رواية ارابينيا الفصل الثالث بقلم سمر سعيد
(دع الخلاف جانبا فأنا جزء منك )
وقف معتصم يشرف على تجهيزات الوليمة الخاصة بأطفاله فهو يريد كل شيء على أكمل وجه، يزيد اللحم في القدور من أجل الفقراء، يتأكد من وجود حلويات كافية وفاكهة من كل صنف وجد بالسوق، نادته والدته
- نعم يا أمي
- أريدك في أمر يا بني
- تفضلي
- أرى من الواجب دعوة شقيقك، فأنت دعيت الحي كله
- هو من ابتعد عنا يا أمي واستمع لخبث زوجته والآن تطلبين مني دعوته
- دعك منها هو شقيقك، لا تدعها تظفر به وتسمم نفسه أكثر فوالدك كل ليلة أراه في منامي يبكي ما آل إليه حالكم ويطلب مني أن اوحدكما مرة أخرى
عندما ذكر اسم والده رق قلب معتصم، وعد والدته بأنه سوف يقوم بزيارة شقيقه
- سوف أمر عليه غدا وأقوم بدعوته لحضور عقيقة الصبيان، هل أنتِ راضية الأن؟
ابتهج وجه والدته عندما سمعت قرار معتصم، خرجت من الغرفة وهي تدعو له براحة البال والفرح
برغم موافقة( معتصم )على كلام والدته إلا أنه كان يشعر بضيق حاول أن يتغاضى عنه، لم تتركه الكوابيس تلك الليلة فخرج من غرفته إلى المكتبة التي قام بتجهيزها على أكمل وجه في كافة العلوم والمجالات، جال بعينيه بين الرفوف بينما أصابعه تداعب الأغلفة باحثا عن صديق يؤنس ليلته فسابقا كانت(هند )مؤنسته لكنها الان بين أحضان صغاره.
وقعت عينه على كتاب يحمل غلاف جلدي عَصَرَ ذاكرته علها تخبره من أين أتى به؟ لكنه لم يتذكر
حمله الفضول لفض بكارة غلافه المميز ومطالعة ما يحمله بين صفحاته، استشعر ملمسه الجلدي الذي يشبه جلد الثعبان المرقط سارت قشعريرة في أنحاء جسده عندما مرت أصابعه عليه فتح غلافه ليجد صفحاته صفراء كتب على ورقته الاولى أرابينيا قلب الصفحات ليجد بداخله حروف مفرقه وبجانبها دوائر ونجوم كتبت بداخلها أرقام وحروف ليس لها معنى ، صورة لكسوف الشمس ظل يقلب صفحاته على أمل أن يفهم ما يحتويه لكن بلا فائدة
- ما هذا الكتاب الغريب وما قصته أنا لا أذكر أنه كان موجود من قبل بالمكتبة؟!
قلب صفحاته مرة أخرى ليجد في صفحته الأخيرة تلك الجملة (قدم قربانك لتنال العهد)
برغم اقتضابها لكنها ارهبته، فقد ظهرت تحتها جملة أخرى من تلقاء نفسها ( دم خالص لعهد كامل )
حينها ألقى الكتاب من يده أرضا وجسده ينتفض، أسرع نحو المطبخ وقام بإشعال البوتاجاز
محاولا التخلص منه عن طريق حرقه إلا أن النيران خمدت من تلقاء نفسها، حاول عدة مرات لكنه لاقى نفس المصير في كل مرة، لم يجد معتصم سوى حل واحد
وضع الكتاب داخل قطعة من القماش ثم قام بحفر حفرة في حديقة منزله ثم دفن الكتاب بداخلها وقام بردمها جيدا
شارفت الشمس على الخروج من تحت غيام الليل، شعر معتصم بإرهاق شديد لذا سلم جفنيه للنوم داعيا الله أن يفرق بينه وبين ذلك الكابوس الذي هاجمه ليلاً.
