رواية رحيل الفصل الخامس 5 بقلم منار شريف


 رواية رحيل الفصل الخامس بقلم منار شريف

حين تفتح أبواب الماضي لا تغلق بسهولة، فبعض الجراح لا تشفى، وبعض الأسماء تكفي للشعل في القلب نيرانا لا تنطفئ، وهذا اليوم لم يكن يوما عاديا له أنما كان أول خطوة في طريق طويل نحو مواجهة وكشف الحقائق.

في قلب حي راق تنساب فيه الأرصفة النظيفة كأنها لوحات فنية صامتة كان منزل اللواء رأفت الوكيل ينتصب يشموخ وهيبة.

على الدرج الداخلي المزخرف بنقوش فخمة الدفع عابد بخطاه المتعجلة يتنقل ببصره بين سطور هاتفه بعين دقيقة وعقل يقط لا يغفل، وفجأة قطعت خطواته نغمة صوت ناعمة، دافئة. انثوي عذب ناداه من خلفه فاستدار بسرعة وقد ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة فقد وقفت سيدة فاتنة تفيض ملامحها بحنان وعيناها تشعان يدفء لا تخطئه القلوب، وعلى شفتيها ابتسامة تندر السكينة كأنها دعاء مجاب اقتربت منه برفتها المعتادة وقالت بصوتها الذي يلامس

روحه دائما

صباح الخير يا حبيبي بابا عاوزك ضروري في المكتب.

ألقى عابد نظرة سريعة على ساعة يده وكان عقاربها تسابقه إلى موعده التالي: ثم اقترب منها بهدوء وطبع قبلة رقيقة على جبيتها تقبض احتراما وحنانا، رد بابتسامة دافئة تشي بعلاقة. قوية لا تهزها الأيام:

صباح النور يا ست الكل من عيوني هر وحله حالا.

لكن بثينة لم تتركه ينسحب بهذه السهولة في توقفت لبرهة وأمسكت بيده بحنان دافق تجذبه برفق نحو طاولة الطعام كأن قلبها يأبى أن يدعه يغادر قبل أن يتزود بما يسند جسده في مواجهة يومه المزدحم، وقالت بصوت غلفته العاطفة ونظرة لا تخطتها مشاعر الأمومة:

أنا عارفة انك مبتحبش تقطر الصبح بس كل حتى لو حاجة بسيطة يا حبيبي.

شد عابد بیده علی حافظة المسدس المثبتة بإحكام على خاصرته كأنما يستمد منها رباطة جأش اعتادها، ثم مسح جبينه بطرف أصابعه بخفة والتفت نحوها بابتسامة دافئة ما زالت بثينة رغم عمره الذي تعدى الثلاثين تراه طفلها الصغير بداخل عينيها، قال عابد لها بنبرة تجمع بين العجلة والامتنان

السلميلي يا حبيبتي والله مش ملحق خالص يا أمي.

تنهدت بثينة بعمق، وكأنها تود لو تنزع عن رأسه عناده الصلب بلمسة منها، ثم غادرت بخطوات هادئة تخين خلفها قلبا أثقله القلق على ابنها أما عابد فاستقام في وقفته واستدار يخطى واثقة نحو مكتب والده. فتح الباب بهدوء وفور أن التقت عيناه بوجه والده ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لا تخلو من احترام وود:

رافت بانشاء صباح الفل.

بادله رأفت الابتسامة وقد علت وجهه لمحة من الهدوء والمودة وقال بنبرة تجمع بين الجدية والتودد:

أهلا بالباشا الصغير، صباح النور يا سيدي.

رفع عابد حاجبه بخفة ورد بابتسامة مرحة تحمل مزايا خفيفا عاوز مني إيه يا رأفت باشا على الصبح ؟ ربنا يستر.

لكن سرعان ما تبدلت ملامح رأفت واختفت الابتسامة عن وجهه وظهرت في عينيه لمعة قلق لم يخفها وصمت للحظة كأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، تنفس بعمق وقال بصوت منخفض: تعالی اقعد با عابد كنت عايز اكلمك في موضوع مهم.

شعر عابد يتبدل الجو في الغرفة فتشنج جسده قليلا و عدل جلسته محاولا أن يحافظ على ثباته، نظر إلى والده بترقب وسأل بنيرة واثقة، ولكن حذرة

موضوع هيضايقني صح ؟

اوما رافت براسه فأجابه عابد مباشرة بلاش تشویق یا باشا وقولي اللي عندك

تنفس رافت بیط، ليهدئ من توتر اينه عاوزك تتنحى عن قضية سراح.

