رواية من بعد خوفهم الفصل الرابع 4 بقلم حمدى صالح


رواية من بعد خوفهم الفصل الرابع بقلم حمدى صالح


"أن تُغيـر فكرك وطريقة تعاملك مع الغير في حالاتٍ مِن التوتر، الفرحة جيدٌ إن لازالتُ تحتفظُ بذكرياتك وأخلاقك؛ فلا تسلك خلف بشرٍ واحدٍ يحاول تغيرك لِمَ أسوأ، ربما تجدُ نفسك في إحدىٰ الشخصيات، ورُبما تغيرتُ مِن أجل أحبابكَ ومع الدرب الأول أصبحتُ صورةً هشةً كأنكَ زجاج كُسر مِـن هول ما رأت عيناكَ"

ولجت "رهف" بثباتٍ للمدرج الخاص بها؛ لتتفاجىء بوجود شخصية لم تُحبهـا أبدًا لكونها جريئة وصريحةٌ علىٰ الجميع وكأنها تنفرد برأيها، نطقتْ بجديةٍ: 

-ما هذه المقاطع السوداء؟! وما الذي تفعلينه؟ 
أ فقدتِ بصركِ، ترتدين حجابٌ يزينك وتمتلكين عفةً ووقار، تسيرين والملائكة تحرسك وتتزين بكِ وأنتِ تتمايلين وتتراقصين علىٰ مقاطعٍ مرئيةٍ، أين عقلكِ؟! 
علىٰ العمومِ هذهِ بداية لكُلَّ خطيئة، أعلم حديثكِ عني في كل بقعةٍ وأنَّني مُتكبرة، وسليطة اللسان، من سوء الحظ أنَّكِ تحدثي وأنا أسير خلفكِ، لتفعلين ما تشائين ولكن لا تفرحين، فـكُلَّ خطاء ويخفي نائبتهُ ستنكشف، أحزن لأجلكِ حقًـا. 

-مَن أنتِ كي تنفجرين بيَّ هكذا ؟! 
هل تناسيتِ نفسك يا "زينب"؟! 

-ليتني فعلتُ هذا، نصحيتي لكِ أن تبتعدين عنها بكل الطرق، تودَّ هلاك روحك وشماتة الناس لكِ، أفسدتكِ واللهِ، الفتاة تتزين بوشاحها وردائهـا الساتر لجسدها، تتزين كالأزهار، وتتطاير علىٰ ضفافِ الأنهار، يحفظها الله ويسترها بمشيئتهِ، ملامحك الغاضبة المغمورة بلهيبِ الحقد تدل علىٰ كذبكِ، فوالديك لهم حقًا عليكِ، وإن لديك أشقـاء سينفعل ولا يعلـم مرارتكِ. 

أخذتْ هاتفها متجهةً لآخر مقعدٍ بعيدًا عن الغيبة والنميمة، من تتحدث عن تِلكَ ومَن تتآمر وتشعل مِن الأخرىٰ، أمـا"رهف" انكمشت ملامحها من قوة حديثها، لم تخشىٰ شيئًـا إلا والديها وأخيها الذي طرأتْ عليه مراقبتهُ لها في الآوانة الأخيرة، نصف اليوم وهي منهمكةً في دراستها.. ومِن بعيدٍ تناظرها بشرٍ على خطتها التي نجحت، غُمرت عقلها بشهوةِ، تِلكَ مَن تأخذ كل الحلو، ضحكاتُ خبثٌ وهو يرمقها بشجاعة دون محو النظر وكأنها قطعةٌ هشة سيتغلها في أقرب وقتٍ. 

علىٰ الجانب الآخر.. انتهز "مؤيد" انتهاءهُ من يومه؛ ليدخل المسجد ينهي ما فاتهُ، لاحظ تجددهُ بشكلٍ كبيرٍ وكأنه اختفى عن العالم، توجه للمرحاض بقلبٍ نقي يدعو الله بثباتهِ وما إن انتهى جلس مستندًا على الحائط، تطلع لمَن يبكِ؛ لينطق بداخلهِ: 
"سبحان مَن صور، يسخط عليَّ بغضبٍ وهو ضعيفٌ مثلي". 

وجدهُ يطيل السجود، يضحك ويغمغم مع الجميع، أخذ حقيبتهُ وربط حذائهِ مسرعًـا خلفهِ: 
-مَن أنتَ يا" أدهم"؟! ولمَّ تبكِ بخفاءٍ؟! 
بالمناسبة لا تتتلفظ بأي شيءٍ سري أو صوتٌ مرتفع، فإنْ لديك هذه الميزة.. فأنا أسمع الصوت الداخلي! 