**
فتح صالح عينيه على صوت ابنته سندس ذات السبع سنوات
- أبي استيقظ، أمي تضرب عامر
مسح النوم من عينيه ليسألها بنصف عقل وعيون شبه مفتوحة
- ماذا فعل؟
- كسر مرآة الغرفة
خرج صالح خلف ابتته مسرعا لينقذ عامر فهو يعرف طباع زوجته وغضبها، هم يلتقط عامر من بين يديها وهي تضربه
- كفى يا كوثر، قدر الله وما شاء فعل، احمدي الله أن عامر لم يصبه أي مكروه
ضمه إلى صدره يربت عليه ليكف عن البكاء، حاولت الوصول إليه مرة أخرى فتوارى خلف أبيه، غضب صالح من أفعالها فنهرها
- قلت لكِ كفى
خرجت حروفها متقطعة كمن يعدو لمسافة طويلة
- لقد أخبرته الف مرة ألا يلعب بالكرة داخل المنزل لكنه لا يطيع أمري
- أنه صغير علميه بهدوء
- لقد سئمت دلالك له
حمله ليستفزها أكثر
- عامري يفعل ما يريد
ثم وجه كلامه لابنه وهو يغمز له و لأخته
- لا تفعل ذلك مرة أخرى، ألعب كما تشاء بالحديقة حتى لا تغضب أمك و تنهرك مرة أخرى
رد الصغير من بين شهقاته
- حاضر
حملت سندس عامر ثم خرج ثلاثتهم وتركوا كوثر تحترق بنيران غضبها، لم تكن المرآة سبب ثورتها بل شيء أهم لم يكترث صالح بالسؤال عنه فقد فضل أن يتركها حتى تهدأ ثم يسألها.
جلس صالح على رأس المائدة، قفز عامر ليجلس على الكرسي المجاور لوالده سريعا قبل أن تجلس عليه شقيقته فأسرعت هي الأخرى بدورها لتجلس على الجانب الآخر لوالدها فأخرج لها عامر لسانه مناكفً أنه سبقها، لم تخرج كوثر من الغرفة فطلب صالح من الخادمة إعداد الفطور.
كانت ضحكات عامر وسندس هي البلسم الذي يطيب حياته فمن عشق وتمنى أن تصبح شريكته وجدها بلا قلب، حاول مراراً أن يفهم سبب اختفاء ابتسامتها وحيويتها التي كانتا سبب عشقه لها لكن في كل مرة كانت تتحجج بوجود أبويه وشقيقه لذا لا تستطيع أن تصبح على راحتها معه، من أجلها عادى الجميع وترك منزله واستقل بمنزل اخر لترضى لكن سرعان ما عادت لجفائها، تمنى أن يعود لوالدته وشقيقه لكنه خشي لومتهما فأسرها في نفسه وظل يراقب أخبارهما من بعيد
أنهى وجبته ثم غادر بعدما أكد على عامر أن يلعب بالخارج
فور وصوله إلى مكتب تأجير السيارات الخاص به وجد مساعده الخاص (مسعود) ينتظره وعلى وجهه ابتسامة
- صباح الخير يا صالح بيه
- صباح الخير يا مسعود، أي الأخبار السعيدة تحملها من أجلي
ضحك مسعود
- لقد أصبحت عم لطفلين
فرح صالح بهذا الخبر فأمر مسعود بتوزيع الحلوى والمال على الفقراء الموجودين بالحي، خرج (مسعود) وهو يدعو له بالخير والزيادة، قرر( صالح) أن يذهب لمنزل أخيه ويترك الخلاف جانباً
لكنه تذكر بكاء كوثر وخلافها معه حينما قام بضربها أمام والديه، عاد (صالح) لمكتبه مرة أخرى ولم يذهب.
