رواية من بعد خوفهم الفصل الخامس بقلم حمدى صالح
"الهروب مِن الواقع مؤلم، والأنثى إن وقعت لا تنضج إلا بالتعافي إن حدث هذا، قاهر الشيء لا ينطق بِه، بل يظل يحاسب وينصت بألمٍ، يصمت والصمت في بعض الأحيان يفقد الشخص حياتهُ، أنتِ كالبلورة إن كُسرت لا يصلح إعادتها".
تآكل الغضب عينيه؛ ليستمع لمقاطع الموسيقى، فتح الباب بقوةٍ ممسكًا بيديها، نيرانٌ تحتل فؤاده، لم تحافظ علىٰ جسدها وهى تتراقص مع رفقةِ السوء، حتى وقعت من يديه، يمسح بكلِّ ما أوتي ولا يفلح من كثرتها، نطق بصراخٍ:
-لمَّ، كيف لقلبك أن يفعل هذا؟!
تتغيرين علىٰ الجميع والفقير، أتحدث لمن؟!
ألم تُراعِ والدك وهو يدلل ويعطي، لم يبخل عنك بشيءٍ، من انتزعت حجابها يمكنها أن تفعل الكثير، شهوة الشهرة أعمتكِ، أنتِ فعلتِ كارثة لم تكن ببالي حتىٰ، مَن علمكِ هذا.. مَن؟!
ترك يديها للتساقط حول قدميه، تجمعت الدماء حول يديه وهو يلامس شقيقتهُ الغارقة، لا يعلم سوى حدتهُ، قسوته الزائدة التي أدت لشعورها بالخوفِ منه ومِن الغيرِ، تطلع "حسن" بصدمةٍ لهما، حملها لأقرب مشفى ووالدها يرى فتاتهُ التي أحسن تربيتها عبر وسائل دمرتها رأسًـا على عقبٍ، أما "مؤيد" يقف، قلبهُ يحترق بغزارة، ولا يدري ماذا سيفعل؟! نظرة والدهُ المنكسرة.. ووالدتهم التي غادرت من أجل العمرةِ التي سعى من أجلها!
خرج الطبيب ناطقًا: لقد فقدت الكثير من دمائها، هى بخير الآن لكن لا تضغط عليها من فضلك.
-ليتها لم تكن!
-اصمت ولا تتحدث كلمةً أخرىٰ، أتشك بشقيقتك، أخطأت وأنتَ لم تحنو عليها وتعرف ما حدث، أين عقلك وأنت تقذفها وتعاملها هكذا!
-عقلي!
أرى شقيقتي تفعل الخطأ وأصمت؛ كي أنتظرك يا أبي، فتفعل الشيء مئة مرة، لم تراها وهى تزعج الفقير، وثيابها التي تتخلى عنها مرة بعد مرة، أراقبها؛ كي أحميها ومِن ناحية تكذب عليِّ.
غادر سريعًا، لا يودَّ الحديث، كان يخطط لسعادتها وهى تتطعن قلبهُ، أيمكن للقلب الصراخ؟!
أيمكن الصمت مثلما تحدث أبيه؟!
كيف يتحدث لأمهِ عن فعلتها؟!
الأسئلة تغزو عقله، والنوم بعد عنهُ؛ فكيف لهُ أن يأتِ والروح غائبةٌ عن القلب!
يومان علىٰ تلك الحالة؛ لتعلم والدتهم وهى تراها تتشبث بها خشيةً من أخيها، يذهب ويعود دون الحديث معهم، الغضب لازال بعقلهِ ليقرر الذهاب لبناتِ عمهِ؛ كي يتطلع لإجابةٍ، جدتهُ تعرف كل الخبايا، ولكن الخبايا الحقيقية هى النفس الساكنة قبل عاصفةٍ شديدةٍ.
تَقَلْقَلَ أمام جدته بعدما صعد، الجمود يحتل وجهُ، هدوءٌ يسبق العاصفة، لم تهتم "عنود" بمجيئهِ بالنهاية هو بيت جدتها، والأخرى منشغلة بدراستها، تمتم بجديةٍ:
-أكنتِ تعرفين ما تفعلهُ "رهف"؟!
-ماذا فعلت؟! ولمَّ وجهك شاحب هكذا؟
-تفعل ماذا! ترقص وتفعل ما يفعله الآخرين علىٰ الانترنت، تغيرت طباعها ولم يلاحظ شخصًا واحدًا ما بها، قلبي منشقًا بعدما اتبعت شهوتها!
صرخ عليها بقوةٍ، ناطقةً: كيف تحدثني هكذا؟!
-إذ لم تخبر أحد فأين"عنود"؟!
