رواية ارابينيا الفصل الاول بقلم سمر سعيد
(نور أضاء حياتي بعد عتمة الوحدة)
داخل أحد البيوت الفخمة بصعيد مصر ظل يطوي الأرض ذهاباً وإيابا يدعو الله بأن ييسر الأمر، كلما سمع صوت صراخها زاد رعبه ونهش القلق ملامحه، فبرغم وجود غرفتها بالطابق الثاني إلا أن صوت صرخاتها كان يصل إليه في الطابق الاول بوضوح، فكر أن يصعد الدرج ليطمئن عليها لكن في كل مره كان يصعد بضع درجات ثم يعدل عن الفكرة فيعود للأسفل مرة أخرى، سمع صوت اقدام تنزل عن درجات السلم اسرع نحو الدرج ليجدها القابلة تتجه نحو المطبخ بملامح مجهدة، أوقفها قبل باب المطبخ ليسألها
- كيف حال (هند)؟
حاولت أن ترسم على وجهها بعض الهدوء مع ابتسامة طمأنينة جاهدت لإخراجها
- حاول أن تهدأ سيد (معتصم )فهي لا تزال في طور المخاض
- أعلم لكنها تتألم منذ ليلة البارحة
- أدع الله أن يرسل لها ساعة سهلة فالولادة الأولى دائما ما تكون الأصعب
رفع(معتصم) يديه أمام وجهه ناظرا إلى السماء وهو يدعو الله أن يسهل ولادة زوجته وأن يحفظها هي وجنينها؛ سمع صوت والدته وهي تنادي على القابلة التي تأخرت
- أين أنتِ يا ( أم السعد)؟
هرولت نحو المطبخ بعدما سمعت صوت والدة معتصم السيدة ( سلسبيل )، لإعداد كوب من القرفة ليساعد (هند).
وقف( معتصم )يتابع ما يحدث فوجد والدته تربت على كتفه لتهون عليه، التفت إليها يلتمس منها بعض الطمأنينة
- لا داع لكل هذا القلق فهذا أمر طبيعي في الولادة الأولى، هل نسيت ما مرت به ( مهرة) شقيقتك عندما ولدت ابنها الأول (عمار)
تلمس (معتصم )بعض الأمان من كلمات والدته إلا أن صرخة (هند) حطمت جدار الأمان الهش الذي بنته كلمات والدته، اسرع نحو غرفتها يتخطى الدرج الذي شعر أنه أصبح ألف سلمه وليس خمسة عشر فقط، وقف أمام غرفتها ينظم أنفاسه محاولا رسم الهدوء، كان قلبه يتمزق وهو يسمع توسلاتها للقابلة أن تساعدها، تكتم صرخاتها تارة وتبوح بها بكل عزمها تارة أخرى، تمنى أن يكون بجانبها يشد من ازرها لكن والدته منعته من الدخول عليها لوجود القابلة وشقيقتها، بعد ربع ساعة مرت كالدهر سمع صوت بكاء طفل صغير، خرجت القابلة مسرعة على وجهها سعادة
- مبارك سيد (معتصم) لقد أنجبت السيدة (هند) صبيين
- كيف حالها؟
- بأفضل حال، دقائق أبدل لها ملابسها ثم تستطيع أن تدخل لتراها وترى الصبيين
سجد(معتصم) أرضا يشكر الله على كرمه وعطاءه، ضم والدته بعدها بسعادة فاليوم انعم الله عليه بالبنون بعدما رزقه بالمال والزوجة الصالحة ورضا والدته لقد حصل على كل متاع الدنيا وملاذها ولا يريد أكثر من ذلك، دخل على( هند) ليجدها تنتظره وبجانبها الصبيين، قبل جبينها في حنان وهو يهنئها
- مبارك عليكِ يا (هند)
ردت عليه بصوتها الحنون الذي طالما بعث الراحة بداخله
- مبارك علينا جميعا
سألته( شمس )شقيقة( هند )
- هل اخترت للصبيين اسماء؟
- دعيني اقابلهم أولا يا (شمس )
مدت له (شمس) يدها لتعطيه الطفل الأول حمله (معتصم) يتأمل ملامحه الصغيرة، ملاك يتثاءب، مسك بيده الصغيرة أصبع (معتصم) فضحك الاخير وهو يخبر الجميع بأن الصغير يعرفه ويمسك يده ضاحكا، كبر مؤذنا بجانب أذنه اليمنى ثم أكمل بجانب الأذن اليسرى باقي الأذان، سألته( شمس )مجددا
- هل سميته؟
تأمله (معتصم) مجددا ثم قال:
- (بدر)
- وماذا عن شقيقه الأخر؟
حمله (معتصم )كما حمل بدر سابقا وأذن بجانب أذنه اليمنى واليسرى ثم قال
- (نجم)
ضحكت( شمس) وقالت:
- هنيئا لك يا( هند) لقد حصلتي على السماء كلها أختك شمس وابناك بدر ونجم تبقى قمر وتملكي الكوكب
ضحك الجميع على تعليق (شمس) ليخبرها (معتصم) أن المولود القادم بأمر الله أن كانت انثى سوف يسميها قمر
- رزقك الله بكل ما تتمنى يا بني
- امين
- علينا الآن أن نترك (هند )ترتاح بجانب طفلاها
خرج (معتصم )ومن بالغرفة ماعدا( شمس) التي رافقت شقيقتها للاهتمام بها وبصغارها.