اتسعت عينا عابد بذهول وتطق بحدة ووقاحة

نعم !!! أسيب إيه ؟

سكت لحظة كان عقله يحاول استيعاب ما سمعه للتو ثم نظر إلى والده بعينين تضجان بالتوجس والشك وسأله بنبرة حادة

وده قرار مين بالضبط يا باشا؟ حضرتك كاب خايف على ابنك ؟ ولا في الإدارة شايفين إني مش كفء أكمل في القضية؟

أجابه رافت بتنهيدة تقيلة، كأنها تحمل على كاهلها عبء سنوات وقال بصوت خافت تغلفه المرارة

لو هتكلم كاب فاكيد انا خايف عليك، ولو هتكلم كـ لواء شرطة فأنت عارف كويس أنا ليه مش عايزك تكمل في القضية دي.

تغيرت ملامح عابد، وشد عضلات وجهه في صمت، وحدق في والده طويلا كان عينيه تبحتان عن إجابة خفية وقال بنبرة هادئة، لكنها تنذر بما هو آت:

لا يا باشا معلش أنا مش هسيب القضية دي بالذات.

مال قليلا للأمام وصوته يزداد برودا بينما نظراته تلمع بتحذير خفي:

وأرجو أن تفكيري ميكونش في محله.

لكن رأفت لم يتراجع أنما قابل نظرته بثبات وقال بصوت حاسم: لا في محله يا حضرة الضابط.

انتقض عابد واقفا والغضب يشتعل خلف عينيه كنار تحت رماد وقال بصوت ممتلئ بالرفض والمكابرة:

يا بابا ده شغلی و محدش له حق يجبرني أسيب حاجة أنا بدأت فيها.

أغمض رأفت عينيه للحظة يخفي خلف جفنيه وجفا لا يحتمل وبصوت خافت متعب كان كل كلمة تنقل أنفاسه قال:

أهدى يا عابد واسمعني وبطل جنانك وتهورك ده.

لكن عابد لم يتحرك، ولم تلن ملامحه بل رد بنيرة هادئة قاتلة تخلو من الانفعال، لكنها مشيعة بالتحقق

للأسف الموضوع منتهى قبل، حتى ما أسمعه.

رفع رأفت نظره إليه وقال بحزم تقطعه الصرامة العسكرية:

اولا متنساش نفسك وأنت بتتكلم معايا، وثانيا لازم تنفذ الأوامر لأن المرة دي لو ما سمعتش الكلام القرار هيبقى رسمي.

تبدلت ملامح عايد والكمشت، وكأنها تحمل وجعا قديما يبيض من جديد. رد بصوت جاف مشحون بعناد لا يقبل الانكسار:

زمان سمعت كثير ونفذت وكنت فاكر إن ده الصح، بس النتيجة حضرتك عارفها كويس

اقترب من والده بخطى تقيلة كأن الأرض تجذبه من كل جانب ونظر إليه بعينين تغالبان الدموع وعندما نطق خرج صوته كرجاء موجوع يخترق الصمت

ارجوك يا باشا حل الموضوع ده.

حدق رافت في ابنه طويلا وهو صامنا كأن قلبه يصارع قرارا أثقل من جبل يطبق على أنفاسه

ثم قال بصوت خافت وبنبرة أبوية تخنقها غصة:

مقدرش يا عابد أنت ابني الوحيد وروحي متعلقة بيك أكثر من أي حد وفي الإدارة مش عايزين يخسروك بأي شكل، أنت أكفأ ظابط في المديرية ودي مش مجاملة دي الحقيقة.

رد عايد بصوت بارد يخلو من أي تردد كأنما قطع آخر خيط يربطه بالتفاهم: يبقى حضرتك إللي اخترت يا باشا.

اتسعت عينا رافت في صدمة وجاء صوته سريعا حادا كالسوط: لا يا عابد ده أمر مباشر.

لكن عايد لم يتراجع ونظر إليه بنبات تصنعه المعاناة وقال بصوت حاسم

آسف يا أنا يا القضية دي بالذات.

نطق رأفت بنبرة أبوية موجوعة يكاد يرجوه دون أن يفصح

ليه بتحملنا فوق طاقتنا يا ابني ؟

رد عابد بصوت ينزف ألما دفينا كان يخفيه خلف صلابته كل هذه السنين:

وهو قاتل يوسف قدام عينينا يوم فرحه محرقش قلبك ؟

ثم أضاف بصوت يتهدج تحت وطأة الذكريات

وخالي اللي على فراش الموت من يومها وكنت كل يوم بشوفه بيطفى بالحسرة على ابنه مين

السبب قولي ؟

خفض رأفت راسه كأن الحقيقة سقطت عليه كصخرة وهمس بألم:

عارف أن شغلنا هو السبب.

