رواية هى و زوجى ( جميع فصول الرواية كاملة ) بقلم ولاء رفعت على

 

رواية هى و زوجى الفصل الاول بقلم ولاء رفعت على 


منذ ست سنوات...
وقفت الفتاة في قلق ينضح من نظراتها المنصبة على شاشة الحاسوب، تترقب أمرًا جللًا، يشاركها فيه الكثير من أبناء جيلها؛ فقد أضحى الحلم على بُعد لمسة زر واحدة، ثمار جهود عامين كاملين من المذاكرة والسهر تتوقف على لحظة واحدة!

أتاها صوت رجولي دافئ من الخلف:
_ ها يا باشمهندسة، نقول مبروك؟

التفتت إلى مصدر الصوت، وطيف ابتسامة يغزو ملامحها، بينما لا يزال التوتر جليًا في عينيها:
_ يسمع من بؤك يا عم أحمد، بالله عليك، ادعيلي أجيب المجموع اللي يدخلني هندسة، نفسي أحقق أمنية بابا.

رفع الرجل يديه في وضع الدعاء، مُستجيبًا لرجائها بصدق:
_ يا رب يا غادة، يا بنت الست ليلى وأستاذ محمد، تجيبي مجموع طب، مش هندسة كمان. 

ضحكت بعفوية وقالت:
_ طب إيه يا عم أحمد، أنا علمي رياضة، يعني هندسة آخر سقف طموح أي طالب فينا.

_اطمني وثقي في ربنا، إنتي بنت حلال، وربنا هيديكي اللي نفسك فيه.

أشعلت كلماته نور الأمل في قلبها، فازدادت طمأنينة وسكينة، وقبل أن تُكمل حديثها، تسمرت عيناها على الشاشة... وأخيرًا ظهرت النتيجة!

حبست أنفاسها، دقات قلبها تتسابق، والدم يطرق وجنتيها باندفاع محموم... عيناها تلهث بين الأرقام، حتى استقرت على النسبة المئوية للمجموع الكلي ٩٧٪

صرخت بتهليل، وغمرت السعادة ملامحها:
_ أنا نجحت! نجحت! هادخل هندسة يا عم أحمد! هابقي مهندسة يا راجل يا بركة. 

قهقه الرجل، وقال بحماس:
_ ألف ألف مبروك يا بنتي، يلا بقى عايز أشرب الساقع حلاوة نجاحك. 

ردت بمرح والفرح يغمرها:
_ بس كده، من عينيا صندوق ساقع بحاله، بس اديني خمس دقايق أطلع أفرح بابا وماما، وهانزلك على طول أجيب لك الساقع.

غادرت المتجر المُلقب بـ "السايبر" وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من فرط السعادة.
 تسارعت خطواتها كأنها تطير فوق الأرض، حتى بلغت مدخل البيت، سكن العائلة البسيط المكون من طابق واحد فقط.

لكن... ما هذا؟
الباب مفتوح على مصراعيه!
أقدامها تباطأت... صوت مألوف، لكنه يجلجل برعشة غريبة، يصل إلى مسامعها من الداخل:

_ رد عليا يا محمد؟ 

كان صوت والدتها لكنه ليس كعادته، 
ازدردت ريقها بصعوبة ثم خطت إلى الداخل، ووقفت عند العتبة، نظرت إلى الغرفة حيث والدتها تجلس على الأرض، منكفئة على جسد ممدد بلا حراك، دموعها تنهمر وهي تهزه بيأس، كأنها ترجوه أن يعود للحياة. 

اقتربت جارتهم العجوز منها، تربت على ظهرها محاولة تهدئتها بصوت متهدج:
_ وحدي الله يا أم غادة، ده راح عند اللي أحسن مني ومنك. 

خرجت شهقة حادة من صدر الأم، وانفجرت بالنحيب المرير، بينما غادة التي تابعت المشهد عن بُعد، ظلت واقفة بلا حراك، قدماها تثقلان، الهواء يضيق حولها، وصدرها يعلو ويهبط وكأن أحدهم يحكم وثاقًا غير مرئي حوله. 

بابا؟!

والدها الرجل الذي كان دنياها بأكملها، 
ذهب؟!، فراق بالروح والجسد، هكذا فجأة!
تمايلت، الأرض تدور تحت قدميها، المشاهد تتداخل أمام عينيها، أصوات العويل، تجمع الجيران، الكلمات المبهمة عن الغُسل وتصريح الدفن، جميعها تنهش عقلها في دوامة مجنونة.
فتحت فمها لتصرخ لكن الصوت لم يخرج. 
كان الدوار أسرع، تهاوى جسدها كورقة آيكة يابسة في مهب الخريف وسقطت بلا حراك. 

                       ❈-❈-❈

شُيّد سرادق العزاء أمام المنزل، وتعالت آيات الذكر الحكيم تتردد بصوت الشيخ الجليل، تملأ الأجواء رهبةً وسكينة.  
وقف خال غادة يستقبل المعزين، وقد وقف بجواره بعض رجال الحي، يتبادلون عبارات المواساة بصوت خافت، بينما في الداخل اجتمعت النساء وقد اكتست ثيابهن بالسواد الحالك، وكأن الحزن قد تلون بهن جميعًا.

كانت إحداهن تحمل صينية تعلوها فناجين القهوة المُرة، تمر بها بين الجالسات، تُقدمها لكل منهن بصمت يليق بالمقام. 
 وفي زاوية بعيدة عن الأعين، جلست غادة صامتة، شاردة النظرات، تحيط بإطار خشبي يحتضن صورة والدها الراحل، تتأمل ملامحه وكأنها تحاول أن تسجلها في ذاكرتها للأبد، بينما عيناها المحمرتان من البكاء تحدقان في الفراغ.

