رواية اشباح المخابرات المقدمات الافتتاحية 1 بقلم اية محمد رفعت

 

رواية اشباح المخابرات المقدمات الافتتاحية 1 بقلم اية محمد رفعت


سكبت الشمس أشعتها، وتركتها تتسلل بخفةٍ ودلال، رغم تمرد تيار الهواء الذي يتمايل بين الأشجار، يهز ورقياتها فتتساقط من شدته، ولكنها بقيت شامخة في محلها دون أن يهتز جذعها، تصطف جانبًا جوار مجموعة كبيرة، ومن أمامها مجموعة أخرى، بينما تتلوى الورقيات بالمنتصف، كأنها تنازع رمقها الأخير، على عكس من يخطو فوقها، راكضًا بخفةٍ ونشاط تنافي عمره الفعلي. 

تطايرت الاوراق من حوله، وهو يركض بثباتٍ، وأذنيه تميل للحركة الخافتة من خلفه، فاذا به يقطع طريقه ويميل بذراعيه يمارس تمارينه، هكذا ظن من يراقبه فاذا به يفاجئهم حينما استدار يصوب سلاحه تجاه من خلفه، ارتعبا الرجلين ورفعوا ذراعيهما بدهشةٍ، ولا أحدٌ يعلم كيف ومتى استخرج سلاحه، عبث بزيتونية عينيه التي تنتقل بينهما بمللٍ، وأعاد سلاحه بجيب جاكيته الرياضي، هاتفًا بجمودٍ: 
_هو إنت مش هتبطل لعب العيال بتاعك ده أنت والسفيه اللي معاك!  
ارتعب الحارسان وكلاهما يتطلعان لبعضهما البعض بقلقٍ، زرع على لسان أحداهما وهو ينطق بتلعثم: 
_ملقناش حضرتك في أوضتك فآ... 

قطع جملته ساخرًا: 
_فنزلت تدور عليا، عيل صغير خايف عليه أنت! 

أسرع الآخر ينفي ما وصل إليه: 
_العفو يا باشا آ.. 

عاد "رحيم" يقطع حديثه هادرًا بعنفوان: 
_خاف على نفسك إنت وهو أنا ميتخافش عليا، بالعكس وجودكم هنا هيحملني مسؤولية إنقاذكم وأنا بصراحه مبقتش طايق أشوق خلقتكم. 

واستدار يمضي بطريقه وهو يرسل إنذاره الأخير: 
_سلاحي نفسه يسلم على حد، حصلوني لو عايزين تناموا في أجواء شاعرية ممتازة زي دي. 

تراجع كلاهما عن محلهما، وركضوا في إتجاه معاكس له، بينما يمضي هو صوب المزرعة، ولج للداخل يلتقط المنشفة من أحد الحرس، وزجاجة المياه الخاصة به، رنا إليه أحد الحرس المسلحين،  يذكره بصوتٍ خافت: 
_العربية بانتظار سعادتك بره يا سيادة الفريق، تحب حضرتك أخليهم ينتظروك جوه المزرعة. 

ترك ما بيده وردد وعينيه لا تفارق الأبواب الخشبية التي تقع خلف المزرعة: 
_لا أنا هخرج. 

وأضاف بخبث اندمس بين زيتونته: 
_جبت اللي طلبته منك؟ 

حرك رأسه وهو يشير تجاه إحدى الصناديق الموضوعة جانبًا: 
_بنفس المواصفات اللي حضرتك طلبتها، والطريق قدام المزرعة متأمن. 

انبلجت على وجهه ابتسامة ماكرة، وزيتونته لا تفارق الصندوق، أشار بعينيه له: 
_فرجني! 

رفرف بأهدابه في دهشةٍ من مطلبه الخطير، وتساءل بارتباكٍ: 
_مش خطر يا باشا؟ 

شمله بنظرة أحاطته من رأسه حتى أخمص قدميه، فسحب الصندوق وفتحه وهو يلعن حماقته، من سواه يعلم كيف يتعامل مع هذا النوع الخطير من القنابل! 

