رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الرابع عشر 14 بقلم نهال مصطفى


 رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل الرابع عشر 

ما وراء الأقنعة "
ليس كُل ما تراه كمـا يبدو لك ، بعض الوجوه والكثير من الكلمات لا تكشف أصحابها بل تُخفيهم .. تزيفهـم .. تزينهم أمامك .. 
وأيضـًا هناك أقنعـة لا ترتدي للخداع ،أو للاختباء .. بل أحيانًا تكون وسيلـة للنجاة من قسوة الواقع وقوانينـه الصارمة وحماية ما تبقى من ضحايا قسي عليها الدهر ..
 والحقيقة هي أن هناك حكايات دائمًا لا تُرى ، وأسرار لا تُحكي ولكن ما وراء الأقنعة حتمًا سيكشفـه الزمن .

•••••••••••••
-قُلت مين يا وِلد؟!
سرى صدى الاسم في أذني خليفة، فتشبث بأملٍ واهٍ أن يكون قد أخطأ السمع، وحاول إنكار الحقيقة التي تسربت لعقله و لكن الشك تحول إلى يقين عندما أردف الخفير:
-وسأل على سي هاشم… بس كان لِساته طالع.
أدار خليفة رأسه إلى الأمام، وتمتم في خفوت:
-جيب العواقب سليمة يا رب…
ثم أمر السائق بحزم:
-اتحرك يا وِلد لما نشوفوا المصايب اللي بتتحدف علينا ديه . 
لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام مندرة القصر.. هبط من سيارته الفارهه و هم ليساعده أحد رجاله في ارتداء جلبابه الصعيدي، ثم استند إلى عكازه وأكمل طريقه بخطواتٍ ثابتة، حتى دخل المندرة ملقيًا تحية الإسلام، قبل أن يقول:
-قالوا إنك عاوزني بالاسم… أؤمر.
وقف رجلٌ طويل القامة، يغلب على ملامحه الطابع البدوي، يستقبله بابتسامةٍ هادئة وهو يقول:
-أعرفك بنفسي…
ضرب خليفة الأرض بمؤخرة عكازه، مقاطعًا إياه:
-من غير ما تعرفني… أنا عارفك زين أيه اللي رماك علينا الساعة دي ؟! 
تلعثم الرجل للحظة، ثم قال بخبثٍ لم يخفه:
-زين يا حاج… اختصرت عليَّ الطريق. ومن غير لف ودوران… أنا جاي آخد بنتي.
جلس خليفة على الكنبة الخشبية، وأجاب بصوتٍ يحمل من السخرية بقدر ما يحمل من التحذير:
-هاه… وأنت مخابرش إن بتك في عصمة راجل؟! وجاي تاخدها كييف في عقر داره؟! 
اقترب ممدوح منه خطوة، ثم قال وهو يرمقه بنظرةٍ ماكرة:
-والراجل ده…قول لي هيقدر يحميها لو ناسك عرفوا إن ولدك خالف أعرافهم ودخل عليهم دم غريب؟! ما ترد يا حچ طا كُبره !! 
اشتعل الغضب في عيني خليفة، وضرب الأرض بعكازه بقوة حتى دوّى صوته في أرجاء المندرة:
-هي وصلت إنك تيجي لحدت إهنه؟! ده أنت چاي وناوي على موتك!
وفي تلك اللحظة، انقطع الحديث على وقع خطواتٍ سريعة من هاشم وهو يدخل إلى المندرة، بعدما أخبره الخفير باسم الضيف الذي ينتظره بالداخـل .. 
"بغرفة أحلام"
كانت رغد تجلس مع أحلام، وقد انفرد بها الضيق والملل ، اتكأت على إحدى الوسائد، ثم ألقت بالسؤال الذي ظل يطارد رأسها:
-قوليلي يا أحلام… اللي أنا عملته صح ولا غلط؟ لو كنت سافرت وسمعت كلام مامي، كنت اتجنبت المشاكل دي كلها؟!
ضمت أحلام سبحتها بين أصابعها، وأطلقت تنهيدة ثقيلة، كأنها عجوز حفظت الدنيا عن ظهر قلب، ثم قالت:
-الهروب مش حل يا بتي… هو بس بيأجل المواجهة، ويأخر ظهور الحقايق، لكن ما يدفنهاش ..واللي عملتيه؟ ده عين العقل، وما كانش قدامك غيره.
همست رغد بقلق، وقد انعكس الخوف من المجهول في عينيها:
ربنا يستر يا أحلام…
في تلك اللحظة، دخل هيثم على عجل، وقد ارتسم القلق بوضوح فوق ملامحه، فقطع حديثهما:
-أحلام… هارون فين؟!
عقدت حاجبيها باستغراب:
-مش فوق؟! وبعدين تعالى إهنيه… مالك؟ قلقان ومش على بعضك إكده ليه؟
رمق رغد بنظرة سريعة، ثم غمز لأحلام بطرف عينه، وكأنه يرى أن الوقت غير مناسب للحديث أمامها، لكن رغد سبقته باعتراضها:
-إيه يا هيثم؟! المشكلة فيا؟ أخرج لو في حاجة سر عايز تقول لأحلام.
ابتسم محاولًا تهدئة الموقف وقال:
-ينقطع لساني قبل ما أعملها يا عسل… بس…
صاحت أحلام بنفاد صبر:
-أنت لساتك هتبسبس؟! انطق يا واد!
عض على شفته في تردد، ثم قال مضطرًا:
-مش عاوز أقولك قدام مرة الغالي… بس هاشم وأبوها ماسكين في بعض في المندرة… ولازما هارون يعرف.
هبّت أحلام من مكانها مفزوعة، كأن الرعب أنساها وجع مفاصلها التي أنهكها العمر، وهتفت:
-يشندل أمك! ولساتك واقف تتساير؟! خد بيدي لهناك يلا .
حاول هيثم إيقافها:
-تروحي فين بينات الرجالة يا أحلام؟!
أما رغد، فقفز الرعب إلى قلبها، لم تنتظر جدالهما، وسبقت دموعها خطواتها وهي تندفع نحو الباب، تهتف بصوت مرتجف:
-هيثم… هما فين؟! عشان خاطري… قولّي!
"بغرفـة هارون " 
خرج من حمامه مرتديًا بنطالًا فضفاضًا باللون الأبيض وهو يجفف رأسه بمنشفـة صغيرة ، فوجدها شاردة الذهن ، حائرة ، لم تلتف لوجوده ، تحوم دبابير الخوف حولها .. رمى المشنفة على كتفه وهو يلوح بكفه أمامها :
-لو السرحان ديه مكنش فيّ هزعل قوي !! 
رفعت جفونها المرتعبـة :
-معنديش أغلى منك يا عمدة .. 
ثم تحمحمت بخفوت :
-ممكن تلبس حاجة عشان الجو سقعة وكده ممكن تتعب .. 
تغلغلت كفوفه بين خصلات شعرها وهو يقول مراوغًا :
-ما أنت ممكن تَچيّ في حضني ومحتجش واصل للبس ، ولا برد ولا عيا هيستجروا يقربـوا مني . 

فرت دمعـة محبوسة من عينيها أفسدت محاولاتها في إخفاء الرعب الذي يسكنها :
-أنا خايفـة عليك أوي يا هارون خايفة في النهاية نتجبر كل واحد فينا يكمل الطريق لوحده ، مش هقدر .

بنبرة تبعث الطمأنينة:
-وأني لا هقدر ولا هسمح إنك تغيبي عني ولو للحظة ..وو 
قاطعته :
-بس ممكن الظروف تجبرنا على ده ، لازم نضحى عشان على الأقل نضمن أن كل واحد فينا عايش في أمان !! 
عارضها هارون بحدة :
-وهو فين الأمان ديه وكل واحد فينا في مطرح !! ليلة اوعاكي تفكري تقولي إكده ، أقولك أنتي شايلة هم الدنيا ليه وأنا چارك .. 