ابتسم عايد ابتسامة مره لا فرح فيها ولا رضا وقال بصوت يشبه فصلا يمر على الجرح

وحضرتك بتحاول تحميني بس أنا مش عايز الحماية دي. أنا عايز حق أخويا ومفيش في الدنيا حد بكرهه زي سراج شاهين

عندها لم يحتمل رأفت أكثر فصرخ بإسمه بغضب الفجر بعد طول كتمان:

عااااابد كفاية.

مرر عابد يده يعنف بين خصلات شعره وكأنما يحاول نزع توتره بأنامله وقال بهدوء يخفى تحت سطحه بحرا من الصراع

بابا أنا يحب حضرتك ويحترمك وعلاقتنا عمرها ما كانت بس علاقة أب بابنه إحنا دايما كنا أكثر

من كده إحنا أصدقاء.

أكمل عابد بنبرة قاطعة لا تحتمل جدالا:

بس سامحني لأول مرة هرفض لحضرتك طلب يا باشا.

ساد صمت ثقيل كان الكلمات حجارة تساقطت بينهما، وقف رأفت عاجزا يراقب ابنه الذي ألقى عليه نظرة ساخرة ممزوجة بالألم قبل أن يدير ظهره للمغادرة، لكن توقف فجأة وصوته شق

الصمت كأنه يختم النقاش بنقطة فاصلة:

بكره ان شاء الله ......

ون الهاتف فجأة ليقطع اللحظة المشحونة ويملأ الغرفة بنغمة طارئة. نظر عابد إلى الشاشة بنقاد

صبر وأجاب بصوت حاد وهو يتحرك نحو الباب بخطوات موزونة:

عايز ايه؟

جاءه صوت مألوف فيه ما يكفى من القلق ليزيد التوتر اشتعالات

انت فين يا عابد كل ده؟

رفع عايد رأسه إلى السقف يستنشق الصبر من هواء الغرفة وأجاب وهو يلتقط سترته

في البيت وجاي المديرية دلوقتي.

لكن زياد لم يترك له مجالاً فأردف على الفور بلهجة ملحة:

شد حيلك محتاجينك فورا.

قطب عابد حاجبيه وضغط على كلماته ليخفي ضيقه

مسافة السكة وهكون عندك

إلا أن زياد كعادته لم يعرف للصبر طريقا فقطع عليه مجددا بجفاف:

طيب أنجل.

عندها انفجر الغضب من عينى عابد فرد من بين أسنانه با حیاط میکنم:

زياد أخلص.

سکت زیاد لثوان ثم بدل نبرته يحاول تخفيف حدة التوتر:

يا سيدي روق كده وهدي أعصابك.

انهى عابد المكالمة دون رد ودس الهاتف في جيبه بقوة وتمتم ساخرا من بين أسنانه:

هو اللي يعرف شكل أمك يعرف يبقى هادي ؟

ثم التفت نحو والده وقال بصوت معتذر

أسف يا باشا لازم أتحرك محتاجيني في المديرية.

وضع رأفت يده على كتف ابنه يرفق وصوته يقطر حداثا

ولا يهمك روح شوف شغلك يا بطل.

انحتى عابد يقبل يد والده وسأله باهتمام صادق:

محتاج حاجة قبل ما أمشي؟

هر رافت رأسه نافيا وقال بنظرة دافئة تفيض بالحب

بس طمني عليك ده أهم عندي من أي حاجة ثانية.

ابتسم عايد بثقة مطمئنة واستدار وخرج بخطى ثابتة، وما إن أغلق الباب خلفه، حتى تبدلت ملامح رأفت وغرق في شروده كان قلبه همس له أن وراء صمت ابنه ما لم يقل.

أما عابد فقد كان طريقه إلى المديرية مزدحما بالهواجس لم يكن مجرد استدعاء طارئ كان يشعر بيقين لا يفسره أن ما ينتظره هناك أكبر من مهمة وأخطر من قضية عادية شيء قادر على

تغيير كل ما بعده.

وفي الداخل ظل رأفت يحدق في الباب المغلق قبل أن تلوح على وجهه ابتسامة مزيج من الفخر والوجع وقال بصوت خافت يخاطب روحه مش هنرضخ ابدا وهتمشي كلامك على الكبار للمرة الثانية يا ابن الـ .... الوكيل، ابني وانا

عارفك

بعد مرور ساعة ....

