رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الثالث عشر بقلم نهال مصطفى
" حين يدق الماضي الأبواب "� هناك ماضٍ لا يموت مهما حاولت قتله.. يظل يراقبك، يتتبع خطواتك، وينتظر اللحظة المناسبة ليعود ويطالب بحقه..
وحين يفعلها يصبح نارًا لا تميز بين بريءٍ ومذنب، وتحرق كل من يقف أمامها .. وفي الوقت الذي ظن الجميع أنه دُفن ونُسي، وأن الأيام حفرت له أكبر مقبرة للأسرار، وأن الصمت كفيل لإعدام الحقيقة… كان القدر، في الخفاء؛ يُعد معركة أكبر بكثير.
.
•••••••••••
في تمام السابعة صباحًا من اليوم التالي…
لم تكن الشمس قد ارتفعت تمامًا، بل كان الضباب الذي أحاط بسماء النجع يحجب أشعتها .
بدا كل شيء هادئًا؛ البيوت، وهمسات الأصوات الخفيضة المتسربة من داخلها، والأشجار التي تتراقص أوراقها بسكينة، وحتى أصوات الديكة التي اعتادت أن تعلن ميلاد الصباح بدت خافتة على غير عادتها.. وحده مجلس العزايزة كان يستعد ليومٍ لن يشبه ما سبقه من الأيام، بعد أن بدأت ظلمة الحقائق تنقشع.
ففي مثل هذه الأوقات، لا يكمن الخطر في السلاح الذي يُطلق، بل في صدى الكلمة التي تُنطق .. فكلمة واحدة قادرة على أن تُفجِّر بركان ما أخمدته الأيام، وأن تُخرج سرًّا ظل مدفونًا بين طيات الزمان.
وعلى الجانب الآخر من النجع، وبالتحديد في غرفة هارون العزايزي، كان قد فرغ للتو من صلاته، جلس على سجادة الصلاة يهمس تسبيحاته ، بينما تتجه عيناه نحو الأفق من خلف نافذته المفتوحة، حيث يتسلل ضوء الصباح ممزوجًا بزقزقة العصافير.
لم يكن يدري لماذا انقبض قلبه منذ استيقاظه، لكنه كان يشعر أن الماضي… قد وجد أخيرًا الباب الذي ظل يبحث عنه سنوات، ليعلن أن صوته لم يمُت يومًا .
ارتدى عباءته الصعيدية فوق جلبابه وتعطر بعطره المفضل وغادر غرفته متبعًا نداء الخفير الذي افتتح حديثه قائلًا :
-خير عليك يا عمدة ، خضر وِلد سويلم ملهوش أثر في العزايزة تِماً من وخت ما هرب من المركز، بس الحديت السايد أنه متاوي في الچبل .. الرجالة مسابوش خرم ابرة مدوروش فيه !
فكر هارون قليلًا وقال مستنتجًا :
-الخوف والهروب بيخلوا الواحد يُبرم على أكتر حد بيثقوا فيه ، مش مكان يداريهم ..الحكومة قالبـة الدنيا فوقاني تحتاني.
ثم مد الخفير كفه بسترته وأخرج منها شالًا :
-وديه كيف ما أمرت ، شال وِلد المحروق .
شق ريقه على سيجارة أخرجها من جيبه وهو يأخذ منه قطعة القماش .. وقال :
-زين ، اللي ما تعترش عليه الكلاب ، بكرة الجوع يجيبه لحدت عندينا !!
-يعني هنسكتوا ونستنو يا بيه ؟!
نفى سؤاله الاعتراضي محددًا غايته قائلًا :
-لا .. لازمًا نوصلهم قبل العزايزة- ثم تمتم -وهيبقى أول مسمار يدق في نعشهم ..
فألتفت إلى الرجل بعد ما قرر أن يُطلق كلابه المدربة على البحث وأكمل :
-طبعا عارف هتعمل ايه ، واطلق الكلاب في كل حتـة في الجبل لغايـة ما يلاقوهم ..
فأوقفه معارضًا :
-طب والعزايزة !! والحديت اللي قاله وِلد الچباس اللي فتح النار علينا ؟!
أجابه هارون بثبات:
-العدالة أولى من السياسة دلوق ..
ما انصرف الرجل ، فتشت أعينه المكان سريعًا ليولي وجهته نحو الغرفة التي ترقد فيها " ليلـة " ، تنهد بشـوق لملامحها التي لم يراه منذ أمس .. أخرج المفتاح من جيبه ولكنه تراجع وأخفاه إثر نداء أحد الخفر :
-هارون بيـه ، في راچل من المجلس عاوزك برة .
••••••••••
كانت رقية تقف أمام الموقد، تُقلب أرغفة الخبز على الصاج، بينما يفوح عبق السمن البلدي والبيض المقلي في أرجاء الدار وضعت الجبن والعسل في الأطباق، ثم سكبت الشاي في البراد وهي تبتسم كلما تذكرت وصية هلال قبل أن تفارقه :
-إوعي تنسي حتة الجبنة القديمة… دي اللي بتفتح نفسي.
ما كادت أن تحمل الصنية ، فتذكرت رغد ، فتركت ما بيدها سريعًا وأحضرت طبقًا لتعد القليل من السندوتشات اللذيذة لها محتجة :
-حرام الست حبلي وفيها اللي مكفيها ..
ما انتهت من إعداد بعض الأرغفـة ، فعكرت صفو مزاجها صوت صفيـة :
-الصلا على الزين !! ولا كإن البيت والمطبخ له كبيرة يا مراة ولدي .. وداخلين طالعين بكيفنا !!
تبسمت بجمود :
-يسعد صباحك يا عمـة ، كلتي ولا أجيبلك حاجة تاكليها ..
تتبعت صفية حركاتها بعينٍ ضيقة، تتأمل اهتمامها بالفطور وكأنها تبحث عن شيءٍ تقتات عليه لتفسد صباحها ، سحبت صفية المقعد ساخرة :
-البيت بيت أبونا والغُرب چايين يضايفونا !! عجايب ..
استمرت رقيـة في هدوئها :
-ما غريب الا الشيطان يا عمتي ، أنتِ بس استعيذي بالله منـه وهتلاقي كل حاجة بقت زي الفل ! أصُب لك شاي بنعناع ؟
لوحت صفية بيدها وهي تقول:
-شاربة من كعاني يا غندورة ..
ثم كظمت غيظها، وأخذت تبحث عن ثغرة تُفسد بها صفو رقية، قبل أن تقول بنبرة متعمدة:
-إلا قوليلي يا بت أنتِ ، مفيش حاچة چاية في السِكة ! أصل الست مش بالوكل والطبطبة ولا كأني عنقودك فقري كيف عنقود أمك فضلت تشحت ضافر عيل عشر سنين !! يكون في معلومك العيد لو مفيش حاچة هجوز ولدي !! أومال أيه عاوزة تفقريه بفقرك .. مش كفاية واخدك معيوبة …
ثم عدلت من جلستها، وقالت بنبرة زائفة، كأنها تُصلح ما أفسدته كلماتها:
-عشان تكوني عارفة بس بيت العزايزة عمره ما وقف على ست… اللي متخلفش، غيرها يخلف ، مش قصدي أعايرك.. بس دي الحقيقة .