ساد الصمت بينهما للحظات كل واحد منهما يحاول أن يحفظ ملامح الآخر قبل أن يغدر بيهم زمانهم فأردفت بحسرة :
-نصيبي أحبك يا ابن العزايزي .. ونصيبك تفضل تحارب العمر كله عشان الحب ده يكمل .. 

انحنى ليطبع قبلةً طويلة على ترقوتها، فارتجفت أنفاسها، ثم رفع رأسه وأطال النظر في عينيها وقال بصوتٍ ثابت:
-طالما النهاية معاكي، فكُل حروب الدنيا دي تهون… المهم إنك متسبيش يدي دي واصل، وإلا ساعتها هبقى خسرت حقيقي .
شعر كأنه يقف على نهر طالوت .. فكان قلبه كقلوب القلة التي ثبتت مع طالوت عند النهر؛ يعرف أن النجاة ليست في الهرب، بل في الصبر والثبات..
  ظل الخوف يزاحم يقينها رغم طمأنينته المستمرة إليها ويهمس لها بأن الحرب المقبلة قد تطول... بللت شفتيها الجافتين وهمست بوهن:
-هارون… ممكن تاخدني في حضنك… بليز.
ابتسم ابتسامةً هائم غارق في بحر حبها كأن طلبها مزق آخر خيطٍ كان يتشبث بقوته، ثم فتح ذراعيه دون أن ينطق بحرف ، ألقت بنفسها بين ذراعيه، وأحاطت خصره بكلتا يديها، حتى خُيل إليه أنها تحاول الاحتماء به من الدنيا بأسرها، لا من خوفٍ واحد ، فاشتد احتضانه لها وهو يقول:
-قلبك بيتنفض كيف الطير المدبوح !! چرالك أيه أمال ؟!شايلة هم الدنيا و زاعقة فوق راسك ليه ؟! فكرك لو حد داس لك على طرف أنا هرحمه !! أنتِ في حِمى وحضن هارون العزايزي .. 
ابتعدت عنه قليلًا، وحدقت في وجهه طويلًا:
-ولو خسرت طيب ؟
ابتسم بوجهها لكن هذه المرة كان في عينيه يقينٌ لا يعرف الخسارة مادامت تلك العينين هدفه :
-ليلة أوعاكي في يوم تشيلي هم معركة اتخلقت للرجال .. وأنا طالما اخترت حبك يبقى اخترت عذابـه قبل نعيمه . 
ثم أمسك بذقنها وأتبع :
-تعرفي ، الراچل عمره ما يبقى خسران ، مادامت في حياته واحدة زي القمر اكده زيك مؤمنة بيه ومصدقاه . 
وما إن انتهت كلماته، حتى دوّى صوت عيار ناري شق سكون صفواهم ..شهقت ليلة بفزع، وانتفض جسدها وهي تتشبث به بكل ما أوتيت من خوف، حتى كادت أصابعها تغوص في ذراعه.. تجمد هارون لوهلة… بين رغبته في احتضانها حتى يهدأ ارتجافها، وبين غريزة الرجل التي دفعته لرؤية ما يحدث بالأسفل . 

" بالأسفل " 
عيون متسعة من هول صوت الطلقة التي ضربها هاشم بالهواء عندما وقفت رغد أمام أبيها لتحميه من شر جنون هاشم الذي خرج عن شعوره .. رمى بندقية الخفير من يده لتسقط بالارض .. أغرورقت عيني رغد الناجية بأعجوبة من رصاصته وهي تقول بحرقة :
-مش هينفع يا هاشم.. ده بردو بابي . 
ثار غضب هاشم من سلبيتها:
-رغد الراجل ده مجرم وراجع يخرب عليكي وجاي وراه مصلحة ميغركيش كلامه ..

اعتصرت دموعها من شدة الحزن وقال:
-هاشم سيبنا لوحدنا ممكن ..
نفى قطعًا :
-مستحيل اسيبك معاه.
تأرجحت عينها نحو خليفة الواقف جنبًا :
-من فضلك يا عمو ، قوله حاجة . 
تدخلت أحلام وهي تستند على هيثم خطوتها العرجاء :
-يلا ياهاشم سيبها مع أبويا يا ولدي .. 
تجاهل هاشم طلبها وتقدم ليسحبها من كفها فأبت التحرك معاه ، وهي تقول راجية :
-هاشم عشر دقايق بس ..
منذ زمن لم يرٍ في عينيها تلك النظرة المحملة بالرجاء والتوسل .. أومأ رأسه على مضض :
-هستناكي بره قصاد الباب ، عشر دقايق وبس يا رغد . 

ركضت صفية نحو الباب بعجل لتنادي أحد الخفر مستفسرة :
-أيه سبب الغاغة دي يا ولدي؟ 
تلجلج الرجل وهو يقول بناء على تعليمات خليفة :
-ديه واحد من الخفر كان عينضف سلاحه طاحت منه طلقـة .

أما عن هارون أبى أن يفارق ليلته المرتجفة ولو كانت نهاية العالم خارج غرفتهم ، فلينته وهو معها .. جلس الثنائي بالأرض واتخذت من ذراعه مأوى لخوفها .. ونست بصوته وبصوت أشعاره التي ألقاها على مسامعها كي يشتتها عن الخوف .. لجأ لكلمات قيس لليلتـه معبرًا عن حبه ، فتلك هي الطريقة الوحيدة المباحة لتهدئة نار حبه حتى غاصت في نومها من فرط حنانه عليها وهو يقول :
أٍَعُدُّ اللَّيَالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَة�وَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لَا أَعُدُّ اللَّيَالِيَا
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْبُيُوتِ لَعَلَّنِي� أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِاللَّيْلِ خَالِيَا
أَرَانِي إِذَا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نَحْوَهَا� بِوَجْهِي وَإِنْ كَانَ الْمُصَلَّى وَرَائِيَا
وَمَا بِيَ إِشْرَاكٌ وَلَكِنَّ حُبَّهَا�وَعُظْمَ الْجَوَى أَعْيَا الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا
عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ� وَإِنْ كُنْتُ مِنْ لَيْلَى عَلَى الْيَأْسِ طَاوِيَا
خَلِيلَيَّ إِنْ ضَنُّوا بِلَيْلَى فَقَرِّبَا� لِيَ النَّعْشَ وَالْأَكْفَانَ وَاسْتَغْفِرَا لِيَا
وَإِنْ مُتُّ مِنْ دَاءِ الصَّبَابَةِ فَأَبْلِغَا� شَبِيهَةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ مِنِّي سَلَامِيَا ….
•••••••••••
-رجعت ليـه ، عايز مني أيه بعد السنيـن دي كلها !! أنت ليـه مصمم تعذبني كده !! مش كفاية عشت يتيمة عمري كله وانت حتى مفتكر أن عندك بنت !
اردفت رغد جملتها بعتاب يعصر قلبها من فرط الحزن والألم الذي عاشته لأعوام طويلة .. ثم أتبعت :
-راجع دلوقتي وعاملة فيها الأب الخايف على بنته ؟! طيب مفكرتش أنك أنت السبب في كل العذاب اللي أنا فيه ده !! 
ثم شهقت بحرقة وأتبعت :
-مش لو كان عندي أب ، كان هيقف معايا ويرفض إني اتجوز واحد خبي عني حياته !!خدعني .. وأنا مكسورة وضعيفة ما صدقت اتعلقت بحبه ووجوده ، مش لو كنت موجود كنت هتسأل عليه وتحذرني وتمنعني كمان بالقوة !!

ثم احتدت نبرتها الباكية أكثر :
-لكن أنا كنت لوحدي، جريت ورا كلمة بحبك ، اتجوزت واحد معرفش عنه أي حاجة فجاة  اختفي وانكر وجودي في حياته وبقيت محتاسة أنا واللي في بطني .. حياتنا مهددة .. كل يوم منتظرين مصيرنا . 