ارسل( معتصم) سائق سيارته (درويش) إلى السوق لشراء عجل سمين وبعض الخضروات والفاكهة الطازجة لإقامة الموائد للفقراء على شرف قدوم ابنيه.
• كان (معتصم )رجل كريم، دسيم الأخلاق، يحمل من الوسامة ما يليق بالرجال، مهذب اللحية، كحيل العينين، كثيف الشعر، لا يترك صلاته، كان حلم لك فتاة أن ترتبط به لكن قلبه لم يدق سوى لهند تلك الفتاة الصغيرة صاحبة الضحكة الخلابة والشعر الاسود الطويل التي كانت تسكن حيهم، لم يكن الفارق بين معتصم وهند كبير فقط أربع سنوات، كانت شقيقة صديقه لذا بمجرد أن أنهى دراسته تقدم لخطبتها وتم الزواج بعد عام فقط من الخطبة في المنزل مع والديه عمل معتصم في تجارة الأقمشة مع والده بعدما هجرهم صالح أخيه الأكبر، بعد وفاة والده طلب صالح حقه الشرعي في الميراث ولم يقبل أن تبقى التجارة كما هي، رضخ حينها معتصم لقرار أخيه لكن والدته وشقيقته رفضتا التقسيم وقاموا بشراء نصيب صالح وبقيت التجارة كما هي تحت إدارة معتصم الذي قام على تكبيرها وتطويرها فلم يكتفي ببيع الأقمشة فقط بل عمل على تصنيعها مما زاد من أرباحهم.
**
بالقرب من المقابر، داخل أحد البيوت المتهالكة التي تحول دهانها الخارجي إلى اللون الأسود بسبب إهماله سقطت بعض محاراته ليظهر الطوب اللبن من خلفها وقفت سيدة تغطي وجهها بشال اسود كلون عباءتها
قبل أن تطرق الباب الخشبي الخاص بالمنزل فتح من تلقاء نفسه مصدرا صريرا تقشعر له الأبدان، ناداها صوت من الداخل باسمها دخلت كالمنومة مغناطيسيا لتجد صالة متوسطة الحجم اختفت معالم الطلاء بها لم يعد معروف لونه، على الحائط المقابل للباب يوجد باب لغرفة أخرى يخرج منها لون أحمر، على الحائط الأيمن يوجد شباك صغير تغطيه قطعة قماش مهترئة كانت يوما ما ستارة تحجب الهواء والشمس، على الحائط الأيسر رأس ذئب محنطة، دخلت إلى الغرفة ذات اللون الأحمر لتجد رجل يرتدي جلباب لونه أخضر يضع على رأسه عمامة تمزج بين اللون الأبيض واللون الأخضر، يحمل مسبحة من العاج قبل أن تنطق بكلمة وتعتذر عن دخولها دون أن تطرق الباب قال لها
- أراكِ أتيتِ لإرضاء شرورك
ابتلعت ريقها بصعوبة، تساقطت حبات العرق من فوق جبينها وهي تحاول أن تجد بداخلها كلمات تخفف من واقع ما قدمت لفعله
- أريدك أن تساعدني في أمر ما ولك ما تشاء من أموال
- اجلسي يا شامه
دهشت عندما ناداها بهذا الاسم دون أن تخبره فوالدها الوحيد الذي كان يناديها به ، تسمرت بمكانها فأمرها بصوت حازم
- قُلت لكِ أجلسي
خرت لتجلس على الكرسي المقابل له والرعب يسيطر عليها، ابتسم ابتسامة شيطانية فهو يعلم غرض زيارتها لكنه أحب أن يستمع لها
- ما غرضك ؟
- أريد أن أحرق قلب هند على ابنيها
ضحك بخبث لتبرز أسنانه الصفراء
- ماذا فعلت لكِ لتحرقي قلبها؟
- لا يخصك، كل ما يخصك هو المال فقط
ثم أخرجت من حقيبة يدها رزمة من المال تعدت العشرة ألاف، وضعتها أمامه
رمقها بنظرة اربكتها لتخرج سواد قلبها أمامه وتنطق
- لقد امتلكت كل شيء كان يخصني، تزوجت من الرجل الوحيد الذي أحبه قلبي، أنجبت منه صبيان، ترك الجميع من أجلها، لم يرى حبي له، أعمت بصيرته كما أعمت قلبه لذا أتمنى أن أحرق قلبها لتتألم كما تألمت ولا تجد ذكرى تحيا بها معهم بعد ذلك.
كانت كلماتها تنضح بسواد قلبها، سمع بهمس بجانب أذنه
- لها ما تريد
برزت أسنانه الصفراء بابتسامة خبيثة ليخرج صوته كفحيح الأفاعي
- لكِ ما تريدين
خرجت من منزل ذلك الساحر بأقدام مرتعشة بعدما طلب منها إحضار قطعة من ملابس الطفلين لإتمام المراد أو صورة لهما.