-ولمَّ أقص لكَ أنتَ بالذات؟! 

رفع كتفيه مُجيبًـا: رُبما سأتنازل عن فعلتُكِ الماضية وأن أتخذكِ رفيقًـا، أنا بالذات حادٌ، مشاكسٌ، لدي بعض قراء ينتظرون كتابًـا مني وأنا أتخفى يا رجل، لن أضغط عليك فيمَّ يخص أمورك، ولكن قولت ليَّ المرة الفائتة هُناك قواعد، ما رأيك في تبادل القواعد؟! 

-بشرطٍ.. أن أنهي أنـا الأول، علىٰ العموم سأحكي لكِ ما يُتعبني ويتعب جسدي إلى هذا الوقت.. ولدتُ وتوفيت أمي بعد شهرٍ، لم أراها ولكن حديث أبي يشعرني بالقهر، خلقتُ بدون أمٍ واستمعتُ للكثير من الأقاويل، شماتةٌ ولا أعلم لمَّ، لدي شقيقٌ بالرضاعة يُدعى "أُبيِّ" هو بمثابة ابن الخالة والشقيق، يعمل بالخارج ولا أراه إلا ليومين من كل عامٍ، الرحلة الفردية قاسية رغم كثرة الأصدقاء حولي، قضاء الله نافذٌ ولكن روح والدتي أشتاق إليها، طيفها يهب عليَّ وكأنها تطمأن روحي، أنـا غاضبٌ من كل كلمةٍ أذتها، أتعلم يا "مؤيد"، متجر أبي كان صغيرًا للغاية، مساحته ضيقة حتى أكرمهُ الله، وتوسع وأصبح ذا سيطٍ، ورغم ارتفاع الأسعار إلا أنهُ يراعي الجميع ولم يكسر بخاطر أحد، وحِينما أخبرتهُ عنك بمرةٍ حينما تحدثتُ مع شقيقتكِ علىٰ إعلان المتجر أعطتهُ هاتفك ومنذ ذلك الحين وأنا أراقبك، لا تنصدم هكذا، لستُّ مصباحّا كي أعلم هيئتك أو أقص لك سرًا خاصًـا بيِّ. 

-ليتك مصبـاح سيحقق ليِّ طموحاتي البلهاء! 

" أدهم ": يا فتى، أنا لا أمزح وأنتَ تمزح معي! 

-أُعطيك الهواء كلهُ يا عم، كُن كالبارد ستصبح جسدًا بحق. 

رفع إحدى حاجبيه ممسكًا بحقيبتهِ، يضحك علىٰ خفةِ الدم رغم حدتهُ إلى أنهُ يزيل هذا الوجه مع الرفقاء، اتجه كلاهما حول مطعمٍ من المعجنات؛ كي يكملا يومهم، ومِن ثُم إلى المتجر وخلف كل هذا ندباتٌ قاسيةٌ لا تزل من العقل مهما يكن، أن تتريث فتهاجم عدوك بكلَّ قوتك، وأن تتخاذل فتتراجع مئة خطوة للوراء، هذا هو فصل الشتاء حزين علىٰ المارة، البيوت مُنغلقةٌ على الجميعِ، رائحة الإختناق تنتشر كالرياحِ القويةِ، صوتُ الشجارِ الكاره للبعض في البنية دون رحمةٍ، احترامٍ للغيرِ،  الفرار مِن السَّب المُتكرر كُل يومٍ. 

مَن يدعِ الحق‌َ وهو حاقدٌ علىٰ الغير في الحديثِ، ومَن يكذب في العلاقة وكأنهُ حبلٌ للموت في عتمةِ الليلِ القارسِ، ليت المعاركَ الداخليةَ تهدأ بِأنفسِ البشرِ الهائجةِ، فالحقُ في زمننا أشبه باللعنةِ في أوقاتٍ مُتقطعةٍ، أمَا المُعاملة تحولتْ للداءِ السامِ فمَن لا يرحمُ الأنثىٰ ويصونْها لا يصونْ الروح التي سَلَّمتْ فؤادها بِسلامٍ، فَمَع الكلمةِ تُنعش النساءَ إما بالرضاءِ والحُبِ أو الألمِ والإهانة دون خشيةٍ مِن أحدٍ! 