تبدلت ملامح رقية، وانقبض قلبها، لكنها أخفت حزنها سريعًا، رافضةً أن تمنحها لذة الانتصار ثم رفعت رأسها وقالت بثقة :
-لا حقك ياعمتي .. بس چوزي مش رايد غيري ، بالك يا عمة أصلو الرجل لما يحب يفضل متشعلق إكده في رقبة مرته ولا ألف مرة تملي عينه غيرها .. كيف بالظبط عمي الحج خليفة مهما يلف مالهوش غير حضن أحلام … ماهي مش بالعيال يا أم هارون .
ثم حملت الصنيـة وقالت وهي تستدير:
-فوتك بعافيـة ، هاخد الفطور لجوزي على سريرنا عشان هو حابب مايشوفش غيري على الوكل .
صفية بقهرة :
-شوف البت بتكيدني كييف !!
سارت بخطواتٍ متماسكة، رغم الوجع الذي كان ينهش صدرها ، وما إن بلغت باب غرفتها، حتى وضعت الصينية جانبًا، وأغمضت عينيها لحظة وهي تلمس بطنها لا إراديًا وأخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت بطرف كفها أثر الدموع التي كادت تفضحها، ورسمت على وجهها تلك الابتسامة التي اعتادها هلال، وقد قطعت على نفسها عهدًا ألا تمنح أحدًا فرصةً ليكسرها أو يرى ضعفها .
بمجرد أن فتحت الباب، التفت إليها هلال بعدما انتهى من ارتداء قميصه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى عقد حاجبيه قائلًا:
-وشك مصفر ليه يا رقية؟!
ارتبكت للحظة، ثم أجبرت شفتيها على ابتسامةٍ باهتة، وهي تضع الصينية فوق المنضدة الصغيرة وموهت عن حزنها بخفة:
-كل الحكاية أنه اشتاقلك ! جرى أيه يا مولانا يلا اقعد الفطور هيبرد .
••••••••••••
" مجلس العزايزة "
ذلك الصرح الذي يعلوه شعار سيفين يتقاطعان خلف ميزان العدالة؛ السيفان رمز العِزة والعُرف، والميزان شاهدٌ على العدل الذي يزعم المجلس أنه يقيمه وفق قوانينه الصارمة ؛ انفجرت الأفواه بما تكنـه من شرور ليعلنها أحدهم صراحة باندفاعـه :
-أنتوا خابرين زين أن الكلام اللي اتقال ديه لو مش صوح ، قصاده هتكون رقبـة وِلد الچباس !!
فأيده الثاني بهدوء :
-وولد الچباس مش مغفل عشان يقول حاچة تدينـه .. ومعندوش عليها ألف دليـل .
ليقرر الآخر بقلق :
-وادينا مستنيـن خليفـة وعمدتنا يجوا ونشوف مين الصادق ومين الملاوع .. كلها دقايق وتبان الحقايق.
ليردف كبيرهم مضطربًا :
-أنا خايف من حاجة واحدة، إن الحقيقة تطلع أغلى من إن حد يقدر يدفع تمنها.
فأعلنها الآخر صراحـة :
-هي مخربتش غير لما ولد خليفة مسكها ..طول عمرنا سرنا هادي وسايقين البلد وضوايحها .
فأكمل حليفـهُ بالمجلس :
-من يوم ما ولد خليفة قعد على كرسي العمدية والبلد مبقتش تعرف تنام مرتاحة كل يوم قضية، وكل يوم سر يتعرى.
" أنتوا ليـه متعمدين تقفلوا عينيكم عن الحقيقة ، ولما جيـه اللي يفتش وراكم بان المستخبي !! "
أردف هارون جملتـه من الوراء بعد ما اقتحم مجلسـهم بشموخ وهو يقطع صفوفهم بصمت تام من أهله الذين ابتلعوا ألسنتهم منذ لحظة ظهوره .. استقل المنصة ليجلس على مقعد العمديـة بهيبة وأتبع :
-اللي حصـل إن كل اللي اندفن سنين طلع للنور… والعلة عمرها ما كانت في اللي كشف الحقيقة… العلة كانت في اللي دفنها.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يضرب أحد الرجال الأرض بعصاه قائلًا باستياء:
-إحنا مش قاعدين هِنا عشان نتسمع خطب يا هارون بيه ،إحنا عاوزين نعرفو الحقيقة.
اعتدل هارون في جلسته، وأسند ساعديه إلى مسندي المقعد، ثم قال بثبات:
-وأنا أول واحد رايد أعرفها… لكن الحقيقة مابتطلعش من الحكايات اللي بتتقال في الضلمة.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب المجلس مرة أخرى، ليدلف الحج خليفة بخطواتٍ وئيدة، يستند إلى عصاه، بينما ارتفعت الأيدي بالسلام، ووقف الجميع احترامًا.
جلس في صدر المجلس، وألقى نظرةً طويلة على الوجوه، ثم قال بصوتٍ وقور:
-اللي عنده كلمة عِدلة يقولها قدام الرجالة، واللي معندوش، يحفظ لسانه مجلس العزايزة مش مطرح للت النسوان .
أردف كبيرهم بعدوانيـة :
-خلاصة القول يا عمدة مين البتين اللي في بيتك !
رفع خليفة ذقنه فوق مقبض عصاه، وقال بهدوءٍ محسوب:
-وأنتو هتحاسبوني إياك على ضيوفي !
فعارضـه الآخر بشك :
-بس دولت مش ضيوف ، دي واحدة چاية تفضح سترنا للتلفيزيون ، والتـانيـة تبقى ..
وهنا تبدلت نظرة خليفة للحظة، وانقبضت أصابعه حول عصاه دون أن يشعر، ثم قال بنبرةٍ أعلى :
-تبقى ايه ، أخلص !!
تبادل الرجال النظرات، قبل أن ينطق الرجل ببطء، وكأنه يتعمد أن تصل كل كلمة إلى مسامع الحاضرين:
-تبقى بت ماهر العزايـزي المحكوم عليه هو ومرته وخلفـه بالموت .
ساد المجلس صمتٌ ثقيل، حتى خُيل للحاضرين أن صوت أنفاسهم صار أعلى من الكلام .. حس هارون بارتباك والده وصرخة صوت الحقيقة بمعالم وجهه فأدرك أن أي لحظة صمت أخرى ستُحسب عليهم ، تدخل على الفور وهو يقلب الاتهام على أهله ، ليجهر بقلب المجلس فقال بثبات:
- يعني أنتو متأكدين إنها بت ماهر واحدة من اللي عندينا في الدار؟
أجاب الرجل فورًا:
- أيوه.