اتسعت بسمة رحيم، وسأله وهو يتطلع للقنبلة بنظراتٍ شيطانية: 
_الباشا بتاعك فين؟ 

قطب جبينه بعدم فهم: 
_مراد باشا؟ 

صمته عنى اجابته، فتنحنح بتوترٍ وهو يسرع بقوله: 
_لسه منزلش من أوضته يا باشا، مفيش غير سيادة الرائد اللي نزل من شوية أوضة التدريب، في نفس معاده زي كل يوم. 

استل هاتفه من جيب بنطاله، ورفعه ينتظر أن يجيب المتصل، فاتاه صوته الناعس يهتف بخشونةٍ: 
_خير؟ 

حافظ على ثباته وهدر برزانة صادمة: 
_صباحك بصوت الرصاص يا شريك. 

وتابع وهو يراقب شرفة غرفته العلوية: 
_في قنبلة تحت في انتظارك، عايزك تركبها في عربيتي، ويا ريت تحطها في الكنبة اللي ورا تحت الكرسي بتاعي بالتحديد، بحيث اسيطر على الموضوع لو خرج عن السيطرة. 

قال ما ألقاه له وأغلق هاتفه، ثم مضى تجاه الصالة الرياضية، ببسمة انتشاء يفوح فحيحها الخبيث، حتى وصل إلى الطابق العلوي، وبالأخص غرفة الجوكر الذي أبعد الغطاء عنه وهو يتمتم بغيظٍ: 
_أنا كنت عارف آن السفرية دي وراها مصيبة. 

تبدد غضبه وهو يلقي نظرة حنونة على من تغفو على كتفه، شعرها البني يتناثر على كتفه، راقبها مراد بابتسامةٍ حنونة، تلك الفتاة التي لم ترث عنه ملامحه فحسب، بل شاركته بقوة شخصيته وبكافة مفضلاته. 

طبع قبلة على جبينها واستل كتفه عنها بهدوءٍ حذر، ثم سحب الغطاء ليداثرها، وقبل أن تصل يده لكتفها بالغطاء، قبضت على كفه وواجهته بشراسة ارتخت عنها وهي تستقبل ملامحها، فمالت للوسادة من خلفها ورددت بابتسامة جذابة: 
_صباح الخير على أجمل بابي في الدنيا كلها. 

صدر عنه ضحكة مسموعة، وجلس جوارها يمازحها: 
_بابي أيه بقى، من شوية كنت مسكاني مسكة المخبر للحرامي، مرين افصلي ما بين شغلك وحياتك، أي مكان أكون معاكِ فيه أمان. 

طالعته بزُرقة عينيها الساحرة، وفاهت بثقة: 
_واثقة من ده، الجوكر عمره ما يأمن مكان ويخترقه حد، وبعدين مين اللي مامته دعياله ده اللي يفكر يخش مكان فيه الجوكر والاسطورة! 

تلاشت ابتسامته وهدر بنزقٍ: 
_لا أي مكان فيه عمك لازم تخافي وتنامي قلقانه يا حبيبتي! 

وأضاف وهو ينهض لخزانته: 
_أهو جايب قنبلة تحت وشكله ناوي يفجر البيت على دماغنا، والله أعلم هنزل ألقيه عمل أيه في زين، أنا بترعب عليه معاه أكتر من رعبي عليه وسط المجرمين.

جلجلت ضحكتها الرقيقة، ومالت بجسدها تجاهه، تستند على كف يدها: 
_بالعكس انكل رحيم لذيذ جدًا، ومعتقدش بالقسوة اللي حضرتك شايفه بيها يا جوكر. 

أخرج معطفه الأسود يرتديه، ومن ثم اتجه للمرآة يصفف خصلاته، وردد بسخرية: 
_هو معاكِ إنتِ بس بيبقى لذيذ، من كرم ربنا ورأفته بيا إني مجاليش أولاد. 

وبحزنٍ مضحك قال: 
_بس للاسف مضطر كل 5 دقايق انقذ زين من تحت إيده! 

واستدار صوبها يحذرها: 
_أنا هنزل أشوف الدنيا أيه، وانتي كملي نومك، عشان أكون متطمن عليكي بشكل كامل من جنان عمك. 

