رواية حين تهاجر الروح الفصل الثالث بقلم فراس النابلسى
بدأت السفينة تبتعد أكثر عن الساحل، بينما كانت الأضواء على متنها تتنقل بين الأفق والبحر الهادئ. سادن ومهيار كانا في حالة صمت، لكن عيونهم كانت مليئة بالأسئلة التي لم تجد إجابة.
مهيار (بصوت منخفض): "اللي عم نعمله هلق، يمكن يكون بداية شيء أكبر من يلي توقعناه."
سادن (بملامح جادة): "أو نهاية كل شيء."
لكن قبل أن يضيف مهيار شيئًا، قطع الرجل المسن حديثهما وهو يقترب منهما، وجهه محاط بكثير من الجدية.
الرجل المسن: "وقت ما وصلنا، في شغلة لازم تعملوها."
سادن (متحيرًا): "وهي شو؟"
الرجل المسن (بصرامة): "اللي عم تبحثوا عنه في البحر… مو بس قارب مفقود. في شي أخطر من هيك."
مهيار (بفضول): "شو يعني؟"
الرجل المسن (يتنهد): "في قوى ما بتريدنا نعرف شو صار. في ناس ضافوا هالمنطقة على الخريطة عشان يديروا شغلاتهم الخاصة."
سادن (مستفهمًا): "يعني في ناس عم يخبوا شيء؟"
الرجل المسن (بصوت خافت): "بالتأكيد. ولسه في كتير ما بنعرفه."
عندما بدأت السفينة تقترب من منطقة غير معروفة في البحر، بدأ الظلام يزداد كثافة، وكأن الوقت توقف عند هذه اللحظة. لم يكن أمام سادن ومهيار سوى الانصياع للأوامر، والبحث عن قارب مفقود في بحر لا ينتهي.
مهيار: "يا ريت نقدر نعرف أكتر عن هالقصص. مش قادرين نتعامل مع كل هالغموض."
سادن: "الصمت هنا أكبر من الكلام، بس مش رح نقدر نطلع من هاي المحنة غير إذا فهمنا الصورة كاملة."
بدأوا يتحركون، يتفقدون المكان بكل تفاصيله. كانت الرياح تعصف بهم، لكن الهدف كان واضحًا: يجب عليهم العثور على شيء يساعدهم في فهم سر هذا المكان الغريب.
رجل آخر من الطاقم (وهو يشير إلى البحر): "شوفوا هناك… ممكن يكون فيه أثر."
توجهوا جميعًا نحو النقطة التي أشار إليها، لكن البحر كان هادئًا لدرجة أنه بدا غير طبيعي. البحر لا يترك أسرارًا إلا لمن يبحث بجدية.
سادن (وهو يتأمل البحر): "ما في شيء… الظاهر أنه القارب اختفى بطريقة مش طبيعية."
مهيار: "ومع هيك، بدنا نكمل… لازم نعرف الحقيقة."
أثناء البحث، وجد سادن شيئًا غريبًا يطفو على سطح الماء. كان شيئًا معدنيًا، لامعًا، وكأن عليه آثار قديمة.
سادن (بحذر): "شوف، هذا مش قارب… شي معدن، يمكن يكون جزء من شي أكبر."
اقتربوا منه وبدأوا في محاولة انتشاله من البحر. كان جسمًا معدنيًا ضخمًا، يُحتمل أن يكون جزءًا من آلة قديمة.
الرجل المسن (باندهاش): "ما توقعتكم تلاقوا هيك شيء…"
مهيار (وهو يلتقط أنفاسه): "وهيك صار عندنا دليل. هالشيء كان جزء من قارب؟ أو شي تاني؟"
الرجل المسن (يتنهد): "اللي لقيتوه هلق مو مجرد جزء من قارب. هذا كان جزء من عملية أكبر… عملية مش مفهومة."