ابتسم هارون ابتسامةً باهتة وقال:
- زين… يبقى جاوبوني مين فيكم شافها بعينه قبل إكده؟!
فأكمل:
- ومين فيكم يقدر يحلف إنها هي؟ ولا كله سمع من سامع .. وجنازة هي چت لكم عشان تشبعوا فيها لطم !
هتف أحد الرجال:
- وِلد الجباس قال…
فقاطعه هارون بحدة:
- وِلد الجباس؟! زين والله بقى حكم المجلس بيتبني على كلام راجل واحد؟!
فاستغل ارتباكهم وأتبع بحدة:
-ولنفرض إنها فعلًا بت ماهر طلعت عايشة السؤال اللي لازم يتسأل مش ليه في بيتي… السؤال: مين اللي خدع المجلس من سنين، وقال إن الحكم اتنفذ وكلهم ماتوا؟
ثم ركل المقعد بقدمه وأتبـع :
-سمعنا انهم ماتوا ، ودلوق سمعنا أنها عايشـة وقاعدة في بيتي كمان ؟! وايه كمان !!
وقف أحدهما معارضًا :
-ولو طلع قولك مش صوح ؟! وقتها يبقى أيه الحكم !! أصلوا ولد الچباس هيتبلى عليك ليه ؟!
لم يمنحه الأخير الفرصة للرد ، وأردف قطعًا وهو يرى الدهاء بأعين هارون :
-ِدلوق قدامنا راجلين… واحد فيهم صادق وواحد كداب، ولسّه منعرفوش مين فيهم!! ولو كلام وِلد الجباس طلع باطل، رقبته قصاد المجلس، ولو اتأكدنا إن بت ماهر لساتها عايشة… يبقى الحكم فيها يرجعلك أنت يا كبيرنا، ومحدش غيرك ينطق بيه.. ومتناساش كمان عقوبة التستر على ميت!
هز رأسه مؤيدًا حكمهم بثبات ثم رفع عينه نحو شعار مجلسهم وأردف :
- من يوم ما السيف سبق الميزان… وإحنا بندفعو تمن الغلطة دي لحد اليوم، فمتكرروهاش.
••••••••••••
" عودة للقصـر "
-يا ساتر يا رب! إيه قلبة البوز دي كلياتها على الصبح؟ مالِك يا ست البنات؟.
توقفت حبات السبحة بين أصابع أحلام، وهي ترمق ليلة بلهفة، بعدما لاحظت انكماش ملامحها وجلوسها صامتة إلى جوارها :
-مش مرتاحـة يا أحلام .. نظرات طنت صفية ليا واللي اسمها زينة دي كمان ، بتتعمد تمشي من قدامي عشان تسمعني كلام سخيف ..و أنا والله ما عملت لهم حاجة تزعلهم مني ..
ثم ترقرقت الدموع في عينيها، وأردفت بصوتٍ متهدج :
-وكمان هارون ، من امبارح معرفش عنه أي حاجة ولا حتى افتكرني بمسدچ واحدة في يومـه ولا صبح عليا يا أحلام ولا اطمن عليا أخدت الدوا ولا لسه ، حاسة إني منبوذة و محدش بيحبني .. حتى مامتي و
ابتلعت غصتها ، فأكملت بحسرة :
-أنا ليـه محدش بيحبني؟! مع اني والله بحب كُل الناس .
ربتت أحلام على كتفها :
-بس يا عبيطـة ، كُل اللي عتقوليه ديه ولا له عازة عالصبح .. أنتِ بس زعلك من هارون خلاكي شايفة الدنيا باللي عليها عفشة ، وخلاكي شايفة الناس كلاتها ضدك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم غمزتها بمكر:
-أني خابرة هارون زين… أول ما يعاود ويقولِّك كلمتين حلوين من بتوعه، عتنسي صفية، وزينة، والدنيا واللي فيها، ويمكن تنسي اسمي كمان.
أومأت ليلة برأسها في استسلام، وهمست :
-هو فعلا وحشني أوي يا أحلام ، ومحتاجة لوجوده جنبي عشان يطمني كل شوية .. محدش بيعرف يطمن قلبي غيره .
لمعت عيني أحلام بسعادة :
-مش عقولك أنا .. سيبك من صفية وزينة وخليكي چاري واللي هتقرب منك أني هحش رقبتها..
حضنتها ليلة بامتنان :
-أنا بحبك أوي يا أحلام .. أنتِ أزاي جميلة كده ؟!.
لكن لحظتهما الدافئة لم تدم طويلًا، إذ اندفعت رقية إلى الداخل، والغضب يتطاير من عينيها، وهي تهتف:
-اسمعي يا عمتي ، يمين الله أنا ما عاملة خاطر في البيت ديه لحد غير ليكي ، وعارفة الرجالة ملهاش دخل بلّت النسوان ، وأنتِ هنه الكبيرة ، تفهمي عمتي صفية تكف خيرها قبل شرها عني و ملهاش صالح بيّ لا هي ولا بت أخوها ، وإلا والله ما هعمل خاطر لمخلوق .
ضربت أحلام كفًا بكف :
-يادي النيلة !! نيلت أيه المشندلة تاني ؟!
تمايلت رقية وهي تقلد عمتها بسخرية :
-مستلماني الصبح بحديت يسد النفس، ولو محبلتيش منا للعيد الصغير هچوز ولدي !!
ثم تابعت وهي تنفخ في ضيق:
-ولا اللي اسمها زينة دي كمان .. لابسـة أبيض فأبيض كيف الفروجة أم ريش ، عقولها صباح الخير يا زينة .. تقول لي قوليلي صباحية مباركة يا عروسة !!
عارضتها أحلام بمزاح:
-غلطانة !! وتصبحي عليـها ليه ..
ثم شهقت باستهجان، وأردفت:
-هو أني ناقصة بلاوي يا عمة ! واحدة صاحية تچوز چوزي ، والتانية چاية تزف روحها قدامي!!دي عيشة بقت تقصر العمر .
همست ليلة لنفسها بصوتٍ بالكاد يُسمع:
-عروسة !!
لم يهدأ قلبها ثم صاحت بذهول :
-يعني أيه الكلام ده يا أحلام ؟! رقية هي زينة قالت كده !!
••••••••••••
وقفت الحمامة فوق كفها في أمان، تنقر أطراف أصابعها برفق، بينما كانت "نغم" تسقيها من حنان الأيام الذي حُرمت منه هي نفسها..
ظلت تمسح على رأس الطائر بحنو، وهي تبث إليه شكوى قلبها قائلة:
-تعرفي ؛ طول عمري كان نفسي أبقى طير بجناحين كل ما مكان يوجعني، أفرد جناحاتي وأطير… لا أتلفت لحد، ولا أسمع حد ولا أفضل محبوسة في وجع مكان مبقاش فيه راحتي .
