رواية الراتل الفصل الثانى 2 بقلم اسماء ايهاب


 رواية الراتل الفصل الثانى بقلم اسماء ايهاب



أوقف داوود السيارة في النقطة المتفق عليها لتسليم شحنة الأسلحة النارية . يتسلل ضوء مصباح السيارة الأمامي يشق ظلمة الصحراء من حوله ، ينتظر أن يأتي الطرف الآخر ، في حين كان شقيقه يتلفت حوله ليرى أي شيء غريب قد يثير ريبته .
انحنى داوود يأخذ سلاحه الناري بحذر من أسفل المقعد بينما عينه تمسح الزوايا ، يحاول أن يأمن غدر أعدائه حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.
التفت برأسه نحو شقيقه الذي يتواصل مع بعض رجالهم متسائلًا :
_ العربية التانية وصلت ؟

أومأ إليه إلياس ، ثم أغلق الهاتف مشيرًا نحو الخلف ، قائلًا :
_ على بعد كام كليو بس من هنا ، اي إشارة مننا هتلاقيهم جنبنا

ليعود داوود لمراقبة الطريقة بعيون تتربص أي خطر ، بينما مال حمزة الذي يجلس بالمقعد الخلفي اتجاههما ، قائلًا بضيق :
_ هو انا مقدر طبعًا التوتر اللي انتم فيه ، بس لية تختروني اجي معاكم و تسيبه عزيز يروح !

صك داوود على أسنانه بغيظ ، و أشار بسبابته بتحذير دون أن يلتفت ، قائلًا :
_ مسمعش نفسك لحد ما نخلص 

التفت إليه إلياس يرمقه بنظرات غاضبة ، ليعود حمزة يجلس بهدوء على مقعده يخرج هاتفه من جيب بنطاله ليبعث بعض الرسائل لزوجته ، حينها .. رأى داوود ضوء مصباح سيارة ياتي اتجاههم ، اعتدل داوود بجلسته وتحفزت كل خلية في جسده ، يلقي بنظرة ذات مغزى نحو شقيقه الذي أومأ إليه بهدوء ، ثم التفت إلياس نحو حمزة الذي ترك الهاتف ينظر باهتمام نحو السيارة التي تتقدم بهدوء نحوهم ، قائلًا بجدية :
_ تعالى معايا يا حمزة ننزل الشنطة من العربية 

أطاعه حمزة ودقات قلبه تتواثب داخل صدره من شدة القلق ، نزل داوود من السيارة بعد أن وضع السلاح بخصره يغطيه بسترته الكلاسيكية السوداء .
وقف في المنتصف بين السيارتين حين تقدم نحوه شاب فارع الطول ضخم الجثمان يمسك بيده حقيبة جلدية سوداء كبيرة ، وقف أمام داوود مباشرةً يرفع الحقيبة أمام عينيه قائلًا بصوت غليظ يليق بهيئته المخيفة :
_ الفلوس يا راتل فين الحاجة ؟

حينها وقف إلياس جوار شقيقه وبيده حقيبة مماثلة الأخرى ، يقول بهدوء :
_ الحاجة موجودة كلها زي ما طلبت بس حمزة هيتأكد من الفلوس قبل ما تستلم 

وبالفعل تقدم حمزة ليأخذ الحقيبة من ذلك الشاب ، لكنه منعه بهجوم يدفعه بكتفه ليبتعد عنه قائلًا :
_ هي جاية معاك بغدر يا داوود و لا اية 

ذلك الهجوم الذي ليس له داعى دفع الشك في قلب داوود نحو نيته ، فتقدم منه يأخذ الحقيبة عنوة دافعًا إياه بعيدًا عنه .
فتح الحقيبة ليجد الأموال بالفعل ترتص بشكل رتيب داخل الحقيبة ، مد يده يأخذ حزمة من الاوراق النقدية يتفحصها ، تغضنت ملامحه حين وجد منتصفها أوراق بيضاء والظاهر منها فقط هي الأموال الحقيقية ، ألقى الحقيبة على الأرض وأخرج سلاحه الناري من خصره يشهره بوجه الآخر ، يهتف بغضب :
_ جاي تلعب علينا يالا !