وتابع من بين اصطكاك أسنانه: 
_أنا من الأول وأنا شاكك في السفرية الغريبة دي، لا ومصر يطلع مع زين لوحده، كويس أني صممت أطلع معاهم. 

اتسعت ابتسامة مرين وبعنجهية قالت: 
_وأنا كمان مبسوطة إني أصريت وطلعت معاكم يا سيادة الفريق. 

ضحك مستهزأ: 
_بمناسبة إن الأنكل بتاعك إترقى وبقى فريق أول، سيادته شايف نفسه عليا عشان سبقني مرة في الترقية، ومن أولها منزلني أركبله قنبلة في عربيته، بيأمرني جنابه! 

استقامت بجلستها ومالت تربع ذراعيها فوق الوسادة وبإمعانٍ قالت:
_بابي أنا حاسة إن المقصود من حوار القنبلة دي زين مش أنكل! 

توقفت يده عن تمشيط خصلاته بصدمةٍ، ألقى مراد ما بيده وهرع للأسفل، قاصدًا الصالة الرياضية من الدرج الداخلي للمنزل، يفتش عليه بين الاجهزة والقلق يكتسح ملامح وجهه الجذاب، حتى عثر عليه وما أن رأه واستمع لما يقول حتى ابتسم رغمًا عنه. 

كان يميل على حافة الجهاز صعودًا وهبوطًا بجسده العضلي المفتول، يحمل على إحدى ذراعيه وزن من الحديد، بينما يضع الهاتف على أذنيه، وابتسامته الرجولية تزيد من جاذبيته، نبرته حنونة تعاكس تمارينه العنيفه: 
_حبيبتي أنا عارف إني عصبي، بس هعمل أيه بغير عليكي غصب عني!  وبعدين أنا مش فاهم إنتي زعلانه ليه؟  يعني كنتي هتكوني سعيدة لو ضغطي علي وجاني جلطة، كان لازم أهدي نفسي بأقصى سرعة وهدوئي مش بيجي الا بالضرب، وطبعًا مستحيل أعملها معاكي بتاتًا، ولا أنا مجنون عشان أضرب نفسي مثلًا، يبقى العقل والمنطق بيقول أيه؟ 

صمت قليلًا يستمع لسؤالها، وبمكرٍ قال: 
_هجاوبك بقلبي يا روح قلبي، العقل والمنطق بيقول إنه الدكتور ده اللي يتربى، عشان بعد كده يبقى يسأل كويس قبل ما يفكر يتقدم لأي واحدة بنت. 

وترك ما بيده ومال على ظهره يتطلع للفراغ بهيامٍ، سكن زيتونية عينيه: 
_طيب لعلمك بقى أنا بسبب زعلك ده بعارض تعليمات لاسطورة، سلمته موبايلي أول ما وصلنا وخبيت الاحتياطي عشان صوتك لو غاب عني روحي هتروح، وهي على طول رايحة وجاية معاكي وليكِ. 

وأضاف وهو يعتدل جالسًا: 
_يكفي أني مستحمل أختك ناصفة حقوق المرأة دي والله عشانك، فيها شبه منك فمبقدرش أخد معاها اي رد فعل شوفتي عشقك عامل فيا أيه يا ميري؟ 

_شوفت وسمعت كل حاجة يا حبيبي، بس لو مش هقاطع رومانسياتك تخبي الموبايل ده فورًا وتخرجلي هنا حالًا. 
كلمات نطق بها الجوكر وهو يستند على جهاز الركض من خلفه، يتابعه باستهزاءٍ، اخفى "زين" هاتفه ووقف قبالته يؤدي تحيته، فأشار له ساخطًا: 
_نزل إيدك وافصلوا ما بين تعاملكم في البيت وفي الجهاز. 

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه وقال: 
_ازاي والباشا أخوك لو مضربتش التحية العسكرية ليه 6 مرات في اليوم بيخليني ألعب 60 مرة ضغط في أي مكان. 

ومازحه بضحكاته الرجولية التي ارغمت مراد على التبسم: 
_هموت وأعرف انتوا اخوات ازاي؟  مفيش فيكم شبه من بعض، حضرتك أزرق وهو زيتوني! 

