الله هو الحكيم، وأن الأقدار لا تأتي إلا لحكمة، فطوبى لمن صبرَ حتى رأى وعد الله يتحقق، وسلامٌ على الذين آمنوا أن الله مع الصابرين، ولن يخلف الله وعده أبدًا.

حينما أسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماوات العلى، كان ذلك كله تأكيدًا لقوة إيمانه وصبره على المحن، وكان بمثابة إعلانٍ لصدق وعد الله للأنبياء والمرسلين: "إِنَّكَ لَا تُحِبُّونَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّكُمْ" (التوبة: 24)، فقد حملت هذه الرحلة رسالة واضحة للمؤمنين في الصبر على البلاء واحتساب الأجر عند الله.

وفي غزوة بدر، تلك الغزوة العظيمة التي مثلت أول اختبار حقيقي لقوة الصبر عند الصحابة، نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمساندة من ربه، قد أيد بمعجزة من معجزاته، حيث أرسل الله ملائكةً من السماء لمساعدة المسلمين.

كانت هذه المعركة اختبارًا قاسيًا للإيمان، فقد واجه المسلمون جيشًا من قريش يفوقهم عددًا وعدة، ولكنهم صبروا، وكانوا على يقين أن النصر من عند الله. قال صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظات العصيبة: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبَد في الأرض"، وكانت تلك دعوة صادقة تنبع من قلب مفعم بالإيمان

هو أداء للعبادة في أحلك الظروف، واختبار حقيقي للإيمان
الجزء الأول من هذا الجزاء يتجلى في الطمأنينة والسكينة التي يهبها الله لعباده الصابرين. يقول تعالى: "إِنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" (الزمر: 10).

 وفي هذه الآية الكريمة، يبيّن الله عز وجل أن الأجر الذي يُكافأ به الصابرون لا يُقاس بالحسابات البشرية، بل هو أجر عظيم غير محدود، جزاءً على صبرهم في مواطن الشدائد، واحتسابهم لكل ألم وحزن في سبيل الله.

 فالأجر هنا ليس مجرد معاملة مادية، بل هو أجر معنوي، يأتي من عند الله سبحانه وتعالى، وتُكافأ به الروح على صبرها، فتجدها في سكينةٍ لا تعادلها أي لذةٍ في الدنيا.

الصبر لا يقتصر جزاؤه على الآخرة فقط، بل يُكافأ الصابرون أيضًا في الدنيا بما يطيب به قلبهم ويخفف عنهم. يقول الله تعالى في القرآن: "وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرًا أَحْسَنَ مِّمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: 96).

أما في الآخرة، فإن جزاء الصابرين لا يوصف بكلمات، بل هو أعظم من أن يحدّه عقل أو يدركه إنسان. 

يقول الله عز وجل في سورة الإنسان: "إِنَّمَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَيُدْخِلُونَ الْجَنَّةَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَصَابِرُوا".

إن جزاء الصابرين لا يقتصر على الآخرة فحسب، بل يجدون أثره في الدنيا قبل الآخرة.

 حيث يمنحهم الله عز وجل القوة والسكينة في قلوبهم، فيعوضهم عن الألم بما هو أعظم من كل لذة دنيوية. يقول الله تعالى في سورة الفجر: "فَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" (الفجر: 10)، فالصبر الجميل هو الذي لا يجزع، ولا يتأفف، ولا يئن، بل هو صبرٌ يحمل الأمل في غدٍ أفضل. فيعيش المؤمن في ظل هذا الصبر طمأنينة قلبية، لا تنالها الدنيا ولا تقلباتها.

وفي سياق آخر، نجد أن الله سبحانه وتعالى يفتح للصابرين أبوابًا من النعم لا يحلمون بها. قال تعالى في سورة البقرة: "وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدَرٍ" (البقرة: 11).

جزءٌ آخر من جزاء الصبر يتمثل في أن الصابرين هم أهل النصر، فالله تعالى لا يخلف وعده فيهم. 

فيقول في كتابه الكريم: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة: 153)، وهنا تأكيد على أن الصابرين ينالون معونة الله ورعايته، وهم في رعايته وحمايته، فلا يغلبهم أمر ولا ينكسرون في صراع الحياة

أما الجزاء الأعظم، والأسمى الذي لا يعدله شيء، فهو الجنة، دار الخلود التي لا شقاء فيها، حيث يجد الصابرون جزاء صبرهم في جنة عرضها السماوات والأرض.

 يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: "إِنَّا جَزَيْنَاهُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَا صَبَرُوا" (الإنسان: 12)، فهذه الجملة تحمل في طياتها وعدًا ربانيًا بالصبر الذي يعقبه الفرج الأبدي في الجنة.

وفي آية أخرى، يقول الله تعالى: "إِنَّمَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَيُدْخِلُونَ الْجَنَّةَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَصَابِرُوا" (النساء: 138). 

فالصابرون هم الذين قدموا رضا الله على كل شيء، وضحوا بكل ما يملكون من أجل إيمانهم وصبرهم في سبيل الله، فهم الذين سيفوزون في النهاية بتلك الدار الآمنة، التي لا شقاء فيها ولا تعب.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"

في هذه الآية، يأمر الله المؤمنين بالصبر المستمر في مواجهة الأعداء، والتفاني في الدفاع عن دينهم، مع الصبر على الأذى والبلاء. وتوضح الآية أيضًا أهمية الثبات على المبدأ دون تراجع، والتقوى التي تكون سببًا في الفلاح.
"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"

وفي هذه الآية، تحث الأمة على الصبر عند نزول المحن، وتذكّرها بأنه إذا تساءل الناس عن سبب القوة والتماسك، فسيجدون أن ذلك بسبب الصبر على المواقف الصعبة والتوجيه بالعمل الجماعي. الصبر هنا هو الأساس الذي يحفظ الأمة من التفكك والضعف.

"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَفَسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"

هنا، يوضح الله عز وجل كيف أن المؤمنين الصابرين الذين يواجهون المحن والتحديات في سبيل الله، قد باعوا أنفسهم لله، فكان جزاؤهم هو الجنة. هذه الآية تجسد الصورة الأعلى من الصبر: الصبر على القتال في سبيل الله، والذي يصاحبه وعدٌ بالنصر والخلود في الجنة.
"إِنَّا جَزَيْنَاهُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَا صَبَرُوا"

في هذه الآية، يُذكر جزاء الصابرين بالنعيم الذي لا يعد ولا يحصى، وتدور الآية حول جزاء أولئك الذين صبروا على البلاء في الدنيا، فكانوا مع أهل الجنة في نعيمٍ لا ينقطع ولا يُحد. إن وعد الله لا يتخلف، والجزاء هنا هو مكافأة طيبة جراء ما قدمه الصابرون من تحمل.

ثم يأتي دور الصحابة الذين كانوا أئمة في الفداء والصبر على الدعوة. جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
"أَمَّا إِنَّهُمْ أَصْبَرُ النَّاسِ فِي الْفِتَنِ"
إنهم الذين جاهدوا في سبيل الله بمالهم وأرواحهم. في موقعة أحد، حيث انقلبت المعركة، وتفرَّق من كان معه صلى الله عليه وسلم، كان الصبر في القلوب أسمى من أن يهزها فزع أو شك.

 بل وقف الصحابي الجليل مصعب بن عمير، الذي كان مثالاً حيًا لما يجب أن يكون عليه المؤمن في الصبر على الأذى:
"وَمَا رَسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُصَبِّرُوا"
من هنا يظهر أن كل رسول من رسل الله كان يُرسل ليس فقط ليقود إلى الهدى، بل ليعلم الأمة دروسًا في الصبر لا تنتهي.

الجزاء في الدنيا هو بداية، لكنه لا يعادل ما يُعدّ للصابرين في الآخرة. الله سبحانه وتعالى وعدهم بتوفيق لا يأتي إلا من عنده:
"وَالْصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءَ وَالضَّرَّاءَ وَحِينَ الْبَأْسِ" (آل عمران: 146)

يعدهم الجنة والمغفرة والأجر العظيم الذي لا يعد ولا يحصى. وعند الحديث عن جزاء الله للصابرين، تلوح أمام عيوننا صور الجنة التي أعدت لهم، حيث الخلود والراحة والنعيم الذي لا زوال له.في رحلة الإيمان، يظل الصبر هو الحامل للأرواح الظمأى نحو الراحة والطمأنينة. 