**
شارفت الشمس على أن تنتصف جبهة السماء و(معتصم) لازال نائماً ايقظته والدته عدة مرات لكن تعب الأمس كان أكبر من أن يتناساه ففضل النوم هروبا منه، بدأت (هند) تعتني بطفليها وتستعيد صحتها فوالدة معتصم ووالدتها يطعماها خمس وجبات في اليوم وأن حاولت الاعتراض يخبراها أن هذا ضروري من أجل إضرار اللبن فهي ترضع طفلان وليس طفل واحد لذا لابد أن تتغذى جيدا
- أين معتصم يا أمي لم أره اليوم هل خرج للعمل أثناء نومي؟
- لا يا هند لازال نائماً
نظرت هند إلى الساعة فوجدتها تخطت الواحدة بعد منتصف النهار
- هل هو مريض؟ معتصم لا ينام كل هذا الوقت فدائما ما يستيقظ باكراً لمتابعة المصنع والعمل به
ردت( شمس )
- مؤكد أن مجهود اليومين الماضيين حل عليه فهو لم ينم منذ أول أمس
أنكرت هند رأي شقيقتها
- معتصم معتاد على ذلك، مؤكد أنه مريض سوف أذهب للاطمئنان عليه
تأكدت أن طفليها نائمان ثم ذهبت لغرفة نومها حيث يوجد زوجها، ملامحه كانت مجهدة، ينتفض بين الحين والآخر كأن ملاك الموت يزوره محاولا امتلاك روحه، يهذي بحروف وكلمات غير مفهومة، اقتربت(هند) منه تتحسس حرارة جسده، تنادي باسمه بصوت هادئ عدة مرات لكنها لم تجد منه استجابة لذا هزت كتفه لتفاجأ بيده تعتصر رقبتها، خبطت على يده عدة مرات محاوله ايقاظه
- معتصم استيقظ أنا هند، معتصم
بدأت تسعل من شدة قبضته، جحظت عيناها وبدأ وجهها يميل للون الأزرق، فتح عينيه ليذهل مما رأى، ابتعدت عنه مسرعة وهي تسعل بشدة
- هند هل أنتِ بخير؟ سامحيني لا أعرف كيف حدث هذا؟
دخلت والدته لتجد هند متكأه بذراعها على جانب السرير تسعل وعلى عنقها آثار أصابع وضحت عندما اقتربت منها، سألتها بخوف تجلى على ملامحها وصوتها
- ماذا حدث؟!
- لا أعلم يا أمي، عندما وجدت معتصم نائم كل هذه المدة أردت الاطمئنان عليه لكنه قبض على عنقي وعيناه مغمضة، حاولت ايقاظه وعندما فتح عيناه بدى لي دهشته
اقترب منها (معتصم) وهو يعتذر
- سامحيني يا (هند) فأنا لا أعرف كيف حدث هذا لقد كان كابوس مفزع رأيت رجل يرتدي عباءة سوداء يحمل بيده خنجر أراد أن يقتل به بدر فقبضت على عنقه، كان يضحك بشدة كلما زادت قبضتي على عنقه
استعاذة (هند) ووالدته من الشيطان الرجيم ودعت الله أن يحمي طفليها وزوجها وأن يبعد عنهم الشر وأهله، نادت (شمس) على (هند)
- يا هند بدر يبكي
تركت زوجها مع والدته واسرعت نحو طفلها لتهدئته فمؤكد أنه يريد أن يرضع
هرب (معتصم) من أمام والدته قبل أن تسأله عن حلمه، وقف أمام المرآة بداخل الحمام ليظهر أمامه ذلك الرجل ذو العباءة مرة أخرى تجمد (معتصم) عندما وجده في انعكاس المرآة، دقق النظر في تلك الملامح المختفية ليجدها ملامحه تراجع للخلف في صدمة يتحسس ملامح وجهه وهو ينظر للمرآة ليجد انعكاسه يضحك له ضحكة شيطانية ثم اختفى داخل ظلمة عباءته مجددا ليعود بعدها انعكاسه الطبيعي كما كان. تحسس المرآة وتحسس وجهه فوجدهما متطابقان، فرك عينيه وعاود النظر فوجدها كما هي، وضع رأسه تحت صنبور الماء لينسى كل ما شاهده، بدل ملابسه ثم خرج لدعوة شقيقه كما وعد والدته.
وقف (معتصم) أمام مكتب شقيقه يقدم رجل ويأخر الأخرى فأخر لقاء جمعهما كان بعد وفاة والده لتقسيم التركة في ظل أجواء مشحونة بالغضب، كانت مشاعره متضاربة يحمل بين جنباته حب واشتياق لشقيقه الذي تربى معه وتعلم منه أشياء كثيرة وبين حزنه وغضبه من تصديقه لكلام زوجته وظنه السيء به، شعر حينها بخناجر تجتاح صدره لا يقوى على صدها أو الاحتماء منها، سحب نفس عميق كأنه يجمع العالم كله بين رئتيه ليهدا ثم زفره متقطعاً ليخرج معه كل ذكرى ألمته وكل سم دسته كوثر في علاقته بشقيقه.
