رواية بين سطور الخديعة الفصل الثالث 3 بقلم هبة ابو الفتوح


 رواية بين سطور الخديعة الفصل الثالث 


قال لها بثقة:
"عيب عليكي يا مدام، ده مش أول تعامل بينا، وما تنسيش إحنا عارفين بعض منين، والمكان يشهد إن مفيش بحث أو دليل وقف معايا أبدًا."

قامت وقفت، ومسكت التليفون التاني في إيدها، وقالت وهي بتبص للساعة:
"تمام يا عمر، مسافة السكة وهكون موجودة هناك، مع السلامة."

بعد وقت، كانت خلصت لبسها ونزلت، لقت المربية قاعدة مع مراد، قربت منها وسألتها باستغراب:
"صباح الخير، أمال فين أستاذ أمين؟"
وقفت لها المربية باحترام وقالت:
"صباح النور يا فندم، أستاذ أمين ما كانش موجود من امبارح، واتصل بيا عشان أجي أقعد مع مراد، ما كنتش أعرف إن حضرتك معندكيش علم."

هزت سهر رأسها بتفهم، وقربت من ابنها، وقعدت جنبه، ومسكت إيديه الاثنين وباستهم وقالت:
"حبيب ماما، عامل إيه يا عمري؟ أنت عارف إن أنا مقصرة معاك الفترة دي، بس غصب عني يا عمري، بس بإذن الله هعوضك عن كل حاجة."

قرب منها مراد وقال وهو بيحضنها:
"ماما، أنا عايزك تلعبي معايا، عمو أمين كمان، مش امبارح ما رضاش يلعب معايا غير حبة صغيرة، أنا زعلان منكم كلكم."

مسحت على رأسه بحب، وقالت بأسى وهي بتبص على الساعة اللي في إيدها…

"غصب عني يا قلبي، بإذن الله الفترة اللي جاية هحاول أعوضك عن كل اللي أنا عملته معاك، لكن دلوقتي مضطرة إني أمشي لأن عندي شغل."

ابتسمت له وودعته بعد ما أعطت تعليمات للمربية، خرجت وركبت العربية، وتحركت لوجهتها، وهي في الطريق سمعت صوت تليفون بيرن، مسكت تليفونها واتفاجأت إن الاتصال مش عليه، سمعت الهزاز بيرن من داخل شنطتها، فبطّأت سرعة العربية شوية وخرجت التليفون الثاني من الشنطة، واتفاجأت برقم متسجل باسم "فاعل خير".

ما أخدتش وقت كتير وكانت ردت:
"ألو؟"

جالها الإجابة بصوت عذب وقال:

"صباح الخير، مش عيب تخرجي لمهمة زي دي وما تعرفينيش إنتِ رايحة فين؟ مش ده اللي اتفقنا عليه امبارح على فكرة."

قالت:
"اممممم، يبقى أنت بقى عايز إيه مني؟ وقصدك إيه بكلامك ده؟"

قال لها بنبرة بها بعض من الاستهزاء:
"كنت مفكرك أذكى من كده، بس للأسف... المهم، إنتِ دلوقتي رايحة لمكان الحادث الأساسي وهتقابلي اللي هيكون معاه الدليل، وعشان تبقي عارفة، مفيش حاجة هتوصل ليكي سليمة، خلي بالك."

استغربت جدًا من كلامه وقالت:

قالت باستغراب وحيرة:
"قصدك إيه؟ وبعدين أنا بتكلم معاك دلوقتي ليه وأنا مش عارفة أنت مين؟ ولا تعرف عنك كل الحاجات دي إزاي؟ بس اللي مصبرني إني أكلمك إني حسيت إنك عارف حاجة أنا ما أعرفهاش، ومش هسيبك غير لما أعرف إيه اللي كان قصدك عليه."

رد عليها بإعجاب وقال:
"فعلاً... اللي وصلني عنك كان بجد، بقى الإصرار والعزيمة، بس خلي بالك يا حلوة، مش كل حاجة بنتمناها بتحصل، وإنتِ في الآخر هتكوني مجرد عروسة بتحركها الأيام. يلا عشان ما عطلتكيش عن مهمة البحث بتاعتك، خلي بالك، أنا هكون معاكي في كل خطوة، ما تخافيش."

لسه كانت هترد عليه لكن المكالمة اتقطعت، بصّت للتليفون باستغراب وقالت:
"هي كانت ناقصة ده كمان! يا رب يعني يوم ما يبقى معايا حد يساعدني غيرك، يا رب يكون شخص مجهول، بس المشكلة دلوقتي، هل الشخص ده فعلاً صادق ولا ضدي وبيستغلني؟ أوف... استغفر الله، هي كانت ناقصة."