توقفت سيارة سوداء فارهة أمام مبنى القيادة وانفتح بابها الأمامي ببطء ونزل منه عابد بخطوات واثقة ملامحه مشدودة، ونظراته حادة، كانها تشق الهواء بدا وكان الزمن توقف لحظة دخوله على جانبي الممر اصطف الضباط والعساكر يؤدون التحية العسكرية في صمت يملؤه الاحترام.

وقبل أن يواصل طريقه اخترق صمت الممر صوت مألوف بنيرة لا تخلو من السخرية: عابد باشا أخيرا نورتنا

استدار عابد بسرعة العكست على وجهه لحظة انقياض كأنه كان مستعدا للرد بقسوة، لكنه ما أن لمح زیاد، حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة فيها شيء من الغرور الممزوج بالود:

ايه يا سي زفت كان ناقص تيجي تجرني من البيت.

كان زياد يقف متحفزا يلوح بيده بعصبية خفيفة وعيناه تفضحان القلق بداخله وصوته متوتر: يا راجل إحنا واقفين فوق كأننا موظفين تحت أمرك اللواء فخري طالبنا فوزا.

تغيرت ملامح عابد و اعتدل في وقفته وكان عقله بدأ يجرى حساباته بسرعة، رد بصوت جاد لم يخف فيه نبرات الحذر

في حاجة حصلت ؟

هر زياد كتفيه بحيرة ونظر في عيني عابد كأنما يبحث عن إجابة لم يجدها في نفسه:

محدش فاهم حاجة بس طريقة استدعاءه لنا مش طبيعية.

ارتفع حاجبا عابد ولمع في عينيه بريق غريب مزيج من الحماسة والريبة وربما شوق خفي الصحب يخرج الأيام من ركودها. تمتم بابتسامة خفيفة وهو يبدأ السير:

شكلها هتبقى مدعكة يا صحبي يلا بينا.

داخل غرفة الاجتماعات.....

كان التوتر يسكن الجدران اللواء فخري يجلس خلف مكتبه بملامح صخرية عيناه ثابتتان وصوته غليظ.

دخل عابد وزياد وقدما التحية فردها بإيماءة مقتضبة : تم قال :

اتفضلوا اقعدوا.

جلسا الأثنان فبادر عابد بصوته الهادئ الواثق:

حضرتك طلبتنا يا فندم؟

نظر إليهما اللواء لحظة صمت وأجاب بنبرة حازمة: أنتم من أكفأ الضباط عندي وعلشان كده المهمة دي ليكم أنتم بالذات.

رمق زياد اللواء بابتسامة جانبية ونبرة لا تخلو من التلميح:

بینی شكلها مهمة تقيلة؟

لم يعلق فخري أنما فتح ملفا أمامه وقال ببطء كمن يلقي بحجر في ماء راكد:

وصلتنا معلومة مجهولة عن تورط رجل أعمال كبير في عمليات تهريب وغسيل أموال وصفقات

مع عصابات دولية.

انتصب عابد في جلسته وقال بتركيز حادث اسم الرجل ده ايه يا فندم؟

أجاب اللواء ببطء وكأنه يلقي قبيلة :

عزت الفيومي.

ساد الصمت وعين عابد اتسعت في لحظة، لكنها سرعان ما استقرت خلف قناع من الجمود قال بهدوء رسمي: والمعلومة مصدرها مؤكد؟

للأسف لا وصلت برسالة من مجهول مع واحد من العساكر ومفيهاش توقيع ولا بيانات.

تلفت زياد بعينيه كمن يتحسس شركا

ممكن يكون فخ.

ممکن بس لازم لتحقق لو صح فالقانون هياخد مجراه ومفيش حد فوقه.

مد عابد بده:

اسمحلي اطلع على الملف يا فندم.

ناول اللواء الملف وقال بصرامة:

قدامكم 48 ساعة عايز تقرير مفصل بدون أي تأخير.

تمام يا فندم.

في العمر المؤدي إلى مكاتبهم.....

غادر عابد و زیاد بخطى بطينة بلفهما صمت تقبل خطواتهما وحدها تردد صداها في الممر وكان

الهواء نفسه صار يترقب ما سيحدث.

حين وصلا إلى المكتب وقف زياد يتأمل ملامح عابد المتجهمة وسأله بنبرة قلقة:

زحت فين يا صاحبي؟ أنت مش معايا خالص

أوماً عايد بخفة دون أن يلتفت إليه ثم قال بشرود معاك بس يفكر في حاجة مهمة.

اقترب زیاد خطوة وصوته حذر يحمل فضولا مكنوها أنت تعرف عزت الفيومي ؟

رفع عابد عينيه فجأة وداخل بؤبؤيه ومضة لا تخفى حمرة اشتعلت، لكن ملامحه ظلت جامدة كانما قرر أن يحبس ليرانه خلف ستار البرود:

اه أعرفه.