ثم وجهت اتهامها بحرقة :
-أنت رجعت ليه ؟! ياترى أيه عايز مني المرة دي أي مصلحة .

حدجها والندم بعينيه يحترق :
-اتفقوا عليّ عمامك يا رغد بعد كل اللي عملته عشانهم ، وخدو كل فلوسي وقتها حسيت إنه ذنبكم ، هربت منهم بالدم .. وكلمت أمك وقالت لي إنك هنا ودي الحاجة الوحيدة اللي هقدر أعملهالك عشان تسامحيني 

ثم حضن كف ابنته بتوسل:
-بصي تعالي ارجعي معايا ونربي ابنك بعيد عنهم وانا والله هحميكي برقبتي .. بس أنتِ تعالي وسامحيني يابنتي. 
عمرٌ كامل من الذكريات المؤلمة مرَّ أمام عينيها…لحظاتُ اليُتم التي عاشت بها،� والوحدةُ التي لم ترحمها، وعبراتُ طفلةٍ تربَّت على الخوف…كبرت قبل أوانها،� وتعلمت أن تخبئ وجعها خلف ابتسامةٍ باهتة،� وأن تبتلع دموعها حتى لا يقال إنها ضعيفة.� كانت كل ليلةٍ تمر عليها تسرق من طفولتها شيئًا،� حتى استيقظت يومًا لتجد نفسها امرأةً تحمل فوق كتفيها عمرًا لا يشبه عمرها .. كبرت على وهم أن الأيام ستنسيها ، ولكن هذا النوع من الوجع بالأخص مهما حاولت الهرب منه يتبعك بخطوات أثقل من أن تُنسى ….. 
رمقته بعجز على مسامحته :
-أنا اسفة يا … استاذ ممدوح ، جيت متأخر اوي.. أنا خلاص مش هسيب هنا …
هنا ظهر هاشم الذي كان يتلصص السمع من وراء البـاب والندم يقضم بأطراف قلبـه ، اقترب منه بفظاظة :
-نورت ، نتقابلو في سينا وأنا بنضف البلد منكم .. 
توسل ممدوح لابنته للمرة الآخيرة :
-طب حتى سامحيني ، يمكن ما متشوفينيش تاني بعد النهاردة .
وقفت رغد من مكانها، ثم أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، رافضةً أي حديثٍ آخر يعصر قلبها أكثر… تراجع ممدوح خطوة إلى الخلف، وقد أدرك أخيرًا أنه لا يحصد من محاولاته سوى الرفض. انحنى رأسه في خذلان، وهو يتجرع مرارة ما زرعته يداه من ظلمٍ وألاعيب.
وما إن غادر المكان، حتى لم تجد رغد ملاذًا تحتمل فيه ثقل حزنها سوى حضن هاشم. ارتمت بين ذراعيه، فظل واقفًا مذهولًا لثوانٍ، قبل أن يستوعب أنها لم تأتِ إلا لأنها تحتاج إليه..
ضمها بقوة، وكأنما يحاول أن يمحو بندمه كل لحظة قسا فيها عليها، منذ تلك الساعة الأولى التي فارقها فيها ، بكت طويلًا بين ذراعيه، حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم رفعت إليه عينيها الذابلتين وهمست بصوتٍ مرتجف:
-محتاجاك جنبي الليلة دي… خليك معايا. 

سحبها من كفها أمام الجميع وتحت أعينهـم دون الأخذ بالاعتبار لأي أحد ، خطى الطرقات بخطوات واسعة ، حتى وصل لبهو قصرهم ، هرولت صفية إليـه :
-مالك يا هاشم وواخدها ورايح على فين !! هااشم .
لم تلق منه أي رد سوى إنه ابعدها عن طريقه ببطء وأكمل خطاه متجهًا نحو غرفته .. كانت دموع رغد تسابق خُطاها وهي تتشبث بيده كالطفلة ، صاحت صفية من الخلف:
-هاشم انت هتعمل ايه ورايح فين يا ولدي !!! وساحبها معاك على فين ! أعقل يا ولدي ما تفتحش علينا النار .
ثم صاحت بحسرة وهي تشكو لهيام :
-يا نيلة بختي في ولادي يا هيام !! الحريم كلت راس عيالي وخلتهم ماشيين بلا عقل !! ياريتني خلفتهم كلهم بنات ولا إني أشوف قهرتي بعيني !!

ربتت هيام على كتف أمها :
-خفي ندب ياما ، مرته ايه هنقولوله لا متاخدهاش.
لطمت على وجهها :
-مرته كيف !! دي چاية وچايبة الخراب معاها ! ولا الشيخ اللي قفل عليه هو ومرته ولا حس ولا خبر!وهارون فينه هو التاني ماشي من غير عقله! ياميلة بختك في ولادك يا صفية ….
وصل هاشم إلى غرفته وأغلق بابها خلفه.. كان أول ما فعله أن نزع حذاءه الجلدي، ثم تخلص من بعض ملابسه الثقيلة، قبل أن يلقي بجسده المرهق فوق الفراش .. مدَّ يده إليها في صمت، وكأنه يفتح لها ملاذًا آمنًا لا سؤال فيه ولا عتاب.
ظلت تراقبه لبرهة، تتردد بين الانكسار والاحتماء، ثم تحركت نحوه باستسلامٍ كامل..وضعت رأسها فوق صدره، وما إن استقرت بين ذراعيه حتى انهمرت دموعها في صمتٍ قاتل ، صمت يحرق دون أن يشتعل .. لا تدري أتشكو إليه قسوة الزمان، أم تشكو الزمان نفسه.
تشبثت بملابسه وكأنها تخشى أن يفلت منها آخر ما تبقى لها من أمان، بينما ضمها هو إليه دون كلمة.. ظل الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى زفراتٍ مثقلة بالألم، وأنفاسٍ متعبة تحكي ما عجزت الكلمات عن البوح به..
••••••••••••

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

" بقصـر الچباس " 

في جنينة البيت الواسعة ؛ قضت “نغم” ليلتها فريسةً لصقيع الليل والحزن، لا تعلم أكانت تعاقب نفسها على ما اقترفته، أم تلوم قسوة أيامها التي ظلت تتلاعب بها كموج البحر؛ ترفعها قليلًا إلى شاطئ الأمل، ثم تعود فتقذف بها إلى قاع الخذلان .. 
تكورت حول نفسها فوق المقعد الخشبي وضمت ساقيها إلى صدرها، كأنها تحاول أن تمنح جسدها بعضًا من الدفء الذي عجز قلبها وأيامها عن منحه لنفسها كانت تحدق في العتمة بعينين أثقلتهما الدموع، تستعيد تفاصيل لم تكن تتمنى أن تراها، وتعيد في رأسها مشاهد كان يكفيها منها نظرة واحدة لتشعر بأن شيئًا بداخلها قد انكسر .. 
كانت تسأل نفسها للمرة التي لا تعرف عددها:لماذا يأتي بعض البشر إلى حياتنا ليكونوا أكثر الأماكن التي تؤلمنـا  ؟! 
طلت تراقب خيوط الليل الباردة وهي تتسلل من بين أغصان الشجر وكأنها تشاركها وحدتها  لم يكن البرد هو ما يرتجف له جسدها… بل ذلك الفراغ الذي خلّفه شخص كان وجوده يملأ كل شيء.. تنهدت بمرارة وهي تعاتب الزمن :
-ليه هارون محبنيش ؟! لو كان بس … طب ليه خليتني أحبه وأنت عارف نهاية الحُب ديه موتي !!مش لو كان حن عليّ الزمن كان حنن قلبه ليّ !!  