هدر فيه بجدية يقطع مزحه: 
_اليومين الدلع اللي اتدلعتهم انسحبوا منك، رحيم توابيت أقصد رحيم قنابل محضرلك مفاجأة برة! 

نزع القفازات عن يديه وردد بضيقٍ: 
_كنت عارف إن دوره جاي، ما احنا ماشاء الله الفريق الوحيد اللي لف على أكفئ قادة الجهاز، وكنت فاكر إن الختام مع ليل العرب، لا لسه للاسطورة دور. 

دث مراد يديه بجيب بنطاله، وقال بمكر: 
_المهم إنك في وسط التوابيت والقنابل والاسلحة متنساش تربيتي الناعمة ليك. 

ضحك بصوتٍ مسموع وقال: 
_هبقى جنتل مان حتى وأنا بموت عنيا يا قائد. 
واستطرد وهو ينزع ملابسه المبتلة بالعرق: 
_لعلمك أخوك لو فكر يجرب رصاص سلاحه وملقاش اللي يجرب فيه هيستخدمني عادي، أنا ساعات بحس أنه على شوية وهيضربني بأربجيه! 

اقترب منه الجوكر، يسحب الهاتف من يده، ويخفيه بجيب سترته، هاتفًا: 
_طيب هات ده عشان لو لاقاه معاك هيريحك في أقرب تابوت! 

تجهمت معالمه بضيقٍ، وجسد مشهده الدرامي: 
_حضرتك كده بتمنع عني روحي، من فضلك رجعهالي حالًا. 

زوى حاجبيه بسخريةٍ: 
_خليك جانبها وإنت متفترقش عنها، وبعدين أنا علمتك تكون جنتل مان مش كداب، بتتخابث على البنت وبتستغل برائتها! 

سحب قميصه الأسود يرتديه وهو يميل بشرودٍ: 
_هي بريئة بس، دي الرقة والدلال أتقسموا ليها، دي المهدأ اللي بيخفف عني ضغوطات اليوم كله. 
طرق كتفه ليستعيد وعيه ويعود من أحلامه، بينما يخبره بحزمٍ: 
_إنت بتتجاوز حدودك بالكلام عنها في وجودي لعلمك!

استخدم نفس اسلوبه وقال: 
_سبق وقولت لحضرتك نكتب الكتاب وتأخد عليا المهر اللي أنت عايزه، أنا مستعد لكل حاجة. 

واستكمل ضاحكًا: 
_انا بقول تركز مع مرين شوية وتسيبك مننا، دي طالعه شبهك جدًا يا عمي الا في حتة العقل، مندفعة ومتسرعة بشكل يخنق، وكل ما يحصل حاجة تفتح في محاضرات مفيش فرق بين الست والراجل، حرفيًا فلقت دماغي بفرق الكام شهر اللي بينا. 

وتابع وابتسامته الخبيثة تجوب وجهه: 
_من نعم ربنا عليا أنها تكون قصادي كده عشان أحمد ربنا ألف مرة على مارال، حبيبتي الهادية الرقيقة، مش عارف بصراحه أزاي الاتنين اخوات! 

قطب جبينه باستنكارٍ: 
_لسه في حاجة تانية عايزة تقولها عن بناتي؟ 

هز رأسه وهو يمنع ضحكاته بصعوبة: 
_عايز اقولك إني على وشك إني أتاكد من طرف شعلة خيط بدأ ما بين الأخ مرين وما بين أكتر شخص مؤهل يعملها كنترول! 

قطع حديثهما دخول الحارس، يخبرهما والقلق يبدو جليًا عليه: 
_الباشا عايز حضرتك برة يا سيادة الرائد. 
ضم شفتيه بنزقٍ، وتطلع تجاه مراد الذي تنهد بمللٍ، وسبق خطاه للخارج. 
                               *****
كان بانتظارهما بعدما أبدل ثيابه لبذلة سوداء أنيقة، حياه "زين" قائلًا بخشونة: 
_صباح الخير يا فندم. 

حرك رأسه والمكر يبدو على وجهه بالأخص لمراد، الذي يتابع كل ما يحدث بإمعانٍ، فاذا به يلقي المفتاح إليه قائلًا بثبات: 
_دور العربية وهاتها قدام باب المزرعة. 