عند أمين، كان قاعد في مكان لا يليق ببني آدم خالي من الذنوب، بل مكان يليق بالعاهرات وما شابه، كل ما كان يفوح في المكان ده هو رائحة الذنوب وفقط.
قربت منه واحدة من البنات اللي كانت موجودة وقعدت جنبه وقالت بدلع:

باشا أمين، وأخيرًا نورت المكان، والله طولت الغيبة بتاعتك دي، هي العروسة المزيفة واخداك مننا ولا إيه؟

بعد عنها سنتيمترات بسيطة وقال:
"مش ناوية تتوبي ولا إيه؟ ده إحنا حتى داخلين على أيام مفترجة."

صدر منها ضحكة استهزاء وقالت:
"أتوب! ولما أنا أتوب، اللي زي حالاتك جايين هنا ليه؟"

وقف بغضب وقال:
"زيزي، حِلّي عن دماغي، اللي جابوني! أنا مش ناقص قرف على المسا، أنا جاي هنا أريح دماغي، غوري بقى من وشي."

وقفت هي كمان وقالت بغضب مماثل:
"في إيه يا أمين؟ من إمتى وانت بتتكلم معايا بالطريقة دي؟ ومن إمتى أصلًا وانت متغير كده؟ وإيه أسلوبك ده؟ إيه اللي غيرك كده؟ بلاش تعمل الشويتين دول عليا، عشان أنا وانت عارفين اللي فيها، وعارفين إن البنت دي دخولها لحياتك كان عبارة عن إيه، بلاش بقى تمثل! بقت تمثيلية، والدور عليا، هاااااا؟"

بص أمين حواليه بصدمة، وقرب منها بعصبية، ومسكها من شعرها، خرج الفرد من جيبه وصوبه على رأسها وقال:
"آه يا بنت الكلب... لو سمعت الكلام ده منك مرة تانية، قَسَمًا عَظَمًا لأكون مخلّص عليكي! وإيه أمين دي؟ انتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ فوقي يا زبالة! فوقي! ده أنا لمّتك من الشوارع!"

بصت له بابتسامة وقالت بضحك:
"هي بقت كده؟ عيوني، عيوني يا باشا! مش هتدخل في أي حاجة تاني، وفعلاً، انت لمّتني من الشوارع وجبتني للحرام نفسه، حقك عليّا، أنا آسفة!"

زقّها بعيد عنه، وقعها على الأرض، ومسَك مفتاح عربيته وتليفونه والسجائر من على الترابيزة وخرج من المكان.
رفعت راسها وبصّت على أثره وهو خارج، واتوعّدت في داخلها، لكن غلبت عليها نفسها، وصعبت عليها أيامها اللي عاشتها في ظل وحرام وقرف، وعيطت.

قرب منها شاب ملثم، وقعد جنبها، وقلب ابتسامة وهو بيطبطب عليها.

قال لها بصوت هادئ وهو بيطبطب عليها:
"ما تقلقيش، كل حاجة قربت تنتهي، دموعك ما تنزلش، واعرفي إن كل اللي بتعمليه ده هيكون خير وتكفير لكل حاجة انتِ عملتيها في الدنيا، والمحصلة عند ربنا في الآخرة."

ردّت بدموع وشهقات:
"غصب عني، غصب عني! كل اللي بيحصل ده، أنا ما اخترتش إني أبقى في المكان الزبالة ده، ولا إني أحب الإنسان ده! أنا تعبت، تعبت من كل حاجة في حياتي، بس خلاص... أنا من النهارده مش ههتم بأي حد غير نفسي، وحقي هجيبه!"

قال بصوت هادئ وهو بيهم بالمغادرة:
"كده أنا اطمنت عليكِ، وما فيش داعي لوجودي هنا. عايز أمشي وأسيب راجل في ضهري يقدر يخلص كل الأمور اللي أنا مش هعملها."

مسحت دموعها وقامت وقفت، وهي بتعدل هدومها، وقالت بثقة:
"ما تقلقش يا باشا، امشي وانت مطمن إن كل حاجة هتبقى تمام. أنا عايزة أخرج من المكان ده وأدفن فيه كل حاجة، ماضيي وحياتي القديمة، عشان أبدأ من جديد على نظافة."

عند سهر
كانت وصلت للكافيه وركنت العربية في الباركينج. وهي داخلة المكان، اتفاجئت بناس كتير واقفة، لكنها ما اهتمتش قوي. بدأت تبص حواليها تدور على الراجل اللي المفروض جاية تقابله، لكن ما لقيتهوش. على الفور، رنت على عمر، وبعد لحظات، جاءها الرد…

"أيوه يا عمر، فين الراجل اللي انت قلت مستنيني؟ أنا مش لاقياه!"

رد عليها وقال:
"هو واحد كده مش كبير في السن قوي، بشرته سمراء جدًا، عنده شعر خفيف كده، ومليان حبتين تلاتة."

