رواية رحيل الفصل الثانى بقلم منار شريف
في غرفته الهادئة ذات الطابع الكلاسيكي؛ حيث تسلل ضوء القمر الخفيف عبر ستائر رمادية ثقيلة. وقف آسر أمام المرآة يعدل ربطة عنقه بعناية لا تخلو من الضيق. كانت ملامحه متجهمة، ونظراته زائغة لا تستقر على صورته المنعكسة أمامه. بدا وكأن المرآة تعكس أكثر من هيئته فقد كانت تعكس صراعه الداخلي، وضيقه، وأفكاره المتشابكة. كان يرتدي بدلة رسمية أنيقة بلون كحلي قاتم تتناسق مع قميص أبيض ناصع، وربطة عنق رمادية داكنة، لكن رغم أناقة مظهره كان الضيق يتسلل من بين تعابير وجهه الحادة. فلم يكن متحمسًا للذهاب إلى حفل زفاف ابنة رجل الأعمال أحمد الكيلاني الذي دُعيّ إليه، لكنه لم يكن يملك رفاهية الاعتذار فالحفل بالنسبة له ليس مجرد مناسبة اجتماعية، لكن ساحة عمل يتجمع فيها رجال الأعمال، وتُنسج فيها مصالح فيما بينهم.
في تلك اللحظة فُتح باب الغرفة بهدوء ودخلت والدته السيدة فريال بخطوات متزنة. كانت ترتدي عباءة منزلية بسيطة ويظهر على وجهها علامات القلق، والاهتمام.
نظرت إليه وهو منشغل بربط رابطة عنقه فابتسمت له ابتسامة هادئة تُخفي خلفها ألف سؤال وقالت بصوت حنون:
أنت نازل تاني يا آسر؟
رد دون أن يلتفت بينما لا يزال يُحكم ربطها:
أيوه يا ست الكل معزوم على فرح.
اقتربت منه ببطء ووضعت يدها على كتفه برفق تربت عليه، كأنها تطمئن قلبه قبل أن تطمئن عقلها. نظرت في عينيه عبر المرآة وسألته بنبرة حانية:
طيب مالك. باين عليك مضايق ليه؟
زفر زفرة طويلة وقال وهو يشيح بوجهه عنها:
مفيش بس بفكر في الشغل.
شددت فريال من لمستها على كتفه وهمست، وكأنها تذكره بنفسه:
يا حبيبي أنا عارفة أن الشغل مهم بس أنت شايل حمل فوق طاقتك ولازم تهدى شوية على نفسك، وعلى صحتك كفاية كده. من يوم ما 'مروه' الله يرحمها ماتت وأنت اتغيرت دافن نفسك في الشغل، وبقيت عصبي، وبتضغط على نفسك بزيادة أوي.
ما إن نطقت باسم 'مروه' حتى تغيرت ملامحه فجأة، وكأن جرحًا قديمًا انفتح من جديد. التفت نحوها بسرعة وصاح بانفعال:
يا ماما بالله عليكِ بلاش تجيبي سيرتها قولتلك قبل كده. أنا مش ناقص. أنتِ مش فاهمة أن ده بيوجع قلبي.
صمتت فريال للحظة؛ ثم قالت بهدوء وقلب مكسور:
أنا مش بجيب سيرتها علشان أفكرك بيها وأوجعك دي كانت مراتك، وأنا أمك وبخاف عليك وصعبان عليا حالك.
تبدلت ملامح آسر شيئًا، فـ شيئًا وبدأت نبرة الغضب تخفت داخله. نظر إلى أمه للحظة بتأنيب ضمير؛ ثم تنهد بعمق واقترب منها واحتضنها بعطف نادم على حدته معها وقال بصوت أكثر هدوءًا:
أنا آسف يا ماما مكنش قصدي أزعلِك. أنتِ طول عمرك دايمًا شايله همي. ربنا يخليكِ ليا.
ابتسمت فريال في حنان وهي تمسح على ظهره بيدها كما اعتادت أن تفعل منذ أن كان صغيرًا. رفع رأسه يسأل:
أخبار خالد ونادين إيه؟ أنا مقصر معاهم أوي عن الأول.
