رواية ارابينيا الفصل الخامس بقلم سمر سعيد
(بين عتمة ليلي وجدتكِ شمس تنير دربي)
لم يذهب صالح إلى مكتبه بل فضل أن ينتظر عودة شقيقه وأن يراقب أبناءه ويحمي المنزل لحين عودته، سمع ضجيج بالخارج فخشى أن يكون قد أصاب أحد الاطفال أي سوء أو أذى أسرع للخارج ليجد الاطفال يلتفون حول فتاة جميلة ويهللون ترحيبا بها، اخذت تداعبهم وتلعب معهم بمرح استند صالح على الحائط يتابعها، لم يرها من قبل لكن مرحها ومحبة الأطفال لها جعلته يتساءل ترى من تكون تلك الفتاة؟
دخل إلى غرفة والدته قبل أن يراه أحد وظل يتابعها من خلف النافذة، كان يضحك لضحكها وتعاملها مع بدر ونجم
وكيف اندمجت سريعاً مع عامر وأصبح يهرول نحوها يحتضنها كلما أحرز هدفً كما يفعل بدر و نجم كانت تشجعهم وتصدر الهتافات الحماسية عند فوزهم.
لم يرى عامر سعيد هكذا من قبل لطالما كان يبكي بسبب تعنيف والدته له.
لم يشعر صالح بمن تقف خلفه وتتابع ما يحدث
- رائعة أليس كذلك؟
انتفض جسده عندما سمع صوت أمه شعر أنه أُمسك بالجرم المشهود، حاول أن يتمالك زمام نفسه ليجيبها
- تقصدين من ؟
ضحكت فأحمر وجه صالح
- أقصد من تتابعها وهي تلعب مع الأطفال بالخارج
تلجلج مجيباً
- لقد كنت أتابع الأطفال لأطمئن عليهم فمعتصم طلب مني ذلك
- هل تتابع الأطفال فقط؟
- بالتأكيد
- حسنا سوف اتركك تكمل متابعتهم وأخرج لمتابعة شؤون المطبخ.
حاول صالح أن يشغل نفسه بأي شيء لكن عيناه وعقله كانا يأبيان ذلك فظل عقله يفكر بها وبمن تكون تلك الجميلة بينما عيناه كانتا تسترقان النظر لها بين الحين والاخر.
نادت الجدة سلسبيل على احفادها للدخول لتناول الغداء، اقبلت عليها شمس تقبلها
- كيف حالك يا خالتي؟ اشتقت إليك كثيراً
- أنا بخير يا بنيتي، كيف حالكِ وحال والديكِ؟
- كلنا بخير
- أرى أن الأطفال أرهقوكِ
- لا هؤلاء أصدقائي وأحباء قلبي
استقبلت هند شقيقتها بالأحضان
- كيف حالك يا شمس اشتقت إليكِ؟
- انا أيضا اشتقت إليكم جميعا لذا قررت أن أتي لزيارتكم، أين معتصم لا أراه ؟
- ذهب للنوبة لإنهاء بعض الأعمال وسوف يعود مساءً
نادت سلسبيل على صالح، همست شمس لهند بأذنها
- من صالح ؟
- شقيق معتصم ووالد سندس وعامر
رحب صالح بشمس بعدما أخبرته والدته أنها شقيقة هند
- أهلا وسهلا أنرت المنزل
- اشكرك
اجتمعوا حول المائدة، جلس الاطفال بجانب شمس وهند في سعادة فكلتاهما تحمل قلب من ذهب.