بصت حواليها على المواصفات دي، لقيت راجل بنفس المواصفات قاعد في آخر الكافيه في مكان معزول.

"تمام يا عمر، أنا لقيته، سلام."

قربت من الترابيزة اللي هو قاعد عليها وقعدت قدامه بهدوء. رفع راسه وبص لها وقال:

"أهلًا يا أستاذة، اتأخرتِ."

بلعت ريقها وقالت بجفاء:

"بعد إذنك، ندخل في الموضوع على طول، فين الأدلة اللي معاك؟"

رد عليها بنفس نبرتها لكن بحدة:
"فين فلوسي اللي معاكي؟ هاتي الفلوس، أديكي الأدلة."

عدلت نفسها على الكرسي وقالت بشموخ:
"اللي بعتك ليا أكيد كان معرّفك أنا أبقى مين، وواثق إن معاملتي هتبقى عاملة إزاي. لو ما تعرفنيش، فأنا سهر إياد الخطابي، اللي بتهز لي شنبات، وبرضه هاخدك على قد عقلك وهطلع لك الفلوس، وطلع الأدلة اللي معاك."

بالفعل، طلعت شنطة مليانة فلوس وفتحتها قدامه وقالت:
"دي كلها هتبقى ليك، وأزيد من الاتفاق، بس تحكي لي كل حاجة حصلت من يوم وفاة أبويا وموت وليد."

بدأ يحكي لها كل حاجة وقال…

**"من حوالي كذا سنة، أبوكي كان يعرف أبو وليد من الوسط الحقير اللي أنتم فيه، وحصل ما بينهم كذا صفقة تهريب على بيع على آثار، شوية حاجات من دي. وانتِ اتجوزتي وليد بعد فترة الأهل، وانتِ عارفة إن أنا كنت دراع أبو وليد اليمين، يعني كل حاجة كنت أعرفها قبل ما هو يعرفها.

في يوم، كان في صفقة تهريب كبيرة كانت هتتم خارج البلد أصلاً. وقتها، أبو وليد وأبوكي اختلفوا على السعر، وده اللي أنا استغربته ساعتها، لأنه إيهاب باشا ما كانش مهتم بالربح والخسارة في المجال ده، لكن اللي عرفته وقتها إن كان في حد أكبر من أبوكي هو اللي ممشيه. وزي ما بيقولوا كده، أبوكي كان مجرد عامل مشترك للتعامل مع أبو وليد من غير ما الشخص الكبير ده يظهر في الساحة.

في الوقت ده، أنتِ كنتِ لسه داخلة المجال جديد، لكن وليد كان قبلك. وطبعاً تسارعت ما بينكم الأحداث ووصلت للجواز في وسط الخلافات المجهولة في الوسط، واللي انتهت بسبب عامل مجهول، وكان دخله، أو بمعنى أصح كان سببه، واحدة، وانتِ عارفة هي مين.

وبعد كل اللي أنتِ عارفاه ده، رحتي حبيتي ابن ظالم أبوكي؟ بس كده؟ أولًا، وليد..."
كان لسه هيكمل كلامه، لكن فجأة انطلقت طلقة من مكان مجهول، استقرت في نص رأسه وأسكتته للأبد. سهر بصت قدامها بصدمة، عينيها اتسعت وهي شايفة الدم متطاير على إيديها ووشها حاولت تستوعب اللي حصل، لكن عقلها رفض يصدق إنها لسه من لحظات كانت بتتكلم مع حد، ودلوقتي بقى جثة هامدة قدامها.

المكان كله اتقلب رأسًا على عقب، صراخ الناس، كراسي بتتقلب، والجري في كل اتجاه، لكن هي ما قدرتش تتحرك، كأن رجلها اتسمرت في الأرض. الصدمة كانت أكبر من إنها تستوعبها بسرعة. وفجأة، حست بإيد قوية بتسحبها وسط الزحمة، حاولت تقاوم، بس ما كانتش في حالتها الطبيعية.

الشخص اللي مسكها كان سريع، خرج بيها من الكافيه قبل ما الشرطة تدخل المكان بثواني دفعها جوه عربية وساق بسرعة جنونية بعيد عن المكان قلبها كان بيدق بجنون تحاول تفهم إيه اللي بيحصل، وإزاي كل حاجة اتغيرت في لحظة. بعد ما بعد عن المكان لمسافة آمنة، وقف على جنب، وبصلها بنظرة غامضة، وسألها بصوت هادي لكنه مليان قلق:

"مالك ؟"

بصت تشوف مين الشخص اللي قدامها، لقت الملثم. رجعت ببصت قدامها بشرود وقالت بصوت مهزوز:

"انت كنت عارف إن ده هيحصل... كنت عارف إن الدليل الوحيد هيتقتل وما قلتليش... عشان كده كنت بتحذرني، صح؟"

اتنهد بعمق وقال بهدوء:
"كنت عارف إن هيحصل غدر، لكن ما كنتش متوقع إنها توصل للقتل بالشكل ده... بس تقدري تثقي فيا."