انتهى (مسعود) من توزيع الحلوى كما طلب منه رب عمله(صالح) ليجد (معتصم) يقف أمام المكتب اسرع نحوه يرحب به
- اهلا أهلا سيد معتصم أنرت المكتب، مبارك عليك الصبيان
ابتسم (معتصم) وهو يضمه ويشكره
- اشكرك مسعود، عقيقة الصبيان يوم الجمعة لا تتأخر فالجميع سوف يحضر
- مؤكد، كيف لي أن اتأخر عن هذه الدعوة ؟
تنحنح (مسعود) هل يسأله أن كان دعا شقيقه أم يلتزم الصمت؟ هل يخبره بما فعله (صالح) من توزيع الحلوى والمال احتفالا بولادة ابناءه أم يخفي الأمر ؟
حسم أمره بين نفسه ليخبر (معتصم)
- هل قابلت السيد صالح؟ لقد فرح كثيرا عندما علم بأنك أصبحت اب حتى أنه قام بتوزيع المال والحلوى على الجميع احتفالا بهذا الخبر.
تهللت اسارير (معتصم) عندما علم بما فعله شقيقه من أجل أطفاله
- لم أقابله بعد فأنا للتو وصلت
- إذا هيا بنا، مؤكد سوف يسعد لرؤيتك
دخل (مسعود) ومن بعده (معتصم) ليجدا (صالح )منكب على بعض الأوراق والسجلات يطابقها ببعضها البعض ويحسب ما دخل للمعرض خلال الأسبوع الماضي
- لقد أحضرت لك هدية أخرى
قالها(مسعود) لرئيسه رفع (صالح) وجهه عن الأوراق التي كانت بين يديه ليجد (مسعود) ومن خلفه (معتصم)، لم يستطع إخفاء سعادته برؤية شقيقه الصغير الذي كان يعتبره ابنه وليس شقيقه، نسى كل ما مضى وفتح ذراعيه لاستقباله ضمه (معتصم) بشوق العام ونصف الماضيين
- اشتقت إليك كثيرا يا أخي، كيف حالك؟
- أصبحت في افضل حال لرؤيتك معتصم، مبارك عليك الصبيان جعلهما الله خلفا صالحا وبارك لك فيهما وجعلهما باران بك وبوالدتهما
- امين يا رب العالمين
أمن كل من (معتصم) و(مسعود) على تلك الدعوة، تركهما (مسعود)وخرج لإحضار القهوة؛ جلس (معتصم) أمام شقيقه يتأمل ملامحه التي اشتاق لها
- والدتنا ترسل لك السلام
- أدامها الله دائما فوق رؤوسنا
- أمين ، عقيقة الصبيان يوم الجمعة القادمة أتمنى أن تحضر وتنسى أي خلاف مضى
ابتسم له (صالح )
- مؤكد سوف أحضر بمشيئة الله
ضمه (معتصم) بمحبه ثم غادر لدعوة باقي الجيران والمشايخ ليباركوا الطفلان
مر أسبوع على ولادة (نجم) و(بدر) حاول خلاله (معتصم) أن ينسى ذلك الكابوس الذي هاجمه، كان يعمل طوال اليوم وفي الليل يطمئن على الصبيان وعلى (هند) ثم يغلق باب غرفته وينام وحده، خشية أن يؤذي (هند ) أو والدته إن راوده هذا الكابوس مرة أخرى
في كل ليلة كان يرى نفس الشخص الذي يحمل ملامحه وهو يحمل سكين يذبح به (بدر)، كان يتصبب عرقاً كل ليلة أصبح يخشى النوم، ظهر الأرق والاجهاد على ملامحه مما جعل والدته وزوجته تسألانه عن السبب
- لا داعي للقلق أنا بخير، فقط بعض الضغط في العمل
ردت (هند) وهي تداعب( نجم )
- أعلم أن هناك ما يشغلك لكن لابد أن ترتاح وإلا لن تصمد
أكملت والدته لتصدق على كلامها
- أن تصبح أب مهنة شاقة فدائما ما يصحبها التفكير في تأمين مستقبل الأبناء لكن هون على نفسك قليلا فهما لازالا صغيرين
تمنى حينها أن يعترف لهما بما يثقل كاهله ويؤرق نومه لكنه فضل أسرها في نفسه وأن يبحث عن حل وحده حتى لا يقلقهما.