ردت وهي تتوجه نحو الباب:
خالد عنده رحلة وسافر من بدري، ونادين بتذاكر في أوضتها.
أومأ برأسه في صمت وعاد ينظر إلى المرآة، لكن هذه المرة كان انعكاسه أكثر هدوءًا. ربما أقل ضيقًا بعد أن احتضن دفء أمه وحنانها. ظل آسر واقفًا أمام المرآه للحظات. عيناه تائهتان في انعكاس ملامحه، لكن ذهنه لم يكن هنا. لقد أيقظ حديث والدته شعورًا دفينًا كان يحاول دفنه تحت ضغوط العمل وثرثرة الاجتماعات، وتفاصيل الصفقات المعقدة. تحسس طرف ربطة عنقه، وكأنها تخنقه؛ ثم فكها قليلًا وتنهد ينظر إلى الباب؛ حيث خرجت والدته، وكأن حضنها أعاد له بعضًا من اتزانه القديم. خطا نحو الكومود المجاور والتقط زجاجة عطره ورش قليلًا على عنقه ومعصميه؛ ثم التفت نحو معطفه المعلق على المشجب وحمله ببطء. بينما كان يستعد للخروج سمع صوت خطوات والدته تعود فالتفت نحو الباب ليراها تحمل بين يديها منديلًا أبيض مطرزًا بحروف أسمه وناولته أياه بإبتسامة صغيرة وقالت:
خده معاك يا آسر يمكن تحتاجه، وعلشان تبقى فاكرني وأنت برا أنا طرزته بنفسي ليك.
أخذ المنديل منها وأدرك حينها كم هي بسيطة، لكنها ثمينة تلك اللفتات الصغيرة منها والتي تُربت بيها على وجعه دون أن تتكلم. رد بابتسامة باهتة وهو يقبل يدها:
هخليه في جيبي متقلقيش يا حبيبتي.
ثم نظر إليها مطولًا وقال بصوت منخفض فيه رجاء:
ادعيلي يا ماما أنا مش مرتاح.
اقتربت منه وضمت يداه بين كفيها وقالت بصدق يملأ قلبها:
ربنا يفتحلك أبواب الخير، ويهدي قلبك، ويريح بالك يا ابني. وافتكر دايمًا أن كل حاجة بتعدي، حتى الحزن والوجع.
أومأ آسر برأسه شاكرًا لها؛ ثم قبِل جبينها برقة، وبعد لحظة صمت ابتسم وقال مازحًا:
خلي بالك من نادين متخليهاش تذاكر كتير وتنسى تاكل.
ضحكت فريال بخفة وقالت:
أهي طلعت شبهك في التركيز والنسيان، بس أنا وراها متقلقش.
خرج آسر من الغرفة يخطو إلى ليلٍ لا يدري ما الذي ينتظره فيه، لكنه كان على يقين أن في قلب منزله دفء لا يُعوض، ويدًا دافئة تُربت على وحدته كلما ضاقت به الدنيا، وحتى وأن غاب عن المنزل، لكن عطر وكلمات والدته ظلوا حاضرين معه، كأنها تهمس له أن الحياة رغم قسوتها لا تزال تحتفظ بفتات حنان يكفي لتسكين الآلام قلبه.
هبط آسر درجات السلم في هدوء. خطواته ثابتة، لكن قلبه مثقل. كان يحمل مفاتيحه وهاتفه، لكن عبء الأيام التي مرت، ووجع الذكرى الذي نبشته أمه دون قصد، كان يملأه أكثر مما يحمل. خرج إلى فناء المنزل؛ حيث كانت سيارة فخمة سوداء تنتظره أمام البوابة الحديدية المزخرفة. فتح السائق الباب الخلفي بإحترام وانحنى قليلًا وهو يقول:
جاهز يا باشا؟
رد آسر بصوت منخفض دون أن ينظر إليه:
يلا بينا يا صلاح.