وسكتت لحظة، قبل ما تبتسم بمرارة وتكمل:
-بس ربنا خلق الإنسان من غير جناحات… يمكن عشان ميعرفش يهرب ، مكتوب عليه يفضل واقف في عز النار، يتحمل، ويكتم، ويستنى الوجع وهو بيهدى لوحده… وإن مهديش، يبقى يتعلم يعيش بيه..
ابتسمت بسخرية موجوعة، وأضافت:
-الجناحات ما كانتش للطيران وبس، كانت نجاة. وإحنا قلوبنا اتخلقت من غير نجاة ..
اقتحم " فارس " خلوتها مع نفسـها بعد ما كان يراقبها بأعين تفيض حنانًا من بعد .. اقترب ببطء وهو يقول :
-بدال ما تحدتي الطير ، حدتتي حد يجاوبك ويرد كلامك ويفكرك لك تلاقوا حل !!
ثم ختم جملته وهو يجلس بجوارها :
-جربي تجربيني إكده .. مش هتندمي.
أطلقت سراح طيرها بهدوء دون الإلتفات إليـه ، وهمت بالرحيل ، فأوقفها متشبثًا بكف يدها برقـة :
-عكلمك ….!مش كل مرة هتهمليني وتروحي.
هزت نغم رأسها رافضة الحديث معه :
-مفيش بينا حديت .
قاطعها بلهفة :
-لا فيه !! فيه طلب قاىم لسـاته متردش عليـه ؟!
حاولت سحب يدها وتهرب منه لكنه أبى وتمسك به أكثر وقال :
-رافضاني ليه ؟! كني كنت متچوز قبلك ومعاي بت ؟! ولا رافضاني لشخصي .. ولا رافضة الچواز تمًا .. احكي لي يمكن نلاقوا الچواب اللي يريحنا ..
لانت ملامح نغم تدريجيًا وهي ترمقه بتعجب من التغير المفاجئ الذي طرأ عليـه ، ظلت تفكر طويلًا دون رد حتى تحمس لقول المزيد :
-معاكي أني غشيم ، ومن حقك تخافي مني .. بس رايدك ، ورايدك من زمان قوي ، كنت بقتل في الليالي عشان تعدي وانساكي !! اتعلمت القسوة والغشومية من بعادك ، لكنه الزمن قدملي فرصة تانية اتغير والليالي اللي كنت كارهها هعاود أحبها تاني معاكي ..
انتفضت شفتها بحيرة واندهاش من أمره حول شخصيته التي لم تعتادها ، بللت حلقها وقالت :
-أنا مش عاوزة اتچوز ، سكة الچواز دي قفلتها بضبة ومفتاح وو
قطع حديثها دخول الخفير وهو يخبره :
-فارس بيـه ، جناب العمدة هارون العـ
قطعه دخول هارون المفاجىء الذي لم ينتظر الاذن بالدخول وهو يصيح جهرًا :
- جايلك بسؤال واحد… وجاوبني عليه لو راجل .. إنتَ عاوز إيه من حياتي؟! عاوز العمدية؟! ولا عاوز تولعها ما بينا؟! ولا عاوز تقلب العزايزة على بعضهم وتخربها؟
وقفت نغم كالملدوغة متبعة بشهقة عاليـة إثر دخول هارون ، فأتبع فارس ببرود وهو يجهر متعمدًا استفزازه :
-كلاتهم وعلى راسهم أشوفك مذلول وخايب ومش عارف تلاقيها منين ولا من فين !! أني عملك الرضي في الدنيا ياهارون ، كل ما تقفلها من سكة هتلاقيني بغفلقها على رأسك من السكة التانية !! هاه بلاك أنا في الدنيا دي .
ركل هارون المقعد البلاستيكي بقدمه، حتى اندفع مبتعدًا، ثم اقترب منه بعينين تقدحان شررًا:
-وأنا صباعي لو وجعني… بقطعه وأستريح من صليله فاكر نفسك أغلى من صباعي ياك ؟
قهقه فارس ساخرًا، ثم هز رأسه باستخفاف؛
-متخافش… هطلعلك في منامك قبل صحوك كل ما تغمض عينيك هتلاقينى قدامك… مفيش مهرب مني يا هارون.
ثم مال نحوه خطوة، وخفض صوته عمدًا حتى صار أشد استفزازًا:
-بس قولي… واعتبر سرك في بير، من يوم ما سمعت حكاية بت ماهر، والحديت ديه مش راكب في راسي!!
عقد هارون حاجبيه، بينما أكمل فارس بابتسامة مستفزة:
-أجيبها من إكده… أوديها من إكده… برضك مش داخلة مخي، فجأة طلعت بت ماتت وشبعت موت عايشة ؟!
ثم أشار بإصبعه نحوه وقال بتهكم:
-ولا تكون الحكاية غير اللي الناس فاكراه؟ تكون البت عجبتك، فلفقت حكاية تلم بيها الناس وتتچوزها واهو ولا من شاف ولا من دري؟!
ساد صمت ثقيل، لكن فارس لم يكتفِ، بل ابتسم ابتسامة خبيثة وألقى كلماته الأخيرة كمن يشعل النار عمدًا:
-يكشي تكون غلطت معاها، ودلوق عاوز تصلح غلطتك، وتلبس العزايزة كلهم طُرح .. أصل على قولهم البت حلوة قوي؟؟!والراجل لو عينه زاغت… يعمل أي حاجة عشان يستر على نفسه مش إكده يا عمدة؟
ما إن خرجت الكلمة من فم فارس، حتى انقطع آخر خيط كان يمسك أعصاب هارون، في لمح البصر انقض عليه، واستقرت قبضته في فك فارس بلكمة أطاحت برأسه جانبًا، وهو يزأر كوحش جُرح في شرفه :
-قسمًا عظمًا لولا أنك كلب ولا تسوى كنت دفنتك مطرحك..
شهقت نغم وهي ترى الدم ينزف من شفة فارس، فأسرعت تقف بينهما، باسطة ذراعيها وهي تصرخ:
- خلاص يا هارون! بالله عليك كفاية… امشي من إهنه قبل ما تحصل نصيبة؟!
رفع سبابته مهددًا :
-المرة الچاية مش هسمي عليك .. أبعد عن طريقي يا وِلد الچباس .. واللي عملته في المچلس وديني لادفعك تمنه غالي قوي.
انصرف هارون من مكانه قبل ان يرتكب جناية ، فلم يجد فارس طريقة لتفريغ شحنات غضبه إلا بنغم الواقفة أمامه :
-مهمًا أعملك عينك مش شايفة غيره! اعمل أيه تاني عشان تكرهيه ، واقفة قصاده وعينك هتموت عليه !! ماهو سابك وقصد غيرك ، ولساتك رايداه بردك ؟! أروح اقتلهولك عشان اريحك منه ومني ؟؟!!