حاولت أن تغلق عينيها، لكن الأفكار كانت أسرع منها؛ كلما أغمضتهما، فتحت الذاكرة أبوابها، وكلما حاولت أن تهرب من صورة، باغتتها أخرى… حتى استسلمت أخيرًا لسلطان النوم، الذي حنّ عليها وزارها بعد طول عناد، ليمنحها هدنة قصيرة من أنياب التفكير… هدنة لا تعرف كم ستدوم، ولا إن كانت ستستيقظ بعدها أخفّ وجعًا، أم أكثر انكسارًا.
وفي آخر لحظة قبل أن يغلبها النوم، تسللت دمعة وحيدة على وجنتها، وهمست في سرها:
يا رب…لو كان الوچع ديه مكمل معايّ لباقي أيامي امنحني الصبر .. مش عاوزة غير صبر . 

 وعلى بُعد خطوات منها، كان فارس يخوض حربًا أخرى… حربًا لم يكن فيها عدوٌّ سواه ، بغرفته الذي تحترق  من كثرة الدخان المتصاعد هنا وهناك .. وهو يحدث نفسه .. فأن تغلب سلطان النوم على وجع نغم ، فلم يجرؤ أن يقترب من زعابيت فارس المتوهجة .. رفس " الشيشة " بقدمه وهو بتساءل بنبرة يجن لها العقل :

-ماعيحبهاش !! رايداه ليييه ؟!! كيفو الواحد يفضل رايد وحابب قلب مش شايفه!! عملها ايه ولد صفية !! لو ساحرلها ما كانت هتهواه إكده !!

حتى واجه صورته المعكوسة بالمراة المشوشة خلف الدخان ليهمس له صوت قلبه :
-ما أنت حالك من حالها هاويتها وهي عتهوى غيرك !! كنك عنتغني وترد على حالك .. كنك قاعد تعاتبها على ذنب إنت بتعمله فيها كل يوم. 

ظل يحدق في انعكاسه لحظات، قبل أن يثور بجنون عاشقٍ أضاعته السنين، ويصب لعنته على الزمن والأيام والعمرر :
-كني فاكر أني قدرت أنساها طول السنين دي !! طلعت حية وعايشة چواي!! كان هينقص أيه على الدنيا لو حببتها فيّ !! لو قاسمتها عيشتي وقلبي وفرشتي .. وبعدهالك عاد يا وِلد الچباس !!! 

هنا فتح شرفة غرفته ليتفاجأ بها تهذى تحت غرفته ، ترتجف ، تلتمس الدفأ من احتكاك كفوفها بذراعيها وهي متغيبة عن الوعي .. لم يفكر للحظة ، فارق غرفته سريعا وهو يندفع بكل لهفته نحوها ، ما وصل إليها أول شيء فعله أنه تحسس حرارتها المرتفعة تحت تأثير الهذيان ، نزع ثوب العناد وارتدى ثوب الأبوة .. ظل يهرتل باسمها :

-نغم !! نغم فوقي عاد .. أنتِ إيه مقعدك إهنه .. 

ثم صاح مناديًا برعب :
-ياااماااااااا 

 وما إن حاولت أن تدفعه بعيدًا، حتى خانتها قوتها مال جسدها فجأة، وسقط رأسها على صدره تجمد فارس مكانه للحظة… كأن قلبه لم يستوعب أن المرأة التي قضى عمره يتمنى قربها أصبحت الآن بين ذراعيه!!!
بدون تفكير حملها بين ذراعيه وهو يركض بها نحو حوض السباحة متجاهلًا صقيع الشتاء الذي لم ينجح للمرة أن يبرد قلوبهم ونزل بها في وسط المسبح .. 

تمتمت نغم صارخة من قسوة الألم وهي بين يديها ، لا تعرف كيف تهرب ولا كيف هوى بها الصبح إلى هنا .. ظلت تهذي بإعياء :

-في ايه !!! انا زينة !! بعد عني .. أنا فين ؟؟! 

ثم أخذت تسعل بقوة وهي بين الوعي والتغيب :
-بكرهك ، أنت چيت لي منين .. مش طايقة ريحتك ..بعد عني .

برر بلهفة :
-حرارتك لازمًا تُبرد .. جسمك قايد نار ، بطلي عند ومقاوحة عاد .. 

أغمضت جفونها بمرض :
-عقولك بعد وسيبني وو 

تشبث بها أكثر، وأصر بعناد عاشقٍ لا يعرف كيف يكون ضعيفًا أمامها:
-ماهواش بكيفك يابت عمي … 

جاءت أمه وابيه ركضًا من الداخل :
-خبر أيه يا ولد .. ؟!!

حملها بين ذراعيه متأهبًا للخروج :
-كلم حكيم يا بوي ، دي هتروح منينه …… 

••••••••••••••

" …. "

سحبت " رغد " رأسها المثقل بالخيبات من فوق عظام صدره التي اعتادت أن تحوي آلامها .. لملمت شعرها الغجري وهي تتفقد ملامحها الهادئة التي يبرزها ضي الفجر المتشقق .. ظلت عيناها تتجولان بالغرفة كمحاولة منها لاسترجاع ما حدث بالأمس .. اخذت تتفقد حالة الستار المتراقصة على نسمة هواء الفجر ، الذي سرى صداها بقلبها وهي تشم رائحتها المحملة بعطر قربه .. 

ظلت تتاملـه طويلًا وتتفقد ملامحه التي اشتاقت ، امتدت يدها بتردد كي تمررها على ملامحه النائمة ولكن شيئًا ما محمل بالخوف معنها ، جعلها تشكوه سرًا ، وتروي له مخاوفها همسًا ..

كيف تخبر الجميع أن قلبك ما زال خائفًا؟� ليس مما هو قادم، بل مما مضى…� فبعض ما عشناه لم ينتهِ بانتهائه، بل ترك فينا خوفًا لا يعرف كيف يرحل، ولا يعرف كيف عليه أن يأمن لأيام تقسم له بأن ما بين ذراعيها أمان لا يجرح ولا يؤذي مرة أخرى !! كيف يروي مأساته مع ذكرياتٍ كلما ظننا أننا تجاوزناها، عادت إلينا في هيئة كابوس يُحيي فيك كل ما طننت أنه قد مات ..
تالله لم يكن خوفًا من الغد ، فالغد لم يؤذيني بعد .. إنما خوفي من أن يأتي بشيءٍ يشبه الأمس، أن أطمئن مرة أخرى، ثم أكتشف أنني كنت أكرر الحكاية ذاتها بنفس الألم ولكن  بأسماء ووجوه مختلفة .. 

فاقت من شرودها وهي تنهد بمرارة كي لا تفسح المجال لقلبها بأن يحن ، يغفر ، ينبض بحبه من جديد .. دارت لتنسحب من جواره ففوجئت به يمسك كفها ويهمس :

-رايحـة فين ؟! 

ارتدت قناع التمرد والعنـاد :
-أنت مين سمح لك تنام هنا ؟! 

تمدد بذراعيـه كأنه يستعد لمعركة جديدة :
-يافتاح يا عليم ، ابتدينا .. صباح الخير الأول .

ثم اتكأ على مرفقه وهو يداعب ذقنها :
-هاه زعلانة ليه ؟!

زفرت رغد بضيق:
-هاشم ، متغيرش الموضوع .. أنت استغليت إني مش لي وعيي امبارح ولقيتها فرصة مناسبة  وو

قاطعها بتعجب :
-ياستي وحصل أيه لده كله !! وبعدين هو كان ينفع اسيبك تنامي في الحالة دي لوحدك !! رغد أنت مراتي . 

عقدت رغد حاجبيها بامتعاض:
-أنت أزاي بتتكلم كده كأن مفيش حاجة ، هاشم أحنا خلاص طريقنا انتهى، أنا مستحيل هعرف ارجع اثق فيك مرة تانية .. شخص كذاب ومخادع وأناني ومش بيفكر غير في نفسه وبس .. أنا كل يوم بسأل نفسي انا ازاي صدقتك وغميت عينيا ومشيت وراك !! 

ابتلع غصة اهانتها بضيق وهو يطلق زفيرا قويًا :
-أيه اللي عملته شايفاه خداع وأنانية يا رغد !!

أطلقت ضحكة ساخرة :
-كمان !! أنت لسه بتسأل ؟!! بجد مش طبيعي .. أنت لازم تروح تتعالج يا هاشم.. 

