رواية الصمت الباكي كامله جميع الفصول بقلم ساره نيل
يومٌ مُلبد بالغيوم وأصوات الرعد تصم الأُذن والسماء قاتمة السواد إلا من هذا الخط الكهربائي الذى يظهر في السماء بين الحين والآخر، وفي هذا الأثناء تسمع صرخة تُزعج الأذان تعمّ كل الأجواء من جوف غابة يتبعها صرخة أخرى يليها صوت الرصاص فى مكان مُوحش بعيد عن الأحياء وكأنك في عالم آخر ولا حياة لمن تنادى.
يأتى يوم جديد وتشرق شمسه الزاهية على جميع الأحياء، وفي حي شعبي وفوق أحد البنايات تحديدًا في غرفةٍ ما فوق سطح البناية نجدها شاردة تنظر من النافذة على المارة منهم من يذهب إلى عمله ومنهم طُلاب ذاهبون إلى مدارسهم ومنهم من يقوم بفتح محلاتهم بعد عاصفة أمس كُلًا يسعى لأجل لُقمة عيشه، فزعت بسبب فتح الباب لتتجلى امرأة يرتسم على ملامحها القسوة والبرود.
قالت جدتها وتُدعى "بتول" بتجبر:-
- أيه ياختى محضرتيش الفطار ليه ولا تكوني مستنيانى أحضرهولك.!
ردت بصوتٍ منخفض:-
- لا يا تيتا أنا قايمة أحضره أهو.
أردفت جدتها بصوت حاد:-
- أنتِ يا بت أنتِ أنا قولت كام مرة بلاش تيتا دي أنا مش جِدة حد هنا ولا أنتِ مبتفهميش خالص.
أردفت "أسوة" بخنوع وصبر:-
- تمام يا ست بتول.
- انجرى شوفى شغلك.
دخلت أسوة الجزء المخصص للمطبخ وقامت بتحضير الإفطار إلى ما تُسمى جدتها وقامت بتحضير كوب من القهوة لنفسها لكي تفيق فهي لم تنام ليلة أمس لأجل أن تنتهي من مهمتها، وقامت بارتداء ملابسها وحمل حقيبة الظهر التى لا تفارقها أبدًا وخرجت من باب منزلها.. ولكن قبل خروجها
قالت لها بوِد:-
- عايزه حاجة يا ست بتول أنا خارجة.
قالت لها بغضب وقسوة:-
- في داهية ومتنسيش فلوس الإيجار بتاعة الأوضة أنتِ ناسيه إن الشهر إللي فات أنا إللي دفعاه.
قالت أسوة بإختصار:-
- حاضر.
هبطت أسوة إلى أسفل البناية، وقامت بدفع الباب الزجاجي ليقابلها الصوت الرقيق..
- أهلا أهلا عاملة أيه يا ويسي صباح الخير عليكِ.
قالت أسوة ضاحكة:-
- ويسي تاني ماشي مقبوله يا سوو، صباح الخير..
الحمد لله أنا بخير أنتِ إللي عاملة أيه وأخبارك.
قالت سارة ببسمة مُشرقة:-
- الحمد لله أنا بخير، رايحه الجامعة؟
- أيوا عندي محاضرة مهمة هحضرها وهرجع عالطول علشان استلم المخبز بعدك عالطول إن شاء الله.
قالت سارة بطيبة:-
- براحتك يا حبيبتى خُدى محاضراتك كلها وأنا موجودة أهو.
أردفت أسوة بإمتنان:-
- ربنا ما يحرمني منك أبدًا، أنا مش هغيب هاجى عالطول علشان المعلم إبراهيم أنتِ مش تايهه عنه.!
- خلاص ماشي يا أسوة ربنا يوفقك.
ونترك أسوة تذهب إلى جامعتها ونذهب إلى مكان تلِجه شمس الحكاية للمرة الأولى..
داخل غابة كثيفة يُحاوطها الغموض من كل جانب وعلى أحد أفرع الأشجار الضخمة نجده جالس وبداخل عينيه شرّ العالم أجمع وهذا يدل على قدوم إعصارٌ قريبٌ جدًا سيُهلك الأخضر واليابس، يرفع هاتفه على أذنه وبصوتٍ حاد وعينان اتخذها الظلام موطن له:-
- خلص عليه انهيه مش عايز ليه أثر دا لو وقع في طريقك.!
❁❁❁❁❁
في هدوءٍ شديد تلتفت بجميع الأنحاء كمن جاء يسرق إلى أن صارت بداخل المعمل، وظلت تُحدث نفسها على ما تنتوي فعله وما يجب عليها القيام به:-
- وبعدين المادة خلصت والكُلية منعت وجودها في المعمل تاني طب هعمل أيه، وأجيبها منين!!