رنَّت الصفعة في أرجاء المكان، حتى تجمد فارس مكانه، واضعًا كفه فوق وجنته غير مصدق ما فعلته ، كانت تلك أول مرة ترفع نغم يدها على أحد فأكملت وهي ترتجف من شدة الغضب:
- إنت مريض… وعمرك ما هتتغير.
••••••••••••
مسـاء
كانت " رغد " تراقب خطوات هاشم تحت غرفتها الذي يتطلع إليها من حين لآخر رغم انشغاله بالمأموريـة الجديدة .. سقطت من طرف عينيها دمعـة حارة وهي تلومـه بعينيها :
-إمتى بقينـا أغراب عن بعض بالشـكل ده ؟!
ما تلاقت أعينـهم فولت وجهها عنه وغادرت الشـرفة .. ثم ارتدت معطفًا فضفاضًا وقررت تغادر الغرفة التي أقامت فيها طويًلا .. ما فتحت باب غرفتها فلفت سماعها صوت همس هاجر التي تتحدث مع شخص ما بنبرة هامسة وتخبره :
-قولتلك مش هينفع أقابلك دلوق الوقت متأخر .. بكرة هدور على حجة وأجيلك ..
ما جذب مسامع رغد لم تكن الجملة بل كانت الحجة التي تفتعلها لخروجها واختلاق كذبة لم يكن إلا لاخفاء مصيبة .. تلاقت النظرات الحائرة بينهم بشهقة من فم هاجر :
-رغد !! أنتِ أي مطلعك براة أوضتك .. وو عاوزة حاجة من تحت أشيع أجيبهالك !!
هزت رأسها بهدوء :
-لا يا هاجر ، عايزاكي تخلي بالك من نفسك ومتثقيش في مهما كان هو مين ..
ثم تبسمت لتلطف الجو :
-هنزل أقعد مع طنت أحلام ، تيجي معايا !
على الجهة الأخرى يعارض هاشم أخيه :
-يا هلال أنت عتقول أيه ؟! دي فيها موتي وموتها وأبوك ولا هارون متحدتت !! عاوزني اسكت على الخربان ديه !
عاتبه هلال :
-وأنت مفكرتش ليه في الخربان ديه قبل ما تورط بت الناس معاك !!
-عشقتها ياخي .. كنت عاوزها لروحي لكني مكنتش عاوز عيال ولا غيره .. كنت هفضل مداريها العمر كله..
وقف أمام أخيه وجهر بحدة :
-الحب اللي في الدرى مسموش حُب ، ولا حلال في شرع ربنا ديه اسمه هوى، والهوى عمره ما بيخلّف غير الندم.. زي حالاتك أهو ، أبسط حقوقك مش عارف تاخدها من مرتك وقاعد ترمي اللوم على غيرك .
-واللي حصل حصل ، قولي حل دلوق !
ثم قال وهو ينظر إليه بمرارة:
- أما سمعت قول النبي ﷺ:
«كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».� وأنت بيدك دي ضيّعت ست وولد من صُلبك ومستني ربنا يسترها !! في تمن لازمًا هيدفع هو أيه!! ربك وحده العالم ! شوف انتَ الأول عاوز ايه !
لُم الشمـل كعادته بغرفـة احلام ، وتبادلت الأحاديث وأصوات ضحكات الفتيات ليشتتن انشغال ليلة عن حرقتها من هارون .. ونيران رغد المدفونة بجوفها ولو لفترة وجيزة من الزمن .. اقتحم هلال مجلسهم بعد ما سحمت له أحلام بالدخول .. تدلت أعينه بالأرض وهو يلقى التحيـة ويقـول :
-بعد إذنكن… هسرق رقية خمس دقايق .
هتفت أحلام :
-قومي يابت شوفي چوزك ، سايباه وقاعدة وسطينا تعملي أيه !
-يوووه ما بالراحة يا عمتي .. قايمة أهو .
(بالخارج )
تتساير زينة مع عمتها همسًا يصنعن المكائد والحيل من جديـد .. فأردفت :
-أهو ياعمتي عملت كيف ما قولتي بالحرف ، لبست واتمقمعت وحطيت الاخضر والأحمر وولدك لساته ماعاودش .. أعمله أيه تاني !!
أتبعت صفية ناصحة :
-شوفي البحراوية بتعمل أيه وأعملي زيها يااختي .
زينة بحيرة :
-هموت وأعرف ولدك مش حاببني ليه ؟! هو هيلاقي أحلى مني فين !! فيّ ايه مش عاجبه يا عمتي!! هتشل .
خرجت رقية من غرفة أحلام بأيدي متشابكة مع زوجها وهي تتهامس بمشاكسة :
-ماتقولش اني وحشتك في الهبابة دول اللي غبتهم عنيك !
-هي دي الحقيـقة .. بتوحشيني وأنتِ قدامي !! أومال لو غبتي .
ثم جهر بالسلام :
-كيف حالك ياما ؟!
ألقى هلال التحية على أمه الجالسة ، وما أن رأت رقية زينة أمامها، فشرعت في استخدام اسلحتها الكيدية بمجرد ما سمعت سؤال صفية الاستنكاري:
-خير ساحب السنيورة وراك ورايح على فين ؟! لساته في عشا عاوز يتحضر.
كاد أن يعارض أمه ، فتدخلت رقية بخبث بينّ متعمدة إثارة غيرة زينة :
-تؤمري يا عمتي .. هشوف ولدك بس عاوزني في أيه ولو من الليل بقية هنزلك .
ثم نظرت له :
-قولتلي ضايع منك أنهي قميص عشان ادورلك عليه !
وقف هلال مذهولًا وسط الحرب النسائية من النظرات وما كادت رقيـة أن تخطو خطوة واحدة التوت قدمها متعمدة لتصيح :
-اااه رجلي ياهلال الحقني مقادراش ادوس عليها .
جثى على ركبتيه سريعا ليفحص أمر ساقها ، التوى ثغر صفية المذموم وهي تتغمز لزينة :
-ابتدينا في كهن الحريم !!
تأوهت رقية مرة أخرى، وهي تعقد حاجبيها بدلال:
- والله بتوجعني…
قال هلال بلهفة:
- طب حاولي دوسي عليها بالراحة… يمكن مجرد التواء بسيط.
اقتربت منه قليلًا، ثم همست عند أذنه بعتابٍ رقيق:
- هو أنا أقولك بتوجعني… تقوم تقولي دوسي عليها؟ ما تشيلني وتطلع بيّ فوق من غير كلام كتير.
لم يزد على أن ابتسم متفهما مسرحيها ثم مرر ذراعًا أسفل ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحملها بين ذراعيه بخفة وهو يغمز لها .. شهقت رقية ضاحكة، بينما تعلقت بعنقه سريعًا وهي تطلع لسانها لزينـة التي تفحمت غظيًا بمكانها ، صاحت صفية معترضة :
-ما بزياداكم مسخرة عاد!!!!
فأجابها هلال دون الالتفات إليها :
-معلش ياما المريضة ليها دلالها .