ترك فراشه وهو يبحث كالمجنون على لفافة تبغ وجدها بجيب بنطاله ، أشعلها كي يفرغ بها مخزون همومه وهو يجوب بالغرفة ذهابًا وإيابًا  :
-شايفة كده يا رغد !! عمرك ما فكرتي أني ضحيـة ، فجاة اتولدت في عيلة بيتحكمو فالنفس بتاعك !! اخترت كليتي اللي كانت جريمة بالنسبة لهم عشان اهرب من ظلمهم وجهلهم !! 

ثم نفث دخان سيجارتـه وأتبع مغلولًا :
-شفت بنت عجبتني ، عشقتها واتجوزتها وخبيتها عن العالم كله عشان محدش ياذيها وهي بعنادها جت وبوظت كل ده !! قوليلي أنا غلطت في أيه !! غلطت عشان اخترت أعيش بعيد عنهم !! 

-أنت مهما قلت عمرك ما هتكون ضحية يا هاشم !! 
انت جاني !!

عاندها بإصرار :
-حتى أنتي يا رغد!!! 

أطلقت ضحكة آسفة :
-كل واحد فينا اتفرضت عليه حياته بشكل أو بآخر… محدش فينا اختار كل اللي حصله، ولا اختار الظروف اللي حطته في طرق مكنش مخطط يمشي فيها.
الحياة مش بتاخد إذنك قبل ما تحطك في اختبار، ومش بتستأذنك قبل ما تغيرلك الطريق… 
لكنها بتسيب لك حرية واحدة،  إنك تختار ترضى، ولا تمشي ورا هواك … وفي الحالتين، المهم إنك تكون أد اختيارك… تتحمل تمنه، وتكمل للنهاية، من غير ما تلوم الحياة على قرار أنت اخترت تكمل فيه.

ثم وقفت أمامه وبنفور وهي تشد السيجارة من يده بعتاب :
-أنا حامل وغلط عليا الأرف اللي بتشربه ده !! ولا نسيت أن اللي في بطني ده ابنك وأنت مسئول تحميه وتأمن حياته .. الحياة اللي أنت اخترتها يا هاشم ..والطريق اللي ابتديته مجبر تأمنه بطريقتك .. خلاص انتهى زمام الهوى .. 

قبضت كفها على لفافة التبغ المشتعلة كي تغطي على نيران قلبها بدموع محرقة تسيل من عينيها:
- أنت عملت في قلبي كده بالظبط ، ولعت سيجارة واستمتعت بيها وأخدت منها كل اللي عايزه ، ولما زهقت ولقيت ان الموضوع كبر قلت تحرق كل ده وتمشي ، ما خلاص عشت اليومين اللي عايزهم في الحلال وو

ثار غضبه وهو يراها تطفئ السيجارة بيدها وهو يحاول ينقذها :
-أنت اتجننتي !! بتعملي ايه يا مجنونـة أنتِ .. 

سحبها بسرعة على الحمام وهو يغرق يدها المحترقة بالماء ويعاتبها عن جنونها بقسوة :
-أنت ازاي تعملي في روحك كده !! 

وقفت مستسلمـة للماء المتدفق متأملة أن يهدا من حشاشة روحها الملتهبـة .. سحب هاشم منديلًا وجفف يدها واخذ يبحث عن مرهمٍ للحروق ، حتى وجد مرطبًا ، أخذ يداوي جرحها برفق وهو يلوم نفسه على الحالة التي وصلت لها ، فأردفت بصوت متألم ودموع منهمرة :

-المرهم وهيداوي جرح أيدي ، لكن جرح القلوب هنداويه أزاي يا سيادة الرائد !!! 

جملة فجرت عيون الندم الخامد في صدره ، بدون تفكير ضمها إليه وهو يوزع قُبل اعتذاره على شعرها ، ملامحها وكفوفها ، فلم يدع إنشًا منها لم يطوقه بوسام اعتذاره .. كأنه يحاول بلمساته أن يمحو كل وجع تسبب فيه ..

كانت مستسلمة ، كل ما بها ساكن إلى دموع عينيها لم تتوقف للحظة .. لثوانٍ معدودة رفعت رايات عنادها تحت مسمي التعطش لوجوده بحياتها من جديد .. 
وفي اللحظة التي ظنت أنها عادت لوطنها بعد الغربة .. وأنها منه وإليـه وبه تحييا ، استيقظ شبح الغرور الأنثوي وهو يهمس لها …
كيف تشرح لهم أنك لا تهرب من الحب،
بل تهرب من النسخة التي أصبحت عليها بعده!!تلك التي كانت تصدقك وتنتظرك وتغفر أكثر مما ينبغي،� وتبحث لك عن ألف عذر كلما خذلتها،حتى نسيت أن تسأل نفسها: "ومَن سيعتذر لقلبي عن كل هذا؟!!!!!"
كان حضنه دافئًا كالماضي… وكان قلبها أضعف من أن يقاومه، لكنها تذكرت فجأة أن أكثر ما يؤلم في الماضي،� أنه حين يعود إلينا لا يعود وحده خالي الأيدي،  بل يصطحب معه كل ما كسرنا به وأنهك معه روحنا . 

دفعته بكل ما أوتيت من هزائم كي لا تتبع قلبها المتيم به :
-اطلع برة ياهاشم ، أنا بكرهك .. 

خرجت الكلمات مرتعشة، كأنها لم تكن موجهة إليه بقدر ما كانت محاولة منها لإقناع نفسها بها؛ثم مسحت دموعها بعنف، وأتبعت:
- كل اللي بيني وبينك دلوقتي حياة ابننا،  حاول متضيعهوش من إيدك… زي ما ضيعتني. 
•••••••••••••••

"بغرفة هارون " 

-" السلام عليكم ورحمـة الله …"

كانت تلك كلماته الأخيرة وهو يفرغ من صلاة الفجر، بعد ليلة طويلة قضاها إلى جوارها، يحاول أن يتغلب على كوابيسها، وعلى أشباح الليل التي لم تكفّ عن مطاردتها..
 دار إلى تلك الحسناء المستلقية على الاريكـة وتراقبـه بعينين يفيض منها الامتنان والخوف من المجهول .. فاستقبلت ابتسامتـه برضا :
-تقبـل الله يا أحلى عمدة في الدنيا كلها .. 

-وه وه ، تنام نار تصبح رماد ولا ايه .. صباحك عسل يا ست البنات .

ثم داعب خصلة من شعرها :
-نمتي زين ؟! 

تنهدت بخفـة وقالت بمرحٍ وهي تقلده :
-نمت زين … 

ثم تغنجت في جلستها، قبل أن تبوح له بسر ظل حبيسًا في صدرها طويلًا:
-من وفاة بابي ، مفيش يوم عدى عليا نمت فيه من غير قرص منوم .. لكن اكتشفت كده ان في حاجات مفعولها أقوى بكتير من الطب والدوا .. 

تعانقت أعينهم بنظرات الحب :
-يعني نظرة أمان واحدة بس منك قتلت كل الخوف والقلق اللي جوايا .. أنت بجد أزاي كده !! 

قطب حاجبيـه مداعبًا :
-المهم عندي أشوفك مرتاحة ومبسوطة .. وانسى حوار الطب والدوا ديه طلعيـه من راسك .. طول منا چار مش عاوزك تعتلي همّ شيء بالدنيـا ..

هناك بعض الرجال لا يقتحمون قلب المرأة بالكلام، بل يدخلونه من أضيق أبوابه… من خوفٍ طمأنوه، ومن دمعةٍ مسحوها، ومن ليلةٍ نامت فيها لأول مرة دون أن تحارب كوابيسها . 

مدت كفها كي يلمس قطن ملامحه التي تشع بنور الوضوء ودعت له :
-ربنا يحنن قلوب أهل الدنيا كلها عليك ، زي ما انت حنين عليا كده ..