على الجانب الآخر، جلست شقيقتها الصغرى مرام، تراقب الجميع بصمت غريب، لم تهبط من عينيها دمعة واحدة، وكأنها لم تستوعب بعد فداحة المصاب، أو ربما كان حزنها أعمق من أن يترجم إلى بكاء.

في الخارج بين الرجال الجالسين، تسلل رجل بخطوات مترددة، يدس يده في جيب سترته ويمسح على شاربه الحليق، كأنه يزيل بقايا خجل لا محل له. 
  وقف عند عتبة الباب، تردد للحظة عندما رأى جمع النساء في الداخل، لكنه سرعان ما تشجع، وكأن ما أتى من أجله أهم من أي اعتبار، فألقى بتردده وإحراجه في مكب النفايات ودلف إلى الداخل دون اكتراث.

تقدم نحو زوجة أخيه، مد يده إليها قائلاً بصوت أجش:
ــ البقاء لله يا مرات أخويا.

رفعت السيدة ليلى وجهها إليه نظرت له بجمود بلا أي تعبير، لكنه تابع متلعثمًا:
ــ معلش نادية مراتي تعبانة مقدرتش تيجي.

ارتفع جانب فمها بابتسامة ساخرة وهي ترد ببرود:
ــ ألف سلامة عليها.

تجنب عينيها، كأن كلماته ليست صادقة تمامًا، وقال بنبرة مترددة:
ــ الله يسلمك، بصي كنت عايزك على جنب شوية.

تنهدت ليلى بإرهاق ظاهر، ثم أشارت له قائلة:
ــ اتفضل في أوضة الصالون، وأنا جاية وراك.

راقبت غادة المشهد من بعيد، رغم شرود ذهنها، شعرت أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

وقفت ليلى أمام محمود، شقيق زوجها الراحل، نظرت له بعينين لا تحملان ودً، سألت مباشرة:
ــ اتفضل يا محمود، كنت عايزني في إيه؟

بدا عليه التوتر، لكنه قرر أن يمضي في الأمر مباشرة، فقال وهو يعبث بذقنه:
ــ أنا عارف إنه مش وقته... بس الظروف اللي أنا بمر بيها اضطرتني لكده.

زفرت ليلى بنفاد صبر، وعقدت ساعديها قائلة بحزم:
ــ من غير مقدمات قول اللي عايزه، سبحان الله اللي مخليني قادرة أتكلم وأقف على رجلي، فياريت تنجز في الكلام.

ازداد انزعاجه من ردها، لكنه واصل بوجه خالٍ من الخجل:
ــ من الآخر كده، عايز حقي، وأظن إنك عارفة الشرع والدين بيقولوا إيه، ليا نصيبي في ورث أخويا اللي مات، بما إنه ما خلفش صبيان.

اتسعت عينا ليلى، قبل أن تزم شفتيها في احتقار، وقالت بنبرة حادة:
ــ ورث إيه يا أبو ورث؟ دلوقتي بس افتكرت إن ليك أخ؟ ولا جيت لما عرفت إنه مات؟

حاول أن يبدو ثابتًا، لكنه لم يخف انزعاجه وهو يرد بحدة:
ــ لو كنت ناسي أخويا، ده لأنه كسر كلام أبويا اللي كان رافض جوازكم، وبرغم كده، عاند واتجوزك.

انتفض قلبها غضبًا وألمًا، فصرخت به بعينين تشتعلان قهرًا:
ــ وبعد ما اتجوزنا، أبوك عمل فيه إيه؟ أقولك أنا، طرده من البيت، وحرمه من ورثه، ظلموا في الدنيا وأنت جاي تكمل الظلم في بناته وأنا؟! 

لم يعجبه حديثها، فركل المنضدة أمامه بعنف، وهادر بغضب قاتل:
ــ أنا مش هياكل معايا الكلام ده، حواراتكم دي ملهاش لازمة عندي، أنا ليا حقي، والشرع والقانون بيقولوا إن ليا نصيب في فلوس أخويا والبيت ده.

قهقهت ليلى بسخرية لاذعة وهي ترد:
ــ فلوس إيه اللي بتتكلم عنها؟، أخوك عليه ديون أصلاً، وبالمناسبة البيت ده باسمي، محمد الله يرحمه كان متوقع غدركم، راح سجل العقد باسمي عشان يحمي بناته من ظلمكم وشركم.

اتسعت عيناه في ذهول وغضب، صاح بانفعال لم يهدأ:
ــ كدابة... وستين كدابة، العقد ده أكيد زورتيه، وأنا هعرف شغلي معاكي، هرفع عليكي قضية وأخد حقي بالقانون.

لم ينتظر ردها، دفعها من أمامه بعنف، واندفع خارجًا كالإعصار، بينما تراقص شيطانه حوله مزهوًا بما زرعه من شر.

ركضت غادة نحو والدتها التي ترنحت فجأة، جلست بثقلها على الكرسي، وجسدها يرتجف كأنه يئن تحت وطأة الألم.

ــ ماما! حبيبتي ما تخافيش، ماحدش يقدر يقرب منك ولا يعملك حاجة.

لكن ليلى لم ترد، مالت بجسدها فجأة إلى الخلف، وعيناها مغلقتان، لم تصدر منها أنفاس سوى شهقة ضعيفة، شهقة أخيرة قبل أن يغيب وعيها تمامًا. 

تعليقات