•••••••••••••••
-يابتي بزياداكي عاد ، خفي بكا ووجع قلب .
قالتها العجوز وهي تربت على كتف نغم، تحاول أن تُطيب خاطرها، ثم أردفت بحنو:
- يعني يا نغم، أنتِ خابرة فارس وغشوميته. اهدي يا بتي… والله قلبه طيب، وهيچي يراضيكي.
شهقت نغم بحرقة، وقد احمرّت عيناها من البكاء:
- مريض… مريض والله ولازم يتعالج! هو جاي الدنيا دي عشان يزود عذابي ليه؟
ضربت أمه كف بكف وتمتمت بحسرة :
-الله يسامحك يا فارس يا ولد بطني ..
في تلك اللحظة، انفتح الباب الخشبي العتيق، ودلف فارس بخطواتٍ واثقة، يحمل بيده حقيبة فاخرة، وفي الأخرى ملفًا من الأوراق..تجاهل الجميع تمامًا، وانشغلت عيناه بالبحث عن صغيرته، حتى نادى بصوته الجهوري:
-غنوة .. يا حبيبة قلب أبوها فينـك ..
جاءت ابنته تركض نحوه بلهفة فاتحة ذراعيها :
-اتوحشتك قوي يا بوي .
ابتسم على غير عادته، وجثا على ركبتيه ليحتضنها، ثم فتح الحقيبة قائلًا:
- شوفي بقى جبتلك إيه.
أخرج هاتفًا جديدًا، ولوّح به أمامها.
- الآيفون اللي طلبتيه… وبرتقاني، كيف ما كنتِ عاوزة.
اتسعت عينا غنوة بفرحةٍ غامرة، وقفزت تعانقه.
- بجد يا بوي؟! أنا بحبك قوي قوي.
قبّل رأسها وقال:
- يلا اطلعي أوضتك… وأنا جاي وراكي نشغله سوا
انتظر حتى غادرت ابنته ثم اقترب بوجه كاظم لامه ونغم الآتي يراقبنه بصمت وهو يقدم لها ملفًا ورقيا ، اكتفت نغم بنظر ساخطة ولم تكلف نفسها وتتناوله من يده .. رسم الثعلب ابتسامته الماكرة ع محياه :
-بشوقك ، بس ديه ورقك عشان تكملي تعليمك في أكبر چامعة في مصر .. شوفتي أني عفكر فيكي كيف .. بس لقيتك ماتستاهليش .
وبكل برود، مزّق الملف نصفين أمام عينيها، لتناثرت الأوراق على الأرض:
-مهما عملت وسويت ولا هيعجب ..
وقفت أمه بوجهه:
- ما بزياداك عاد يا فارس وخف حديت ماسخ .
عارضها بتهكم :
-بدال ما تقوليلي بزيادة عقليها وفهميها انه مش رايدها رايد البحراوية .. ولا عمره شافها ياما هي اللي غاويـة مرارة وحرقة قلب .. اعملها أيه تاني عشان اراضيها ..
ثم رمقها بخسة :
-طلعت واكلة من وكلهم واتسممت بمكرهم ولا طمران فيها شيء ..
وقفت نغم بوجه صامدة ولم تلتفت لدموعها المنهمرة ولكن كنوع من رد الاعتبار :
-كل ديه عشان رفضتك ، چات قوي على رچولتك !! طيب أيه رأيك يا فارس لاوچع قلبك بدال المرة ألف ، وأول عريس هيچي هوافق عليه ومش بس إكده ، وهيكون شرطي إنه يتچوزني في ملكي وملك أبوي وتحت عينك ..
ثم تنهدت بمرارة وطاحت صارخة :
-مش سبق وقتلتك مرة لما اخترت هارون ! ورحمة ابوي لقتلك الف مرة وانا مع غيرك وفي بيتك .
تبسم بجمود الدنيا بوجهها :
-ومين قالك إن لو رفضتيني هتتچوزي غيري ؟
ثم مال برأسه قليلًا وأضاف بنبرةٍ هادئة، لكنها مخيفة:
- هتفضلي زي البيت الوقف… لا حد يسكنه، ولا حد يقرب منه.
ثارت براكيـن غضبها أكثر :
-وماله !! بس هابقي تحت عينك وفي بيتك ومش قادر تطول مني شعرة .. ويا أنا ياانت ياواد عمي ، انت اللي ابتديت بالعوج .
•••••••••••••
-ليـلة ؟!
استدار " هارون" ناحيـة الباب الذي فُتح عليـه بدون إذن فجعله يتوقف عن نزع ملابسه .. ارتسمت الدهشة على وجهه لما أردفت بنبرة تتسابق مع رياح غضبها منه وهي تقفل الباب بالقفل :
-اه ليـله .. أيه ؟! مستغرب ليه ؟! ولا مستنى واحدة تانية مثلًا !
رمى محفظته فوق الفراش وهو يتبسم متعجبًا من أسئلتها الاتهامية:
-يعني شايف قلبك چمد وساقك لإهنـه ، ومخفتيش حد يوعالك !
ازاحت خلصة من على عينيها بضيق وهي تحمل بعينيها نظرات الاتهام :
-هو سؤال واحد يا هارون بيه ، نمت فيـن إمبارح ؟
قطب حاجبيه مستغربًا :
-نمت هنه ، في فرشتي !! وفوتت عليكي لقيتك نايمة مرضتش اصحيكي … وو
ثم ضاق من نظرتها وتراجع عن مبرراته وبدل الأدوار من دور المتهم لدور المحقق :
-وبعدين أيه الأسئلة دي والطريقة دي !! لا بقولك ايه مش معنى إنك مرتي وروحي دايبة فيكي يسمح لك تعلي صوتك كيف ما تعوزي وو
زفرت باختناق :
-هارون متغيرش الموضوع ، تمام .. قلت إنك نمت هنا مظبوط ؟! واللي اسمها زينـة دي نامت فين ؟!
توقفت لثانية فأكملت بنبرة ساخرة :
-فـ فرشتك هي كمان مش كده !!
تجمدت ملامحه لثوانٍ، ثم أدرك فورًا مصدر تلك النار.
-زينة
أدرك هارون للتو أنه سقط في بئر كيد النساء ، وان بالكاد قامت زينة بلعبة جديدة من ألاعيبها .. دنى منها حتى قطع المسافة الفاصـلة بينهما وهو يحاصرها بين يديه قائلًا بهدوء :
-ليلة ، هاتي اللي فـ چوفك ، حُصل أيه قاد النار في نفوخك إكده ؟!
حاولت الابتعاد عنه لكنه أبى أن تتزحزح خطوة محدجًا بعينه :
-هاه !! مين ولّع النار دي كلها جواكي.
تراقصت عينيها على لهب الغيرة :
-زينة كانت معاك هنا إمبارح ؟
بدهشة :
-زينة وايه هيجيبها معايّ من أصلو و
-هارون متكذبش ، هي قالت كل حاجة .
