رواية بين سطور الخديعة الفصل الرابع 4 بقلم هبة ابو الفتوح


 رواية بين سطور الخديعة الفصل الرابع 


من بداية المكالمة، كان متابع تعبير وشها، ولما لاحظ تغيراتها، قلق عليها. لكن تحول القلق لرعب لما وقع التليفون من إيديها، وبصت قدامها بصدمه من غير كلام.

بدأ يتكلم معاها ويحاول يعرف إيه السبب في صدمتها دي، لكن هي ما كانتش بتستجيب. لحظات، واتحول سكوتها لصرخات متتالية، وهي بتقول:
"ابني! ابني! لا! لا! مراد!"

صرخ فيها عشان تهدى وقال لها:
"اهدي يا سهر، في إيه؟ اهدي، كل حاجة هتكون بخير، بس فهميني في إيه؟"

قالت بدموع وهي بتبص له:
"ابني... الحارس اللي في البيت رن وقال لي إن في ناس اتهجموا عليهم في البيت وخدوا ابني مراد... خدوا ابني... لااااا!"

حاول هو يهديها، وبعد وقت هديت شويه واتكلم معاها بسرعة قبل ما ترجع لحالة الانهيار تاني:

"بصي يا سهر، دلوقتي اللعب بقى على كبير ولازم نلعب على المكشوف. أنا عارف إنك عارفة إنه عايش وإنك كنت عاملة مؤامرة على التاني. ركزي معايا في حاجة تانية أنا مش عارفها."

هزت رأسها بالنفي وقالت:
"لا، اعتقد انت عارف كل حاجه، بس إيه دخل ده في ده دلوقتي؟ أنا خايفه يعملوا حاجه في ابني."

قال لها وهو بيحاول يطمنها، وبص حواليه بترقب وقال بسرعة:
"ما فيش وقت، ما تقلقيش. الشخص اللي خد ابنك يستحيل إنه يئذيه، بس دلوقتي هتروحي عند….."

كان لسه هيكمل كلامه، لكن قطعوا اتصال تليفونها برقم مجهول. وكان الرقم مشفر لعدم إظهاره. رفعت رأسها وبصت له بخوف، وهو بص لها بنظرات اطمئنان. وردت وقالت بارتجاف:
"الو..."

رد عليها الشخص التاني وقال:
"سيبك من اللي معاكي دلوقتي وتعالي على المكان اللي هبعته لك في رسالة، لو عايزة ابنك بخير. ويستحسن إنك ما تعرفيش حد بالكلام اللي أنا قلته دلوقتي، حتى المجهول اللي إنتِ معاه."

بصت قدامها بشرود، وما خدتش وقت تفكر فيه، ونزلت من العربية بسرعة حتى إن هي ما أديتلوش فرصة إنه يفكر ينزل وراها. لأن بمجرد نزولها، كان في عربية تانية مستنياها، خدتها على طول. وبعكس المتوقع، رجع هو قعد في العربية تاني بهدوء، وبص على العربية التانية وهي بتتحرك بعيد عن أنظاره، وابتسم من تحت القناع وقال:
"كده بدأنا من خط النهاية، نبدأ بقى بسطور البداية لكن بنقطي أنا."

مجرد ما ركبت في العربية، غابت عن الوعي. غابت للحظات مؤقتة، لكن كانت متناسية كل شيء حواليها. لكن فضل جواها الرعب والانتقام هم الدافع الأساسي لبقائها على الحياة…

بعد فترة، ما كانتش تعرف هي قد إيه، صحيت لقيت نفسها مكبلة اليد في سرير، وكان حواليها الجو بارد جدًا في حيطان مشققة زي أكنها داخل زنزانة. صوت قطرات الماء اللي نازل على صدى الحديد بدأ إن هي تستعيد وعيها تدريجيًا، وبصت حواليها بهدوء. لكن بمجرد ما استعادت وعيها بالكامل، بدأت إن هي تصرخ وتقول:

أنتم مين؟ فين ابني؟ فكوني يا كلاب!

لكن سكتت للحظات لما سمعت الباب اللي قدامها بيتفتح. دخل واحد ملثم وقف قدامها وحط إيده في جيبه وقال:

"إيه يا حبيبي صوتك؟ إنتِ عارفة إني مش بحب الصوت العالي."

ركّزت لحظات في الصوت وقالت بضربات قلب متسارعة:

"و.. وليد؟"

رفع القناع من على وشه وقال لها بابتسامة واسعة:

"قلبي وعيون وليد. ما كنتش متخيل إنك هتعرفيني بالسهولة دي."

بصّت على إيديها المتربطة ورجليها كمان وقالت له بسرعة:

"فكّني يا وليد بسرعة قبل ما الناس اللي هنا يجوا. بتعمل إيه هنا؟ وعرفت مكان إزاي؟ وفين مراد ابننا؟ يلا يا وليد بسرعة، مراد في خطر!"

