رواية بين سطور الخديعة الفصل الثاني
بدأت الدموع تتجمع في عينيها وقالت بصوت متهدّج:
"للأسف يا أمين، مش قادرة أنسى الماضي، لأنه جزء مني… أول خطوة ليا كانت بمثابة دوامة من الماضي، وبمجرد ما تخلص، هتكون بروحي… صعب، صعب أنسى! وبعدين، أنا مبقتش لوحدي، معايا مراد… ابني… يعني ده لوحده محتاج عقل خالي من أي متاعب… أنا خايفة عليه، خايفة جداً."
فكر شوية وبعدها قال:
"بصي… هو إحنا هنعمل إيه؟ ده شغلنا من سنين السنين… لو على مراد، عندي حل! إنتِ ليه ما تبعتيهوش عند مامتك؟ اللي أعرفه إنها كانت معارضة شغل أبوكِ من الأول وبعدت عنه لما أخدِك ودخّلك معاه في مجاله… ابعتي مراد عند مامتك، أضمن لحد ما نخلص من الوكر الحقير ده."
ردّت بإعجاب:
"تصدق؟ الفكرة دي كانت تايهة عن بالي! شكرًا جدًا يا أمين… مش عارفة من غيرك كان ممكن أكون فين!"
شدّ على إيديها وقال بحنية:
"إمتى يا سهر هتقولي الكلمة اللي قلبي نفسه يسمعها؟ إمتى بقى؟"
ربّتت على كتفه بدعم وقالت:
"قريب أوي يا أمين… كل حاجة انت عايزها هتحصل."
كان هيتكلم، لكن فجأة دخل مراد وقال بحماس:
"ماما! إنتِ بتعملي إيه هنا؟ مش هتيجي تلعبي معايا؟"
قربت منه، شالته، وقعدته على رجلها، وملست على ملامحه اللي كانت صورة طبق الأصل من وليد… عيونه الرمادية، وشعره الداكن الطويل… ابتسمت بحب وقالت:
"معلش يا قلب ماما… أنا كنت تعبانة النهارده، ومش هقدر ألعب معاك، لكن عمو أمين هيلعب معاك… مش كده يا أمين؟ هتلعب معاه؟"
أجابها أمين بلهفة:
"أيوه أيوه طبعًا! ده حبيب قلبي، وماينفعش يتعب ماما نهائي، لأن أنا مش بحب أي حاجة تتعب حبيبة قلب أمين نهائي!"
ما فهمش كلامه، لكن ما اهتمش، وفضّل يكمل لعب.
نزلت سهر بابتسامة، وقعدت على الكنبة جنبهم، وقالت وهي بتوجّه كلامها لمراد:
"مراد، حبيب ماما، بلاش تتعب عمو أمين معاك في اللعب."
ردّ أمين قبل ما مراد يتكلم:
"ما تقلقيش يا سهر، مراد ابني، وأنا عندي استعداد أفضل ألعب معاه العمر كله!"
قالت بسخرية:
"تمام، إنت حر يا أمين… هو كده كده لما هيتعود عليك، هيقرفك ومش هيسيبك نهائي… اللهم بلغت، اللهم فاشهد!"
اتكلم مراد وقال ببراءة:
"ماما، إنتِ ليه شريرة كده؟! عمو أمين طيب جدًا، وأنا بحبه! مش كفاية إني مش عندي بابي ألعب معاه؟"
قربت منه، قعدت جنبه، وربّتت على كتفه بحنان، وملست على رأسه، وقالت:
"من النهارده يا حبيبي، أنا بابا وماما، ومش عايزاك تزعل نهائي… ولو انت مبسوط باللعب مع عمو أمين، العب براحتك، ولا تزعل نفسك يا قلبي."
لحظات، وبصّت لأمين، وشاورت له بعينيها نظرة فهمها على طول… ثواني، وتحركت من مكانها، وهو كان وراها، ووقفت على جنب بعيد عن مراد، استنت لحد ما أمين جالها، وبصّت له وقالت…
وبعدين… هنعمل إيه في عيشتنا مع بعض؟
ما فهمش قصدها، فسألها باستغراب:
"قصدك إيه بعيشتنا مع بعض؟ وضحي كلامك أكتر!"
ردّت بنبرة فيها غضب طفيف:
"يعني زي ما بقولك كده… هنعمل إيه في حياتنا مع بعض؟ إنت شايف إننا ابتدينا نتجه في اتجاه تاني، وإنت عارف كويس إن الكذبة اللي قدام الناس مش هتستمر كتير… ما تنساش الحرمانية في اللي بيحصل ده كله!"