زفر بصبرٍ :
-ليلة ، اهدي وقولي زينـة قالت ايه ؟
-يعني أنت مش عارف وبتشتغلني؟! ولا بتدور على حجة تقولها تبرر بيها اللي عملته !! بص لو مش عايزني في حياتك قول ، ولو شايف الطريق صعب أنك تبقى معايل عرفني ، لكن ..
رفع رأسه إلى السقف وهو يتمتم بجزع :
-يا مثبت العقل والديـن يارب ..
ثم عاد النظر إليها :
-ليلة هاتي من أبو آخر إكده !!
ترقرقت عبراتها معلقة على رمش عينيها :
-لابسه كده لبس غريب زيها وبتقول للكل يقولها صباحيـة مباركة ياعروسة .. هارون بليز قول أن ده محصلش .. حتى ولو حصل ور
ثم شهقت باكيـة :
-أنت مختفي من امبارح ، وحتي مفيش مسج واحدة تطمن عليا فيها .. وهي بتقول كلام كده، وانا مش هقدر والله أعيش كده ولا أشوف واحدة تانية معاك !! هارون انا مش هقدر، انت عملت فيا كده ليه ؟
عض على شفته متأكدًا من خبث تلك الحية التي لا تتوقف أبدًا عن أفاعيلها :
-أنتِ عبيطة يا ليلة ؟! وصدقتيها !
-وايه اللي يخليني ماصدقهاش !! هي هتكذب ليه في حاجة زي دي ؟
رد مبررًا :
-عشان هي دي غايتها ، وعشان تبين للكل أنها مرتي صُح .
-وهي هتستفاد أيه ؟!
حاول هارون تلطيف الأجواء وهمَ أولا بتجفيف دموعها ، وهو يبرر بحنان ذاخر :
-عشانها واثقة أن روحي فيكي زي مانتي بتعشقيني، فعاوزة تدخل الشك چواكي وتقولك أني أخصها وبس ..
ثم أتبع معاتبًا بعد ما طبع قبله رقيقة على خدها :
-وأنتِ أي حد يقولك كلمتين في الهوا عني إكده تصدقيه ! طب قلبك مصدق أن يدي دي تلمس ست بعديكي ؟
لم تتوقف دموعها التي تنزل جمراً متقد على قلبه وهي تحتوى كفه الذي يحضن وجنتها :
-هارون .. أنا نفسي أبقى مراتك قدام كل الناس ، وبخاف أسأل نفسي ، لو المشاكل دي كلها معرفتش تحلها ، أنا هعمل أيه ؟! وهعيش ازاي وانت مش معايا ..
مسح على شعرها ليطمئنها :
-وقتها هاخدك وهنهربو من كل المشاكل اللي هتقف قصادنا .
شق الابتسامة صغيرة على وجهها الباكي وهي تقول :
-طيب يلا نهرب دلوقتي !
-ياستي سيبيني أنول شرف المحاولة الاول .. وو
بترت مغزى نواياه التي كانت تقبل إليها بشوق وهي تصيح كالطفلة المدللة وقالت مهددة :
-انا بعرفك أهو اللي اسمها زينة دي لو حاولت تضايقني مرة تانية أنا هزعلها ومش بعيد كمان اضربها .. عشان هي مضايقاني كده وحطاني في دماغها ، ولو سمعتها جابت اسمك تاني على لسانها والله والله يا هارون ..
ثم تلعثمت الكلمات في فاهها :
-معرفش ممكن أعمل ايه بس مش هسكتلها .. عشان أنت بتاعي وبس .. وتعالى هنا ، انت ازاي متسألش عني كل ده ومشغول وحتى موبايلك مقفول !! وسايبني هتجنن كده !! لا أنت دلوقتي لازم تفهم أن في ست في حياتك وانت كل حياتها !! يعني ..
سد هارون فوهة ثرثرتها التي يعشقها بسبابته وهو يقول بحب :
-يعني وحشتيني كد الدنيا كلها ، مش عاوز أقولك اليوم كان صعب قد ايه ، بس شوفتك هونت الدنيا ..
غردت كالعصفورة :
-بجد ولا بتاكل بعقلي حلاوة !
-بجد ، وسيبي الحلاوة ديه لوقتها قلت ..
أحمر وجهها بخجل وهي تسند رأسها على صدره :
-وأنت كمان وحشتنى .. طول اليوم كنت حاسة إني متغربة لحد ما عرفت من هيام إنك رجعت .
ضمها إليه وهو يسمح على شعرها بحنان أب على طفلتـه المُدلل وهو يوشوش لها بمزاح :
-يعني بردك ماخايفاش حد يشوفك عندي ويقولو البت اللي زي القمر دي بتعمل أيه في أوضة شب عازب زي حالاتي !
رفعت رأسها إليه بثقة، وقالت وعيناها تلمعان:
-لا….
ثم ابتسمت ابتسامة هادئة أكملت بها:
-من يوم ما بقيت مرات هارون بيه العزايزي… مبقتش أخاف من حاجة… غير إني أخسرك.
ختمت جملتها على صوت طرقات متتالية على الباب، أعقبها صوت والدته وهي تنادي بإلحاح:
-هارون!
وأخذت تحاول فتح الباب المغلق من الداخل.. وكأن ماسًا كهربائيًا سرى في جسدها، فانتفضت في مكانها، ودفنت وجهها بين كفيها وهي تجوب الغرفة بعينين تائهتين، ثم هتفت في هلع:
-أحييييه ! هارون… اتقفشنا! أروح فين دلوقتي؟
- اهدي طب وسيبيني أفكر .
لكنها لم تسمعه، وركضت نحو الشرفة تتفحصها بعجلة، ثم التفتت إليه في ذعر:
-إنت إزاي مش عامل سلم هنا ينزل على الجنينة؟! أهرب إزاي أنا دلوقتي؟!
أسرع إليها وسحبها برفق إلى الداخل، وهو يقول وقد انتقل إليه ارتباكها ساخراً :
-وأنا كنت أعرف منين إني أول ما أتجوز هحتاج أسرب مراتي من سلم وراني !
لم يتوقف الطرق على الباب، وجاء صوت والدته من جديد:
-هارون! افتح يا ولدي.
ازدادت ضربات قلبها، وقالت وهي تكاد تبكي:
-هارون، متتهزرش… إحنا في مصيبة! لو شافتني هنا هتقول عليا إيه؟!
نظر إليها بهدوء ثم أمسك بكفيها حتى يكفّا عن الارتجاف، وقال بابتسامة ماكر:
-وهتقول البت البحراويـة چاية توقع ولدي في شباكها ..و وقعته خلاص.
-هاارون !! ده بذمتك ده وقت هزار؟! والله العظيم هموت من الرعب ! بص مش هنفح .. كانك نمت.