مفيش قدامي ألا حلّ واحد إني أستخلصها من مصدرها الأساسي من النبات بتاعها وهنا مشكلة جديدة، أنا هجيب النبات ده منين؟ دا تقريبًا مش موجود خالص!!
يلا أما أخرج بقى قبل ما حد يشوفني، وأروح أشوف ليلى فين..
وخرجت لتجد ليلى جالسة على أحد السلالم فتجلس بجوارها
- أهلًا ليلو.
هتفت ليلى بحنق:-
- أيه التأخير دا كله يا سوو بقالي كتير منتظراكِ كنتِ فين!
خبأت توترها وهي ترسم الهدوء على ملامحها وأخبرتها بإبتسامة:-
- ولا حاجه يا ليلى كنت فى المكتبة بدور على كتاب.
غمغمت ليلى دون إقناع:-
- اااه طب أنتِ عاملة أيه وأخبارك.
- بخير الحمد لله.
فاجائتها ليلى بقولها وهي تنظر بالأرجاء:-
- على فكرا أنا اخترقتها إمبارح.
اندهشت أسوة وهي ترى تمكن صديقتها في مثل هذه الأشياء وقُرب غايتها المشوشة لديها والتي لا تعلم ماهية مبتغاها، لكنها هتفت وهي تتجاهل هذه التساؤلات فلكلٍ غموضه الخاص:-
- والله دا بجد! طب لقيتي أيه في حاجة ولا أيه.
قلبت ليلى شفتيها وهي تتذكر ما حدث حينها قائلة:-
-هنا المصيبة بقى.
تسائلت أسوة بقلق:-
- أيه إللي حصل يا بنتى اتكلمي.!
- أنا أول ما اخترقت الموقع كل حاجة اتمسحت تلقائي وهما تقريبًا عرفوا إن حدّ اخترق الموقع بتاعهم وربنا يستر بقى.
أردفت أسوة بذعر:-
- إزاى دا حصل طب هما هيعرفوا يوصلولك كدا ولا أيه.
- لا اطمنى أنا مأمنه نفسي بس ربنا يستر لأنهم ناس فعلًا مش سهلة.
- خير إن شاء الله، أنا هقوم بقى علشان أستلم المخبز مكان سارة.
- تمام يا أسوة أنا كمان هروح.
- تمام يلا بينا.
وصلت أسوة إلى الحي الشعبي الذى تقطن به وذهبت إلى المخبز
قالت سارة مُرحبة:-
-الحمد لله على سلامتك يا ويسي.
قالت أسوة ضاحكه:-
-الله يسلمك يا سوو، يلا بقى أبدأ ويلا روحي أنتِ، باقي أيه أنتِ واقفة لغاية فين.
- القُرص والعيش فى الفرن يدوب هتخرجيهم والواد عمرو هيساعدك وأنا همشى بقى علشان أمي بعتتلي.
- تمام يا سارة ربنا يعينك مع السلامة.
وأخذت أسوة تُكمل عملها لكي تنتهي منه وتذهب إلى عملها الآخر فهي تعمل وظيفتين لكي تكفي مصاريفها.
❁❁❁❁❁
داخل شركات الصياد كان جالس والجحيم يحتضن عينيه.
- وصلت لأيه يا صالح!
- يا مؤمن الأمور مش بتتاخد كدا لازم نصبر شويه.
صاح مؤمن بصوت مرتفع:-
-صبر صبر صبر كل ما أكلمك تقولي صبر.
- طب أنا أعمل أيه الحساب طلع مش مظبوط وأنا كلمت ليث علشان يشوف الموضوع ده.
همس مؤمن بعيون تمتلئ غموض:-
- تمام قوم شوف شغلك.
خرج صالح من المكتب وتركه تتراقص الشياطين حوله.
❁❁❁❁❁
وصلت سارة إلى منزلها لتجد والدتها مكفهرة الوجه، لكنها ألقت السلام بهدوء ووجه بشوش:-
- السلام عليكم.
ردت والدتها وتدعى أمانى:-
- أيه ياختى كل ده تأخير.
- أنا آسفة يا ماما بس على ما خلصت وسلمت المخبز لأسوة.
قالت والدتها باستنكار:-
- وانا مالى ومال أسوة والشعل إللي وراكِ هنا!
- خلاص يا ماما أنا هدخل أخلص كل الشغل.
- ادخلي يا أختي اعملى الأكل لإختك واغسلي المواعين إللي جوا وشوفي شغلك.
- حاضر يا ماما هصلي وأخلصلك كل حاجة.
- ادخلي يا أختي تك مو أما يسم بدنك عيلة فقر من يومك.
دخلت سارة إلى الغرفة وتوضأت ثم أدت فريضتها وانتقلت بعد ذلك لكي تُنجز كل ما كلفتها به والدتها.