حين أنحصر الشاب في الزاوية ، خرج آخر كان معه من السيارة يشهر سلاحه يوجه نحو حمزة الذي لم يكن منتبه له ، و علي حين غرة أصاب ذراع حمزة الأيمن بطلق ناري .
صرخ حمزة وتأوه بألم مبرح يغزو ذراعه ، أقترب منه إلياس على الفور يسانده ليبتعد نحو السيارة . أشتدت أعصاب داوود كالوتر وشعر بالغضب يتفاقم داخل صدره ، وبدون تردد أخذ بثأر ابن عمه مصوبًا على كتف المهاجم وساقه ، فسقط الأخير أرضًا يتلوى . 
في اللحظة التالية ، صدح في الفضاء صوت صرخة أنثوية حادة ، مزقت صمت اللحظة ، وجعلت داوود يلتفت نحو مصدر الصوت بحدة .
ألقى ضوء السيارة ظلاله المرتعشة على جسدها المتخشب ، لتظهر وهي تقبض بقوة على حقيبتها المعلقة على كتفها ، تتسلل بخطى بطيئة نحو الطريق العام ، تزامنًا مع وصول السيارة التابعة له . ترك الرجال يتولون لملمة الفوضى من بعده ، وتوجه نحوها بخطوات واسعة سرعان ما تحولت إلى هرولة حين بدأت تركض متعثرة في رمال الصحراء ، تلهث بأنفاس متقطعة من شدة الخوف .
أسرع خلفها حتى اقترب منها وأضواء الطريق العام تكشف عن ملامحها المرتجفة ، فمد يده يجذب خصلات شعرها الغجرية بقسوة ، لتتوقف عن الركض تصرخ بألم قبل أن يدفعها بعنف لتسقط على الأرض . أشهر سلاحه في وجهها ، بينما هي ترفع رأسها ببطء تطلع إلى مهاجمها .
اتسعت عيناها بصدمة وانحسرت أنفاسها داخل صدرها ، لم تستوعب ما تراه وكأنها داخل كابوس مزعج ... رجل أحلامها الوردية يظهر أمامها من جديد شاهرًا سلاحه في وجهها ، يهاجمها لأنها رأته يصيب شخصًا آخر !!
كان يتحدث بلهجة متفجرة بالغضب لكن ذهولها حجب عنها السمع ، فلم تلتقط من كلماته سوى صوته الغاضب يتردد كصدى بعيد .
ظلت شاخصة البصر إليه ودموعها تنساب على وجنتيها دون وعي منها قبل أن يصرخ بها فجأة ، بصوت غليظ دب الرعب في قلبها الذي يخفق بقوة بين جنبات صدرها ، انتفض جسدها بقوة وأهتز صوتها تهمس بتلعثم :
_ كأني مشوفتش حاجة صدقني .. كأني مشوفتش أي حاجة حصلت ، أنا بس .. عايزة أمشي من هنا 

لم تهتز له شعرة تأثرًا بحديثها ، عيناه قاسيتان كصخر أسود ، و سلاحه لا يزال مصوبًا نحوها ، وكأنه مستعد أن يُسكتها إلى الأبد . شهقت بحدة تحاول التقاط أنفاسها قبل أن تردف بصوت مختنق يمتزج به الرجاء :
_ انا هربانة من عشيرتي .. و اكيد مش هسببلك اي خطر لو سبتني أمشي

تحرك عينيه على ثيابها المتعارف عليها ليعلم أنها من منطقة قريبة يتجمع بها الغجر ، أنزل سلاحه ببطء يسأل بحدة :
_ هربانة لية ؟!