التقط الهاتف منه وغادر يطيع أمره، بينما مازال يقف كلاهما قبالة الآخر، اتسعت ابتسامة رحيم وهدر: 
_أتمنى تكون احلامك كانت سعيدة يا شريك، وخصوصًا بالاجواء الرائعة دي. 

منحه ابتسامة ساخرة، وقال بخشونة: 
_ما تجيب نهايتك يا رحيم وتقولي الليلة دي وراها أيه؟ 

اقتبس نظرة لمن يصطف السيارة بالخارج، وفاه هامسًا: 
_الامانة اتزرعت بالعربية، عايزك تلفت انتباهه بهدوء للعربية، ومن غير ما تبينله أو تكشفله حاجة. 

وتابع بغمزة ماكرة: 
_من حقنا نقيم شغل ليل العربي ولا أيه؟ 

كز على أسنانه وهدر بحنقٍ من بينهما: 
_أنت اتجننت يا رحيم، أمانة ايه دي اللي جوه العربية، لا وخلته يجبهالك كمان!! 

تجاهل ما يقول واستدار صوب ابنه الذي عاد يخبره: 
_العربية برة بانتظار معاليك يا سيادة الفريق. 

حافظ على نظراته التي تجابه أخيه، وصحح بانتشاء: 
_فريق أول، عمك هو اللي فريق. 

وغمز له بخبث بينما يغادر: 
_لينا كلام له بقية. 

غادر رحيم إلى سيارته، تاركًا مراد يستشيط غضبًا وصدمة، لاحظ زين ما يصيبه، فناداه بقلقٍ: 
_عمي حضرتك كويس؟ 

احتقنت زُرقتاه وصاح بعصبية: 
_إنت ازاي جبت العربية ومحستش إن فيها حاجة مش طبيعية، أنا قولتلك اتعامل هنا بطبيعتك بس مش معناها إنك تنسىها! 

بدى الحديث غامضًا للغاية، وإذا به يستعيد لقطاته السابقة رويدًا رويدًا حتى التقط مفهوم حديثه، فاذا به يهرع راكضًا بمهارة وخفة، خلف سيارة أبيه، يصرخ من خلفه أن يوقف السيارة، ولكن دون اي جدوى، وبعد أن انجرفت بإحدى الطرق الجانبية، زاد من ركضه خلفه صائحًا: 
_باشـــــا العربية فيها قنبلة، وقف العربيـــــة. 

سُلب قلبه من يين صدره حينما تهاوت السيارة بعد أن أضرمتها النيران وجعلتها تصدر صوت دوي قويًا، ومن خلفها صراخ زين المذعور بهلعٍ: 
_بــــــابـــــــا!! 

خرج من خلف إحدى الجبال، يتابع شرب كوب قهوته، التي يحملها له إحدى الحرس، انتهى منها رحيم ورنا إليه مشيرًا على ساعته: 
_60 ثانية كانوا قدرين يخليوك يتيم اللي باقي من عمرك يا قلب أبوك. 

راقبه زين وهو يلتقط انفاسه بصعوبة بالغة، لا يصدق أن الجنوت قد وصل بأبيه بما فعله منذ قليل، ترك رحيم الكوب للحارس بعدما ارتشفه بالكامل، واتجه يمر من جوار زين الذي مازال يراقبه بصدمة، نزع نظارته السوداء وقال: 
_حضر شنطتك وإطلع على اللوكيشن اللي في تاب عربيتك، هتلاقي شريكك مستنيك، استنى مني رسالة هتتحرك فيها اللوكيشن اللي هتكونوا فيه بعد ساعة. 

واتجه يغادر ثم استدار يخبره بخبث: 
_يا ريت تهدي سواقتك المجنونة، عشان بنت عمك متوهش وراك وهي بتراقبك!! 
                              *****
تهادى الخيل في خطاه بتناغمٍ وخضوعًا لسيطرة فارسه، الذي يحكم سيطرته عليه منذ خروجه من الاسطبل، ومن بين لحظات الصفاء والسكون المتبادلة بينهما، أتخذ الفارس المغوار قراره المفاجأ، ورفع جسده الممشق، حتى وقف على ساقيه على ظهر الخيل، ربما يقال تهور ولكنه كان انعكاس لمدى سيطرته وثقته بما يستطيع فعله. 