زياد بصوت يجمع بين الجد والمزاح

طيب الموضوع فيه إيه؟ خليني أفهم.

تنهد عابد بيط، وكأنه يفرغ صدره من حمل تقيل تمتم بصوت أقرب للهمس، لكن كل كلمة خرجت منه كانت كالسهم:

الراجل ده كان السبب في خراب بيت خالي لما دخل معاه شريك في مشروع وكان ناوي يلعب

من وراه لعب وسخ.

سكت لحظة ثم أكمل ينبرة تحمل حزنا وغضبا دفينا:

وقتها يوسف الله يرحمه وقف له وقطع الشراكة وكان ناوي يكشفه بس ملحقش ومات قبلها.

قالها: ثم صمت صمت طويل كان الذاكرة انقضت عليه کوحش استدار مبتعدا خطوتين ووقف أمام النافذة يتأمل الفراغ يضغط كفيه، وجهه مشدود كان الألم ينهش قلبه، ثم تمتم بصوت

مخلوق، لكنه حاسم يقطر مرارة وانتقاها:

النهارده جالي برجليه والأكيد إنه راجع بتحاسب والتمن هيبقى روحه.

في مكان آخر بينما تسلل النسيم من النافذة كانه يهمس بأسرار لا ثقال، ويبعث في الأركان شيئا من السكينة، كانت الغرفة تغرق في أجواء أنثوية حالمة بألوانها الهادئة التي تنتمي إلى طيف الحنين، وعبق العطر الذي تراقص خفيفا في أرجائها كما لو كان أنزا من خطوات ملاك مر بها، ثم اختفى.

جلست حياء أمام مرأتها لا تتأمل ملامحها بقدر ما تنقب في انعكاسها عن سر عشق خفي، عن سؤال لم تجرؤ على نطقه وكأن الإجابة تختبئ بين تقاطيع وجهها البريء، خفقات قلبها كانت كر فرفة جناح طائر صغير في عاصفة تائهة مرتبكة، وفي يدها مفكرتها الصغيرة، كأنها كنزها السري كتب على غلافها بخطها الرقيق اسم طالما يعثر كيانها كما أو كان سهما أطلق من قوس القدر "آسر رضوان".

و دون استثنان كعادتها حين تستشعر أن شقيقتها تخفي عنها شيئا دلفت رحيل إلى الغرفة تحمل في يدها كونا من مشروبها المفضل، وفي الأخرى بعض الأوراق، لكن عينيها لم تريا سوى وجه شارد غارق في بحر أفكاره.

اقتربت منها بخطوات هادلة ثم جلست إلى جوارها على طرف السرير وقد نهضت حياء لتفسحلها مكانا كانت تحدق في ملامحها. تقرأ فيها ما لم يكتب تشعر أن وراء هذا الهدوء عاصفة

عاطفية تكتم بصعوبة، قالت رحيل وقد علت نبرتها نغمة شاد

أنت فيك ايه بالظبط؟ يقالك كام يوم من على بعضك بتسرحي كثير، وتضحكي من غير سبب ومرة واحدة بقيتي بتسألي على شغل بابي ومواعيده ؟! اوه لأ حيااااااء أنا أختك وفاهمة

دماغك كويس.

حاولت حياء أن تهرب من عينى أختها بنظرة جانبية وقالت بنبرة مترددة:

مفيش حاجة يا رحيل. أنا بس كنت يفكر في رواية جديدة كنت بقرأها.

ضحكت رحيل بسخرية رقيقة وقالت:

ااااه قوتيلي رواية؟ وطبعا اسم البطل فيها "اسر "رضوان" صح ؟ بلاش تمثيل يا حياء يا حبيبتي، أنا عارفة إنك من ساعة ما شفتيه في فرح ريم وأنت مش على بعضك.

رمقتها حياء بنظرة تجمع بين الخجل والعناد ثم همست بصوت خفيض أقرب للرجاء

رحيل أنا ما عملتش حاجة غلط. أنا بس قلبي حس بمشاعر جميلة ناحيته، وعمري ما اتأثرت بعد كده حتى لما يقرأ روايات أو بتفرج على مسلسلات واعجب بالأبطال كنت دايما بحس إن

الشخصيات دي خيالية ومش موجودة في حياتنا.

بس لما شفته حسيت إنه لا ده مش زيهم ده حقیقی.

وسيم جدا، وشيك، وتقيل وهادي بس عينه فيها حاجة غريبة كأن فيها وجع، حزن، ووحدة.