ازداد الطرق على الباب، ثم جاء صوت والدته أكثر حدة:
-يا هارون! افتح الباب يا ولدي… أنت صاحي ولا نمت تاني؟وقافل الباب إكده .. حتى مرتك چاية تصالحك .
اشتعلت حُمرة الغضب بعيني ليلة :
-والله !! زينة ؟! افتح ياهارون .. بقولك افتح .
ثم وقفت متوارية خلف الخزانة وهي تتبع بنبرة آمرة :
-يلا !!
زفر باختناق وهو يصيح مفجرًا غضبه بالطارق :
-ايه ياما كل الغاغة دي .. !!
حاولت زينة ان تقتحم الغرفة ولكنه وقف كالسد المنيع أمامها مانعًا دخولها وهو يتجاهل الحديث إليها :
-خير ياما العزايزة ولعوا لكل الزيطة دي !
امتدت عيني صفية للداخل بفضول :
-إلا قولي يا هارون البنت مقصوفة الرقبة دي لمحت البت البحراوية داخلة أوضتك ، عمالة اقولها مستحيل يابت وشكل غيرة الحريم عمتك ، وهي مصرة انها چت أهنه وو
شهقت ليلة المتوارية بصوت مكتوم، حافظ هارون على ثباتـه :
-وبعدهالك يا زينة ، كسرتلك دراع ، مش ناوية تجيبها لبر غير لما اكسر رقبتك ؟
صاحت بتمرد:
-انا شفتها وهي طالعة ع السلم ومشت ناحية اوضتك ، يا هارون انت غلبان ومالكش في كهن النسوان .. سيبها عليّ او غورها وريحنا !!
قطعها بحدة :
-عارفة يا زينة أنتي عملي المنيل في الدنيا دي !!
شهقت زينة ، فتدخلت صفية تصلح بينهما :
-هو أنتو اكده ناقر ونقير على طول !! ديه باين له الحب ، لاجل القط ما يحبش غير خناقه ..
ثم ربتت على صدره :
-خلي مرتك تخش فرشتك يا حبيبي واطرد الشيطان ولا الشيطانة من راسك وخلف لك عيلين يملوا علينا الدار وو
أغمض هارون عينيه للحظة، وقد نفد صبره تمامًا. ابتلع رده، واكتفى بأن تراجع إلى الخلف وهو يغلق الباب قائلًا :
-هروح اصلي فرض ربنا ياما .. ربنا يهديكي انتي وبت أخوكي ويرفع البلاء ديه عن راسي.
شهقت زينة بدهشة :
-أنا بلا ياعمتي !
قفل الباب بوجههم ودار باحثًا عنها رافعًا كفيـه لأعلى مبرئًا ذمتـه :
-براءة أنا كده ؟!
اقتربت منه ببطء:
-سوري … ممكن متزعلش .
-منك !! مستحيـل .
داعبت شعرها وأتبعت :
-هخرج ازاي من هنا !
استغل فرصة وجودها وقال:
-تحت الجو لبش، خليـكي إهنه ، آمن مكان على وش الأرض.
-هنا في أوضتك !! لا طبعا مستحيل ؟!
-يعني هو حرام في اوضتي وفي الكوخ اللي تحت عادي !! چرالك أيه يا ليلة فتحي رأسك معايا ! المهم خدتي دواكي !
ليلة بهدوء:
-أنت دوايا يا هارون .. لما بتبعد عني بتجنن .
ثم تعبث بياقة جلبابه كالطفلة :
-هو ليه الحب مايعرفش غير الطريق الصعب والمستحيل ؟، يعني أنت مثلا شوف متاح ليك تتچوز كام بنت .. وانا بردو سبت اسكندرية برجالتها القمامير كلهم وچيت هنا آخر الدنيا عشان أحبك أنت وبس !! هو الحب قاصد يعذبنا !
مرر إبهامه فوق أصابعها، وأردف:
-الحب مش بيختار السهل يا ليـلة ، الحب بيختار القلب اللي يشبهه ، ميهمهوش عاد القلب ده فين ولا الطريق له عامل كيف !!
ثم داعب خصلة من شعرها وأتبع :
-اللي عاوزك تكوني متأكدة منه أني كنت هفضل أدور عليكي حتى ولو كنتي في آخر محطة على الأرض .. ولا عمري كنت هقبل بواحدة تانية تحط راسها على صدري غيرك ..
ثم تبدلت نظرته من الحب للتحذير:
-ولو مكنتيش سبتي رجالة اسكندرية القمامير ، كنت هسيب انا الدِنيا بحالها وأجيلك .. أنتي ناوية تچيبيها معاي لبر أمتى !
ضحكت ضحكتها المعتادة التي تحرك أوتار قلبـه :
-مش بتنسى أبدًا .. ذلة لسان والله متزعلش .. المهم هفضل محبوسة لحد أمتى أنا هنا !!
ضمها إليه لتقترب منه أكثر وقائلًا بهيامٍ :
-مش قادرة تتحملي حبس كام ساعة ؟! وأنا اللي محبوس في عيونك من أول يوم شوفتك، ولسه معرفتش أهرب.
احمرّ وجهها خجلًا، وحاولت أن تبتعد عنه خطوة، لكنه أبى أن يتركها، فشدها إليه برفق :
-هارون !!
ابتسم، ولم يسمح لها بالإفلات، ثم قال وهو يطالعها بعينين يفيض منهما الشوق :
-يكون في معلومك لو بإيدي، هقفل الباب علينا وأنسى إن في دنيا برا أصلًا.. وبعدين أنتِ اللي چايالي برچليك استحملي عاد نتيچة غلطك .
ثم طبع قبلة رقيقة على شعرها وقال :
-هاخد دش وأرجعلك -ثم أشار بسبابته - ليلة مش عاوزة حركة جنان من بتوعك !
-هقعد مؤدبـة والله .. ادخل خد شاور وأنا هجهزلك لبسك .
-هو ديه الحديت !!
ما لبث أن دخل المرحاض كي يغسل غبار اليوم عن جسده الذي طاب أثره بقربها ، التفتت إلى خزانته وهي تفتش بملابسه بإعجاب وتختار له ، لحظات معدودة مرت قطعها رنين هاتفها ، فاتسعت عينيها بمجرد رؤيتها لهوية المتصل ، ردت بلهفة:
-مامي !! وحشتيني أوي أوي ، هونت عليكي تعملي فيا كل ده !! بس أنت مسامحاني مش كده ، مامي عـ
أتاها صوت أمها بحدة :
-اسمعي يا ليـلة ، عشان الجنان ده لازم نوقفـه ، معاكي لحد بكرة ، لو مش هترجعي عن اللي في دماغك ، أنا جاية العزايزة بورقة جوازك وافضح اللي اسمه هارون ده !!
(بالأسفل )
دخلت سيارة خليـفة من البوابـة فأوقفـه أحد الخفر قائلًا :
-يا جناب العمدة !! في واحد مستنيك من الصبح إهنه في المندرة ، وعيقول اسمه ممدوح الشيمي …