ابتلعت ريقها بصعوبة واستندت على كفيها لترفع جسدها المرتجف عن الأرض ، تجيب بصوت راجي حتى يفرج عنها هذا الحصار و يتركها ترحل من هنا في أسرع وقت :
_ هتجوز غصب ، و انا اوهن عليا الموت 

تقلصت ملامحه بألم نابع من داخله ، و تردد صوت نحيب نسائي داخل أذنه بذات الجملة "أهون عليا الموت" 
أدار وجهه عنها ، يركل الرمال بقدمه بغضب مكتوم ، بينما أغمض عينيه بقوة وكأنه يطرد هذه الذكرى من عقله . ثوانٍ استجمع بها شتات نفسه والتفت إليها مجددًا ، باغتها بالامساك بذراعها بقوة يجذبها معه نحو السيارة ، يهتف بصوته الأجش :
_ تعالي 

اوجست في نفسها خيفة مما قد يفعله بها ، فتشبثت بالارض متسائلة بنبرة مليئة بالخوف :
_ فين ؟!

جذبها بقوة أكبر حتى يصل أسرع إلى السيارة قائلًا بنبرة حادة :
_ مش عايزة تهربي ؟ هوديكي أي حتة انتي عايزاها 

انفرجت أسارير وجهها وتبعته طواعية حتى وصلا إلى السيارة ، ليبلغه أحد رجاله أن إلياس أخذ السيارة ليسعف حمزة سريعًا ، وأن الأخرى قادها صديقه ليتصرف مع من تبقى .
أومأ داوود برأسه ثم أشار إليه بالصعود إلى السيارة وتولي القيادة .
فتح باب السيارة الخلفي وأشار إلى رحيل ، فصعدت بسرعة ، و عيناه لا تفارقان الطريق ، ثم جلس هو بالمقعد الأمامي المجاور للسائق ، يأمره أن ينطلق ، ثم التفت إليها يسألها اين تريد أن تذهب ، لكنها صمتت بحيرة لا تعلم اين يمكنها أن تذهب ، فأهلها وكل من تعرف تركتهم خلف ظهرها للتو ،
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تتحدث بنبرة يشوبها الضعف :
_ وديني مكان ما هتروح 

_ انا نازل القاهرة 

قالها بهدوء يتابع عينيها التي تهرب من النظر إليه لا يعلم خشيةً ام خجلًا ، فهزت رأسها سريعًا تقول بموافقة :
_ ماشي ، هروح القاهرة

***********************************
فُتح الباب فصدر صوت صريره القوي يقطع الصمت الموحش داخل المكان ، و دخل ذلك الشاب طويل القامة بخطى متوجسة ، عيناه البنيتان تتفحصان المكان في قلق . الأثاث مبعثر بعضه ملقى أرضًا ، والبعض الآخر محطم يشهد على صراع قوي لم ينتهي على خير .
خفق قلبه بقوة كلما تعثر بالأثاث المتناثر ، و ارتفعت وتيرة أنفاسه بخوف حين لمح وجود أثار دماء تسيل على الأرض ، تمتد إلى الرواق المؤدي للغرف ، تقدم بخطوات مترددة نحو غرفة يتسلل منها ضوء خافت ، ما أن وصل أمام الغرفة حتى تغير لون الإضاءة فجأة إلى حمراء قاتمة ، وظهر أمامه شخص قادم نحوه ، يشهر سكينًا حادًا في وضعية الهجوم .