بصت له بحدة وباندفاع قالت:
"أثق فيك إزاي وأنا حتى مش عارفة إنت مين؟ مش يمكن تكون ضدي؟! وصلت لي إزاي؟! أنا مش فاهمة حاجة من اللي بتحصل حواليّ... أنا مين وبعمل إيه؟! مين اللي عايش ومين اللي مات؟! إيه كل الأحداث اللي مش مترتبة دي؟! أنا محتاجة أفهم... محتاجة أرتب حياتي من جديد... أنا حاسة إني مجرد عروسة بتحركها أحداث متفرقة، مش عارفة مين معايا ومين ضدي!"
شد إيدها بقوة وقال بحزم:
"قبل ما تنزلي من العربية دي، هتكوني عارفة كل حاجة، وهرتب لك كل الأحداث اللي في دماغك واللي متشابكة... اهدي واسمعيني، واركبي."

التفتت له واستمتعت لكلامه وهو بيحكي:
"دلوقتي، أول مشكلة بدأت معاكي لما أبوكي اتقتل، وبعدها بفترة صغيرة، وليد كمان اتسمم في المستشفى بعد إصابته وهو بيحمي أبوكي... قبل البداية دي كلها، انتِ يا سهر جيتي على الدنيا وعرفتي إن أبوكي تاجر مخدرات وحاجات تانية مشبوهة... بدل ما تحاولي تخرجي من المجال المقرف ده كله، اخترتي واحد من نفس الوسط، حبيتيه واتجوزتيه وخلفتي منه...

نيجي لنفس النقطة، لما وليد مات، روّحتي بعدها بفترة كبيرة اديتي ثقتك لشخص تاني، وده كان مين؟ أمين! أعتقد إن اللي تعرفيه عن أمين إنه كان شغال معاكم، بس معرفتك بيه بسيطة، إنه كان صديق وليد، وزي ما زورتي قدام الناس جوازك منه، لكن دي كانت مجرد كذبة عشان تستغليه كمظلة لرحلة بحثك.

بس انتِ مش واخدة بالك إنك بتدوري في الميّة العكرة، بتدوري بره، وعمرك ما فكرتِ تدوري جوا، يا سهر."

قالت له بذهول:
"انت عرفت بقى منين؟ وعرفت قصة جوازي من أمين إزاي؟ ما حدش يعرف عن الموضوع ده نهائي! انت مين؟"

قال لها بابتسامة:
"أنا معرفة قديمة يا سهر، مش مهم تعرفي أنا مين دلوقتي، المهم إنك تحطي إيدك في إيدي، لأن غرضنا واحد في النهاية... ثقي فيا يا سهر، ما جتش عليا أنا كمان."

في البيت، كل حاجة كانت متلخبطة، والمربية مغمى عليها على الأرض... برا، فاق واحد من الحرس، مسك راسه بألم وبص حواليه، لقى زميله كمان مغمى عليه... قام وقف بفزع، وبص على بوابة البيت، ودخل بسرعة... لقى كل حاجة متكسّرة، قرب من المربية اللي كانت مرمية على الأرض، وبدأ يفوق فيها، لكنها ما كانتش بتستجيب...
طلع الدور التاني يدور على مراد، ما لقاهوش... قعد على الأرض، مسك راسه بوجع، ولحظات وطلع التليفون واتصل بسهر.

في العربية قالت سهر وهي بتمد إيديها ليه:
"تمام يا فاعل خير، طالما انت مش عايز تعرفني انت مين وغرضنا واحد، أنا هدي لك فرصة. وعلى فكرة، أنا بعرف اللي قدامي من مجرد نظرة. يمكن الفترة اللي فاتت خابت مني، لكن دلوقتي هركز أكتر. مبارك علينا اتفاقنا الجديد."

مد إيده ليها وصافحها، وقلب ابتسامة مخفية تحت غطاء الرأس.

"مبارك يا سهر."

كان لسه هيكمل كلامه، ولكن قطعه صوت رنين تليفونها. بصت له باستغراب وقالت:
"ده الجارد المسؤول في البيت... ليه بيتصل دلوقتي؟"

قال لها بتسرع قبل ما المكالمة تفصل:
"طب ردي بسرعة، يمكن يكون في حاجة."

وبالفعل ردت، لكن عجز لسانها عن الكلام ووقع التليفون من إيديها بعد ثواني من فتح الاتصال، وبصت قدامها بصدمه وشرود.
****

تعليقات