**
حضر العقيقة كل سكان الحي وقف (صالح) بجانب (معتصم) يستقبل المدعوين، بدأت (شمس) تجهز الصبيان وتبدل لهما ملابسها فلاحظت ظهور دائرة حمراء على كتف نجم لم تكن موجودة من قبل سألت (هند )عنها
- هند هل رأيتِ هذه العلامة من قبل؟
- أي علامة؟!
- هنا على كتف نجم توجد دائرة حمراء لم أرها يوم ولادته!
- محتمل لدغة بعوضة
- لا فهي كبيرة عن حجم اللدغة كما أنها تشبه دائرة الختم
دب الخوف في قلب (هند ) فما تخبرها به شقيقتها حقيقة حاولت هي إنكارها لكنها تجلت أمامها كالشمس في كبد السماء، فحصت( بدر ) جيدا لكنها لم تجد بجسده علامات كنجم
نادى (معتصم) عليها أن تحضر الولدان فالجميع يسأل عنهما، أكملت تحضيرها سريعا
- لا تخبري أحد يا شمس بهذه العلامة حتى نعرف سببها
- حاضر
نزلت كل منهما تحمل صبياً في سعادة
كانت الأعين تتفحص (هند) تلك الفتاة التي أسرت (معتصم) وجعلته يتزوجها ويترك كافة بنات الحي
جسدها البعض على محبة (معتصم )لها واهتمامه بها وتدليله الواضح فالحلي التي ترتديها لا يوجد مثيل لها فأصبحت نساء الحي يتمنين أن يحظين برجل مثله والبعض الآخر يتمنى أن تختفي (هند) نهائيا من أمام (معتصم )حتى يتسع الطريق لهن لإغوائه والظفر بقلبه.
حضر المقرئون لمباركة الصبيان ورقيتهما، قدم العديد من الجيران الهدايا احتفالا بهما، انتهت العقيقة وعاد الجميع إلى منازلهم يحملون تذكار من الفضة باسم الصبيان .
ظل (صالح) بجانب (معتصم) حتى انتهت العقيقة؛ هم بعدها بالمغادرة إلا أن والدته أوقفته
- ابقى قليلا أريد أن أتحدث معك
- أمرك
- كل ما أخبرتك به كوثر سابقا افتراء على أخيك، لا تستمع لها يا بني فهي كالحية تبث سمها في أذنيك لتسممك وتبعدك عنا
- أعلم أنك تكرهينها لكن ما حدث رأيته بعيني
- أنت رأيت رد فعل معتصم لكن لم ترى فعل زوجتك، أن كان والدك حي لكان أخبرك بكل ما حدث
تدخل (معتصم )
- يكفي يا أمي
- لا، لابد أن يعرف الحقيقة فوالدك يزورني كل يوم في منامي أراه يبكي فرقتكم يتهمني أنني فرطت في أمانته، اسمع يا صالح كوثر في ذلك اليوم تطاولت على والدك واهانته لذا صفعها معتصم
- يكفي يا أمي، فما حدث قد حدث وكوثر الان بعيدة عن الجميع
- وأنت أيضا بعيدا عنا، حكم عقلك يا بني فأنت أكثر شخص يعرف معتصم، أنت من ربيته مع والدك وعلمته كل شيء هل تعتقد أنه يفعل ذلك بدون سبب وجيه ؟
شعر (صالح) أنه بين المطرقة والسندان كلام والدته صحيح (معتصم) بطبعه حليم لا يغضب إلا في حالات قليلة، حبه ل(كوثر) أعمى بصيرته جعله يصدق كل ما روته دون أن يتحرى الحقيقة لكن لما تفعل هذا؟ ولما تفتري على شقيقه ؟ظل هذا السؤال يدور في خلده كثيرا دون أن يجد له إجابة شافية
شعرت والدته أن كلماتها أضاءت بداخله بصيص من النور فأكملت
- لا تترك أخاك فهو سندك وأنت ظهره أنتما الاثنان الحائط القوي الذي تستند عليه شقيقتكم مهرة
رق قلب( صالح )و(معتصم) من كلمات والدتهما، ترقرقت عيناهما بالدموع، ضم (صالح) شقيقه وهو يعتذر له عن بعده وأنه لن يكررها مجددا، بكى (معتصم) بحضنه فقد اشتاق له كثيرا، حمدت والدتها الله على أنه أنار قلوب أبنائها وجمعهما من جديد
- حفظكما الرحمن وبعد عنكما العين
- اللهم آمين
رددها كلاهما، استأذن (صالح) للمغادرة على وعد بإحضار أبناءه غدا ليقابلا جدتهم وعمهم .