جنى الليل بعباءته على الكون صعد الأطفال إلى الطابق الأعلى بصحبة خالتهم شمس لتقص لهم قصة جديدة، صعدت هند إلى غرفتها لترضع قمر وتبدل لها ملابسها، هم صالح بدخول غرفته الموجودة بالطابق الأول لكن والدته طلبت منه أن يأتي إلى غرفتها لأنها تريده في أمر هام
- نعم يا أمي
- أغلق الباب جيدا وتعال
نفذ ما طلبت ثم جلس بجانبها
- ما رأيك في شمس ؟
- فتاة رائعة مثل شقيقتها حفظهما الرحمن وبارك فيهما
- شمس وهند جوهرتان لذا أريدك أن تقتني تلك الجوهرة كما فعل اخاك
تبدلت ملامح صالح وبدى الحزن عليه
- من سيرضى بي ومعي طفلان؟ وهل سيقبل عامر وسندس بهذه الفكرة ؟ لا اظن يا امي فكوثر جعلتنا معقدين
- دع عامر وسندس علي أنا كفيلة بإقناع هما، أنا اسألك عنك أنت
- أنت تعلمين يا أمي أنني أحببت كوثر ولم أنل من حبي لها سوى الغدر والشقاء أصبحت أخشى أن اقترب من أي واحدة تطعنني مثلها كما أنها صغيرة وجميله من قال أنها ستقبل بي؟
- شمس فتاة عاقله ووالديها طيبان واحسنا تربيتها هي وهند، كما أنني رأيت تعلق عامر وسندس بها، سوف اطلب من هند أن تسألها أولا وإن وافقت سأذهب لطلب يدها وتعقد عليها
- ومعتصم يا أمي، هل نسيتِ شدته وما حدث مع بدر بالأمس ؟
صمتت قليلا لتفكر ثم قالت
- بعد أن يزيح الله الشر عن بدر سوف اذهب لطلب يدها فأنا أخشى أن يسبقني أحد لطلب يدها
- فتاة كهذه مؤكد خطابها كثيرون، كيف لم تتزوج إلى الأن؟!
- أنه النصيب يا ولدي كما أنني سمعت من هند أن أكثر من شخص تقدم لخطبتها وقبل الزواج يعدل عن الفكرة ويختفي
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من يترك جوهرة مثلها
- هي حكمة من الله وقدر، لكنني أشهد أمام الله أنني لم أرى منها سوى كل طيب وخير
ابتسم صالح
- كما تريدين يا أمي
قبلته سلسبيل وهي تدعو الله أن يجعل شمس من نصيبه وأن يسعدهما سعادة الدارين.
وقفت شمس أمام نافذة غرفة الأطفال تتابع القمر لكنها لاحظت حركة بالحديقة، دققت النظر لتجد سيده تسكب شيء حول المنزل، نادت بأعلى صوتها
- عم درويش، عم درويش أمسك تلك السيدة قبل أن تهرب ثم أشارت نحو اتجاهها
اسرع درويش نحوها، خرج صالح مسرعا لمساعدة درويش بعدما سمع نداء شمس تلبد الجو بغيوم الحقد والتوتر تعثرت كوثر وهي تسكب الكيروسين( الجاز) فتلطخت عباءتها ويدها وعندما همت بإشعال النيران مسكت النيران فيها
بدأت تصرخ وهي ترى النيران تأكل ملابسها ويدها، حاول درويش إخماد النيران عنها بإلقاء التراب عليها لكن التراب كان مغطى بالكيروسين فزادت النيران في أكل جسدها، خلع عنه عباءته ولفها بها ثم صحبها فورا إلى المستشفى صعق صالح عندما وجدها كوثر، لم يرى شر كهذا من قبل كيف سولت لها نفسها أن تحرق المنزل وطفلاها بالداخل، تجمد مكانه كالصنم لم يستطع التحرك ولا مساعدة درويش الذي انطلق بالسيارة مسرعا
صرخة هند جعلته يتفكك من تجميده ويهرع داخل المنزل
- ماذا حدث؟
- بدر أختفى من المنزل...
- كيف حدث هذا؟
- لا أعرف
سأل شمس التي كانت تبكي وهي تضم نجم وعامر
- كيف حدث هذا، ألم يكن نائم بالغرفة؟
إجابته وهي تبكي
- بعد أن نام هو وإخوته وقفت انظر من النافذة ورأيت تلك المرأة التي أخذها درويش للمستشفى وعندما عدت لم أجد بدر بجانب إخوته بحثت عنه بأرجاء المنزل لم أجده
- أين سندس لا أراها ؟!