أجابها وهو بيتذكر:
"آه، قصدك على موضوع جوازنا؟ وبعدين… هو أنا اللي مأجّل ولا إنتِ؟! أنا اللي رافض نتمّم عند مأذون ولا إنتِ؟! في إيه يا سهر؟ ما تراجعي كلامك قبل ما تقولي!"
ردّت عليه بحقد وغضب:
"إنت عارف إني رافضة الجواز ده نهائي، لحد ما أجيب تار وليد وأبويا اللي مات، وأعرف الحقيقة… ساعتها يا أمين، أنا هكون معاك!"
قرب منها بخطوات، وقال بحزن:
"طب وأنا فين من ده كله يا سهر؟! كل حياتك هتقضيها في الانتقام؟! طب وأنا… وحبي ليكي اللي من سنين فين؟! إنتِ نسيتي إني تحملت قربك من وليد طول السنين دي كلها، مع إنّي عشقتك قبله! ولسه مصمّمة تجرحي في قلبي؟! طب ده أنا حتى ما عنديش مشكلة لو نتجوز وتكمّلي انتقامك… بس على الأقل تكوني معايا، وحريتك ما تبقاش مجرد كذبة زي جوازنا اللي مستمر قدام الناس!"
ما ادتش الكلام أي أهمية وقالت قبل ما تمشي:
"انسى الموضوع ده دلوقتي يا أمين، المهم إن إحنا نركز في الصفقة اللي جاية، لأن الراجل اللي جاي ده معاه أدلة كتير."
بص لها بأعين زايغة، وتابع خطواتها بحزن وشرود، وهو بيتذكر ذكرى من سنين…
عودة إلى الماضي
كان قاعد جنب وليد، وقال له بحب:
"عارف يا واد يا وليد… أنا من وقت ما شُفت البنت دي وهي في دماغي، مش قادر أطلّعها نهائي!"
وليد نفخ آخر نفس من السيجارة اللي في إيده قبل ما يرميها، ورد عليه ببرود:
"اممم… هي فعلاً حلوة، وحلوة قوي كمان!"
أمين قال له بسرحان:
"تتوقع ممكن تقبل بيا يعني؟! وانت عارف نظام شغلنا إيه، والقرف اللي إحنا فيه ده؟!"
رد عليه وليد بسخرية:
"وانت ليه محسسني إنها بنت شيخ الجامع؟! ما هي كمان واكلة وشاربة من الحرام اللي إنت بتقول عليه! بنت تاجر هي كمان! بس لما نشوف الحوار ده نهايته إيه… أصل إنت غريب أوي! يعني تحب وتتعلق وتعجب والكلام التافه ده؟!"
قاله أمين بغضب:
"في إيه يا وليد؟! إنت بتتكلم معايا بالطريقة دي ليه؟! إنت عارف إني دخلت المجال ده بالغصب، وما كنتش عايز أمشي في الطريق الوسخ ده! كفاية أنا بقى… قرف! أنا عايز أبعد عن كل اللي أنا فيه وأبدأ حياة نظيفة!"
وليد ضحك بسخرية، وقال:
"تبعد وتعيش حياة نظيفة؟! ده في شرع مين؟! ده إنت خلاص دخلت الطريق ده، ومجرد ما حطيت رجلك فيه، مش هتطلع منه إلا بموتك! وبعدين يعني يا أمين… هي فين وإنت فين؟! وأنا فين وإنت فين؟! وهي فين؟! الطبقات ساحت على بعضها ولا إيه؟!"
أمين رد بحزم:
"طبقات إيه وزفت إيه؟! أنا وإنت أهو… الزمان طويل يا وليد، وأنا واثق إن سهر هتبقى ليا في الآخر!"
وليد اتحرك وسابه وماشي، لكن قبل ما يمشي، قال له:
"خليك عارف إنك قليل قوي يا أمين، وهتخسر في الآخر… والمكان ده هيشهد على خسارتك في النهاية… واللعبة مستمرة لحين فوز الأقوى!"
سابه في المكان لوحده، المكان كان عبارة عن مخزن مهجور، كبير جدًا، على مساحة فدادين، فراغه خيالي من أي حياة… زي حياة أمين تمامًا!
خرج وليد من المخزن، واتوجه لعربيته، وزفر بضيق، وطلع تليفونه، وأجرى مكالمة:
"ألو…؟"
وليد رد بسرعة وهو بيشعل سيجارة:
"أيوه يا باشا؟!"
الصوت التاني قال بهدوء:
"إيه اللي حصل؟! تطور في علاقة سهر وأمين؟!"
وليد نفخ الدخان وقال بسخرية:
"ولا حاجة يا بيه، البنت مش مدياه أي اهتمام… الدور دلوقتي إنك تدخل ليها، وهتفوز بكل حاجة!"
الصوت التاني اتكلم بحماس:
"يعني إنت شايف إني أتحرك دلوقتي؟!"