"المحنة التي  تقويّ لـا تكتمل إلا بِاكتمال الرفيق" 

أربع ساعاتٍ وظهرها يؤلمها، أوشكت دراستها علىٰ الانتهاء، تخشى الدرجات وفرحة الجميع، تتابع ما يقوله المعلم بكلَّ ما أوتيت حتىٰ انتهى، تعلمت "لدن" المسئولية بعدما تلقت بعض التعب مجددًا، تتشبث بالحلمِ وقلبها يؤلمها إن لم يحقق، حياة الثانوية التقليدية، لا يراعِ الوالدين في بعض الأحيان نفوس أبنائهم، وكأن العام أحق من الشاب المكتمل على الاختناق، والفتاة إن اشتكت بـ"آهٍ"، ارتدت حقيبتها بإرهاقٍ، الجوع ينهش جسدها ومالها قد نسيتهُ، وعلى أعتابِ الباب تطلعت لعمهـا ببسمةٍ مهرولة إليه، "حسن" الذي احتضن الجميع يعطي كأخيه، نطق بجديةٍ: 

-أنسيتِ أموالك مرةً ثانية يا بُنيتي الغالية؟! 

-تعلم ما أمر به يا عمي، والبيت قريبٌ لحسن الحظ، مَن أخبرك؟.. مهلًا بارك الله في جدتي تخبر الجميع كل مصائبنا. 

-تشبهين "لدن"، هيا سآخذك كي تشترين ما تحتاجين، أخبرني والدك بأنَّك تريدين بعض الكتب والملازم. 

هدرت بسؤالٍ: لكن" أبي" لم يعطيني المال، أنا أنتظر لأخبره بما أحتاج، أين هو؟! وأين هاتفي.. أمي لم تطمئن عليَّ حتى الآن! 

-بالعمل يا "لدن" وهو أعطاني الكثير؛ لإنّكِ تأخرتِ بشرائهم، لا تسألين في تلك الأمور، حينما يعود ستعرفين، ولا تنطقين مرة أخرى، فالليل قد اقترب. 

يتهرب الجميع من أسئلتهم، ولا تعلم الحقيقة، هل ستصبح كإحدى بطلات الأفلام، أن تتركهم بلا مأوى، القلق يكسو قلبها، والأسئلة تتطرح بعضها،
أين هن من كل هذا!
أين أفئدتهم التي تفتقت كالرماد المحترق! 

عاد "مؤيد" للمنزل مؤديًـا طقوسه ومذاكرتهُ؛ ليفتح الحاسوب واضعًا كلمة المرور الخاصة بشقيقتهِ، استغرب الحساب الثاني لم تخبره عنه لينجح في فتحهِ، مقاطعٌ تصل للجميع، تقلد وتفعل أشياء مريرة، أمسك يديه بقسوةٍ وهو يرى التعليقات من أُناسٍ غريبين، كيف تستغل ثقتهم وتفعل هذا! 

تآكل الغضب عينيه؛ ليستمع لمقاطع الموسيقى، فتح الباب بقوةٍ ممسكًا بيديها، نيرانٌ تحتل فؤاده، لم تحافظ علىٰ جسدها وهى تتراقص مع رفقةِ السوء، حتى وقعت من يديه، يمسح بكلِّ ما أوتي ولا يفلح من كثرتها، نطق بصراخٍ:
-لمَّ، كيف لقلبك أن يفعل هذا؟! 
تتغيرين علىٰ الجميع والفقير، أتحدث لمن؟! 
ألم تُراعِ والدك وهو يدلل ويعطي، لم يبخل عنك بشيءٍ، من انتزعت حجابها يمكنها أن تفعل الكثير، شهوة الشهرة أعمتكِ، أنتِ فعلتِ كارثة لم تكن ببالي حتىٰ، مَن علمكِ هذا.. مَن؟! 

ترك يديها للتساقط حول قدميه، تجمعت الدماء حول يديه وهو يلامس شقيقتهُ الغارقة، لا يعلم سوى حدتهُ، قسوته الزائدة التي أدت لشعورها بالخوفِ منه ومِن الغيرِ، تطلع "حسن" بصدمةٍ لهما، حملها لأقرب مشفى ووالدها يرى فتاتهُ التي أحسن تربيتها عبر وسائل دمرتها رأسًـا على عقبٍ، أما "مؤيد" يقف، قلبهُ يحترق بغزارة، ولا يدري ماذا سيفعل؟! نظرة والدهُ المنكسرة.. ووالدتهم التي غادرت من أجل العمرةِ التي سعى من أجلها! 

إنها البداية فحسب، فمَن تُخبىء سرًا عن الجميع، سينكشف يومًا وستنقلب الصورة عليكَ! 

تعليقات