سادن ومهيار تبادلا النظرات، وكانت أفكارهما مشوشة. ما الذي كانوا قد وقعوا فيه؟ ومن هم الأشخاص الذين يسعون لإخفاء هذه الأدلة؟
في تلك اللحظة، بدأ أحد رجال الطاقم يقترب منهم بخطوات سريعة، وعيناه تحملان نظرة مقلقة.
رجل الطاقم (بصوت حاد): "في ناس جايين نحونا."
مهيار (بحذر): "منو؟"
رجل الطاقم (مخفضًا صوته): "ما بعرف، بس لازم نكون جاهزين."
كان الجو مشحونًا، وبدأ القلق يتسلل إلى القلوب. الأجواء كانت متوترة، والمهمة التي كانوا يظنون أنها بسيطة بدأت تكشف عن أبعاد أكبر من المتوقع.
سادن: "بداية جديدة، صح؟"
مهيار (بابتسامة صغيرة): "ممكن تكون النهاية… إذا ما قدرنا نواجه اللي جاي."
في تلك اللحظات الحرجة، بدأ الأفق يتغير، وظهر في المسافة ضوءٌ خافت. ليس من بعيد، كان هنالك سفينة أخرى تقترب بسرعة. لم تكن السفينة المألوفة، بل كانت ضخمة، ومحملة بأشخاص يرتدون ملابس غريبة.
الرجل المسن (بشدة): "خليكم جاهزين… اللي جاي ما فينا نتوقعه."
أخذ الجميع أماكنهم، وكان التوتر واضحًا في الهواء. ما الذي كان ينتظرهم الآن؟ من هؤلاء الأشخاص؟
الجو كان مشحونًا بالتساؤلات، وكانت السفينة الثانية تقترب أكثر، وهي تشق المياه بكل سرعة.
مع اقتراب السفينة الغريبة من سفينتهم، تغيرت الأجواء تمامًا. الرياح بدأت تعصف بشكل أقوى، وكأن البحر نفسه كان يحذرهم مما هو قادم. سادن ومهيار تبادلا نظرات مشوبة بالقلق، لكن كان عليهم أن يكونوا مستعدين لأي مفاجأة.
سادن (بصوت منخفض): "ما بعرف ليش، بس حاسس إنه هاد اللقاء مو طبيعي."
مهيار (بشدّة): "كل شيء صار غير طبيعي من لما ركبنا هالسفينة. شو رأيك نواجههم؟"
سادن (بتردد): "إلّا إذا كان الخيار الآخر هو الهروب… بس وين بدنا نهرب؟ البحر مفتوح ومفيش مكان نختبئ فيه."
وفجأة، وفي لحظة مفاجئة، صوت محرك السفينة الغريبة أصبح أكثر وضوحًا، ثم توقفت تمامًا بجانب السفينة الأصلية. في تلك اللحظة، عَبرَت عيون الجميع بنظرات مشدودة، وكان كل شيء على وشك التغير.
الرجل المسن (بصوت حازم): "خليكم هادئين، ولا تتحركوا… إحنا قدام مرحلة جديدة، وهاد اللقاء إما حيكون بداية جديدة أو نهاية كل شيء."
سادن (بقلق): "مين هدول؟ ليش هيك متأهبين؟"
مهيار (مستفهمًا): "وأنت شو بتعرف عنهم؟"
لكن الرجل المسن كان يبدو وكأنه كان يحاول إخفاء شيء مهم، ولم يرد إلا بجواب غامض:
الرجل المسن (بصوت منخفض): "هؤلاء من نوع مختلف… لا تسألوا أكثر، خليكم جاهزين."
قبل أن يضيف أحدهم شيئًا آخر، ظهر على متن السفينة الغريبة رجل طويل القامة، يرتدي سترة سوداء ونظارات شمسية رغم الظلام الدامس. بدا أن له هيبة غريبة، وسار بخطوات ثابتة نحوهم.