سكنت للحظة، كأنها تخشى أن تفضح الكلمات شقف قلبها المتيم به؛ تم أضافت:

هو مش زي الرجالة اللي بتسمع عنهم أو بنشوفهم لا أسر

فيه هيبة وقوة كده يتشدني ليه غصب علي.

رفعت رحيل حاجبيها بدهشة يكسوها القلق ووضعت كوب الشوكولاتة على المنضدة ونظرت

في عيني شقيقتها بثبات وقالت:

حياء يا حبيبتي أنت بتتكلمي عن راجل عنده سبعة وثلاثين سنة أرمل، ولسه بيفكر مراته إلى ماتت وهي بتولد الراجل ده حزين وقلبه مكسور، وحياته منى سهلة، وفرق السن بينكم كبير ده حوالي 16 ولا 17 سنة، وأنت لسه عشرين سنة صغيرة أوي عنه. أنا أختك الكبيرة وقلبي عليك أكثر من أي حد وخايفة تتعلقي بحاجة وهم وبعلاقة ملهاش أي مستقبل ده غير لو بابي أو نداه عرفوا هتبقى كارثة.

اجابت حياء بعينين دامعتين وصوت مكسور

بس إيه الغلط الي أحبه، حتى لو هو مش هيحبني مش من حقي أحلم؟ يمكن أكون مختلفة

يمكن أقدر أرجع له الأمان والحب اللي فقدهم، أنا مش يلعب ولا يتسلى يا رحيل

أنا حاسة بحاجة جوايا يتشدني ليه ويتوجع قلبي في نفس الوقت.

امسکت رحيل يدها برفق وقالت بصوت هذا قليلا:

أنا مش ضد الحب ولا ضد إنك تحبي وتعيشي حلمك بس بلاش تعيشي فيه لوحبك خدي بالك

القلب اللي بتحبيه قلب موجوع ومقفول عليه بمية قفل.

يا حياء أوقات الحلم لوجه في وقت غلط أو مع شخص غلط بيقلب كابوس وخصوصا لو كان

ساد الصمت لوهلة ثم رفعت حياء عينيها بعناد طفولي تكسوه البراءة وقالت:

طيب يعني أعمل إيه أنسى وابعد؟ أنا مش عايزة أسنتى الحب بجيني، أنا عايزة أروح له

و اختاره بنفسي، حتى لو هيتعبني

ابتسمت رحيل ابتسامة حانية وهي تمسح دموع شقيقتها وقالت:

حاولي تكوني نفسك مش بطلة في رواية عايزة تعيشي حياتها. ولو أسر شافك بجد وشاف اللي جوال من غير ما تجري وراه يمكن وقتها يحبك، لكن لو شافك بنجري وراه أو بتحاولي تجذبيه بأي طريقة هيقلق منك ويبعد أكثر.

ضحكت حياء بخفة وقالت:

يعني بلاش أوقع الموبايل ثاني قدامه وأعمل نفسي بجيبه فخيط فيه بالغلط واحدا في النادي ؟

ضحكت رحيل هذه المرة من قلبها وقالت:

بلاش باختی ده ممكن يشوفك واحدة مريبة ويروح يبلغ عنك الأمن.

تعالت ضحكاتهما معا خفت بها وطأة القلب المنقل، وانزاح بها بعض الحيرة التي مزقت حياء بين حلمها الطفولي وواقع رمادي لا يرحم لكن عينيها رغم كل شيء ظلنا معلقتين على صورته الموضوعة على هاتفها وقلبها هناك عند ذاك الرجل الذي سكن خيالها واستولى على نبضها دون أن يدري

بعد مضي لحظات قليلة من خروج رحيل من الغرفة النقطت حياء بأنفها روائح شهية تسللت إلى أعماق حواسها، فأيقظت جوعا خامدًا في أحشائها، حتى تقلصت معدتها رغبة في الطعام. سارت بخطى بطيئة تتبع الرائحة كما لو كانت خيظا حريريا يشدها بلطف، حتى بلغت عتبة المطبخ فأطلت برأسها داخله وحالت بعينيها في الأرجاء. ارتسمت على شفتيها الصغيرتين ابتسامة عريضة وتقدمت بخفة على أطراف أصابعها تتنقل كفراشة بين الأطباق، حتى وقفت أمام الوليمة المعدة وقالت بمرح وهي تنظر إلى كميات الطعام التي تولت الخادمة إعدادها

بإشراف والدتها والتي كانت قد شارفت على الانتهاء منها:

ايه الجمال ده كله هو في ضيوف جايين النهاردة واحدا منعرفش ؟

هزت فريدة رأسها موافقة وقالت بنيرة جادة:

ايوه يا حبيبتي ده ضيف مهم جاي لباباك.