هى تخبرها بما يحدث معها دائمًـا!
ولجتْ الجدة وهى ترمقهُ بحدةٍ؛ ليتطلع لتلك الواقفة بثباتٍ:
-لمَّ تصرخ عليَّ هكذا، مَن أنتَ كي تُحاسبني، ولو كنتُ أعلم لتحدثتُ معها دون اللجوء إليك حتىٰ، استيقظ من غفوتك تِلكَ، ولا تنسَ أنّك رجلٌ يجب عليه حمايتنا إن حدث شيئًا، ألم تُخطىء قبل؟!
هدر بصوتٍ عالٍ: لا شأن لكِ بيَّ..!
فإن فعلت"لدن"هكذا ستفعلين أكثر مني!
-اصمت!
ولا شأن لكَ بنا ولا تثرثر علينا وكأنَّك ملاكٌ يا بن العم، أنت غريب عنا، وغريب الشكل، لم يفعل عمي هذا وأنتَ تتطرق الباب وتنجرف ولم تراعِ جدتنا حتىٰ، لقد رفعتُ لسانك عليها وكأنكَ أعمى، ثُم أين عقلك وثقتك، لا تجعلني أقص للجميع ألمك وأنَّك خُذلت من الجميع يا"مؤيد".. ألم تتذكر صديقك الذي صفعك بأنيابهِ، أحببتهُ كأخيك وهو خدعك، والآخر سحبك لعالمٍ مظلم، به عقاقير وتوبت حينما بلغت يا "مؤيد"، لا تنسَ مَن أنـا قبل تحدثك، لا دخل لك بشقيقتي فأنا أعلم أسرارها قبل نفسي ولن تفعل هذا، أنت مَن أهملت" رهف"؛ كي تخشاك وكأنك مهمٌ، أنت لا شيء، أفهمت!
-عنود!
قالتها" لدن"بصدمةٍ من حديثها:-
-لغرفتكِ ولا تتدخلين فيمَّ لا يخصك أبدًا، لستُ ضعيفةٌ كي أتراجع، ولا أخشىٰ أنّك ستجرح قلبي بأمي، وأنَّها تغيرت معنا.
-أتعلمين؟! أنتِ حقًا بلهاء، والدتك تفعل الكثير وعمي يخفي عنكن الكثير، يتحمل طاقةً لا يريها لكما، ولن أتحدث مثلما تحدثتِ الآن، سأتركك هكذا ولن تعلمين الحقيقة إلا في غياهب الزمن، أما أنا فأدرك أفعالها وأتركها تمارس ما تحب ولكنها طعنت فؤادي، أنا لا شيء، أنتِ صواب فعلًا، أنا المعقد وأنا الجبان، أنا الهارب من الأحلام الواهية، وأنتِ الجريئة لا تهابين شيء، أنتِ أجبن مما يكون دون الجميع.
فرَّ مغلقًا الباب بعنفٍ، عينيه كعيون النمر القاسية، لا يعرف الرحمة، ركض والدموع حبيسةٌ؛ ليهطل المطر عليه بغزارةٍ شديدةٍ، توقف سامحًا لنفسه بالبكاء، تأتِ الضربات من عنق الأقرباء، لا يهتموا بمَن حولهم، ولا يشعروا بالغيرِ، لقد قسىٰ دون قصدٍ، و"عنود" تقف دون حراكٍ لا تشعى بشيء سوى قول سر "مؤيد"، صديقها منذ الصغر في ثوانٍ انفجرت به، جلستْ علىٰ الأريكة بصمتٍ؛ لتأتي"لدن" تتطلع لها بألمٍ، ربطتْ علىٰ كتفها؛ لتتشبث بها:
-لمَّ يحدث معي هذا، لمَّ لم أحظى بمَن يحميني وأهرول إليه، لم أقسو على أحدٍ، ما الذنب الذي فعلتهُ!
أحببتهُ دون قصدٍ وهو تبدل معي، أشتهى الرحيل يا "لدن"!
-تشبثين ولا تتحدثين الآن، غدًا يدبر الله أمرنا.