الرجل الغريب (بصوت جاف): "أنتم سادن ومهيار، صح؟"
مهيار (بدهشة): "كيف بتعرفنا؟"
الرجل الغريب (بابتسامة غامضة): "ما في شيء في هذا البحر بيظل مخفي، خاصة عن الناس اللي بيهمهم الحقيقة."
سادن (بتوتر): "إنتو مين؟ وليش جايين؟"
الرجل الغريب (بحزم): "إحنا هنا مش للترحيب، بل عشان نساعدكم تتعرفوا على شي كنتوا تدوروا عليه."
مهيار (بحذر): "أنتو بتساعدونا؟ ليش؟ شو المطلوب منا؟"
الرجل الغريب (بشدة): "لأننا في نفس المعركة، وتخيلوا إنكوا مش لوحدكم… في ناس تانية بدها توصل لنفس هدفكم."
سادن ومهيار تبادلا نظرات مشوشة، لم يكن بإمكانهما استيعاب الموقف تمامًا. كل شيء كان يشير إلى أن هناك تفاصيل أكبر تخفيها هذه المجموعة. لكن السؤال الأكبر كان: هل سيكونون حلفاء أم أعداء في النهاية؟
الرجل الغريب تقدم خطوة أخرى نحوهم، ورفع يده كأنه يريد أن يحذرهم من التسرع في اتخاذ أي قرارات.
الرجل الغريب (بصوت منخفض): "في أسرار كبيرة في البحر هذا… ومو كل واحد بيقدر يتعامل مع اللي فيه. في حاجة أكبر من مجرد قارب مفقود."
سادن (بلهجة متوترة): "شو يعني هذا؟"
الرجل الغريب (بتعبير غامض): "يعني اللي بتدوروا عليه، مش مجرد آلة أو قارب. هي لعبة أكبر، واللي بيحاول يلعب فيها مش هيفوز."
مهيار (مستفهمًا): "وإنتو بدكم منا نساعدكم؟"
الرجل الغريب (بثقة): "نساعد بعضنا البعض… بس لازم تعرفوا أنكم عم تلعبوا في لعبة قد تودي بحياتكم."
كان الجو أكثر شحوبًا الآن، البحر يبدو وكأنه متفاعل مع ما يحدث على متن السفينة. أمواج البحر ارتفعت فجأة، وكأن هناك قوة غير مرئية تتحكم في كل شيء حولهم.
بينما كان الرجل الغريب يتحدث، اقترب أحد رجال الطاقم، ورفع يده ليشير إلى نقطة معينة في البحر. كانت هناك أضواء غريبة تتراقص على سطح الماء، لكن مصدرها غير واضح.
رجل الطاقم (بلهجة متوترة): "في شي غريب عم يطفو هناك… رح نروح نشوف."
سادن (بتردد): "يمكن هاد يكون الجواب، يمكن يكون دليل على شي أكبر."
مهيار (بنبرة حادة): "نروح نشوف… مفيش وقت."
عندما توجهوا نحو النقطة التي أشار إليها الرجل، كانت الأضواء تتراقص بشكل مستمر، وعندما اقتربوا منها، اكتشفوا أنها كانت مصدرًا لشيء معدني ضخم، يغمره الماء بشكل جزئي، وكأنه كان جزءًا من شيء أكبر كان قد تحطم.
سادن (وهو يتفحصه): "الشيء هذا… في شكل غريب. ما بتوقع كان ينتمي لقارب."
الرجل الغريب (بصوت جاف): "هذا مو قارب… هذا جزء من شيء أكبر."
بمجرد أن وصلوا إلى النقطة، بدأ الهواء يزداد شدة، وارتفعت أمواج البحر مرة أخرى، وكأن شيئًا ما كان على وشك أن يظهر من الأعماق.
مهيار (بحذر): "في شي عم يتحرك تحتنا… لازم نكون جاهزين."
وفي تلك اللحظة، أطلق الرجل الغريب أمرًا حاسمًا.
الرجل الغريب (بصوت أمر): "كل واحد مكانه. هاد بداية شيء أكبر!"