جلس داخل السيارة وأخرج المنديل من جيبه، ونظر إليه للحظة كان يحمل رائحة أمه، ورائحة البيت، ورائحة الأمان الذي فقده منذ سنوات عندما فقد قلبه وفقد معه زوجته الحبيبة وطفله الوليد. طواه برفق وأعاده إلى جيبه؛ ثم أدار وجهه نحو النافذة ينظر إلى الشارع الصامت، كأن كل شيء خارجه يسير بلا صوت، بلا حماسة. لم يكن ذهنه مشغولًا بالحفل، ولا بالبدلة التي تقيده، ولا برجل الأعمال الذي ينتظره بإبتسامة مجاملة، واتفاقات شراكة. كان هناك شيء أعمق، شيء في داخله ينزف دون أن يظهر على ملامحه. تذكر 'مروه'
تلك الذكرى التي حاول الهرب منها ألف مرة، لكنها كانت تتربص به خلف كل ذكرى، كل شارع، كل رائحة، وكل لمسة حنان تأتي من أمه، اشقائه، أصدقائه، وعائلتها.
أغمض عينيه للحظات يتسلل صوتها إلى أعماقه، ضحكتها، طريقتها في مناداته، حتى نظرتها الأخيرة قبل أن ترحل.
ضغط آسر على قبضة يده دون وعي، وكأن الألم قد وصل لذروته؛ ثم همس لنفسه:
كفاية كده خليكِ ذكرى جوه في قلبي متطلعيش منه.
فتح عينيه فجأة؛ ثم ضغط على زر النافذة فهبت نسمة هواء باردة على وجهه، كأنها تذكره بأن الحياة لا تزال تمضي، وأن عليه أن يكون حاضرًا، يقظًا ولو حتى في قلب حفل لا يريد حضوره.
تلفت للأمام عندما سأل السائق بإحترام:
حضرتك إحنا اتحركنا ومعرفتش طريقنا فين بالظبط يا باشا؟
رد آسر باقتضاب:
أطلع على فندق الفورسيزون يا صلاح.
مال برأسه للخلف، وأسندها إلى المقعد الجلدي الناعم، وهمس لنفسه:
مصلحة شغل يا آسر تخلص وترجع. كأننا بنعدي في مشوار سريع مش بتاعنا.
وغاص في صمتٍ عميق لا يسمع فيه إلا صوت قلبه، وذكرى وجهٍ رحل، لكن لم يغادره أبدًا.
____
حينما تركت رحيل عابد وغادرت؛ حيث اتجهت صوب والدها ووقفت إلى جواره برهة تتعرف على مَن حولهم وتُسلم عليهم بأدب جم بعدما أشار إليها وناداها بصوته الأبوي الدافئ. لم يكن عابد قد صرف نظره عنها إنما ظل يرمقها من بعيد، ويغمز لها بخفة بينما الغموض يملأ عينيه، وكأنه يعيد ترتيب أفكاره أو يخطط لما هو قادم. غير أن هذا اللقاء العابر لم يكن ليمر دون أن تُراقبهم عيون صارمة تختبئ خلف هالة من الوقار والسلطة. كانت تلك العيون تعود إلى السيدة كاميليا. المرأة ذات الهيبة، والمهابة التي ما أن رأت حفيدتها تقف مع عابد، حتى تغيرت ملامحها، وتصلبت قسمات وجهها، وكأنما رأت في هذا المشهد خرقًا لنظامها الصارم، وبإشارة خفية من طرف أصبعها استدعت حياء وقالت لها بصوت خافت، لكنه نافذ كالسهم يخترق السكون:
حياء نادي أختك وقوليلها كلمي نناه حالًا.
كان صوتها يحمل نبرة أرستقراطية حادة تفرض نفسها دون صخب، تُخيف دون أن تعلو. فارتعشت حياء من نبرة جدتها وهي التي تعرف جيدًا أنها لا تتغاضى عما لا يُرضيها، ولا تمحو من ذاكرتها ما يخالف قوانينها المعلنة.
أجابت بخضوع:
حاضر يا نناه.
ثم انصرفت على عجل تقطع المسافة بين والدها، وأختها تُخفي في خطواتها قلقًا لا تخطئه عين، حتى وصلت إلى رحيل فاستأذنت أبيها بأدب؛ ثم جذبت أختها إلى جانب بعيد قليلًا وهمست لها:
نناه تقريبًا كده شافتك وأنتِ واقفة مع عابد الوكيل وشكلها مش هتعدي إللي حصل وعايزاكِ تكلميها حالًا.
