رواية حواديت رمضانية الفصل السادس 6 بقلم مريم عثمان

رواية حواديت رمضانية الفصل السادس بقلم مريم عثمان


بدأت الدعوة الجهرية في السنة الرابعة من البعثة النبوية، أي بعد مرور ثلاث سنوات من الدعوة السرية. كانت هذه المرحلة تحولًا حاسمًا في مسار الإسلام، حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ بالجهر بالدعوة بعد أن كانت مقتصرة على المقربين منه.


بعد ثلاث سنوات من العمل السري، تكوّن لدى النبي ﷺ قاعدة من المسلمين الأقوياء في إيمانهم، عندها جاء الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة:


"وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" (الشعراء: 214).


بعدما جاء الأمر الإلهي إلى النبي محمد ﷺ بالجهر بالدعوة 

جاء تأكيد آخر في قوله تعالى:

﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة الحجر: 94).


دعا النبي محمد ﷺ بني هاشم وبني عبد المطلب إلى اجتماع خاص، وقدم لهم الطعام والشراب، ثم خاطبهم قائلًا:

"يا بني عبد المطلب، والله ما أعلم شابًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به. قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟"


كان رد الفعل صادمًا، فلم يستجب أحد إلا علي بن أبي طالب، وكان غلامًا صغيرًا، فقال: "أنا يا رسول الله، أكون وزيرك عليه."


سخر منه أبو لهب وغيره، لكن النبي ﷺ استمر في الدعوة.


بعد هذا الأمر، بدأ النبي ﷺ بدعوة الناس علنًا إلى الإسلام، ومرّت الدعوة الجهرية بعدة مراحل:


فدعا النبي ﷺ بني هاشم إلى اجتماع

 وقال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، والله إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة".


لما أمر الله نبيّه ﷺ بالجهر بالدعوة، صعد الصفا، وصدح صوته في مكة قائلاً:


"يا بني فِهْر، يا بني عديّ، يا بني عبد مناف..."


حتى اجتمع إليه القريب والبعيد، الصغير والكبير، وجوه قريش المتغطرسة وسادتها المتكبرون، وقفوا ينظرون إليه في ترقّب، وما إن هدأت الأصوات حتى قال ﷺ:


وبعدما  ونادى قريشًا بأسمائها، فاجتمعوا، قال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟"، قالوا: "نعم، ما جربنا عليك كذبًا"، فقال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".


هنا قاطعه عمه أبو لهب وقال غاضبًا: "تبًا لك ألهذا جمعتنا؟"


فنزلت فيه سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾


هنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع، حيث بدأت قريش في مواجهة الدعوة بكل ما أوتيت من قوة.


بدأ النبي ﷺ وصحابته بدعوة الناس علنًا، فكانوا يدعون إلى عبادة الله الواحد وترك عبادة الأصنام، مما أثار غضب سادة قريش.


كان الصحابة يجتمعون عند دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث كانت بمثابة المركز الأول للدعوة والتعليم.


حاولت قريش إغراء النبي ﷺ بالمال والجاه والمنصب، فأرسلوا له وفدًا من زعمائهم، وقالوا له:

"يا محمد، إن كنت تريد المال، جمعنا لك حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد الملك، ملكناك علينا، وإن كان بك مرض، جئنا لك بطبيب."


حاول زعماء قريش إغراء النبي ﷺ بالمال والسلطة مقابل التخلي عن دعوته، لكنه رفض بشدة قائلاً لعمه أبي طالب

"والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه."


بعدما رفض النبي ﷺ  كل ذلك، وأصر على تبليغ رسالته،  وفشلت الإغراءات، لجأت قريش إلى التعذيب الوحشي. 


بدأت بشن حملة اضطهاد وتعذيب ضد المسلمين، فتعرض الصحابة للضرب والتعذيب، وكان من أبرز من تعرض للأذى.


بلال بن رباح عُذِّب بربطه في الصحراء تحت الشمس الحارقة، ووُضع حجر كبير على صدره.


عمار بن ياسر وأمه سمية وأبوه ياسر قُتلت سمية طعنًا بالرمح، وكان أول شهيدة في الإسلام.


 وخباب بن الأرت الذي  أُحرق ظهره بالنار.


ومصعب بن عمير الذي تعرض للضرب والطرد من أهله، وعاش في فقر شديد بعد أن كان من أغنياء مكة.


أبو فُكيهة، كان عبدًا ضعيفًا، فقيدوه بالسلاسل، وجروه على وجهه في شوارع مكة، وهو يردد الشهادة.


كما قام عقبة بن أبي معيط بوضع أحشاء جمل ميت على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي،  و حاول المشركون خنقه بثيابه أثناء الصلاة،  وتعرض للسخرية والتكذيب من أهل مكة.


ثم جاء إسلام حمزة وعمر... ليشتدّ الإسلام بهما، جاءت اللحظة التي اهتزت لها مكة بأكملها، يوم أن أسلم حمزة بن عبد المطلب، فصار للإسلام قوة لم يعرفها من قبل، وقال قولته الشهيرة:


"كيف تسبون محمدًا وأنا على دينه؟ فوالله، لأضربنّكم بسيفي هذا"


ثم تبعه عمر بن الخطاب، فخرج المسلمون لأول مرة في صفين، أحدهما يقوده حمزة، والآخر يقوده عمر، حتى وقفوا أمام الكعبة، فكبروا، فاهتزت أركان قريش، وقالوا:


"اليوم انقسمت مكة إلى نصفين"


لم تجد قريش بُدًا من أن تحاصر النبي ﷺ وأتباعه في شعب أبي طالب، فكتبوا وثيقة ظالمة، وعلّقوها داخل الكعبة، تحرّم التعامل مع المسلمين بيعًا وشراءً، ومنعت حتى الطعام عنهم، فكانوا يأكلون ورق الشجر، ويسمعون صراخ أطفالهم من شدة الجوع.


وظل الحصار سنواتٍ ثلاث، حتى أرسل الله الأرضة، فأكلت الصحيفة الظالمة، ولم تترك فيها إلا اسم الله، فانتهى الحصار، لكنّه ترك أثرًا في نفوس المسلمين لم يشفَ إلا بعد الفتح العظيم.


تعليقات