رفرف اطراف قميصه الابيض من خلفه، وذراعيه المفتولة تظهر من التيشرت الابيض الذي يرتديه، تارة يغلق عسليته وتارة يفرج عنها مستمتعًا بتلك الاجواء التي كانت داومًا من مفضلاته، ومن بين لحظات اندماجه رأى من يراقبه من الطابق العلوي للمزرعة، يرفع كفه إليه، فتهللت أسارير "ياسين"، وقفز عن الخيل، يهرع للاعلى وهو يهتف بعدم تصديق: 
_حضرتك هنا معقول؟ 

وانحنى يقبل كفه ورأسه بفرحةٍ، يينما يقابله الأخر بابتسامة عذباء، وهو يطالعه بحبٍ وحنان: 
_محبتش أسيبك وحيد هنا، وخصوصًا إن وجودك بالمزرعة كان اقتراحي. 

جذب المقعد وقربه قبالته في لهفةٍ: 
_وجودك أحلى ما بالسفرية كلها، أنا حقيقي مش مستوعب أني هقضي مع حضرتك كام يوم هنا. 

نزع نظارته السوداء عن عسليته التي ورثها حفيده عنه، وأجلى أحباله الثقيلة: 
_أنت مش هتفضل هنا عشان تكون معايا يا ياسين. 

بدى غير مستوعبًا لما يقول، فمال"ياسين" بمقعده يستند بجزئه العلوي على الطاولة الفاصلة بينهما، وقد عكست الشمس صفاء عسليته الجذابة: 
_مش معقول إنك مفهمتش إني كنت بهربك من حصار عدي بموافقتي على سفرك لهنا. 

طرح سؤالًا فضوليًا: 
_طيب ليه؟ 

اتشح ببسمة خبث على وجهه الجذاب، رغم ظهور علامات تقدم العمر عليه: 
_لإني متحمس أسمع منك مغامرة جديدة من مغامراتك، والمرادي القادة ناس اتمنيت كتير تشتغل معاهم. 

واستطرد وابتسامته تتسع بمكرٍ: 
_ومفيش امنية يتمناها حفيد ياسين الجارحي ومتكنش بين ايديه. 

اتسعت مُقلتيه دهشة، وباستنكارٍ تساءل: 
_الجوكر والاسطورة؟! 

طرق باصبعه على الطاولة، فرنا إليهما الخادم، يحمل حقيبة صغيرة تخصه، حملها ياسين باستغراب، بينما يقدم له "ياسين الجارحي" حقيبة أقل حجمًا منها، قائلًا بثباته المعهود: 
_مهما كبرت فوق العمر عمر، مش هبطل أشتريلك كراسات رسم وأقلام. 

وأضاف وهو يطالعه برزانته:
_زمان وأنت في الكلية كنت بتقول أن الرسم بالنسبة لشغلك مش حاجة مفيدة، بس ده مش صحيح، مفيش موهبة الانسان بيمتلكها مش بيقدر يستفاد منها، وزي ما تابعت معاك كل رحلة وكل فترة عديت بيها، رجوعك من الرحلة دي هيكون من ايجابياتها استغلالك لكل موهبة بتمتلكها يا ياسين. 

أدمعت عينيه تأثرًا بكلماته، فنهض يقبل كفه مجددًا، سحبه "ياسين" بين احضانه، وقال بحنان: 
_يلا عشان متتاخرش يا سيادة الرائد. 

ابتعد يزيح دموعه، ويردد بتوتر: 
_بس بابا مش هيسكت المرادي لو عرف آآ. 
قطع حديثه بصرامة: 
_ده قراري أنا ولو يقدر يعارضني كان نجح في ده من زمان،  أنا اللي بقوله هيمشي عليه غصب عن عينه. 
وعاد يتشح بابتسامته الجذابة وهو يستطرد له: 
_المهم إنك تكون سعيد ومرتاح. 

رد عليه بحب واحترام: 
_طبعًا سعيد جدًا، كفايا إني عندي صديق وأخ وأب وجد وكل ده في شخص واحد، حضرتك بالنسبالي كمالة كل شيء. 