قطبت رحيل جبينها، ونظرت إلى أختها بامتعاض وقد اعترى صوتها شيء من الضيق:
هي بتعمل معانا كده ليه نفسي أفهم؟ ليه بتحاول تسيطر علينا وعلى كل تصرفاتنا؟ بابي ومامي سايبنا على راحتنا علشان واثقين فينا، لكن هي ردار متحرك لكل تصرف بنعمله.
كانت حياء ترتجف من الداخل وهمست لها بلهجة جادة وقد ازدادت نبرتها توترًا:
متنسيش إللي حصل لعمتو نيرة زمان هي مش عايزاه يتكرر معانا. ويلا بقى مش وقت كلام دي بتبصلنا بشر. يا مامي أنا خوفت يا رحيل بجد.
ضحكت رحيل بخفة ممزوجة بالخوف، كأنها تحاول أن تزيل عن نفسها ثقل ما هو آتٍ؛ ثم انطلقتا معًا نحو السيدة كاميليا. وما إن وقفت رحيل أمامها، حتى قالت بأدب وصوت خافت يليق بمقامها:
أفندم يا نناه تحت أمر حضرتك؟
في أعماقها، كانت تختنق من ضيق السيطرة، وتضج بالرفض الخفي لكل هذا التحكم الذي يطوق حريتها، ويقتحم عالمها الخاص دون استئذان فجدتها في أوقات كثيره تفرض رأيها حتى على قرارات والدهم في أي أمر يخصهم وتُجبرهم عليه.
والآن وقد جاء دور السيدة كاميليا ذات الكلمة التي لا تُرَد لتُبدي امتعاضها بطريقتها الراقية فتؤدب حفيدتها وتوبخها بأسلوب أرستقراطي فيه من التلميحات ما يوجع، ومن الرقي ما يُخجل دون أن ترفع صوتها أو تُفرط في كلماتها. رفعت السيدة كاميليا عينيها ببطء وقد انعكست فيهما صرامة ووقار جاف يخلو من أي لين، كأن الصرامة طبعها لا اختيارها وبالأخص في ذلك الزمن الذي لا يُسامح فيه على الخطأ ولا يُغتفر فيه التهاون كما تقول لهم دائمًا. قالت بصوت منخفض، لكن واضح، متزن، لا تعلو نبرته ولا تهتز كلماته:
مين الشاب إللي كنتِ واقفة معاه ده يا رحيل؟ وواقفة معاه ليه؟
أجابت رحيل وهي تحاول أن تحفظ توازنها، وحرصها على عدم اظهار غضبها الداخلي في نبرة صوتها:
ده الرائد عابد الوكيل هو جه يسلم عليا لإنه قالي أن باباه يعرف بابي وكُنت بسلم عليه من باب الذوق. يعني مفيش حاجة غلط يا نناه.
رفعت كاميليا حاجبيها قليلًا وقد غيرت جلستها إلى وضع أكثر رسمية، وكأنها تعيد ترتيب العالم من حولها؛ ثم قالت ببطء:
الذوق؟ الذوق يا رحيل له وقت، وله ناسه، وله مقام وأنتِ حفيدة رستم باشا الألفي وكاميليا هانم هدايت. مش أي حد يكلمك ولا تقفي معاه بالشكل ده قدام الناس.
همت رحيل بالرد، لكنها تمالكت نفسها واكتفت بأن تتنفس ببطء تهدئ نفسها؛ ثم قالت برقة:
أنا آسفة لو حضرتك زعلتي مني مكنش قصدي أكسر قوانين العيلة، ولا أعمل حاجة تضايق حضرتك.
تابعت كاميليا بلهجة ممزوجة بالحزم:
أنا مش بضايق بس أنا بربي ودي مش أول مرة تحصل وتفتكري أن الحرية معناها أنك تعملي إللي أنتِ عايزاه. الحرية مش كده يا حياة. الحرية مسئولية، وكل خطوة منك محسوبة، وكل نظرة بتتفسر عند الناس غلط، وكل كلمة بيتفهم منها حاجة تانية.