هو البلسم الذي يشفى به الجرح، والنور الذي يضيء ظلمات الطريق. لقد خصَّ الله سبحانه وتعالى الصبر بمكانة عظيمة في القرآن الكريم، وبيّن أن من يجاهد نفسه بالصبر ينال الأجر العظيم والجزاء الوفير.

وقال تعالى أيضًا: "وَلَا تَحْزَنُوا وَلَا تَفْجَعُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139)
هنا يأمرنا الله بعدم الحزن أو الفزع في أوقات الشدة، لأنه مع الإيمان بالله، والتمسك به، يأتي الفرج.

 الصبر هنا ليس فقط في مواجهة المصائب، بل في مواجهة القلق والتشاؤم، والاستمرار في التوكل على الله، متأكدين أن النصر قريب، وأن الله مع الصابرين
وفي النهاية، كان الله يقول في إحدى آياته: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ مُسْتَعَانٌ عَلَى مَا تَصِفُونَ" (يوسف: 18)

هكذا أمرنا بالصبر الجميل، وهو الصبر الذي لا شكاية فيه، ولا جزع، بل هو صبرٌ مع الرضا، صبرٌ مع التسليم لله، مع الثقة بأن ما يقدره الله هو الخير. 

وفي هذا الصبر يكمن الجمال، لأن المؤمن لا يرى في الابتلاء سوى فرصة للتقرب إلى الله، وزيادة في الثواب والبركة.

"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران: 146)
هذه هي حقيقةٌ ثابتة، أن الله يحب الصابرين الذين يقيمون في دائرة الرضا عن الله، ويؤمنون بأن كل ما قدره لهم هو خير، مهما كانت الظروف.

 هذا الحب الإلهي لا يعدل شيء، فهو حبٌ لا يضاهى، وهو الذي يكفي الصابر في الدنيا والآخرة.

"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (البقرة: 155-156)
هذه البشارة العظيمة للصابرين الذين حين تصيبهم المحن والابتلاءات، لا يزيدهم ذلك إلا إيمانًا واحتسابًا.

 فتأمل في هذه الآية الكريمة كيف أن الصبر في هذه اللحظات هو الشهادة الحية لإيمانهم، ويجعلهم في دائرة القرب من الله سبحانه، حيث يظل قوله تعالى "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" مرشدًا لهم في مصائبهم.
"وَأَمَّا مَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ فَإِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" (الشورى: 43)

وها هو جزاء آخر من جزاء الصابرين الذين لا يقتصر صبرهم على تحمّل البلاء، بل يتعداه إلى المغفرة والصفح عن الآخرين. 

في هذه الآية يظهر لنا كيف أن صبر الإنسان لا يقتصر على الثبات في المحن، بل يشمل كذلك العفو والصفح، وهو من أعظم صور الصبر التي يحضّ عليها القرآن الكريم.
كما أن الصبر على الأذى والظلم يرفع من شأن الإنسان عند الله، كما جاء في قوله تعالى:
"وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا" (الإنسان: 12).
"إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا" (السجدة: 12)، هذه الكلمات التي تتناغم مع جلال الله وروعته، هي وعد صادق من رب العالمين. إنها التعبير الأكثر وضوحًا على جزاء الصابرين الذين لاقوا من البلاء ما لاقوا، فتجلت معالم قوتهم في صبرهم، وجعلوا من كل اختبارٍ فرصة للإيمان والتسليم، فاستحقوا هذا الجزاء العظيم.

هذه الآية تحمل وعدًا من الله الكريم الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فهو يبارك الصبر ويمد صاحبه بالراحة النفسية في أقسى اللحظات، ويلهمه الصبر مرةً تلو الأخرى.

 كما أن هذا الوعد يؤكد أن الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده وحدهم في محنتهم، بل هو معهم في كل خطوة، وإن لم يظهر ذلك بشكل مباشر.

 بل إن ما يراه الإنسان من فرج بعد صبره هو النتيجة الطبيعية لهذا الاتصال الروحي العميق الذي يعمق العلاقة بين العبد وربه.

وعندما يقول الله: "إِنِّي جَزَيْتُهُمْ"، فهو يبشر بثمار الصبر التي لا تنتهي، وقد تكون الآية الكريمة دعوة لكل نفسٍ متعبة أن تلجأ إلى الله، مستشعرة عظمة الجزاء الذي سيتلقاه الصابرون في الدنيا والآخرة.
✍️

تعليقات