ربت على يده وهو يحذره مبتسمًا:
_طيب يلا زين بيستناك! 
                              *****
مال يستند على حافة سيارته ومازال الغضب يلتهم ملامح وجهه، ليته يغادر كل شيء ليحصل على بعض الهدوء. 

ظهر صديقه وهو يعبر بوابة المزرعة، ويتحه صوبه بالحقائب، فتح زين صندوق السيارة، هادرًا بسخطٍ: 
_الظاهر إننا مش مكتوب علينا نفارق بعض حتى لو لاسبوع. 

دفع ياسين الحقيبة إليه واستند على طرف السيارة ضاحكًا: 
_أنا حاسس إني حفظت خلقتك أكتر من عيلتي نفسها، كفايا انك بتفكرني بكل الصعاب اللي عدينا بيه مع بعض. 

وتابع بحماسٍ: 
_والمرادي الرحلة مختلفة وتشد، خصوصًا مع قائد عظيم زي الاسطورة. 

منحه ابتسامة ساخطة وقال: 
_نص ثقتك دي وهأمن أنام معاه في بيت واحد من غير ما أحط مسدسي تحت مخدتي، عمومًا جايز الرحلة السودة دي تعرفك إنك مخدوع فيه. 

نصب عوده واتجه للسيارة بخطى واثق: 
_أنت صح أنا محتاج أكون تجربتي الخاصة.

صعد زين بمقعد القيادة، ثم قاد بتمهلٍ وهو يتبع الموقع المطروح امامه، حتى وصلوا معًا لمكان سريًا مخصص للتدريب، هبطوا معًا وكلٌ منهما يحمل حقيبته. 

تحرك ياسين أولًا وانتظر أن يلحق به زين، ولكنه بقى محله يراقب الطريق بضيق، عاد إليه يسأله باستغراب: 
_واقف عندك ليه؟ 

أشار بعينيه على من تهبط من أعلى دراجتها النارية: 
_بستنى سيادتها تشرف هي كمان، بقالها ساعة بتراقبني، مش عارف هتقتنع أمته إن مش كل التمارين تنفع البنات. 

استدار صوبها يتطلع لها بنظرة غامضة، بينما تقابله هي بنظرة هادئة، تخفي شيئًا وتظهر أخرى ولكن الستار مهما بقي مغلقًا لن يبقى هكذا للأبد! 
....... يتبع...... 
#أشباح_المخابرات
#المقدمات_الافتتاحية. 
#آية_محمد_رفعت. 
حبيباتي وحشتوني جدًا جدًا، بس خلاص هانت ورجعونا هيكون قريب  ما تتخيلوا، حابة أتناقش معاكم بكذه حاجة لازم تعرفوها. 

👈أولًا أشباح المخابرات فيها بطولة بنسبة 60 في المية لعيلة التميمي اللي هتظهر من أول فصل، وخلي بالكم على قلوبكم بقى عشان للاسف كلهم أشرار، فبداية ظهورهم هتكون بالفصل الاول من الرواية، وعشان ده يحصل لازم يحصل التالي 

👈الافتتاحية هتكون عبارة عن عشر فصول أو أقل خاصة بتدريبات ياسين وزين ومرين وطبعا مع عتاولة المخابرات الجوكر والاسطورة، عايزين نشوف طبيعة العلاقة ما بينهم ونشوف معاهم كمان طرق تدريبهم. 

👈أشباح هتكون مزيج من البطولة بين عيلة التميمي والابطال، فمحدش هينجبر يقرأ أي رواية قبلها، لانهة هتكون رواية جديدة كليًا. 

👈عدد المقدمات هيكون في حدود عشر مقدمات هتخلص وهنبدأ أشباح على طول، ةظي ما قولتلكم هتكون فيها البطولة مشتركة،. 

👈أخيرًا استنوا اول مقدمة من المقدمات العشرة بإذن الله، عشان العظمة دي محتاجة فعلا لاكتر من مقدمة، هنشوف فيهم ازاي هيتم تجهيز زبن وياسين ومرين لمحاربة أشرس مافيا دولي، ويا ترى مين فيهم هينتصر؟ 



تعليقات