كانت بتتكلم بسرعة وهي بتحاول تفك نفسها من على السرير، وهو واقف بكل هدوء. قرب منها بخطوات ووقف قدام السرير تحديدًا وقال:

"ما كنتش أعرف إن نظرك ضعّف كده يا حبيبي. بص كده جنبك."

ما فهمتش قصده، لكن بصّت جنبها لقت مراد ابنها مغيب ومربوط ونايم على الأرض. وسّعت عينيها بصدمه وقالت بصراخ:

"مـــــــــراد!"

ورجعت بص التاني لوليد وقالت بغضب أكبر:

"إنت اتجنّنت يا وليد؟ إنت هتعمل كده في ابنك ليه؟ فكّني يا وليد، فكّني!"

ضحك بصوت عالي، وكان عقله طار في اللحظة دي. خلع حزام بنطلونه وبص لها بشر وقال:

"جه دلوقتي تخليص حساب زمان يا جميل."

برقت بخوف وبصت للحزام اللي في إيده وقالت:

"إنت بتعمل إيه؟ أوعى يا وليد إيه اللي إنت بتعمله ده؟ إنت اتجننت؟ بتعمل في ابني كده ليه؟"

صرخت باسمه في الآخر لما نزل بالحزام على أماكن متعدده في جسمها، فضلت تصرخ وكل ما كانت صرختها تزيد كل مكان هو يزيد أكثر في الضرب. ومع زياده صراخها، كان بيضحك أكثر. استمر الضرب لوقت مش عارفه هو قد إيه، لكن وقف لما حس إن هي خلاص هتموت بعد خطوات عنها ورمى الحزام من إيده وقال:

"تؤ تؤ تؤ... إيه يا حبيبي ؟ تعبتي ؟ لسه بدري على التعب ده كل اللي حصل مع أبويا وأمي زمان هيطلع عليك. افتكري كل العذاب اللي كان في الماضي، عشان دلوقتي هتتعرضي الإضعاف مضاعف منه."

"تؤ تؤ تؤ... إيه يا حبيبي؟ تعبتي ولا إيه؟ إحنا لسه بدري قوي، بدري قوي كمان على التعب ده! كل اللي حصل مع أبويا وأمي زمان هيطلع عليك. افتكري كل العذاب اللي كان في الماضي، عشان دلوقتي هتتعرضي لإضعاف مضاعف منه."

ما كانتش قادرة ترد عليه ولا قادرة تفتح عينيها. خرج هو بعد ما شال مراد في إيديه، وساب الأوضة بالمعاناة اللي فيها. غمضت عينيها بتعب وكأنها انتقلت من العالم اللي هي فيه لعالم كانت بتتمنى إنها ما تدخلش فيه نهائيًا.

عودة إلى الماضي

خرج رجل في نص التلاتينيات وجنبه مرأة في نهاية العشرينيات. بص لها بغضب وقال:

"صباح حسك، عينك! اللي حصل جوه ده يتكرر تاني؟ فهمتي؟"

هزت راسها بخوف وقالت:

"حاضر، حاضر... مش هسلم عليه تاني. أنا آسفة، بس بلاش تضربني."

مسك إيديها بغضب وشدها ليه وقال بشر:

"هو أنا لسه عملت حاجة؟ انت حسابك معايا لما نروح البيت بس. ولا أقولك، أنا مش طايقك!"

ساب إيديها وزقها جامد لدرجة إنها وقعت على الأرض. لكن في اللحظة دي، قرب راجل تاني كان عمره أقل من الراجل الأول وحاول إنه يساعدها ويوقفها، وبص له وقال بعصبية:

"انت اتجننت يا حامد! انت ازاي تعمل كده مع مراتك؟"

مسك إيديها وسندها ووقفها وقال:

"انت كويسة يا مدام؟"

هزت راسها بخجل ودموعها بتنزل في صمت. رد حامد بغضب وهو بيبعده عنها:

"إيه، انت استغلتي الفرصة ولا إيه؟ أوعى تنسى نفسك يا إيهاب، دي مراتي، اعمل اللي اعمله فيها، إن شاء الله موتها. انت مالك؟"

لسه كان إيهاب هيرد، لكن حامد مسكها من إيديها وخرج بسرعة من الفندق. لكن إيهاب فضل في مكانه بحزن وتنهد بغضب وقال:

"حسابك معايا تقيل يا حامد، وقرب رصيد السطر بتاعك عندي يخلص."

بعد مرور يومين على الموقف ده، بدأت الخلافات تزداد أكتر بين صباح وحامد لحد اليوم اللي اتقلبت فيه الموازين كلها.