ثم اعتدلت في جلستها وأكملت بصوت أكثر دفئا  :
-ليلة أمبارح اثبتت لي أني اخترت صح يا هارون ، عمري ما كنت اتخيل أن الحنيـة دي كلها موجودة في قلبك .. أنت هتفضل على طول كده… صح ؟! 

قبل كفها الرقيق الذي يداوي جروح ملامحه القديمـة :
-أنا على طول حضني مفتوح لك ، بس أنتِ اللي ماينفعش تبقي كِده ، عاوزك تنشفي هبابة ، مش كل هزة ريح توقعك .. حتى ولو حاسـة أنك ضعيفة من چواكي متوصليش شعورك ديه للي قدامك .. 

كانت تستمع لنصيحتـه باهتمام بالغ :
-طيب لو طلع الخوف فعلا أقوى مني !! أعمل أيه ؟!

ترك مكانه وانتقل إلى جوارها، وكأن قربه وحده كان قادرًا على إسكات كل ما عجزت الكلمات عن تهدئتها ويهيمن عليها بخيوط حبه :
-متفكريش غير في حاچة واحدة بس ، وهي أنك مرات هارون العزايزي اللي عنده يشيل ويحط الدنيا دي عشان خاطرك .. أنتِ في ضهرك چيش يا ليـلة .. مضحكيش الناس عليـنا عاد . 

ثم ابتسمت وهي تنظر إليه بحب:
-يانهار أبيض ياهارون !! أنت فاكر حكاية أني «مرات هارون العزايزي» دي هتخليني أخاف أقل واطمن !!  دي بالعكس هتخليني أخاف أكتر ..و 

رفع حاجبـه باعتراض :
-بردك ؟!!!!! 

اقتربت منه قليلًا، وقالت بصوت خافت خرج من أعمق نقطة في قلبها:
-عشان اللي تلاقي أمان وحب بالشكل ده… بيبقى عندها أغلى حاجة يخاف يخسرها . 
كانت جملتها أبسط من أن تُربك رجلًا مثله… لكنها أصابته في مكان لم تستطع هي نفسها الوصول إليه؛ ثم وثبت مراوغـة وهي تبتعد عنـه :
-أنا لازم أخرج من هنا قبل ما حد يشوفنـي .. 
ثم تراجعت للحظة، وكأن سؤالًا صغيرًا لم يستطع فضولها أن يتركه، وقالت بدلال :
-هو لو حد شافنا ، هتقولهم أيه ! 
اتسعت ضحكته وهو يلحق بها :
-هقولهم غوتني ، والشيطان شاطر .
تدللت بهدوء :
-هااا وايه كمان ؟!
-وأنا راجل غلبـان ، بغرق من جوز عيون حلوين ..
ابتلعت ضحكتها ولكن لمعة عيونها فضحتها وهي تقول بجدية :
-هارون بتكلم بجد المرة دي .. لو حد قفشنا هتقولهم أيه عشان نعمل حسابنا ؟!
هارون بثقة :
-هقولهم الحقيقة ..
-اللي هي بقا ؟!! 
-هقولهم في يوم ما طلعتلوش شمس ، إني لقيت واحدة خايفـة ضايعة علي الطريق، فاضطريت أخليها أمانـة عندي لغايـة ما تعرف طريقها… 
ثم دنى منها بحنانٍ اكثر :
-وأنا راچل صعيدي دمي حامي ، مايسبش اللي في حمايته خايف واصل . 
-والله!! وهما هيصدقوك  كده ؟! ده مبرر يعني أنها تكون موجودة في أوضتك ؟!
داعب وجنتها بغزل :
-طب أعملها أيه ؟!  ماهي دي الطريقة الوحيدة اللي نفعت معاها .
تملصت من يده كالأرنب الخائف وركضت نحو الباب وهي تخبره :
-أنت تعرف ان شهرزاد كانت كل ليـلة تهرب من حضن الملك وهو نايم .. وطول اليوم كان ينقطع عنه أخبارها ..
-طب وليـه الغلبـه دي ؟!
وضعت يدها على مقبض الباب وهي تكمل له الأسطورة :
-عشان تشغله بيها طول الوقت ، تخليه يفكر إذا كان وجودها حقيقة ولا حلم ؟!
ثم التفتت إليه، وتابعت
-لو حقيقة عمره ما هيبطل يدور عليها .. ولو حلم ، هيهرب من كل الستات عشان ينام ويقابلها من جديد في أحلامه … 
وقبل أن تدير المقبض، كان قد حاصرها بذراعيه، رافضًا أن يترك لها طريقًا سهلًا للهرب؛ فأكملت جملتها الأخيرة وهي تحت ظله:
-عشان لو ضمن وجودها هيبطل يدور ، وهيبطل يسأل ، وهيبطل يحب .. 
-طب وأخرة الفرهدة دي كلها أيه ، عشان أكون عامل حسابي ..!!

قطمت شفتها السفلية وهي تقول بغنج طفولي :
-هقولك وبعدها همشي على طول ..
-موافق ياستي ، بس طمني قلبي وقولي أن فيه امل مش جو العسكر والحرامية ديه !!
وضعت كفوفها بينهما كحاجز صغير وهي تقول :
-طب ابعد شوية كده .. يلا ارجع خطوة لورا .
لبي طلبها وهو يقطع خطوة للخلف :
-هاه سامعك يالا قولي .. أخرتها أيه !!
بللت حلقها الذي جف من هول قربه وقالت بنبرة خافتـة وهو تستعد للهرب من أمامه:
-عيشتـه ليـلة ، وبعدها ألف ليـلة عمره ما كان يحلم بيها ..
ما انتهت من رمي جملتها الساحرة التي حلقت بخيالها لفوق سُحب الحب ، فتحت الباب وهرولت مسرعة بحيـاء لانها تعلم جيدًا بطرقها على باب لم تقدر على مواجهته أبدا .. نادى بهمس بعد ما ادرك فعلها :
-ليلة خدي هنا .. 
ما إن ألقت جملتها الساحرة التي حلّقت بخيالها فوق سحب الحب، حتى فتحت الباب وهرولت مسرعة، بحياء امرأة قالت أكثر مما كانت تنوي، ثم هربت قبل أن تضطر لمواجهة أثر كلماتها عليه.
ظل هارون واقفًا مكانه للحظات، يحدق في الباب الذي أغلقته خلفها، وكأنها لم تخرج من الغرفة بقدر ما تركت شيئًا منها عالقًا في قلبه.
ناداها هامسًا، وقد أدرك فعلتها:
— ليلة… خدي هنا.
لكنها كانت كالفراشة الحرة؛ هربت من بستانها المفضل، وتركت خلفها رجلًا يعيش على أمل انتظارها، حتى يكتب لهما لقاء آخر.. غير أن لكل شيء ضريبته…
وكان ثمن مشاعرهما الجياشة أن عينا «زينة» التقطتا ذيول المشهد .. كانت واقفة في الظل، متوارية عن الأنظار، تحدق في الباب الذي خرجت منه ليلة، وقد تجمدت ملامحها من هول الصدمة وتناست أمر تقلصات بطنها ثم تحولت الصدمة إلى حقد…والحقد إلى نار.
اشتعلت عيناها بوعد أسود، وهي تراقب خطوات ليلة تبتعد، وتتمتم في سرها:
- المرة دي… مش هفوتهالك يا كهينـة .
وانطفأت آخر لمعة للرحمة في عينيها، بينما وُلد في صدرها قرار أخطر من الغيرة نفسها "أن تنهي حياة المرأة التي سرقت منها هارون" 
••••••••••••••
"في تمام العاشرة صباحًا "
دخل هارون مكانًا مهجورًا بين طرقات الجبل وخلفه مجموعة من الحرس، ركل الباب الخشبي بقدمـه وعو يصيح مرحبًا بفريسته :
-وقعة الشاطر واعرة قويـة يا ولد سويلم !! فكرك لو هربت من الدنيا كلها مش هتعر فيك !! نسيت أنا مين وأقدر أسوي أيه …؟!