شهق بحدة وانتفض من مضجعة ، يستيقظ من ذلك الكابوس المروع الذي يراوده كل ليلة على وقع طرقات متتالية على الباب ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومسح بكفه على وجهه المتصبب عرقًا ، و مر ببطء على لحيته الكثة قبل أن تقف عن الفراش متجهًا نحو الباب .
فتح الباب ، ففوجئ بشقيقه الأصغر حمزة يستند على كتف إلياس ، و هيئته بعثت القلق في قلبه بدا حمزة منهكًا وجهه شاحب وثيابه مبعثرة ، ذراعه الأيسر معقود برباط أبيض ملطخ بالدماء ، فيما تمزق القميص عند موضع الجرح .
تجلى القلق الذي ينهش قلبه على ملامحه المقاربة لملامح شقيقه ، و أسرع نحوه يسانده من الطرف الآخر يساعده على الدخول ، يهتف بقلق :
_ اية اللي حصلك يا حمزة ؟ في اية يا إلياس ؟

مدد جسد حمزة على الفراش وجلس إلى جواره ليتفحص جرحه بصفته طبيبًا ، بينما اجابه إلياس بهدوء :
_ متقلقش يا "صهيب" جت سليمة 

التفت إليه "صهيب" ينظر إليه بحدة ، يشير نحو ذراع أخيه المصاب قائلًا :
_ بردو مصممين على القرف دا ، ما تروحوا تبلغه عنهم بقى و خلصونا

ظهر التهكم على وجه إلياس ، و تحرك متجهًا إلى المقعد اقصى الغرفة ليسريح عليه ، قائلًا :
_ و الله لو كان الموضوع بالبساطة دي ، كان زمان كل حاجة اتحلت ، و ان كان على القرف دا يا عم احنا بعدناك عنه يا شيخ صهيب سيبنا احنا نتصرف .

صمت صهيب ولم يجيب عن حديثه إنما سأل عن حالة أخيه ، فأجاب إلياس قائلًا بهدوء :
_ جت طلقة في دراعه و طلعت ، كلمت دكتور تبعنا قابلنا في الطريق و اسعفه و اداله مسكن .. و جيتلك عشان تشوف الجرح بردو و نطمن عليه 

خرج صهيب من الغرفة ليأتي بصندوق الإسعافات الأولية يتفحص جرح شقيقه ، في حين أخرج إلياس الهاتف ليطمئن على داوود ويعلم متى ستأتي .
جلس صهيب إلى جوار شقيقه مجددًا يفك الرباط الملطخ بالدماء ليرى قطب جرحه ويضع آخر جديد ، وحين انهى عمله علق حامل قماشي على رقبة حمزة وضع به ذراعه حتى لا يتحرك . حينها نظر حمزة إلى ذراعه قائلًا بنبرة مرهقة :
_ ما تعملوا ثواب يا بهايم و تكلموا مراتي تقولولها أن ايدي اتكسرت يمكن ترجع البيت 

طرقع أصابع يده السليمة يشير إلى الهاتف بيد إلياس ، قائلًا بحماس :
_ قولها كنت بنقذ قطة وقعت على دراعي اتكسرت ، هي بتحب الحالات الإنسانية دي اوي

نظر إليه إلياس بغيظ قبل أن يضع الهاتف بجيب سترته مجيبًا :
_ تصدق بالله انها في نعمة بعيد عنك 

أشار صهيب بسبابته نحو ساعة الحائط التي تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا ، يهتف بضيق :
_ انت يا بني دماغك رايحة منك ، احنا بقينا الفجر تجيلك فين دلوقتي ، نام يا حمزة الله يهديك .

تأفف حمزة بضيق ، وتسطح على الفراش لكى ينعم ببعض الراحة ، ليقف إلياس عن مقعده يخرج من الغرفة ينتظر أن يمر عليه داوود .