خرج إيهاب من بيته واتجه لعربيته، لكن جات له مكالمة من رقم مجهول. رد بدون اهتمام، لكن اللي جاله من الطرف التاني كان بمثابة صاعقة له.

قفل التليفون بسرعة وركب عربيته واتجه لبيت حامد. كان بياخد الطريق في دقائق معدودة، وكل اللي كان بيدور في باله دلوقتي هل المكالمة دي حقيقية؟ حامد قتل صباح؟

وصل للبيت واتفاجئ إنه مافيش حرس. دخل بسرعة وهو بينده بصوت عالي:

"حــــــامـــــد، أنت فين؟"

بدأ يدور في المكان، لكن مفيش أي أثر لأي حد. طلع الدور التاني وقبل ما يفتح الأوضة، كان في ضربة قوية على رأسه أفقدته وعيه.
بعد شوية صحي على صوت صرخات وكان بيوجع جدًا بسبب راسه، لكنه قام وقعد بص حواليه بصدمه، حس بالبرودة في المكان. بص على نفسه لقى نفسه عاري الصدر، بدأ يستعيد وعيه وصوت الصرخات كان بيعلى أكتر. جاله صوت رجولي بيقول بغضب:

"عملتها يا وسخ، عملتها وخنتني مع مين؟ مع مراتي؟ وعلى سريري في أوضة نومي؟ وفي بيتي يا أوسخ خلق الله! أنتم الاثنين... ده أنا هشرب من دمكم دلوقتي!"

فتح عينه بصدمه واتصدم لما لقى صباح ملفوفة بملاية وباين على وشها آثار التعذيب والبوكا الشديد، ولقى حامد مستمر في الضرب فيها. قام إيهاب من مكانه، قرب منه بغضب، ودفعه بعيد عنها بقوة تكاد تكون معدومة، ومسك راسه بغضب وقال بمرارة:

أنت اتجننت يا حامد، إيه إللي أنت بتعمله ده؟! وإيه اللي جابني هنا؟

لكن كان رد حامد لي لكمه وقعته في الأرض جنب صباح. أهل حامد بصوت جهوري:

"أنت طب تسأل؟ بعد كل اللي عملته لسه بتسأل؟! اعتبرتك صاحبي، وتغاضيت كتير عن حاجات انت كنت بتعملها ونظراتك لمراتي. لكن توصل معاك الحال للخيانة؟ ده اللي أنا عمري ما هسمح بيه!"

قالت صباح بدموع وهي بتلف نفسها كويس بالغطاء اللي كان عليها، مع إنها كانت لابسة هدوم، لكن كانت مكشوفة جدًا. فقالت بدموع وهي بتمسك رجل حامد وبتترجاه:

"والله ما زي ما انت فاهم يا أخويا، والله ما عملت حاجة. أنا بحبك يا حامد، والله ما عملت حاجة. أنا مظلومة، تصدق إن أنا ممكن أعمل كده؟"

زقها برجله وقعها في الأرض تاني وخرج سلاحه من جيبه ووجهه عليها وقال:

"للأسف أنا بحبك وما كنتش اتوقع منك كده، الخيانة! مع مين؟ مع مين يا خاينة؟"

وقف إيهاب ومسك السلاح منه وحاول إنه يشده من إيده، لكن حامد كان مصوبه على صباح. فضلوا الاثنين في مشاجرة على سحب السلاح، لكن فجأة طلقه خرجت واستقرت في صدر صباح. اتقفلت اللحظة دي بكل صدمة، وكل واحد فيهم بصل لبعض، وبعدين رجعوا بصوا على صباح تاني. حامد ساب السلاح من إيده وبصدمه، وقف إيهاب ماسك السلاح بدون حركة. قرب حامد من صباح برعب، بدأ يهز فيها وقال بدموع:

صباح ردي عليا! لااااا! أنتِ مش هتموتي دلوقتي، لاااا! أنا لازم أعذبك الأول، مش هترتاحي على طول! فوقي يا صباح، فوقي! ما تموتيش دلوقتي!

وقف حامد ومسك إيد إيهاب، وحط السلاح على راسه، وضغط على الزناد بدون مقاومة من إيهاب. استقرت الطلقة داخله، أفقدته حياته هو الآخر. وقع السلاح من إيد إيهاب بصدمه، وبص للجثتين اللي قدامه، ورجع خطوات لورا بدون كلام.

كان كل ده تحت عيون الشاب اللي عمره ما يتخطاش العشر سنين. كان واقف بعيد عنهم شوية، بيشوف اللي بيحصل بصمت، ثاني ما استجراش إنه يقرب. بعد ما شاف موت والده قدامه، رجع خطوات لورا وخرج من البيت كُله، ومشهد قتل أبوه وموت أمه كان بيتعاد قدامه زي الشريط، حياته كلها بتعدي قدامه.