- أبي، خالتي، جدتي
نزل الجميع مسرعين نحو سندس التي كانت تنادي بأسمائهم بصوت عالي
- ماذا حدث؟ أين كنتِ؟
التقطت أنفاسها وهي تخبره
- عندما نادت الخالة شمس على عم درويش خرجت من غرفتي لأرى ماذا يحدث وجدت بدر يخرج من الباب الخلفي للمنزل، ناديت عليه لكنه لم يرد كأنه مسحور أخذه رجل ومشى نحو الجبل أسرعت نحوهما لكنهما اختفيا من أمامي ولا أعرف إلى أين ذهبا
وصل معتصم ليجد الجميع بحديقة المنزل، نهش الرعب قلبه عندما رأى الجميع ماعدا بدر، ألقى حقيبته وهرول نحوهم
- أين بدر؟ ماذا حدث؟ لم جميعكم هنا؟
أخبره صالح بكل ما أخبرته به سندس وبكل ما حدث من كوثر
- اذهب يا صالح إلى المستشفى لمعرفة ماذا حدث مع كوثر؟
ثم طلب من والدته أن تصحب هند وشمس ويصعدا إلى الأعلى ومعهم عامر ونجم وسندس وقمر
شعر معتصم بالعجز عن حماية عائلته من جهة كوثر ومن الجهة الأخرى ذلك الساحر، اقترب منه نجم يربت على كتفه
- لا تخف يا أبي لن يستطيع إيذاءه
نظر له معتصم مستفهما
- ماذا تقصد؟ هل تعرف من أخذك بدر يا نجم؟
نظر بجانبه ثم أكمل
- سوف أخبرك بكل شيء لكن وحدنا
دخل معتصم ونجم إلى المكتب الخاص به
- ما الذي تخفيه يا نجم ؟
- الساحر مشالي هو من خطف بدر بمساعدة خادمه نائب
- من أخبرك بهذا الكلام ؟
- صديقي
- من صديقك هذا؟
صمت نجم كأنه يخشى أن يخبر والده فيغضب عليه أو يعنفه
- لا تخف يا نجم فقط أخبرني حتى نستطيع أن ننقذ أخاك
نظر نجم بجواره ثم أومئ برأسه
- عاتق من أخبرني وهو يعلم أن يخفي مشالي بدر
- من هو عاتق؟
- صديقي
- أين يسكن ؟
- يسكن هنا معنا
- هل هو موجود الأن ؟
- أجل
- دعني أراه
التفت نجم نحو الفراغ بجانبه ثم تحدث
- أظهر نفسك يا عاتق لكي يطمئن والدي
لحظات ظهر بعدها في الفراغ بجانب نجم، رجل فارع الطول عيناه كلون الكهرمان الذهبي، بشرته سوداء عنده جناحان يزحفان خلفه.
تجمد معتصم عندما رآه
- لا تخف يا والدي فهو طيب ويحبني
- من أنت يا عاتق؟ وماذا تريد من نجم؟
- نجم صديقي ولد يوم ولادة ابني شاص كما أنه يحمل علامة قبيلتي من الجن السماوي
- كيف وشم ابني بوشم قبيلتك
- من عاداتنا عندما يولد أحد أبناء الجان مع أحد أبناء البشر يوشم بوشمنا ويصبح تحت حمايتنا
- لكن نجم وبدر ولدا في نفس اليوم، لم نجم وحده الذي وشم
- لأن نجم ولد قبل بدر بدقيقتين فأصبح الأحق بالوشم، كما أنني لم افرق بينهما يوما لكن لحمايته من مشالي لابد أن يطلب مني نجم إنقاذه
نظر معتصم لنجم
- أطلب منه يا نجم أن ينقذ شقيقك
- أنقذ أخي يا عاتق
- كما تأمر لكنني لا استطيع أن أدخل إلى الكهف الذي يخفي بدر فيه
- من يستطيع الدخول إذا؟
- البشري فقط من يستطيع الدخول وأنت صغير يا نجم
نظر نجم إلى والده ثم إلى عاتق
- هل تستطيع أن تنقل والدي؟
- مؤكد
- إذا انقلني يا عاتق لأنقذ طفلي
- كما تأمر يا أبا نجم، أغمض عينيك
بمجرد أن أغمض معتصم عيناه حمله عاتق وحلق عاليا ليصلا إلى الجبل الأسود الذي يحبس فيه مشالي بدر استعدادا للانتقال لكهف أرابينيا.