أطرقت رحيل برأسها؛ ثم رفعت عينيها نحو جدتها في إحترام وقالت بصوت خافت:
حضرتك عندك حق. أنا مقدرة كل كلمة قلتيها، وهفكر فيها كويس. بس صدقيني أنا كنت بتعامل بذوق وبس لا أكتر ولا أقل.
حدقت فيها كاميليا للحظات وقالت بنبرة أخف قليلًا وكأن حدتها بدأت تخف:
أنا عارفة أنك بنت ناس ومتربية، بس لازم تبقي دايمًا قد المسؤولية إللي اسم عيلتنا وضعها على كتافك. كل بنت في العيلة دي بتتوزن بالدهب وأنتِ مش أقل منهم.
أومأت رحيل برأسها وقالت بهدوء:
حاضر يا نناه كلامك غالي عليا، وهخليه دايمًا في بالي.
أومأت كاميليا بدورها دون أن تبتسم، لكن نظرة عينيها كانت كفيلة بتوصيل الرسالة النهائية لحفيدتها، وكأنها رضيت عن هذا القدر من التوضيح فلوحت بيدها الصغيرة في إشارة انتهاء الحديث قائلة:
روحي دلوقتي وفكري في إللي اتقال.
انسحبت رحيل بخطى هادئة تحاول أن تخفي التوتر خلف ملامح رزينة، لكن في قلبها كان الموج يعصف بين حبها لجدتها، ورفضها لهذا القيد الذي يطوق قلبها وروحها كلما حاولت أن تخطو خارج ما رسمه الآخرون لها.
____
على الجهة الآخرى في بهو القاعة الفسيح كانت حياء تجوب المكان كالفراشة لا تستقر في ركن إلا لتنتقل إلى آخر. تضحك هنا، وتُسلم هناك وتتمايل بخفة كأنها نسمة ربيعية تأبى السكون. وجهها مشرق كضوء الفجر، وعيناها تبرقان بشقاوة لا تخلو من براءة. فقد تمردت حياء على القواعد الصارمة التي رسمتها جدتها في صمت تُلقي التحيا بأسلوبها العفوي وأن وقعت نظرات الجدة عليها أدارت وجهها سريعًا متظاهرة بالانشغال أو الحديث مع أحدهم، كأنها لم ترى شيئًا.
كانت تلك المراهقة تحترف المراوغة بلطف. تفعل ما يحلو لها، ولكن دون أن تُمسك عليها الجدة هفوة واحدة. لا تتجاوز الحدود، ولكنها تقف عند أطرافها برشاقة طفولية محببة.
بعد قليل دخل آسر بخطوات واثقة تعكس كبرياءه وصمته المعتق بالهيبة والقوة. بجانبه مديرة مكتبه علياء التي كانت تنتظره خارج القاعة والتي تنسج خلفه خيوط الانضباط والترتيب. وقف آسر كأنما الزمن قد توقف للحظة يطالع الحضور بنظره لا تخلو من تفحص وقد ارتسم الوقار على ملامحه الصارمة.
بينما كانت حياء لا تزال تدور بخفة وسرعة فغافلها القدر ودفع بها دون قصد لتصطدم به مباشرة. كادت تقع لولا ذراعاه القوية التي امتدت بحركة سريعة فأمسكها بثبات مانعًا سقوطها. كانت في لحظة أقرب إليه من أي مسافة لائقة فيما عيناه الثابتتان تنظران إليها بنفور خفيف، ونبرته خرجت صارمة ومنخفضه، لكنها واضحة كالسيف:
مش تخدي بالك؟! ماشية زي العامية تخبطي في أي حد.
لم تسمع حياء كل كلماته فقد كانت عيناها قد وقعتا أسيرتين لعينيه العسليتين اللتين لمع فيهما الغضب والنفور، لكنها لم ترى فيهما سوى جمال أخاذ. ابتسمت تلقائيًا وقد نسيت الموقف برمته وقالت بعفوية حالمة:
يا خرابييي على جمال عيونك العسلية. دي حقيقة ولا لانسيز يا اسمك إيه؟!
ظل آسر الذي لم يكن يتوقع هذا الرد منها يحدق فيها مدهوشًا، عاجزًا عن الرد بينما وضعت علياء يدها على فمها تكتم ضحكتها تحاول أن تبدو متماسكة، لكن فشلها كان واضحًا.