امالت حياه راسها وهي ترفع حاجيبها بمزاح طفولي: ثم قالت:

مهم، وعلى كده بقى الضيف ده وسيم و جذاب ولا راجل كبير وخنشور؟

أطلقت فريدة تنهيدة متعبة وهزت رأسها بيأس من جنان ابنتها واجابتها بجدية صارمة:

بنت عيب الكلام اللي بتقوليه ده لو بابي أو تناه سمعوك وانت بتقولي كده يومك مش هيعدي.

فردت حياء بخوف مصطنع واضعة يديها على صدرها، كأنها تتضرع:

لا وعلى إيه الطيب أحسن، أنا هسكت خالص.

تم تابعت باهتمام وقد علت نبرتها بعض الجدية:

بس برضو يا مامي مقلتيش إيه التجهيزات دي كلها من الصبح هو الضيف ده مهم أوي كده يعني ؟

تركت فريدة قالب الكيك من يدها ومسحت يديها بمنديل ورقي وقالت ببساطة:

أيوه ده المهندس أسر رضوان شريك عز في المشروع الجديد هو اللي هيتغدى معانا وبعدين هيتكلم هو وباياك شوية في الشغل.

ارتفع حاجبا حياء وقد تملكها الاستغراب تم جذبها الإسم في طياته فانتفض قليها بعشق مكبوت، وحماس عامر سرى في وجداتها، لكنها أبعدت الشعور عنها سريعا وقالت بمرح مصطنع وهي تداري ابتسامتها

طيب أنا هروح أوضتي بقى وأجهز عيب جذا نقابل ضيوفنا بالشكل ده.

اومات لها والدتها برضا وقالت ضاحكة:

أيوه يا حبيبتي كلامك صح، وعموماً كل حاجة كده بقيت تمام. يلا روحي خدي شاور الحسن لو

ظهرتي كده للضيف هيبقى شكلك وحش أوي.

رمقتها حياء بعدم فهم لبرهة ثم نظرت إلى المرأه الصغيرة الموضوعة على رخامة المطبخ التتأمل انعكاسها فاتسعت عيناها وفغرت فاها قليلا إذ يدا مظهرها كما لو كانت عائدة من معركة فضحكت باحراج وقالت بمرح:

معلش بقى يا مام ما حضرتك عارفة لما يكون بذاكر مش بنتبه لنفسي خالص.

ثم اقتربت من والدتها تقبل وجنتيها بشغف وتابعت قائلة:

دقايق وأكون جاهزة

وغادرت المكان وهي تقفز كطفئة لا تزال تحمل روح البراءة، بينما تابعتها فريدة بنظرة مختلطة

من الحب والدهشة، ثم تمتمت وهي تضرب كفا بكف:

أنا مش عارفة مين هيرضى بيناتي المجانين دول ؟! بس يا ربي .......

وفي غرفة نومها وقفت حياء أمام المرأه تتأمل ذاتها وتعلو على أطراف أصابعها كراقصة باليه صغيرة، تمتمت بصوت خافت وهي تنظر لنفسها يعين عاشقة:

يا على جمالك وطعمتك يا يويو. ايوه هو ده الكلام.

تم دارت حول نفسها لترى الفستان من كل الجهات بملامحها الناعمة وجسدها الممتلئ بأنوثة هادئة، وبشرتها الفاتحة النقية، وعينيها الواسعتين المعبرتين، وشفتيها الممتلئتين كأنما رسمنا. بفرشاة فنان متقن، أما شعرها البني المموج فقد تركته يتسدل بأناقة فوق كتفيها مصففا بطريقة كلاسيكية تعزز من طلتها الراقية ارتدت حياء فستانا أبيض أنيقا، مكشوف الأكتاف، تزينه تفاصيل الولوية ناعمة على أطراف الأكمام فأضفى عليها لمسة من الرقي والفخامة. وكملت أناقتها بإكسسوارات بسيطة وراقية عبارة عن عقد رقيق وأقراط صغيرة جعلتها تبدو كأميرة من زمن كلاسيكي لا يبهت.

نظرت إلى نفسها نظرة أخيرة ثم طبعت قبلة طائرة على صورتها المنعكسة وقالت بسعادة لا تخلو من الغرور الأنثوي:

والله قمر ثاني هو في كده؟ ده أسر هيتجنن لما يشوفني النهاردة.

وغادرت الغرفة مسرعة تعدو كمن يسابق نبضه استعدادا للقاء المرتقب ... لقاء الحبيب.