***********************************
كانت شاردة ، تستند برأسها على زجاج السيارة تتذكر حين رأته للمرة الأولى ، كان غائبًا عن الوعي ، ملقى في قلب الصحراء ، ينزف بغزارة من طلق ناري أصاب صدره . بدا وحيدًا متروكًا للموت في ذات المكان الذي أصبحت تجد فيه راحتها لاحقًا .
عاونته مع والدتها ، بكل ما أوتيتا من قوة ، حتى تمكنتا من نقله إلى "دار الريس عمران" طلبًا للعلاج . وهناك تولت هي مهمة مداواته بنفسها ، بما امتلكته من مهارة نادرة في التداوي بالأعشاب ، مهارة ورثتها عن والدها رحمه الله ، وصقلتها بالخبرة والصبر .
وحين استفاق منعتها والدتها من الذهاب إليه ورؤيته ، وتولى بعدها سعدون مهمة استكمال علاجه ، لم يراها ، ولكنه لم يغب يومًا عن بالها وجعل لنفسه مكانّا بقلبها رغم ذلك ... لم تكن تتوقع يومًا أن تلتقي به مجددًا ، كانت تحيا على أحلام تنسجها بعقلها حتى لا تمحى ذكرى قديمة معلقها بروحها ، ففاجئها القدر برؤيته مرة أخرى تختلف عن سابقتها تمامًا ، رأته يطلق عيار ناري بكل برود ليؤذي شخصًا آخر ، تحطمت صورته الملائكية بعقلها ، وامتلئ قلبها رعبًا منه .
أجفلت منتفضة حين داهمها صوته الأجش يقتحم شرودها ، بتساؤل مباغت :
_ وصلنا القاهرة ، تحبي تروحي فين ؟

طال صمتها ، تتأرجح الحيرة بمقلتيها حتى همست بقلة حيلة يتقطر منها الرجاء :
_ مش عارفة .. ينفع ابات في عربيتك لحد الصبح ؟

التفت ينظر إليها بتمعن ونظرات متفحصة ، عيناه السوداوان تجولان على ملامح وجهها ، تستشفان
صدق الرجاء بصوتها المختنق ، تسلط ضوء أبيض على وجهها يبرز حسنها ، وعيناها التي لفتت انتباهه بدت مألوفة له كأنما التقاها سابقًا .
قطب جبينه وضاقت عيناه يمعن النظر في عينيها الواسعتين ، كأنه يضغط على عقله ليتذكر متى رأها من قبل ، حمحم بخشونة يبعد مرمى بصره عن عينيها حين جاء صوتها المرتبك بسبب نظراته الغريبة بالنسبة لها :
_ ينفع ؟

_ ملكيش حد في القاهرة خالص ؟

سأل بنبرة هادئة ، لتنفي برأسها قائلة بصوت خافت يظهر ضعفها في تلك اللحظة :
_ لا ، هو بس الشمس تطلع و انا هشوف مكان .

صمت هنيهة يفكر في أمر تواجدها دون مأوى ، ثم التفت يعتدل بجلسته على المقعد ، متحدثًا بهدوء :
_ هوديكي تقعدي مع واحدة قريبتي عايشة مع أمها ، أمان متخافيش 

انفرجت أسارير وجهها وارتسمت على ثغرها ابتسامة سعيدة ، تهمس له شاكرة على موقفه النبيل معها ، في حين أشار إلى السائق على الطريق يملي عليه العنوان .
بعد أكثر من نصف ساعة توقفت سيارة داوود أمام منزل يبدو أنه حديث البناء مكون من طابقين ، رن الجرس الخارجي ، والتفت ليراها تقف جوار السيارة لم تتحرك ، تقبض على حقيبتها بقوة كأنها تحتمي بها من أي خطر قد يحدث في تلك اللحظة ، في النهاية وجدته ليس بالبراءة التي رسمتها في ذهنها له لمدة عام ، و يجب عليها توخي الحذر منه .
فتحت كنزي الباب يظهر على وجهها النعاس ، ولكن حين وجدت داوود أمامها ، اختفى النعاس ورمقته بقلق ، تسأل بتوتر :
_ خير يا داوود ، حمزة جراله حاجة ؟

لم يخبرها بما أصاب زوجها حتى لا تفزع ، لينفي برأسه مشيرًا إلى رحيل التي تقف بعيد تنظر إليهما بارتباك :
_ أهدي مفيش حاجة ، انا بس جاي اسيب البنت دي عندك الليلة دي ملهاش حد في القاهرة ، تمام و لا في مشكلة 