❁❁❁❁❁
دخلت ليلى إلى شقتها في منطقة شعبية فهي تعيش وحيدة بعد خروجها من الملجأ، ثم قامت بإمساك اللاب توب الخاص بها لتتأكد من أنها لم تترك خلفها أي شيء.
❁❁❁❁❁
أنا بحاول والله بس صدقنى في ظرف أربعة وعشرين ساعة هكون جايبه تحت رجلك.
قال صالح:-
- إحنا معتمدين عليك، عايزين نعرف مين سرق التصميم ده.
هتف ليث بتريث:-
- تمام يا صالح طمن مؤمن وقوله ميقلقش.
- خلاص سلام.
❁❁❁❁❁
كانت تسير وهي متهالكة فقد ذهبت إلى عملها الثانى بعد خروجها من المخبز وها هي الساعة قد تعدت الثامنة وهي لم تعد إلى منزلها بعد أن قامت بطرق الباب لكن لم يفتح أحد..
تسائلت أسوة بتعجب:-
- يا ترى تيتا فين وأنا نسيت مفاتيحي جوا، أنا هقعد هنا أستناها، أنا مش عارفه هي بتمشي تروح فين.!!!
❁❁❁❁❁
وفى وسط الظلام الدامس
قال بغموض:-
- كل حاجة خلصت وتمت كدا.
رد أخر:-
- أيوا يا باشا إحنا انتهينا والبضاعة بكرا هتكون فى المخازن.
- أنا مش عايز أي غلطة.
❁❁❁❁❁
كان جالس شارد الذهن في أفكاره فقاطع شروده رنين الهاتف، رفع هاتفه وهتف:-
- الأخبار أيه لقتوها!
- أيوا يا صالح باشا لقناها، هي بنت فقيرة عندها عشرين سنة أخدت المرحلة الثانوية ومكملتش جامعة، عايشة في حارة شعبية مع أمها وإخواتها، والدها متوفي وبتشتغل في مخبز، وإللي عرفته إن أمها مش بتحبها وبتكرهها جدًا.
تسائل صالح:-
- والسبب!
- والله يا باشا مقدرتش أتوصل للسبب بس إحنا بندور وراها.
- تمام وأنا هبلغك بالجديد.
- تحت أمرك يا باشا.
قام بإغلاق هاتفه وقال بنبرة نارية تحمل الوعيد والويل:-
- خلاص هانت ومش هرحمك أبدًا وهوريكِ العذاب ألوان.
❁❁❁❁❁
كانت ما زالت جالسة أمام الباب وغارقة في أفكارها المليئة بالتساؤلات:-
- طب أنا دلوقتي هجيب المادة الخام منين دلوقتى، أنا معدش عندي إلا بتاع العملية الجايه يدوب على قدها، طب بعد كدا هعمل أيه وأجيبها منين ... يارب ساعدني يارب أنا مش عارفة أعمل أيه.
قطع شرودها قدوم أحدهم على السلالم وعندما دققت النظر وجدتها جدتها بتول.
قالت بحدة عندما رأتها:-
- أيه يا أختي قاعدة ليه كدا.
- كنت مستنياكِ يا تيتا أصل أنا نسيت المفتاح الصبح.
صاحت الأخرى بقسوة:-
- إنجري ادخلي وبعد كدا متنسيش مفاتيحك لإما هسيبك فى الشارع.
ردت أسوة بخضوع:-
- حاضر.
دخلت أسوة بعد ذلك ثم قامت بتبديل ملابسها وأداء فرضها وخرجت لتحضير شيء تأكله.
تسائلت أسوة:-
-أحضرلك حاجة تاكليها يا تيتا.
- أيه تيتا دي يا بت أنا قولتلك أيه، مش عايزه من خلقتك حاجة.
ابتلعت أسوة هذه الغصة بصمت تام وقامت بتحضير كوب من القهوة لها مع شطيرة لتتناولها لكي تقوى على ما سوف تفعله، ودخلت إلى غرفتها ثم أغلقت عليها الباب بإحكام، وأخرجت المادة الخام الباقية معها وقامت بتصنيع العقار وبعد مجهود شاق أخدت أنفاسها براحة قائلة:-
- كدا بقى جاهز، المشكلة هجيب مادته الخام منين.
تذكرت الكتاب الذى أحضرته معها
- يارب ألاقي فيه حاجة مفيدة مع إني هقرأه للمرة الألف بس مفيش فايدة.
وظلت هكذا مدة كبيرة حتى غلبها النعاس فعينيها لم تتذوق النوم ليلة أمس.
❁❁❁❁❁
كانت جالسة في هدوء إلا أن قطع ذلك الهدوء رنين هاتفها فوجدت رقم مجهول ضغطت على زر الإجابة ووضعت الهاتف على أذنها وهي غارقة في رعبها.
- أيوا مين معايا.!!