دوى صوت جرس الباب فتحركت حياء من مكانها مسرعة بشكل لا إرادي وقبل وصول الخادمة فقد كان قلبها يسبق خطواتها، فتحت الباب فوجدته واقعا بطوله وهيبته، مرتديا بدلة داكنة كعادته، وعيناه تحملان برودة لا تعترف بحرارة العواطف التي تشعر هي بها، نظر إليها الثانية، ثم قال بنيرة رتيبة

مساء الخير عندي معاد دلوقتي مع بشمهندس عز الدين.

بلغت حياء ريقها وابتسمت بخجل:

أيوه اتفضل حضرتك هو في مكتبة وكان منتظرك

دخل بخطاه الهادئة وتقدم نحو الصالون دون أن ينتظر دعوة جلست حياء مقابلة واضعة كفيها في حجرها تحاول كنم خفقات قلبها وتبعد عينيها عن النظر إليه أكثر مما يجب، لكنها فشلت. في تلك الأثناء ذهبت الخادمة مسرعة تخبر والدة حياء بقدوم الصيف. فظهرت فريدة من نهاية العمر أنيقة، وقورة، وابتسامة ترحيب على وجهها.

فريدة وهي تقترب منه

أهلا وسهلا بحضرتك يا بشمهندس نورتنا.

آسر بادب رسمي:

متشکر يا فندم.

التفتت فريدة إلى الخادمة قائلة:

شوفي البشمهندس يحب يشرب ايه مديحة.

نظرت الخادمة إلى أسر وسألته بأطف:

تحب حضرتك تشرب إيه ؟

اسر دون تردد وبنيرة ثابتة:

قهوة سادة لو سمحت.

أومأت الخادمة برأسها وغادرت ثم استأذنت فريدة بلطف حتى تعطي خير العز بوصول اسر وتركت المكان بينما توجه أسر بخطواته الهادئة نحو الصالون وجلس ينتظر عز الدين.

أسر وهو ينظر لها ببرود فقد لاحظ نظراتها له:

عندك كام سنة ؟

تفاجأت بالسؤال المباغت وحدقت فيه للحظة ثم أجابت بصوت خجول عشرين

أوماً برأسه ودون أن ينظر إليها وسألها مره اخرى:

ولسه في الجامعة طبقا ؟

حياء بسعادة لاهتمامه المفاجيء:

أيوه آخر سنة في أدب انجليزي.

سكت لحظة طويلة وقال بنبرة تحمل من اللا مبالاة أكثر مما تحتمل:

البنات في سنك مش المفروض يقعدوا يتكلموا مع رجالة بالشكل ده وخصوصا لو أكبر منهم في

السن بكتير ولا ده معداش عليك.

تحمدت ابتسامتها وانخفضت عينيها إلى الأرض بصدمة، لكنها تماسكت وقالت بصوت خفيض أنا معملتش حاجة غلط، حضرتك ضيف عندنا و....... يعني كنت بس بحاول أكون لطيفة.

ابتسم ابتسامة باهتة وقال وهو يخرج هاتفه:

اللطاقة ساعات بتنفسر غلط خصوصا لو من واحدة في سنك.

أحست بدمائها تتجمد فتلك الجملة لم تكن مجرد جملة عفوية منه بل مقصودة كطعنة ملفحه

بنية ايلامها. ردت حياء بصوت أقرب للهمس:

حضرتك شايفني كده فعلام

رفع عينيه إليها أخيرا وليث ينظر فيها طويلا قبل أن يقول :

أنا ميشوفش. أنا يحكم على التصرف. ودي نصيحة خلي بالك من نفسك وبلاش تسرحي

بخيالك كثير.

وقبل أن تجيب ضمع صوت عز الدين يقترب يناديه وهو يخرج من مكتبة فنهض أسر وقال وهو يستقيله

بلغي مامتك إن القهوة كانت زايده سكر واذا بشربها ساده.

ثم اختفى تاركا حياء في مكانها عيناها تلمعان بمزيج غريب من الألم والخذلان

جلست مكانها لدقائق تحاول أن تفهم هل ما قاله احتقار وتقليل منها أم خوف عليها بالفعل ؟ هل حقا يهتم أم أنه فقط لا يريد أن يأخذ عليه أي فعل خاطي ؟ كانت كلماته قاسية نعم، لكن شيئا ما في نبرته في عينيه، في حضوره الطاغي يجعلها تنجذب أكثر.

حياء وهي تهمس لنفسها وتغمض عينيها :

هو بيصدني بس في حاجة في كلامه صحيحه بتخليني أعشقه أكثر.


تعليقات