صوت صفارات الشرطة والإسعاف بدأ يعُم المكان بالكامل، وانتشرت عناصر الشرطة في كل مكان. وقف إيهاب على بعد كافي من البيت بعد ما قدّر الوضع، وخرج ما يعرفش ازاي قدر يقف على رجليه. وقف بعيد جدًا بمسافة كافية علشان يقدر يشوف إيه اللي بيحصل، وشاف رجال الإسعاف وهما بينقلوا صباح وحامد للعربيات، واتشمع البيت بعد ما اتحول كل ركن فيه لمسرح جريمة.

بص للسلاح اللي في إيده ورجع يبص على البيت تاني، ثم اختفى عن الأنظار.

بعد مرور 20 سنة على الحادثة، كان متغير فيهم كل حاجة. وقف إيهاب في وسط رجال كتير، باين عليهم الهيبة والقسوة. ورغم عددهم الكبير، إلا أن الأمر القاطع والناهي كان ليه لوحده. قربت بنته منه، قفلت جنبه وقالت بكبرياء ما يقلش عن شموخ والدها:

"أنا سهر. كتير منكم عارفني، وكتير ما يعرفنيش. أنا اللي هتولى مسيرة والدي. وطبعًا مش محتاجة أتكلّم كتير عن إنجازاتي في الصفقات الفترة اللي فاتت."

لكن قاطع كلامها شاب في بداية التلاتينات وقال:

"معلش، أنسة، إنتِ بتتكلمي بلسانك لوحدك مش لسان الجميع. شكلك نسيتي إني كنت معاكي خطوة بخطوة. ولولا وقوفي معاكي في الآخر في عمليتين، كان زماننا وقعنا كلنا."

بصّت له بإعجاب وقالت:

"لا عاش عليك، كنت مفكّرة إنك مش هتتكلم وهتفضل ساكت."

قرب منها خطوات ووقف قدامها وقال بشموخ:

"شكلك ما تعرفيش وليد حامد الشامي يا سهر إيهاب باشا."

خبطت على كتفه بدعم وقالت قبل ما تمشي ورا والدها:

"لسه بينا الأيام كتير يا ابن الشامي وهنشوف مين هيسد."

خرج وليد من المخزن، لقى صاحبه في وشه. سأل بتعجب من ملامح وشه المتهجمة:

"إيه يا ابني مال وشك كده؟ يقطع الخميرة من البيت! مش كنت مع القلب بتاعك جوه ولا إيه؟"

رد وليد على أمين بغضب وقال:

إيه يا أستاذ أمين، شكلك نسيت، أنا بامين، وانت تبقى مين؟ بقيت تدخل كثير قوي في حياتي يا صاحبي!

قال له بابتسامة سمجة:

"اديك قلت صاحبي، وكل حاجة بينا واحدة يا صاحبي، حتى الواحدة هي كمان."

خلص كلامه وبدأ يضحك بهستيريا وسخرية.

مرت الأيام بدون جديد، غير تقرب سهر ووليد، لحد ما تصارعت بينهم الأحداث ووصلوا للزواج، في ظل الخلافات والأسرار بينهما، اللي دفنت جوا اليوم المشؤوم... لكن هل هتفتح يومًا؟

عودة إلى الماضي 

اتألمت بوجع لما حست بحد قاعد قدامها. فتحت عينيها بتعب ولما استجمعت ملامحه، أهلت بإرهاق شديد وبوجع بيتسلل في جميع أنحاء جسدها.

"أمين... أمين، خرّجني من هنا! هو ليه تتجنن؟ ووليد هيموتني في ذنب أنا مالهاش دخل فيه."

كان باين على ملامح أمين الحسن الشديد بسبب اللي وصلت ليه، لكن كان اللي طاغي أكتر على عيونه هو الحقد والانتقام. قال لها وهو بيمسح على شعرها بحنان، وكانت لمساته بتتحول لأشد قسوة.

"عارفة يا سهر، كان على عيني إن كل ده يحصل فيكي، لأن أنا فعلاً حبيتك. بس للأسف، وعد الماضي كان أشد من حبي ليكي. عارفة، أنا مش صعبان عليا غير الطفل اللي مالوش ذنب ده. يمكن مراد هيتيتم بدري من الأم أو من الأب، أيهم أقرب. فخليكي واثقة إني مش هكرر غلطة الماضي. أنا حبيتك فعلاً يا سهر، بس وعدي وانتقامي لأخويا كان أقوى من أي شيء. أبوكي قتل أمي في الماضي ولازم، وللأسف ما عرفتش أخد حقها منه، لكن إنتِ لسه موجودة، هقدر أخد حق الماضي منك. عارف إنك ملكيش ذنب، بس هي كمان ما كانش ليها ذنب. مش صح يا سهر."

تعليقات