وليد هز راسه وهو بيضحك ضحكة خبيثة:
"طبعًا… اضرب على الحديد وهو سخن! وأمين زمانه متشتت دلوقتي… يعني لازم كل حاجة تتم في ساعتها!"
الصوت التاني قال بنبرة مليانة تحدي:
"طب تمام! هضرب على الحديد وهو سخن زي ما بتقول… وأما نشوف نهاية الموضوع ده إيه! وإن ما كسرتش رقبة ابن الـ… ده، ما بقاش أنا وليد الشامي!"
في نهاية اليوم، كان وليد قاعد قدام أبو سهر وبيتكلم معاه بكل أريحية وهدوء، والحوار اللي دار بينهم كان كفيل إنه يقلب موازين اللعبة كلها لصالح وليد.
باك
بعد ما سهر سابت أمين، خرجت برا البيت كله، ركبت عربيتها واتجولت بلا هدف، بتحاول تنسى كل الهموم اللي فوق راسها. لكنها ما أخدتش بالها من العيون اللي كانت بترقبها من بعيد.
بعد وقت، وصلت عند بيت متطرف على الواحة، نزلت من عربيتها، وبصت حواليها بترقب، كأنها بتتأكد إن مفيش حد شايفها. وبعد لحظات، دخلت جوه البيت.
في نفس اللحظة، خرجت العيون اللي كانت بترقب بصمت، متابعين تحركاتها بحذر، مترقبين إيه اللي هيحصل بعد كده…
خرجت من البيت بعد ساعات طويلة غير معدودة، ركبت عربيتها، وتحركت بسرعة من المكان، وخلفها العيون الغامضة بتراقبها من بعيد.
مرت الأيام من غير جديد غير إن أمين بيحاول يتقرب من سهر ويكسر الحواجز اللي بينهم، وسهر اللي بتبحث ورا سر قتل أبوها ووليد.
في يوم، خرجت من المول وفي إيديها أكياس كتير، وقفت بملل وهي بتبص حواليها تدور على عربية أمين، لكن فجأة وقفت قدامها عربية سودا كبيرة، وقبل ما تفهم اللي بيحصل، لحظات وكانت العربية اختفت عن الأنظار في صمت تام.
داخل العربية...
كانت بتحاول تتحرك، لكن الأيادي اللي ماسكاها كانت أقوى منها بكتير. بعد ما السائق اطمن إنه بعد عن الناس، أعطى إشارة للشخص اللي ماسك سهر إنه يسيبها تتكلم.
صرخت بغضب:
"إنتو مين يا شوية كلاب؟!"
صدر صوت غاضب من الراجل الملثم اللي كان قاعد قدام جنب السائق وقال بخشونة:
"بس يا بت، متسمعش حسك! أنا جايبك هنا لكام غرض، وهتغوري على طول!"
بدأت أنفاسها تعلى بغضب وقالت:
"طب إنت مين وعايز مني إيه؟!"
رد عليها بابتسامة خفيفة وقال:
"أنا عرفت إنك بتدوري على حقيقة موت حبيب القلب، وده عمره ما هيحصل طول ما أمين معاكي. قبل ما تنزلي، هتاخدي معاكِ التليفون ده، هيكون عليه كل تواصلنا مع بعض، وأي دليل تلاقيه هتبعتيه لي، وأنا كمان هبعت لك أي حاجة أوصلها... اتفقنا يا حلوة؟ عشان أنا انتقامي أكبر من انتقامك."
بصت له بصمت للحظات وقالت:
"طب إنت مين؟ عشان أعرف بس أنا بتعامل مع عدو ولا صديق!"
بصّ لها من المراية الأمامية بعينين حادة بيشعّ منهم حقد داخلي، وقال بصوت منخفض لكن واضح:
"بُصي يا سهر، أنا معنديش مشكلة معاكي، لكن أنا وإنتِ كُنا مجرد وسيلة في لعبة حقيرة، ولعبتنا دي لازم تنتهي عشان نقدر نكمّل. هتعرفي أنا مين في الوقت المناسب، لكن دلوقتي إحنا بنسعى لكشف كل حقيقة قاتلة. معاكِ دلوقتي التليفون ده والساعة دي، أي خطر هيحصلك أنا هعرف بيه من خلال جهاز التتبع."
وقف لحظة، وبعدين كمل بصوت مليان تحذير:
"وهقولك لآخر مرة، أقرب حد ليكي خاين، أوعي تثقي في حد، لأن في آخر المؤامرة الموازين هتتقلب، وهيبقى الغالب مغلوب، والظالم مظلوم، والميت... حي!"
بصت له بصدمة ممزوجة برعب حقيقي، لكن فضّلت عدم الرد.