- نهايتك قربت يا حلوة وفي أي لحظة هتلاقينا قدامك كنتِ فاكره مش هنعرف نجيبك.
سقطت على ركبتيها وتملكها الرعب، يا تُرى كيف علموا مكانها كيف وصلوا إليها بتلك السرعة.
- يارب ساعدني أنا أعمل أيه دا أنا لسه بدور ومش عارفه مين أمي وأبويا ومين إللي سابني في الملجأ ومين إللي بيراقبني أنا لسه معرفتش حاجة، لا أنا مش هقعد أبكي وأندب حظي، ولا أنا بخاف من حد أنا أقدر أعمل كل حاجة وأوصل للي أنا عايزاه، فوقي يا ليلى أنتِ هتنسي الماضي ولا أيه وتنسي التعذيب إللي شوفتيه في الملجأ، أنا هقوم أصلي ومتأكدة إن ربنا هيساعدنى.
❁❁❁❁❁
في الظلمة البائسة نجدها تتسلق الجدار بمهارة عالية ساعدها فى ذلك مرونة جسدها، ترتدي بنطال أسود وسترة جلدية سوداء وحقيبة ظهر من نفس اللون، قفزت من أعلى الجدار وأخذت تسير إلى أن وصلت إلى مقصدها، وبعد وقت قصير انتهى ما كانت تفعله والإبتسامة على زاوية شفتيها.
استدارت لتغادر المكان بخفة ورشاقه دون أن يراها أحد.
❁❁❁❁❁
جالسة تقرأ كتاب عن سر وغموض مثلث برمودا وهي في قمة التركيز والإنبهار فهي تعشق القراءة .... وكانت تتمنى أن تلتحق بالجامعة لكن أبت والدتها بحجة المصاريف والتكاليف، ولكي تتفرغ إلى العمل وإلى خدمة أخواتها، فأخذت تقرأ وتُنمى عقلها، ولكنها تفاجئت بالباب يُفتح بقوة..
قالت والدتها بغضب:-
- قومي ياختي قاعدة ليه كدا، قومي اغسلى هدوم أختك واكوي الهدوم إللى هتلبسها بكرا.
أردفت سارة بتعب:-
- أنا كنت رايحه أنام يا ماما الوقت اتأخر علشان الشغل من بدرى والصبح إن شاء الله بدرى هقوم اكوي الهدوم.
لم تدري بشيء إلا ووجهها يستدير إلى الجهة الأخرى، نعم قامت بصفعها.
صاحت تزجرها:-
- قومي انجري يا بت اعملي إللي قولتلك عليه أنتِ هتقوليلى "لا" ولا أيه.
قالت سارة بانكسار:-
- حاضر يا ماما أنا آسفه.
قامت لتغسل ملابس شقيقتها وتقوم بكي ما سوف ترتديه غدًا في صمتٍ تام والدموع متحجرة فى عينيها
قالت سارة "فى نفسها":-
- طب أعمل أيه يارب هي بتعاملني كدا ليه هي ليه بتكرهني كدا، بس دي أمي أكيد بتعمل كدا علشان حِمل المصاريف، الحِمل تقيل عليها بردوا، يلا الحمد لله أنا يعني بعمل لمين ما هما اخواتي وأمي.
نعم هذا ما صوّر عقل سارة لها فهي بريئة نقية إلى أبعد الحدود لم تنغمس في الحقد والنفاق الذي بات يُغرق القلوب، هي لا تفقه شيء عن ما بات يدور حولها وليس لها تعامل مع أحد وهي لا تدري بما يجرى في عقول من حولها من خبث وشر.
❁❁❁❁❁
على الهاتف
صاح الرجل برعب:-
- إلحقنا يا باشا البضاعة كلها فسدت ولقناها بودرة بيضا ملهاش أي فايدة.
صرخ بفزع:-
- إزاي كدا يا بهايم البضاعة تتبدل ولا تتسرق إزاي.
- لا يا باشا هي زى ما هي لا اتبدلت ولا اتسرقت، بنفس الأكياس والكراتين ودا الغريب البضاعة بحطة إيدينا بس زي ما تكون اتحولت مش عارف أيه إللي حصل وإحنا متحركناش كنا مكانا يا باشا..
- يعنى نفس إللي حصل مع المعلم برهامي والمعلم زغلول، وأنا كنت بضحك عليهم يا بهايم، والله هطير رقابيكم كلكم فى داهية تأخدك.
❁❁❁❁❁
كان يقف بكل شموخ على أحد الجبال الخضراء في هذه الغابة الكثيفة وينظر إلى الأسفل كأنه ينظر إليهم وكل واحد منهم يسعى وراء الآخر، فكلٌ يسعى وراء سراب لا وجود له، لتنبت على شفتيه ضحكة متهكمة ثم يستدير ليرحل..