عاد"مؤيد" للمتجر باليوم التالي، كاد أن ينطق لولا "أدهم" الذي قام بدورهِ فهو يعلم ما به ولكنهُ يودَّ الحديث بهدوءٍ دون تشاجر بينهم، كان يتابع الهاتف؛ ليتفاجىء بمحو ما يخص "رهف" كُليًا ولكن البشر لا يرحموا من كلماتهم المريرة، وضع رأسه علىٰ المكتب وهو يختنق من الدنيا وكأنهُ حجرٌ صلب علىٰ صدرهِ، مكث "أدهم" بجوارهِ مردفًا باهتمامٍ:
-لمَّ لم تحدثني بتلك المقاطع، لولا قريبك لكنتُ تجاهلتني، علىٰ العموم رأيتُ علامات الصدمة علىٰ وجهك الآن، تحدثتُ مع صديقٍ ليَّ؛ ليتفق مع مَن نشروا دون موافقة أختك بحجةٍ، ولكونهم يخشون فقدان تفاعلتهم والنقود التي تنعكس عليهم، أزالوا ما يخص شقيقتك كليًا، عليك شكر "ياسر" فقد هددهم في اليومين الماضين، ولا تقلق لقد علمتُ الفاعلة الحقيقية، ولكن ليس حديثنا الآن، اسمعني يا "مؤيد" همهمات البشر قاتلة بما يكفيك، حسابات خفية وموهومة فيكتبوا تعليقات وتشتعل أنت، والبعض يكون بجوارك لا ينهش جسدك، بل تحسبها قاسية وهى خيرة ألف مرة، لا دخل ليِّ بشقيقتكِ ولكن يخصني أنتَ، لا تنجرف وتتغير، تقرب منها واشفي فؤادها من القادم، وأيامٌ وسينسى الناس ولكنها لن تتعافى يا صاح، كن رقيقًا هينًا من أجل روحك.
"مؤيد":
-ولكن روحي هُدمت من فعلتي بالأمس، ذهبتُ لجدتي وصرختُ علىٰ الجميع، لم يهتم أحدًا بيَّ.
-مَن قال هذا يا أخي، الجميع يحبونك، ربما نطقتُ دون الشعور بنفسك، سأذهب معك لجدتك، وسأتقرب منها بدلًا منك، لا ترفض فالقاعدة الأولى أن تصلح ما تخرب منك، ولا تنكمش كالنباتات، أصلح علاقاتك وقف كالسد أمام العدو، لا أودُّ قلقك ولكن"شمس"هي الفاعلة برفقة شخصٍ مجهول، فمِن فضلك لا تتصرف الآن وتفعل كوارثك، عِ ليَّ أنت متفوق ومعروفٌ ومن الواضح أن شخصٌ واحد هو الفاعل لا هي.
هز رأسهُ بإستسلامٍ؛ ليذهب معهُ؛ كي يطمأنهُ.. نصف ساعة؛ ليجد"لدن" بالطابق تزيل المياه الساقطة أمام الشقة: ليستْ هنا لا تقلق بالجامعة حتىٰ الثامنة.
-هذا أفضل، أغلقي غرفتكِ إلى أن نذهب، فلا يصح التَّحدث هكذا علىٰ البابِ.
أومأتْ برأسها؛ ليتطلع لهُ بثباتٍ.. ولج ليراها تقرأ في مصحفها؛ ليقبل رأسها بأسفٍ، ترمقهُ بعتابٍ ولكنه قطعة ذهبية ورجلها الصغير، تمتم "مؤيد":
-"أدهم" سبق وأن أخبرتك عنهُ.
-ماذا قلت؟! لم أقصد مشاكستك في المرة الأولى، أتحدثتُ بها يا فتى، لست رفيقي لا لا!
أكمل مبتسمًا: جئتُ معهُ؛ كي أتشرف بلقياكِ يا غالية، سررتُ حقًا بهذا، وأودُّ أن تتحمليه تلك الفترة، ربما طمست الدنيا عليه فجاء إليكِ.
-أنـا لا أغضب منهم، يجهلون الدنيا وما فيها ولا يحبون بعضهم، حزنتُ بالأمسِ منه فقط من أجل "عنود" كدتُ
أن تتفوه بالحقيقة يا "مؤيد".
استند بظهرهِ مُجيبًا:
-ولم تحزنين حينما تحدثت عليِّ هكذا؟!
صدقيني لن أسمح بالتدخل في هذا الأمر، لولا ظلمها، وأن تتحدث هكذا عليِّ وتذكرني بأخطائي ما يؤلمني الآن، نحن خطأ، ولن أحدثها بعد اليوم؛ كي لا تتطرأ لخسران بعضنا، يكفينا ما فيه.. والآن أنت علمتُ جدتي وأنصتُ لك.
-ولكن لم تجلب إليِّ قدحًا من الشاي، علىٰ رسلك فستعدها ليِّ في المرة القادمة، تشبهين جدتي رحمة الله عليها.
مضىٰ اليوم بسـلامٍ، ولكن لم يمضي لـ"عنود"التي استمعت للحديثِ كُليًـا، ما الحقيقة تِلك؟!