أما حياء فكانت لا تزال شبه ملتصقة به، وكأنها في حضنه دون قصد. وما زاد الطين بله أنها كانت ما تزال تحدق فيه كأنها ترى ملاكًا هبط من السماء. أبعدها آسر عنه برفق، لكن الحزم في صوته لم يكن خافيًا عنها وقال بنبرة غاضبة خفيفة:
إيه يا آنسة في إيه ما تتعدلي كده؟!
تنحنحت حياء بخفة محاولة استيعاب ما حدث؛ ثم اعتدلت في وقفتها وأمسكت بطرف فستانها لتُعيد ترتيبه كأنما تُعيد ترتيب نفسها؛ ثم قالت بصوت فيه بحة رقيقة، ولطافة تنم عن دلال خفيف:
في إيه يا فندم؟! أكيد مكنش قصدي يعني ولا علشان حضرتك حلو شويتين تعمل في البنات الرقيقة إللي زيي كده.
ارتفع حاجبا آسر من الدهشة وقال وهو يلوح بيده كأنما يطرد عن نفسه أثر كلماتها:
رقيقة وزيك!! لأ أنتِ بجد مش طبيعية ابقي أتعالجِ أوعي!!
وبغرور أزاحها برفقٍ من كتِفها بطرف يده؛ ثم أدار ظهره مبتعدًا بخطى ثقيلة تموج هيبة وتتبعه علياء التي كانت على وشك الانفجار من الضحك، لكنها تماسكت ما إن وجدت أحمد الكيلاني يقترب منهم.
أما حياء فوقفت في مكانها تتابع خطواته المتجهة بعيدًا عنها وقد وضعت يدها على قلبها، كأنها تخشى أن يفر منها وهمست لنفسها وعيناها لا تزالان معلقتين على قامته المنتصبة:
آآآه لو القمر ده يبقى من نصيبي!
ولم تكد حياء تُنهي عبارتها، حتى تنبهت إلى أن إحدى صديقاتها. كانت تقف قريبة منها تنظر إليها بدهشة ممزوجة بالفضول لتسألها مبتسمة:
أنتِ عارفة مين القمر ده بقى يا حياء؟
فأجابت حياء بخجل مصطنع تغطي به الحُمرة التي لونت وجنتيها:
ده ولا حد تلاقيه من المعازيم، بس شكله حلو وشيك كده حسيته شبه الممثلين إللي بيطلعوا في المسلسلات التركي إللي فيها حب ورومانسية.
ضحكت صديقتها وقالت:
ده يبقى آسر رضوان يا حياء صاحب الشركة إللي عملت ديكور تنظيم الفرح ده كله. البنات بتتكلم عنه كإنه شخصية طلعت من رواية مثلًا.
اتسعت عينا حياء بدهشة:
آسر رضوان يا نهار أبيض!! يعني ده الراجل إللي .... إللي أنا خبطته ده شريك بابي في مشروع القرية الجديد؟!
وضعت يدها على فمها وقد تخيلت المشهد من جديد وقالت وهمهمت:
والله أنا شكلي اتجننت!! ده شكله واخد عني انطباع إني عبيطة أو مهزأة ويمكن لو عرف أنا مين يقول لبابي ووقتها مش هخلص من محاضرات نناه.
ردت صديقتها مداعبة:
لا والله ده أكيد فعلًا فاكر أنك هربانه من مصحة نفسية.
ضحكت حياء بخفة؛ ثم قالت وهي تلمح ظله من بعيد:
بس بيني وبينك هو قمر أوي، وعينه كمان ..... ينهار مش فايت أنا أول مرة في حياتي أتلخبط وأنا بتكلم كده.
أما في الداخل كان آسر يجلس على إحدى الأرائك الفاخرة وقد بدا شاردًا للحظة، بينما تهمس له علياء مازحه:
بصراحة يا بشمهندس آسر البنت دي دمها زي العسل.
رد آسر دون أن يلتفت:
دي مفيهاش نقطة عقل يا علياء، وغريبة في نفسها كده.
قالها بنبره لم تخلُ من فضول خفي، كأنما تركت حياء في قلبه سؤالًا لم يعرف له جوابًا بعد.