ألقت كنزي نظرة على رحيل متعجبة من طبيعة ملابسها الغجرية ، ثم نظرت من جديد نحو داوود ، قائلة بهدوء :
_ مفيش مشكلة نادي عليها .. بس هو انت تعرفها منين شكلها مش من هنا ؟

لم يجيبها داوود إنما تركها مقتربًا من رحيل ، وقف أمامها يشير نحو كنزي ، متحدثًا بهدوء :
_ كنزي هتستقبلك في بيتها ، متتكلميش معاها في اي حاجة حصلت في الفيوم ، تمام ؟

أومأت بإيجاب على الفور ، تهمس :
_ أطمن كأنك مكنتش في الفيوم اصلًا ، كفاية انك ساعدتني 

توجهت بعد حديثها نحو كنزي التي رحبت بها بابتسامة لطيفة بعثت في قلبها الراحة والاطمئنان ، وتوجه هو إلى السيارة ليصل إلى وجهته .

طرق داوود باب الشقة قبل أن يفتح له إلياس ، أفسح له الطريق للدخول في حين تحدث داوود وعيناه تجولان بالأرجاء بحثًا عن ابن عمه :
_ حمزة عامل اية ؟

أشار إلياس نحو الغرفة المغلقة جواره ، قائلًا بهدوء :
_ تمام ، الحمد لله جت سليمة و عدت على خير 

فتح داوود باب الغرفة ، فوجد حمزة يغط في النوم بسلام وإلى جوار الفراش يجلس صهيب اتجاه القبلة ويمسك بالمصحف الشريف يقرأ القرآن بصوت هادئ ، ليغلق الباب مجددًا حين تحدث شقيقه متسائلًا عما حدث معه بعد رحيله مع حمزة :
_ انت احكيلي اية اللي حصل ؟

تنهد داوود بعمق ، وجلس على الأريكة يتكأ بظهره إلى الخلف ، ثم بدأ بسرد ما حدث منذ أن ركض خلف تلك الفتاة حتى الآن .
اتسعت أعين إلياس بدهشة ، متعجبًا من تصرف أخيه اتجاه الفتاة التي لا يعلم عنها شيئًا لذا هتف بضيق :
_ انت ازاي تصدقها بسهولة كدا !! و هو انت فاكر كل البنات "دهب" يا داوود ؟

عند سماع داوود هذا الأسم احتد فكه بغضب ، وقبض على كف يده حين لاحت أمامه ذكرى سوداوية لن تزول عن عقله ابدًا ، ذكرى مشؤومة قلبت حياته رأسًا على عقب ، حفرت داخل عقله بالدم ... حمحم بخشونة يحاول استعادة رباطة جأشه ، ثم تحدث بهدوء :
_ البت فعلًا هربانة و ملهاش حد هنا ودتها عند كنزي 

أنفعل إلياس وهب واقفًا من مقعده ، يهتف بغضب :
_ ممكن تكون اصلًا كدابة و لا سارقة منهم حاجة و هربانة بيها !

أشهر إلياس سبابته أمام وجه أخيه ، واردف بغيظ :
_ متخليش اللي حصل لدهب يأثر عليك بالشكل دا ، مش كل البنات زي دهب .

تفاقم الغضب داخل داوود ، وازدادت عيناه قتامة ، يصر شقيقه على التوغل داخل حادث قديم يحضر الآلام إلى صدره كخناجر مسمومة لا نجاة منها ، وقف أمامه مباشرةً ينظر إليه بنظرات غاضبة ، يهتف بنبرة حادة :
_ كفاية يا إلياس ، موضوع دهب حاجة تانية و انت عارف .