عادت المياه إلى طبيعتها بين (معتصم) و(صالح)، أصبح (عامر) يجلس بمنزل عمه أكثر من جلوسه بمنزلهم، أحبت (سندس) أبناء عمها كثيرا فكانت تساعد زوجة عمها (هند) على رعايتهما كما كانت ترعى (عامر) حينما كان بعمرهما
**
مرت سبع سنوات على هذا الاتحاد حاولت خلالها (كوثر) عدة مرات أن تذهب مع (صالح )واولادها إلى منزل (معتصم) لكنه رفض رفضا قاطعا مما زاد من حقدها لذا قررت أن تجعل (سندس) عينها واذنها في منزل عمها
- سندس أريدك أن تخبريني بكل شيء يحدث في منزل عمك فأنا أخشى أن يضحك على والدك ويسرق أمواله
ردت سندس لتنفي تلك الأفكار عن والدتها
- لا يا أمي عمي يحب أبي كثيرا وكذلك جدتي وعمتي هند فجميعهم يحبون أبي كما أن أبي أخبرني أنه يحبهم، لماذا لا تأتي معنا يا أمي لتري بنفسك محبتهم له و لنا
استشاطت (كوثر) من رد ابنتها لكنها حاولت أن تتحكم في أعصابها
- ابيك يرفض ذهابي إلى هناك
- سوف أطلب منه أن تأتي معنا فعمتي هند رزقت بطفلة غاية في الجمال اسمتها قمر وهي كالقمر حقا
- هل هند أنجبت طفلة أيضاً ؟
قالتها (كوثر) بصوت منخفض كالهمهمة سألتها (سندس )
- ماذا تقولين يا أمي؟
- لا شيء، اذهبي للاطمئنان على أخيك عامر
- حاضر
تركتها (سندس) وغادرت غرفتها، ما أن خرجت حتى أخرجت (كوثر) عاصفتها أصبحت تلقي كل شيء بالغرفة، تناثرت الوسادات أرضا و زجاجات العطور تحولت مرآتها إلى فتات
وصل صالح ليبدل ملابسه ثم يغادر مع طفليه لمنزل شقيقه، صعق عندما رأى هذا الدمار
- ما هذا؟ لم تدمرين غرفتنا؟
إجابته بعيون تقدح شرا ولسان يقذف حمما
- ليست غرفتك، فهي غرفتي وحدي لن تدخلها بعد الان فأنا أكرهك ، لم احبك يوماً لم تكن فتى أحلامي تزوجتك كرها، خيل لي عندما تقدمت أنك شخص آخر فوافقت دون أن اسأل لكن حظي العسر اوقعني بك
كانت كلماتها تسقط على رأسه كالحمم مدمرة كل ما بداخله من محبة ورجولة، زوجته وأم أطفاله تحمل له كل هذا الكره والغضب كيف لم يرى وجهها هذا من قبل؟
لم تنتهي عاصفتها فألقت بوجهه اعتراف ضربه في مقتل
- أنا أحب معتصم، أحببته منذ كنا صغار، تمنيته زوجا لي عندما أخبرني والدي أن ابن الشيخ عمران يطلب يدي للزواج حلقت عاليا، ظننت أنه هو لكنني تفاجأت بك، أثرت المشاكل بينكما بعدما حاولت التقرب منه فصدني واخبرني أنني بالنسبة له زوجة أخيه فقط.