تجاهلت حتىٰ تتضح الأمور، حينها ستعرفها منهُ هو، وستصلح الأمور، تثق به وتعاقب روحها مجددًا!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تضم قدميها ببكاءٍ خافت بعدما أوصدت غرفتها، نظرات الجميع تخترق جسدها وكأن أحدًا لامس كرامتها وأهانها، يومان وهى تحاول، لم تجد سوى والديها، أمها التي تستلق بجوارها وهى تتذكر ما تفعلهُ وهيئتها حينما حملها شقيقها؛ لتجد رقمًا غريبًا يرسل لها عدة صور مركبة يهددها بنشرها إن لم تراه الآن، بكتْ بحرقةٍ؛ فهي لم تتحدث لشابٍ قط، خرجتْ مهرولةً لأخيها:
-هناك رقمًـا يهددني بطرح صورٌ مزيفةٌ يا أخي، واللهِ لستُ أنا، يريد رؤيتي الآن ولا أعرفهُ أبدًا.
-ماذا؟! أريني!
يصدقها بأنها مزيفةٌ، قبض يديه بعنفٍ؛ ليجد والدتهما تتطلع لهُ بجديةٍ:
-كُن معها ولا تتركها، قف بجوارها ولا تفعل مثلما فعلت، هى روحك.
هدر بألمٍ خفي: ارتدي ثيابكِ؛ فليفعل ما بوسعهِ.. الآن أدركتُ حديث أحدهم، ولا تبكين حينما نسير.. أفهمتِ؟!
ذهبت معهُ بنظراتٍ منكسرة، توجها لوجهتهم الخاصة، ملامح الصدمة تحتل وجهها، إنهُ "حسين" ذلك الشاب الذي حذرتهُ منها "زينب"، كان واقفًا معها حينما تشاجرت، تعالت أنفاسها بعنفٍ وشعرت بقشعرية تغزو جسدها:
-لمَّ فعلت هذا، أنا أكرهك وسأفعل الصفعة مجددًا، تشاركتُ ما فعلتهُ مع تلك؛ كي تُدمرني!
-بالطبع؛ فأنا أتلذذ الإناث وأنتِ ترفضين شابًا أفضل من أخيكِ، لن يفعل شيئًا معي ولا يقدر.
-هـل تعرفُ اليـم؟! فلتقذف كلماتك التي قلتها الآن به، بإمكاني ارتكاب جريمة وفعل مَن يمس خصلة واحدة من شقيقتي، ولكن خسارة الصفع والحديث مع نساء، لحظة.. فأنتَ تشبه الأنثى التي تلتصق وتدمر.
قالهـا "مؤيد" مُتشبثًـا بمَن تطالعهُ بهلعٍ، هـى ليست مخطئةً فحسب بل مَن تسلك طريقًا غير طريقها تستحق كل الخطأ لطالما فرّت مِن المحبين، نظر إليه بقسوةٍ مكملًا:
-البحر أمامك، افعل ما تُريده ولن أعطي لكِ أي شيءٍ، أتظن أن قدرتي ضعفت أم أخشىٰ منكَ.. لا!
أنتَ الآن تحترق مِن الداخل تحاول السيطرة علىٰ خوفك أيها البائس، إياك ثُم إياك لمس خصلةً واحدة من شقيقتي، حينها سأنقلب كالحيوان المُفترس، وهذا هاتفك.. ها هو يطفو فوق الماء.
أوشك أن يتلون؛ ليجد مَن يزيل غطاء الرأس.. ممسكًا بذقنه وهو يختنق، هدر "ياسر" بصوتٍ خافت بأذنيهِ:
-ألم تسمع حديثهُ، إن اعترضت طريقهما ثانيةً سأقف أمامك، وذلك الحديث علىٰ هاتفي، ثانيةً وستجد كرامتك تبعثرت كليًا.
سارتْ أمامهُم ونظراتُ الندم القاتلة وها هى الآن تعاتب روحها علىٰ شيءٍ لم تقم به، عادت معهم وهو يلفظ "مؤيد" أقسى الكلمات، تهشمت روحها وهى تستسلم، ذبلت العينين وطفقت الروح البشوشة لدموعٍ منهمرة.
ولجتْ لغُرفتها وهى تصفع وجهها حتىٰ تغيبت عن العالمِ، مهلًا.. إنها البداية لكل مخطىءٍ لا يرَ إلا الصواب وفي الحقيقة هو الفاعل، المضر في الأمور الخاصة به.
حملها "مؤيد" وهو يتطلع لـ"ياسر":
-اسمعني جيدًا، أشعل القرآن بغرفتها ولا تتركها وأنا سأتصرف، يبدو أنها خطة خبيثة ضحيتها "رهف".. سأغادر الآن وفي الصباح سآتي لأراها.