دس داوود كفيه بجيب بنطاله ، يردف بنبرة يشوبها الحسرة :
_ و لو شايف اني ساعدتها عشان متبقاش زي دهب ، فانا هساعد اي بنت تهرب من جوازة غصب و ميبقاش مصيرها يشبه مصير دهب في النهاية 

تبددت ملامح الحدة عن وجه إلياس وحل محلها الحزن الشديد ، وأخذ يلوم نفسه على حديثه الذي يعلم أنه يضغط على جرح أخيه الذي لم يندمل بعد ، كاد يعتذر منه إلا أنه وجده يتوجه إلى المرحاض بخطى سريعة ، يحاول أن يختفي بحزنه بعيد عن الأنظار ، وكأن إظهار حزنه سيسبب له المزيد من الألم .

***********************************
فتحت عيناها البندقيتان حين اخترق نومها الهادئ صوت صياح عالي اعتادت عليه ، لكنه اليوم بدا أكثر شراسة ، زفرت بضيق شديد يعتصر صدرها ، وجلست ببطء على طرف الفراش حتى تستفيق ، مررت راحتي يدها على وجهها تطرد بقايا النوم ، ثم ارتفعت يدها ترتب خصلات شعرها المجعدة .
وقعت عيناها على الحذاء الطبي الأسود الخاص بها ، لتتسلل تلك الغصة المريرة إلى حلقها كلما رأت الحذاء الذي يذكرها بعجزها ، كانت ارادة الله أن تولد ولديها ساق أطول من الأخرى ، ليكون هذا الحذاء الطبي مرافقًا لها في كل مراحل حياتها .
عاد الصوت الغليظ يخترق مسامعها أشد وقعًا وأكثر قسوة ، جعلها تتعجل وترتدي حذائها سريعًا ، اندفعت بجسدها النحيف إلى الخارج ، و عرجتها تكشف ما تكنه داخل قلبه ولا تستطع البوح به .
وقفت على أعتاب الغرفة تراقب بعينين متعبتين ، متخمتين بالحزن ، مشهد والدها الذي يصرخ بغضب بوجه أخيها الأصغر موبخًا إياه :
_ تاكل رغفين لوحدك لية ؟ محدش عايش معاك ؟

اغرورقت عيناها بالدموع حين دفع والدها شقيقها إلى الخلف بعنف ، هذا المشهد اعتادت تكراره باستمرار ، كان والدهما يبخل عليهما حتى بالخبز ، ويبحث ورائهما في كل ما يأكلان او يدخران من مال ، حتى صار المنزل بالنسبة لهما سجنًا ، قضبانه من فولاذ يتمنى كلًا منهما الهروب منه بأي وقت .
تقدمت بخطوات متعجلة اتجاه شقيقها ، واحتضنت كتفه بحنو ، تهمس بصوت مختنق :
_ خلاص يا بابا ، حقك عليا ، اعتبر اني انا كمان فطرت .

ظهر التهكم جليًا على ملامح وجهه القاسية ، وهتف بغضب :
_ اه ، و تروحي بقى تاكلي مع زملاتك في الشغل و تضيعي المرتب مش كدا ؟

انسابت دموعها على وجنتيها ، و نفت برأسها مرارًا ، قبل أن تتحدث بهدوء :
_ و مش هجيب أكل مع اصحابي في الشغل اطمن ، المرتب هديهولك كامل .

رمقها بغيظ وتركها مغادرًا الردهة ، بينما التفتت هي إلى أخيها ، تمرر يدها على لحيته النامية برفق ، و تهمس في محاولة للتهوين عنه :
_ متزعلش يا عمر ، انت اكيد اتعودت ، فكبر دماغك .