حاول خضر فك الحبال التي تكبله وهو متعمد استفزازه :
-كنت ، كنت هارون العزايزي اللي الكل يهابه قبل ما يخش هواه كييف الحريم.. 
ثم تفقد النظر لرجال هارون وأتبع :
-أكمل قصادهم ولاه عشان الهيبـة يا عُمدة ؟!! 

صاح هارون آمرًا رجاله :
-سيبونا يا رچالة ، شكل الحديت هيعجل بقضا صاحبه ..
غادر الخفر من خلفه تنفيذا لاوامره ، وهنا وضع هارون قدمه فوق المقعد الخشبي القديم وهو ينصت إليه :
-هااه إكده بقينا لروحنا ، سمعنا كُنت عتقول أيه .. ؟

أطلق خضر ضحكة ساخرة وأتبع :
-كييف الحريم عيذل ياابو عمو ، واللي خلاني مربوط إكده قدامك ، هو نفسه اللي هيخليك تركع قصاد العزايزة بكرة تطلب العفو والسماح …

التوى ثغر هارون بضحكة ساخرة :
-فاكرني حمار زيك ؟! الغباوة مش إنك تخالف القانون، الغباوة إنك تسيب دليل وراك .. 
ثم غمز له بطرف عينـه :
-في ناس بتعرف تكسر القواعد، وناس تانيين بتعرف تعيش جوّاها  وتاخد اللي عايزاه من غير ما تكسرها .. وأنت وشطارتك ..
وصل خضر لذروة غضبه صارخًا:
-عاوز أيه يا ولد العزايزي !! 
-لا اهدى معاي عشان يحلو الحديت عاد .. أنت إكده ميت وإكده ميت ، بس عندي اقتراح يخليك تطول في عمرك هبابة !! أيه قولك ، تسمعه ؟!! 
•••••••••••••
-أنا ماعارفاش هاودتك وچيت إهنه عشانك كيف .. شوف يابن الناس ، حواديت بنات بحري دي ماليش فيها .. وو 
صعدت هاجر السيارة التي كانت تنتظرها بالمدينـة بعد ما قفلت بابها بقوة وهي تعاتب شريف بجملتها الأخيرة ، أحكم قفل السيارة عليهما وقال بوجه الثعلب الذي يسكنه :
-هي دي وحشتيني .. ولا آخرك تحبي فالتليفون ونقضيها خناق في الوش .. 

-وه وبعدهالك عاد ، أنت هتبطل حديتك ديه متيه ؟! وبعدين يلا خلصني وقول عايز ايه قبل ما حد يوعالنا . 

عارضها شريف بلوم :
-ماتهدي بئا ، ولا كل دي غلوشـة عشان متقوليش أني كمان وحشتك !!

أحمر وجهها بخجل :
-يوه وبعدين ياشريف ، هنزل هااه ، لم روحك .. 

شرع بالتحرك بسيارته متجاهلًا صياحها وخوفها :
-هوديكي نشرب حاجة بس، أيه مش واثقة فيا .. 

-شريف وحياة أبوك ، انا مرعوبة لوحدي أخواتي لو شافوني هيعشوا بيا الديابة .. قول اللي عندك خليني أروح .. 
صف سيارته جنبًا وهو ينظر إليها بملامح الخداع :
-أخرة كلام الموبايلات والشات أيه يا هاجر ، يعني شايفة أننا هنقضي عمرنا كله كده !! مفيش خطوة ؟