لم يحتمل (صالح) أكثر من ذلك انهال عليها ضربا حتى بثقت الدماء من فمها وتقطعت خصلات شعرها بيده، لعنها ولعن قلبه الذي احبها يوماً، وقف طفلاه يتابعان ما يحدث في دهشه فقد صعدا على صوت صراخ والدتهم ووالدهم
- أنتِ طالق
قالها (صالح) ثم أخذ (سندس) و(عامر) وخرج من المنزل، سألته (سندس) عما حدث فأجابها بنبرة حاول أن يجعلها هادئة وطبيعية
- قطع العيش بيني وبين والدتك لكنكما ستزورانها دوما
- أين سنذهب الأن؟
قالها عامر
- سوف نذهب عند جدتك وعمك
- حقا يا أبي
- أجل
لم تكن (سندس) و(عامر) مرتبطان بولادتهما فطوال الوقت كانت تثير معهم المشاكل وتعنفهم على أبسط الأشياء، لم تحتضنهم يوما، لم يشعروا نحوها بعطف الأم لطالما كانت قاسية لا تهتم سوى لمصلحتها فقط بنت بينها وبينهم سور منيع لذا لم يحزنا على بعدهما عنها بل قفز عامر في سعادة عندنا علم بقرار والده فهو يحب منزل (معتصم) كثيرا. فور وصولهم انضم (عامر) ليلعب مع (نجم) و(بدر) اللذان كانا يلعبان بالحديقة، طلب (صالح )من (سندس) أن تبقى بجوار اخوانها، دخل غرفة والدته ليلقي بنفسه داخل حضنها يبكي كطفل صغير وقع من فوق دراجته بعدما كانت تحمله فوق الرياح، ربتت والدته على كتفه وهي تسأله بقلق
- ما بك ؟ هل أصاب كوثر سوء أو أحد أطفالك ؟
ما أن ذكرت اسمها حتى لعنها
- لقد طلقتها، كانت محقه يا أمي فهي لم تحبني يوما أحبت معتصم وفرقت بيني وبينكم لأنه رفضها
صب كلماته على قلبها كماء مغلي حرقه، لم تتوقع يوماً أن يتألم ابنها هكذا
جمعت رباطة جأشها
- هون عليك يا بني هي من خسرت قلبا كالألماس وأطفال كالجواهر
- أشعر أن قلبي يتمزق وروحي تريد أن تغادر جسدي
- بعد الشر، اسمعني جيدا ابن الشيخ عمران عندما يسقط يقف مجددا وينفض عنه غبار الأرض، كوثر هي غبار الأرض الذي وقعت فيه انفضه عن قلبك وملابسك لتكمل طريقك والا سوف تثبت لها انها انتصرت ودمرت حياتك وحياتنا، امنح الحب لم يستحقه اتركها تعود لبيت اهلها تسكنه تبكي اطلالها عندما تفوق من سكرتها
- لا أريد العودة لذلك المنزل، سوف اشتري منزل جديد هنا بجواركم اسكن فيه مع أبنائي، سوف أصبح لهما الاب والام بمساعدتك
- هون عليك الان واسترح وبعدها سوف نتكلم
دثرته بالغطاء ثم خرجت من الغرفة.
عاد (معتصم )من عمله ليجد( عامر) و(سندس) يلعبان من ابنيه قبلهم وسألهم عن والدهم فأخبرته (سندس) أنه بالداخل تركهم يكملون لعبهم ودخل إلى المنزل، وجد والدته تجلس وحدها وعلى ملامحها هموم العالم
- ما بكِ يا أمي وأين صالح وهند؟
- هند ترضع قمر وصالح بغرفتي
- هل هو بخير؟
- الان فقط أصبح بخير
- ماذا تقصدين؟
أخبرته والدته بكل ما حدث في منزل (صالح) وما قالته (كوثر)، حزن (معتصم) على حال أخيه ولعنها، اقسم لوالدته أنه لم يبادلها يوما مشاعر الحب
- لا داعي للقسم فأنا أعرفك جيدا، بدل ملابسك ولا تتحدث مع اخيك في هذا الأمر، دع جرحه يندمل حتى يشفى سريعاً
- كما تشائين