"بُصي، دلوقتي هنزّلك أول الشارع عند بيتك، واللي حصل جوه العربية هيفضل جوه العربية، ولا كلمة هتخرج منه برّا. لكن قَسَماً عظماً، لو عرفت إن في غدر من ناحيتك، هنسى إنك مجرد وسيلة مضحوك عليها، وهتدخلي في قايمة أعدائي!"
هزّت رأسها بتفهم، ولما العربية وقفت، نزلت بسلام، عدّلت هدومها، مسكت الشنط، واتحركت بخطوات سريعة، لكن جواها كان مليان رعب وأسئلة كتير. وبمجرد ما خطت كام خطوة، كانت العربية اختفت نهائيًا، وكأنها عمرها ما كانت موجودة.
قررت إنها مش هتقول لحد على اللي حصل، وإنها هتكمل رحلتها في كشف الحقيقة لوحدها. وصلت للبيت، واتنهدت براحة، لكن أول ما فتحت الباب، لقت أمين واقف قدامها، ووشه كان مليان قلق، وقال بوجل:
"سهر، كنتِ فين؟ أنا كنت قلقان عليكي جدًا، اتأخرتي، وأنا حتى رُحت المول وملقتكيش هناك!"
اتوترت للحظة، لكن حاولت تدارك الموقف بسرعة وقالت:
"مفيش، بس كنت حابة أتمشى شوية بعد ما خلّصت من المول... معلش بقى، نسيت إنك كنت هتستناني."
بصّ لها بنظرة غامضة، كأنّه فاهم حاجة، وهزّ رأسه بتفهم وقال بهدوء:
"تمام... المهم، انتِ كويسة دلوقتي؟"
قالت بابتسامة:
"آه، الحمد لله... معلش يا أمين، أنا هطلع أستريح دلوقتي، لأني تعبانة جدًا."
خلّصت كلامها وسابته ومشيت، وهي بتراجع كل أحداث اليوم في مخيلتها، وفي دماغها كان فيه سؤال واحد بس: هل في طرف ثالث؟ ويعني إيه عودة للي فات؟ قررت إنها تريح نفسها اليوم ده، وتبدأ من بكرة البحث من أول وجديد.
عند أمين
كان واقف بابتسامة وهو بيبص على مكان تواجدها، وبعدها بص قدامه بخبث، وقرر يسيب البيت فترة. لفّ لمراد اللي كان بيلعب على الأرض وقال:
"مراد، حبيب قلب عمو أمين، أنا خارج شوية كده، ومش عارف هارجع إمتى، لما ماما تنزل عرّفها إن أنا مشيت."
هزّ مراد رأسه بدون اهتمام، لأنه كان مشغول في اللعب، وبعدها خرج أمين.
في مكان ثالث تمامًا
كان الظلام الدامس مسيطر عليه، واللي واقفين ملامحهم مش باينة. قرب ملثم وقال…
"خلي بالك... هي قربت توصل لكل حاجة."
رد عليه الملثم التاني:
"ما تقلقش، أنا مراقبها كويس، وأي جديد هيكون معانا قبل ما يكون معاه، بس انت خلي بالك من تحركاتك معاها."
بعد الملثم الأول عن التاني، وحط إيده في جيبه، وبص على صورة سهر على شاشة الموبايل، وقال بتنهيدة:
"اللي بدأ زمان لازم ينتهي قريب، وأخد الحق من أي حد قريب، حتى لو كان ضحية وحظها اللي وقعها في النص."
قرب الملثم التاني، وحط إيده على كتفه وقال:
"إيه؟ بدأت تحنّ ولا إيه؟ لا، امسك نفسك كده شوية، ده إحنا لسه في البداية، واللي جاي محتاج وقفة من نار."
انسدل ظلام الليل على الجميع... اللي كان بيفكر في الماضي، واللي بيفكر في الحاضر، واللي بيستعد للانتقام، لكن توافق بينهم شيء واحد وهو الانتقام.
في صباح يوم جديد
صحيت سهر بتعب شديد، وبصّت حواليها، ملقتش مراد، مؤخّرًا مبقاش بينام معاها في الغرفة. جت تقوم، وبصّت على الشنطة اللي فيها الموبايل، وتذكرت أحداث الأمس كاملة، قاطع تذكرها رنين الهاتف.
مسكته، وبصّت للمتصل، وردّت بسرعة لما شافت الاسم وقالت…
"ألو، إيه يا عمر؟ عملت إيه؟"
رد عليها وقال:
"كل حاجة تمام يا مدام، والدليل وصاحبه مستنيينك في كافيه الدلتا."
سكتت للحظات وقالت بشك:
"متأكد يا عمر إن ده كله حقيقي؟ وإن الشخص ده هو المطلوب واللي معاه الدليل؟"