برقت عينها من هول المفاجأة :
-خطوة زي أيه !! مش فاهماك ..
-هاجر ، أنتي كبيرة مش صغيرة، علاقتنا دي اخرها ايه ؟! جواز ولا تسالي ؟
-جواز ايه يا شريف ، ما أنت خالر زين أنه ما ينفعش !! 
هز رأسه متفهمًا :
-يعني عاوزاني ابعد .. 
حركت رأسها يمينًا ويسارا:
-ولا عايزاك تبعد عني .. أنا مابقتش قادرة أعدي اليوم من غير مااسمع صوتك .. 
فاض صبره :
-طب ايه !! 
سألته بمرارة :
-طب وناسي، وعرفنا واخواتي !!! لالا مش هقدر ياشريف ، مش هقدر أقف قصاد كل دول .. أنا روحي في اخواتي وو 
هقهقه شريف ساخرًا وهو يرمي على مسامعها قنبلته الموقوتة :
-اه اخواتك !! مين في أخواتك ، هلال اللي وقف قدام الكل واتجوز واحدة في عرفكم خاطية !! ولا كبيركم ؛ هارون اللي اتجوز المذيعة !! كنتي تعرفي دي !! 
ثم نظر في عينيها وهي مازالت تحت تأثير صدمة أخيها وقدوتها ، كي يصل لعقر دارهم بمخططه :
-هاجر فوقي ، الزمن ده كل واحد بيختار اللي يريحه وبس ، محدش بيعمل لحساب لحد ، قدامك حل من الاتنين يا تهربي معايا ونتجوز ، ياما تواجهي أهلك بالحقيقة.. فكري وقرري بس انا مش هستنى كتير .. 
••••••••••••
- كُتر التفكير عَفش، بيقصّر العمر ويخلّي الواحدة تعجَز بدري.
في ساحة القصر الواسعة، وبعيدًا عن غرفة أحلام التي اعتادت أن تجمع الأحبّة، أردفت تلك العجوز الحسناء جملتها الأخيرة على مسامع رغد، التي أُجبرت على مغادرة غرفتها ومجالستهم، فأتبعتها ليلة مؤيدة:
- أحلام معاها حق، وبعدين الزعل بيضرّ بصحة البيبي، ويطلّع بيبي كئيب ونكدي كده على طول، مكشّر في خلق الله.
ثم همست بمزاح، وهي تكتم ضحكتها:
- زي هاشم باباه بالظبط…
ابتسمت رغد مدافعةً عنه:
- عمره ما كان بيحب النكد والله، هاشم ده وهو رايق تاخدي منه ضحك ودلع الدنيا كلها.. ده عليه أفكار مجنونة كده فجأة، تخلي العقل يطير، و…
كانت ليلة تستمع إليها بنشوة المحبّين وحكايات الحب، وضعت كفّها أسفل خدّها، وقالت بانتباهٍ متعمّد:
- هاه… وأيه كمان يا ست رغود؟!
تململت رغد في جلستها، مرتديةً قناعًا عابثًا يخفي ارتباكها:
- احم… كان… هااا، كان زمان! لكن هاشم اللي قدامي دلوقتي؟ أنا معرفهوش خالص.
تدخلت أحلام بنبرةٍ مطمئنة:
- متقلقيش، كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن.. إنتِ بس ادعي ربك يحلّها.
تنهدت رغد بحرقة:
- يعني في أمل يا أحلام؟! مش هصحى على كابوس في الآخر؟!
أردفت أحلام بيقينٍ وثقة:
- طول ما رچالة البيت ديه حسّهم في الدنيا وعايشين، معندناش حريم تعتل همّ حاجة.. دول هما السقف اللي مضلّل علينا وشايل عنينا كتير قوي.
تدخلت ليلة على الفور، مؤيدةً كلامها:
- أحلام معاها حق، هارون كده بالظبط!
تحررت رغد من حزنها قليلًا، ومازحتها:
- آااه هارون! ماشي يا ستي…
هزّت ليلة رأسها بإنكار طفولي:
- لا لا لا! رغد، إنتِ فهمتي إيه؟! ده هارون أخ وصديق بس يعني… ولا هو باين إن في حاجة تانية؟!
رفعت رغد حاجبًا بمكر:
- بصراحة؟ باين إن في حاجات… مش حاجة واحدة بس.
دارت ليلة بوجهها ناحية أحلام، وقد اتسعت عيناها بدهشة:
- بجد يا أحلام؟! في حاجة باينة عليا!!
وقبل أن تجد أحلام فرصةً للإجابة، ظهرت رُقيّة، والمغرفة في يدها، تسأل بجديةٍ لا تخلو من البراءة:
- أحلام، طاجن البامية بتتعمل بالتوم ولا البصل هنا؟
أجابتها أحلام، وهي تكتم ضحكتها:
- بالاتنين يا ناصحة.. البامية بنعملوها بالتوم والبصل.
فتحت رُقيّة عينيها بدهشة:
- بجد؟! أحط الاتنين يعني؟!
وفي تلك اللحظة اقتحم هيثم مجلسهن بخفة دمه المعهودة، وقال وهو يتلفت حوله:
- طب بذمتك، ما نفسكِش تشوفي مرت هيثم مربّعة مع البنات الحلوة دي؟!ياااااه ..
عاتبته أحلام:
- يا واد لمّ لسانك، حد من أخواتك يسمعك هيشندل بالك.
تربع على أحد كراسي الانتريه، وكأنه واحدٌ من أهل المجلس منذ الصباح:
- طب ما أنا بقول حق ربنا.
ثم مال على أذنها وهمس بمكر:
- أخواتي دول طلع ذوقهم عالي قوي.. وبس وحياتك يا حلومة يا قمر، أنا لا أغيّرلك نسل العزايزة كله.
لكمته أحلام في كتفه بمزاح:
- وهما أخواتك قصّروا معاك؟ جابولك بت الشرق وبت الغرب، فاضل إيه تاني؟!
ابتسم هيثم بثقة:
- فاضل بت الخواجة…
ضيّقت أحلام عينيها:
- بردك لساتك حاططها في راسك؟!
وفي تلك الأثناء جاءت صفية، تحمل صينيةً معدنية تفرز بها حبات الأرز، وقالت وهي ترمقهم بنظرةٍ ساخطة:
- والله عال! قاعدين تتسايروا، والخدامة اللي جابهالكم خليفة العزايزي توكّلكم وتخدمكم!
تدخلت رُقيّة مدافعةً عن نفسها:
- وأنا مش بساعدك يا عمتي؟!
أردفت صفية بحسرة:
- آاه تساعديني! وإنتِ كل هبابة أروح أسأل أحلام الأول.. ده يا بت، إنتِ لو ناوية تجلطيني، ما هتعملي فيّ إكده!
دافعت عنها أحلام:
- مالكِ بيها يا صفية؟ كتر ألف خيرها، البت واقفة تاخد بحسّك في المطبخ.
تمتمت صفية بضيق:
- دي مطلّعة حسّي يا عمة…دي ما قدرتها غير ربنا .
وقبل أن يستمر الجدال، جاء هلال عائدًا من عمله، ملقيًا على مسامعهم تحية الإسلام.. وما إن وقعت عين رُقيّة عليه، حتى ألقت المغرفة التي بيدها فوق صينية صفية، وهرولت نحوه بحماسٍ طفولي لاستقباله:
- حمد لله على سلامتك يا مولانا.. يومك كان حلو؟!
التوى ثغر صفية بغيظ، وقالت لأحلام:
- شايفة كهن البت اللي بتدافعي عنيها يا أحلام؟!
صاحت رُقيّة متعمدةً:
- حقك عليّ يا عمتي.. شيّعي لزينة تاچي تساعدك.
ثم أمسكت بيد زوجها، ولم تمنحه فرصةً حتى لالتقاط أنفاسه:
- تعالى، عاوزاك فوق.. في حاجة لازم تعرفها.
تبع خطاها متسائلًا:
- مهلاً، مهلاً يا رُقيّة…
لكنها تابعت خطواتها المتعجلة، تحت نظرات صفية الحاقدة وهيثم الناقمة.
تمتم هيثم وهو يتابعها بعينيه:
- يلا عقبالي يا رب…
ما إن وصلا إلى الغرفة، حتى شرعت رُقيّة في مساعدته على خلع ثيابه، بينما ظل هلال يراقب عجلتها الغريبة باستغراب، إلى أن سألها:
- ما بكِ يا رُقيّة؟ أراكِ تنافسين الصغار في شقاوتهم وعبثهم!
علّقت عباءته الأزهرية في مكانها، ثم التفتت إليه وهي تقول ببساطة:
- دي بس عشان وحشتني شوفتك وطلتك .. 
رفع حاجبه بعدم تصديق:
- كلا!
تأرجحت عيناها بحيرة، ثم تنهدت:
- آاه، بصراحة هقول.. بس خايفة تزعل مني، بس لازمًا أقول، واللي سمعته هقوله ؛ ماشي؟ قول ماشي…
-ااااه سمعتي !! استر يارب 
رفع حاجبه بعتب، ثم مد يده وجذبها برفق من طرف أذنها:
- من علّمكِ أن تتصيّدي الأحاديث من خلف الأبواب يا رُقيّة؟!
عبست وهي تفرك أذنها:
- أهو شفت؟! أديك قفلتها في وشي.. مش قايلة حاجة.
وحين همّ بالابتعاد، وقفت أمامه كالسدّ المنيع، مانعةً طريقه.
- رُقيّة!
رفعت عينيها إليه.. قال بنفاد صبرٍ مصطنع:
- من الآخر، قولي اللي في چوفك.
وعلى الفور، وتحت تأثير عينيه، انطلقت الكلمات من فمها:
- العقربة اللي أخوك بلانا بيها… يووه! قصدي زينة.
قطّب هلال حاجبيه:
- هاه؟ زعلتك في إيه؟!
شرعت في شرح الأمر باستفاضة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أن سمعت الحديث:
- لا مزعلتنيش، ودي تقدر كنت حشيت رقبتها.. بس أنا كنت داخلة المطبخ أخد بيد أمك، قصدي يعني عمتي صفية.. سمعتها بتتكلم مع حد وبتقوله: “شمس نهار بكرة مش هتطلع على ليلة، يا أنا يا هي”…
توقفت أنفاس هلال للحظة ثم عضّ على شفته، وقد وجد نفسه بين نارين؛ نار غضبه من تنصّت رُقيّة على حديثٍ لم يكن لها، ونار الكارثة التي يبدو أن زينة تنوي ارتكابها .. أما رُقيّة، فلم تعبأ بأيٍّ منهما، بل ابتسمت بانتصارٍ طفولي، وقالت وهي تشير إلى أذنها:
- مش بقولك؟! دي عقربة! شفت أهو؟ رمي الودن جه بالخير أهو!
••••••••••
-طب قولي ناوي على أيه متسبنيش ماشي عمياني إكده!! 
اقتحم هاشم المندرة على أبيه الذي يعيد قراءة أوراق اثبات الملكيـة التابعة لماهر العزايزة باسم ابنته ، ما أن رأه أخذ أعاد الأوراق لمكانها ملتفًا لسؤال ابنه :
-بخصوص أيه !!

-بخصوص مرتي وولدي يا بوي ؟! قولي انت وهارون في راسكم ايه ، ولا مستنين العزايزة لما يخلصو عليهم ..

وقف أبيه أمامه وهو يترجم معالم ابنه المتمردة دومًا :
-وأنت دلوق عاوز ايه ؟! عاوز مرتك وولدك ولا عاوز شغلك ؟! هاه اللعب بقا على المكشوف دِلوق !! 

وقف مصدومًا من مواجهة أبيه :
-مش هسيب شغلي مهما حصل يا أبوي .. 
عانده خليفة بصرامة:
-يبقى مدورش ومتسألش  على مصير مرتك وولدك .
-يعني ايه يا أبوي !! انا عاوزهم مش مچيتهم بخراب محناش قديه ياابوي .. 
رد واعظًا :
-الرجالة بتحفر نفق تعدي منيه في قلب الچبل ، مش يقفلو الابواب .. عمرك ما هتفهم ولا هتعقل .

رفع رأسه بحزم :
-أنا خدت قراري يا أبوي ، هاخدهم وهنمشوا من العزايزة تِمًا ومشكلتي أنا هحلها بس بعيد عن هنه ….. 

تعليقات