لم يكن مشالي بالساحر السهل فقد كان يعلم جيدا أن أهل بدر سوف يبحثون عنه لذا لم ينتقل به إلى الجبل الأسود بل ذهب به إلى كهف أرابينيا مباشرة استعداداً للطقوس
رسم مشالي على الأرض أمام الكهف دائرة بالدم بداخلها نجمة وضع على رأس كل شعاع للنجمة شمعة سوداء ثم كتب بعض الرموز والأرقام التي حفظها عن ظهر قلب من كتاب أسرار الساحر الكبير الذي اختفى بعد وفاته ولم يعثر عليه مشالي
ظل يردد تلك التعويذة التي حفظها طوال الليل فمن المفترض أن يرددها أول يوم طوال الليل وفي الليلة الثانية يرسم نفس النجمة على جدار الكهف ويذكر طلبه حتى تظهر البوابة أمامه عند كسوف الشمس.
بحث معتصم داخل المغارة الموجودة بالجبل الأسود لكن بلا فائدة، نادى بأعلى صوته
- أين أنت يا بدر؟
جلس أرضا يتحسس الرمال علها تحمل رائحة ابنه، ربت عاتق على كتفه ثم نقله إلى غرفة مكتبه مرة أخرى حيث ينتظرهم نجم الذي هرول نحو والده يسأله
- أين بدر؟ ماذا حدث؟
- لم نجده، مؤكد الساحر نقله إلى مكان أخر
- هل تعرف أين هذا المكان يا عاتق؟
- لا، مشالي ألقى تعويذة على المكان الذي يخفي فيه بدر لا استطيع تعقبه.
ألقي معتصم جسده على الكرسي الذي يقبع خلفه وهو يضم رأسه بيديه بينما ملامح الهم والحزن تغطي وجهه، تذكر معتصم شيء ما قام منتفضا يبحث عنه، سأله نجم
- ماذا حدث يا أبي؟ هل عرفت مكان بدر؟
- أين حقيبتي يا نجم؟
- بالخارج
- أحضرها لي فورا
خرج نجم وعاد بالحقيبة، أخرج منها معتصم الكتاب ثم وضعه على الطاولة أمامه يبحث فيه عن أي دليل يوصله لكهف أرابينيا
- هل تستطيع مساعدتي يا عاتق؟
نظر عاتق داخل الكتاب ثم ضحك بنصر
- لقد عرفت المكان أنه بالصحراء الغربية
- أحملني إلى هناك فورا يا عاتق
- عليك أن ترتاح الآن فغدا يوم شاق ولابد أن تكون بكامل صحتك لتواجه مشالي
- ما تطلبه مستحيل
- لابد أن تنفذ ما يقوله يا أبي، فهو يعلم قوة ذلك الساحر
نظر معتصم إلى الساعة وجد الفجر شارف على البزوغ فاستسلم لكلام عاتق واغمض عينيه
**
صرخاتها ملئت أرجاء المستشفى
- وجهي، فقدت جمالي
سأل صالح الطبيب عن حالتها
- احترق جزء من وجهها ومن جسدها من الممكن بعد فترة من العلاج نقوم بعملية تجميل لوجهها لكنه لم يعود لطبيعته بنسبة مئة بالمئة.
برغم شرها إلا أن صالح حزن من أجلها.
- هل استطيع رؤيتها؟
- حاول ألا تتأخر فالزيارة ممنوعة كما أنك تسمع صوت صراخها لذا يجب أن تحقنها الممرضة بحقنة مهدئة.
- لن أتأخر
كان وجهها مغطى بالشاش الطبي لا يظهر منها سوى عيناها و فمها، ما أن رأت صالح أمامها حتى صرخت بوجهه
- لن ارحمكم سوف انتقم منكم جميعاً ، أنتم السبب في كل ما حدث لي
- لا بل أنتِ السبب في كل ما حدث لكِ، حقدكِ وسواد قلبكِ هما السبب في حالتكِ هذه، صدقيني يا كوثر أنا اشفق عليكِ غيرتك أعمت بصيرتكِ
- أخرج لا أريد أن أراك
تركها صالح وهو يحوقل ويدعو لها بالهداية.