تنهد "عمر" بقوة يستند برأسه على رأس شقيقته ، متحدثًا بضجر :
_ و الله العظيم انا تعبت يا "مايان"

ضمت "مايان" شفتيها تكبح شهقتها من الخروج ، بينما دموعها تنساب بغزارة على وجنتيها ، ليرفع عمر رأسه يقبل جبهتها بحب جعلها تبتسم تمرر يدها على كتفيه ، قائلة بهدوء :
_ استهدي بالله كدا و روح غير هدومك عشان تروح شغلك

أومأ إليه ، وانحنى يهمس بجوار أذنها :
_ هعدي عليكي الضهر في الشغل و اجبلك معايا فطار ملوكي بس اما اخد القبض 

ضحكت بخفة ، وأشارت إليه أن يذهب لتغيير ملابسها ، قائلة بصوت خافت :
_ طب يلا غير و تعالي وصلني المحل الأول 

توجه عمر إلى غرفته ليستعد إلى خروجه إلى عمله حيث يعمل كمساعد في ورشة لإصلاح السيارات ، حينها ... ارتجفت شفتاها بقهر بعد موت والدتها ومن بعدها خالها ، انقلبت حياتها وحياة شقيقها رأسًا على عقب وأصبحت تشبه الجحيم ، حاصرتها الألم من جميع الاتجاهات وحجود والدها كان سببًا رئيسيًا بتلك الآلام .

***********************************
استيقظت والدة رحيل قبل موعد استيقاظها المعتاد ، لتحضر نفسها وابنتها للزفاف اليوم ، ضاربة بحديث ابنتها عما فعل سعدون عرض الحائط ، مكتفية بنسب الريس عمران "كبير الغجر" بعشيرتها ، لملمت خصلات شعرها التي تشبه خصلات ابنتها وخرجت من غرفتها إلى غرفة ابنتها لتبدأ بالتجهيزات للزفاف .
لطمت خديها حين لم تجد رحيل بالغرفة وكأن الفراش لم يُمس حتى ، ابتلعت ريقها بصعوبة وتوجهت إلى المرحاض لعلها تجدها ، ولكن كان المرحاض فارغًا .
شهقت بفزع واضعة كفيها على رأسها ، تنعي حظها العاثر ، وتلك الورطة التي وضعتها وحيدتها فيها ، توجهت سريعًا نحو غرفتها لتغير ملابسها وتذهب إلى مجلس الريس عمران تبلغه بما حدث .

وقفت أمام دار الريس عمران ، ودقات قلبها تتواثب داخل صدرها بقلق بالغ ، وقبل أن تدق الباب الخشبي كان يفتح سعدون الباب يخرج بملامح واجمة ، تلعثمت بارتباك قبل أن تهمس بهدوء :
_ كويس اني لقيتك 

قاطعها حين أمسك بذراعها يُبعدها عن الباب ، يهمس من بين أسنانه المطبقة بغضب :
_ عارف انها هربت 

_ لازم نبلغ الريس عمران 

نفى برأسه وجذبها بعيدًا حتى لا يستمع إليهما أحد :
_ مش هنبلغ حد بحاجة لحد ما الاقيها 

نظرت إليه بضيق قبل أن تزفر بقوة ، متسائلة :
_ و هتلاقيها فين بس ؟ 

نظر سعدون حوله يراقب بعض الجيران التي ترمقه بنظرات ساخطة تكاد تحرقه ، ليصك على أسنانه بغضب قد اشتعل داخله أكثر اتجاه رحيل ، هامسًا بانفعال :
_ هقلب الدنيا عليها و هلاقيها يا ست "جليلة"

نظرت إليه "جليلة" بحيرة ، تساءلت بقلق :
_ طب و هنعمل اية في الفرح ؟

وضع يده على رأسه يداعب بأنامله خصلات شعره التي تكاد تنبت برأسه ، وصمت يفكر في حل لتلك المعضلة ، حتى اهتدى أن يقول :
_ هنقول لكل العشيرة ان رحيل تعبانة و انا اخدتها تتعالج في مستشفي .

ابتسم برضا حين استحسن هذه الفكرة ، ليشير إليها أن ترحل إلى منزلها ، ثم همس مؤكدًا :
_ روحي انتي بيتك و انا جاي وراكي .
تعليقات